هل كلّ مسلمٍ مؤمن؟ وهل كان أتباع موسى وعيسى عليهما السلام «مسلمين»؟ ولماذا ينادي القرآنُ أتباعَ محمد ﷺ «يا أيّها الذين آمنوا» ولا يناديهم «يا أيّها المسلمون» مرّةً واحدة؟ تقرأ هذه الدراسة الكلمتين في القرآن كلّه، آيةً آيةً وفي سياقها، لتختبر فكرةً محدّدة عن الفرق بينهما.
الخلاصة في دقيقتين
الفكرة التي تختبرها الدراسة تقول: المؤمن هو من صدّق بالله وبالرسالة التي جاءه بها نبيّ، والإسلام هو الدين الذي كان عليه الأنبياء جميعاً، لا اسمٌ لأتباع محمد ﷺ وحدهم. والنتيجة باختصار: الفكرة صحيحةٌ في جوهرها، والقرآن نفسه يضيف إليها ثلاثة قيود.
ما يظهر من القرآن:
- الإيمان تصديقٌ بما جاء من الله. حين يذكر القرآن ما يُؤمَن به، يذكر في الغالب الله أو رسله أو ما أنزل عليهم. والرسالة، أي الرسول أو الوحي أو الآيات، أكثر ذلك حضوراً: في 106 مواضع من 179.
- الإيمان جوابٌ على رسول. في قصص الأنبياء يأتي الإيمان ردّاً على نبيٍّ بعينه وعلى ما جاء به، كقول أتباع صالح: ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف 75).
- الإسلام لله وحده. لا يقول القرآن قطّ «أسلم لرسول» أو «أسلم لكتاب». الإسلام فيه تسليم النفس كلّها لله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة 131).
- الإسلام دين الأنبياء جميعاً. وُصف به نوح وإبراهيم ويعقوب ويوسف وموسى وسليمان وحواريّو عيسى، وقيل في إبراهيم: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ (آل عمران 67).
- نداءٌ بالإيمان، واسمٌ بالإسلام. نودي أتباع محمد ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ 89 مرّة، ولم يُنادَوا «يا أيّها المسلمون» قطّ؛ لكنّهم سُمّوا «المسلمين» باسمٍ موروث من ملّة إبراهيم: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَٰذَا﴾ (الحج 78).
- الكلمتان تفترقان وتلتقيان. قد يُثبت الإسلام ويُنفى الإيمان عن قومٍ واحد، كما في قوله للأعراب ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (الحجرات 14). وقد تجتمعان في الجماعة الواحدة، فأهل لوط «مؤمنون» في آية و«مسلمون» في التي بعدها (الذاريات 35–36).
والقيود الثلاثة:
- «غالباً» لا «دائماً». يأتي الإيمان في سياق الرسالة في أكثر المواضع لا في كلّها. وأركانه في القرآن خمسة: الله، والملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر (البقرة 177).
- العمل الصالح رفيق الإيمان، لا ممّا يُصدَّق به. يصدّق المؤمن بالله ورسله ثم يعمل. والعمل شرطٌ لنفع الإيمان وبرهانٌ على صدقه، لكنّه ليس خبراً يُصدَّق.
- للإسلام معنيان ودرجات. معناه العامّ دين الأنبياء جميعاً، ومعناه الخاصّ الدخول في دعوة محمد ﷺ. وعموم الإسلام لا يعني أنّ من بلغته رسالة محمد ﷺ واضحةً صحيحة يسعه أن يردّها؛ فالإسلام نفسه، كما تعرّفه آيات آل عمران 84–85، إيمانٌ بالرسل جميعاً دون تفريق.
وللفكرة سلفٌ عند علماء كبار، كالراغب الأصفهانيّ وابن تيمية، وأقرب المعاصرين إليها محمد شحرور، مع فروقٍ تُبيَّن في موضعها.
محتويات الدراسة
- الفكرة، ولماذا تستحقّ الاختبار
- كلمات تحتاج إلى شرح
- كيف جرى البحث؟
- الكلمتان بالأرقام
- ماذا تقول اللغة؟
- الإيمان: بماذا يؤمن المؤمن؟
- أين العمل الصالح؟
- الإسلام: لِمَن يُسلم المسلم؟
- الإسلام دين الأنبياء جميعاً
- حين تجتمع الكلمتان
- «قولوا أسلمنا»: قصّة الأعراب
- لماذا يُنادى المسلمون «يا أيّها الذين آمنوا»؟
- أهل الكتاب: مسلمون أم مؤمنون؟
- ماذا قال العلماء؟
- اعتراضات وأجوبة
- الحكم على الفكرة
- أسئلة للنقاش
- ملحق 1: آيات الإسلام الخمس والستون بحسب موضوعها
- ملحق 2: ما يُؤمَن به في القرآن موضعاً موضعاً
- ملحق 3: ملاحظات على المنهج والتوثيق
- المصادر
الفكرة، ولماذا تستحقّ الاختبار
يستعمل الناس اليوم كلمة «مسلم» اسماً لكلّ من يتّبع محمداً ﷺ، ويستعملون كلمة «مؤمن» درجةً أعلى منه، فيقولون: كلّ مؤمنٍ مسلم، وليس كلّ مسلمٍ مؤمناً. ولهذه القسمة أصلٌ في حديث جبريل المشهور وفي آية الحجرات 14، وسيأتي الكلام عليهما.
وفي مقابلها فكرةٌ أخرى تقترح قسمةً مختلفة، وهي التي تختبرها هذه الدراسة كما صاغها صاحبها:
- في الإيمان: المؤمن هو الذي آمن بالله وبالنبوّة أو الرسالة، والإيمان يأتي دائماً في هذا السياق، وأركانه: الإيمان بالله، وبرسالة نبيّه، وباليوم الآخر، والعمل الصالح.
- في الإسلام: الإسلام هو ما كان عليه الأنبياء جميعاً من قبل، وليس محصوراً في دين النبيّ محمد بن عبد الله ﷺ.
لماذا يهمّ هذا السؤال؟
- لأنّه يغيّر فهم آياتٍ كثيرة. فحين يقول القرآن ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران 19)، هل «الإسلام» هنا اسمٌ لدين محمد ﷺ وحده، أم لدين الأنبياء كلّهم؟
- ولأنّه يمسّ النظرة إلى أتباع الأنبياء السابقين، وإلى أهل الكتاب اليوم.
- ولأنّ الخلط بين الكلمتين قديم، وقد اختلف فيه العلماء أنفسهم، كما سيظهر في قسم «ماذا قال العلماء؟».
وتجيب الدراسة عن خمسة أسئلة، وتطلب الجواب من نصّ القرآن نفسه:
- بماذا يؤمن المؤمن حين يذكر القرآن ما يُؤمَن به؟ وهل يأتي ذلك دائماً في سياق الله ورسالته؟
- ما أركان الإيمان كما تعدّها الآيات؟ وأين يقع العمل الصالح منها؟
- لِمَن يكون الإسلام؟ ومن وُصف به في القرآن؟ وهل هو اسمٌ لدين محمد ﷺ وحده؟
- كيف يستعمل القرآن الكلمتين حين تجتمعان في موضعٍ واحد؟
- ما الذي يترتّب على ذلك في علاقة المسلمين بأهل الكتاب؟
كلمات تحتاج إلى شرح
هذه الكلمات تتكرّر في الدراسة، وهذا معناها فيها:
| الكلمة | معناها في هذه الدراسة |
|---|---|
| الإيمان | التصديق مع الثقة والاطمئنان. «آمن به»: صدّق بالشيء ووثق به، و«آمن له»: صدّق كلام شخصٍ واطمأنّ إليه. |
| الإسلام | الانقياد وترك العناد. «أسلم لله» و«أسلم وجهه لله»: سلّم نفسه كلّها لله وحده. |
| ما يُؤمَن به | الشيء الذي يتّجه إليه الإيمان، ويأتي غالباً بعد حرف الباء: آمن بـالله، آمن بـما أُنزل. ويسمّيه أهل اللغة «المتعلَّق». |
| الدين | الطاعة والخضوع، وما يلتزمه الإنسان ويدين به. |
| الملّة | الطريقة الموروثة عن نبيّ، وأشهرها في القرآن «ملّة إبراهيم». |
| الشريعة | تفاصيل الأحكام التي جاء بها رسولٌ بعينه، وهي تختلف من رسولٍ إلى رسول. |
| الحنيف | المائل عن الشرك إلى التوحيد. وهو وصف إبراهيم في القرآن، ويقترن فيه بكلمة «مسلم». |
| السياق | الكلام المحيط بالآية، أي ما قبلها وما بعدها. وحدّه في الإحصاء آيتان قبل الآية وآيتان بعدها. |
| المكّيّ والمدنيّ | السور التي نزلت قبل الهجرة إلى المدينة وبعدها، بحسب تصنيف المصحف المتداول: 28 سورة مدنيّة، وفي ستٍّ منها خلاف. |
| أهل الكتاب | اليهود والنصارى في خطاب القرآن. |
| الإسلام العامّ والخاصّ | تعبيران لابن تيمية: الأوّل دين الأنبياء جميعاً، والثاني الشريعة التي بُعث بها محمد ﷺ. |
| الحصر الكامل | جمع كلّ مواضع الكلمة في القرآن وعدّها، دون انتقاء. |
كيف جرى البحث؟
لم تبدأ الدراسة بنتيجةٍ ثم تبحث لها عن شواهد. بدأت بجمع كلّ موضعٍ وردت فيه الكلمتان، ثم قرأت كلّ موضعٍ في سياقه. وهذه خطواتها:
- الحصر الكامل. جُمعت كلّ مواضع «آمَنَ ويؤمن ومؤمن وإيمان» وكلّ مواضع «أسلَمَ ويُسلم ومسلم وإسلام» من قاعدة بياناتٍ لغويّة للقرآن (Quranic Arabic Corpus) تحلّل كلّ كلمةٍ إلى جذرها ووزنها. ولم تدخل في العدّ كلمات مثل «أَمِنَ» و«الأمن» و«الأمانة»، ولا «السلام» و«السِّلم»، لأنّ معانيها مختلفة.
- مراجعة ما يُؤمَن به موضعاً موضعاً. كلّ موضعٍ ذُكر فيه ما يُؤمَن به قُرئ بنفسه وصُنّف: إيمانٌ بالله، أم برسول، أم بكتاب، أم باليوم الآخر، أم بباطل؟ وأُبعد ما يشبه ذلك في الظاهر وليس منه، مثل ﴿قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ (المائدة 41)، فالباء هنا للأداة: قالوها بأفواههم.
- تصنيف آيات الإسلام بحسب موضوعها. قُسّمت آيات الإسلام الخمس والستون بحسب القصّة أو الحوار الذي ترد فيه: قصص الأنبياء، أو الحوار مع أهل الكتاب، أو خطاب المؤمنين، وغير ذلك (الملحق 1).
- القراءة في السياق. لم يُحكم على كلمةٍ وهي معزولة عن موضعها؛ قُرئت الآيات المهمّة مع ما قبلها وما بعدها.
- الرجوع إلى العلماء. نُقلت أقوال المفسّرين والمحدّثين من النصوص الرقميّة لكتبهم، مع الجزء والصفحة، وطوبق كلّ نقلٍ على أصله.
- الاعتراضات قبل الحكم. عُرضت أقوى الاعتراضات على الفكرة، ثم وُزن كلّ شقٍّ منها على حدة.
لماذا العدّ؟ قد يبدو العدّ أمراً جافّاً، لكنّه يحمي القارئ من الانتقاء. فمن أراد إثبات فكرةٍ يجد لها دائماً آيةً أو آيتين، أمّا الحصر الكامل فيكشف الغالب والنادر، ويُظهر المواضع التي تخالف الفكرة كما يُظهر المواضع التي توافقها.
ودقّة النقل: كلّ آيةٍ في الدراسة منقولةٌ من نصّ المصحف برواية حفص، ومطابَقةٌ عليه آلياً حرفاً حرفاً، وكلّ إحالةٍ إلى سورةٍ وآية مفحوصة. وتفاصيل ذلك في الملحق 3.
الكلمتان بالأرقام
أوّل ما يلفت النظر أنّ كلمات الإيمان في القرآن أكثر بكثير من كلمات الإسلام:
| المقياس | كلمات الإيمان (آمَنَ، يؤمن، مؤمن، إيمان…) | كلمات الإسلام (أسلَمَ، يُسلم، مسلم، إسلام…) |
|---|---|---|
| عدد المواضع | 812 | 72 |
| عدد الآيات | 668 | 65 |
| منها بصيغة الفعل | 537 | 22 |
| منها بصيغة الوصف (مؤمن ومؤمنة، مسلم ومسلمة) | 230 | 42 |
| منها بصيغة المصدر (إيمان، إسلام) | 45 | 8 |
أي إنّ كلمات الإيمان أكثر من كلمات الإسلام بنحو إحدى عشرة مرّة. الإيمان هو اللغة الغالبة في القرآن، والإسلام قليلٌ مركّز، يظهر في مواضع بعينها سيأتي بيانها.
بين مكّة والمدينة
نزلت السور المكّيّة قبل الهجرة، وأكثر موضوعها التوحيد وقصص الأنبياء السابقين، ونزلت السور المدنيّة بعدها، حين صارت للمسلمين جماعةٌ وأحكام. والسور المدنيّة أقلّ كلماتٍ من المكّيّة، فالمقارنة العادلة بينهما بالنسبة لا بالعدد وحده:
| المقياس | السور المكّيّة | السور المدنيّة |
|---|---|---|
| كلمات الإيمان | 333 | 479 |
| كلمات الإيمان في كلّ عشرة آلاف كلمة | نحو 70 | نحو 160 |
| كلمات الإسلام | 37 | 35 |
| كلمات الإسلام في كلّ عشرة آلاف كلمة | نحو 8 | نحو 12 |
| وصف «مؤمن» و«مؤمنة» | 80 | 150 |
| وصف «مسلم» و«مسلمة» | 26 | 16 |
فكثافة الإيمان في السور المدنيّة أكثر من ضعفها في المكّيّة، أمّا الإسلام فيزيد قليلاً. ووصف «مسلم» أكثر في المكّيّ، حيث قصص الأنبياء، ووصف «مؤمن» أكثر في المدنيّ، حيث جماعة النبيّ ﷺ وأحكامها.
عباراتٌ تتكرّر
| العبارة | كم مرّة؟ | أين؟ |
|---|---|---|
| ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ | 89 | كلّها في السور المدنيّة |
| «يا أيّها المسلمون» أو «يا أيّها الذين أسلموا» | ولا مرّة | — |
| ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ | 50 | في المكّيّ والمدنيّ |
| «آمن بالله واليوم الآخر» وما في معناها | 22 آية | كلّها مدنيّة |
| «أسلم وجهه» | 4 | البقرة 112، آل عمران 20، النساء 125، لقمان 22 |
ما لا يرد في القرآن أبداً
- نداء الجماعة باسم الإسلام: لا «يا أيّها المسلمون» ولا «يا أيّها الذين أسلموا».
- «أسلم» لرسولٍ أو لكتاب: كلّ من يُذكر أنّه يُسلَم له في القرآن هو الله.
- إسلامٌ «يزيد»: أمّا الإيمان فيزيد في ستّ آيات، منها ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (الأنفال 2) و﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (الفتح 4).
- إيمانٌ يُسمّى «ديناً»: أمّا الإسلام فهو «الدين» في ثلاث آيات، منها ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران 19).
- إسلامٌ يدخل القلب: الإيمان هو الذي يُنسب إلى القلب، كقوله ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (الحجرات 14)، أمّا الإسلام فيُشرح له الصدر: ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ (الأنعام 125).
- «القدر» في قائمة ما يُؤمَن به: أتمّ قائمةٍ في القرآن خمسة أركان: الله، والملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر (البقرة 177، النساء 136).
وكلّ واحدةٍ من هذه الملاحظات تعود في موضعها من الدراسة.
ماذا تقول اللغة؟
قبل الآيات، تفيد معرفة أصل الكلمتين في العربيّة، لأنّ القرآن يحافظ على هذا الأصل.
الإيمان من الأمن. أصل المادّة (أ م ن) الأمان وسكون القلب، ومنه التصديق. قال ابن فارس، وهو من كبار علماء اللغة: «الهمزة والميم والنون أصلان متقاربان: أحدهما الأمانة التي هي ضد الخيانة، ومعناها سكون القلب، والآخر التصديق. والمعنيان كما قلنا متدانيان» (مقاييس اللغة 1/133). فالمؤمن يصدّق، ويطمئنّ قلبه إلى ما صدّق به.
الإسلام من السلامة. أصل المادّة (س ل م) السلامة والعافية، ومنه الانقياد. قال ابن فارس: «ومن الباب أيضا الإسلام، وهو الانقياد؛ لأنه يسلم من الإباء والامتناع» (3/90). فالمسلم من ترك العناد وسلّم نفسه.
وجمع الغزاليّ الفرق في جملةٍ قصيرة: «فإذن كل تصديق تسليم وليس كل تسليم تصديقا» (إحياء علوم الدين 1/116). فالمصدِّق قد انقاد لما صدّق به، أمّا المنقاد فقد ينقاد بلا تصديق.
مثالٌ يوضّح المعاني. حين يخبرك شخصٌ تثق به بخبر، فأنت «تؤمن له»: تصدّقه وتطمئنّ إلى كلامه. وحين تصدّق الخبر نفسه، فأنت «تؤمن به». أمّا حين تضع أمرك كلّه في يد أحدٍ وتنقاد له، فأنت «تُسلم له». والقرآن يستعمل الأفعال بهذه المعاني:
| العبارة | معناها | مثالها من القرآن |
|---|---|---|
| آمن بـ | صدّق بشيءٍ ووثق به | ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ (البقرة 285) |
| آمن لـ | صدّق شخصاً واطمأنّ إلى كلامه | ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ (العنكبوت 26)، أي صدّق إبراهيم |
| آمَنَه (دون حرف) | جعله في أمان | ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (قريش 4) |
| أسلم لـ | سلّم نفسه لمن أسلم له | ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة 131) |
| أسلم وجهه لـ أو إلى | سلّم ذاته كلّها | ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ (لقمان 22) |
| أسلم (وحدها) | دخل في السِّلم وانقاد | ﴿وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (الحجرات 14) |
وأوضح آيةٍ في الفرق بين «آمن به» و«آمن له» قوله في النبيّ ﷺ: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة 61)، أي يصدّق بالله، ويصدّق المؤمنين فيما يخبرونه به. وقد جاءت «آمن له» في القرآن 21 مرّة: 16 منها لرسول، كقول قوم نوح له ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ (الشعراء 111)، والباقي لغير الرسل، كقول إخوة يوسف لأبيهم ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ (يوسف 17)، أي: لن تصدّقنا ولو صدقنا.
ويحفظ القرآن صلة الكلمتين بأصلهما: فالإيمان يثمر الأمن ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ (الأنعام 82)، والإسلام من باب السِّلم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ (البقرة 208). ومن أسماء الله الحسنى اسمان من المادّتين متجاوران في آيةٍ واحدة: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ (الحشر 23).
خلاصة القسم: للإيمان سؤال: بماذا؟ أي ما الخبر الذي يُصدَّق، ومن الذي يُوثق بكلامه. وللإسلام سؤالٌ آخر: لِمَن؟ أي لمن تُسلَّم النفس. وعلى هذين السؤالين يقوم القسمان التاليان.
الإيمان: بماذا يؤمن المؤمن؟
حين يذكر القرآن ما يُؤمَن به، ماذا يذكر؟ هذا سؤالٌ يُجاب عنه بالعدّ لا بالانطباع.
ما يُؤمَن به صراحةً
ذُكر ما يُؤمَن به بلفظه في 198 موضعاً. منها 179 موضعاً إيمانها بحقّ: بالله، أو برسله، أو بما أنزل، أو باليوم الآخر، أو بالملائكة، أو بالغيب. والباقي 19 موضعاً: ستّة إيمانٌ بباطل كالطاغوت، وخمسة ثقةٌ بأشخاصٍ ليسوا رسلاً، وثمانية يُشار فيها إلى ما يُؤمَن به بضميرٍ أو عبارةٍ غير صريحة (الملحق 2). والشكل الآتي يوزّع المواضع الـ179، وكلّ موضعٍ فيه معدودٌ مرّةً واحدة بحسب ما اجتمع فيه:
الرسالة أكثر ما يتّجه إليه الإيمان
ما يُؤمَن به في 179 موضعاً صريحاً، وكلّ موضعٍ معدودٌ مرّةً واحدة بحسب ما اجتمع فيه
| الرسالة وحدها | ||
|
||
| الله وحده | ||
|
||
| الله والرسالة | ||
|
||
| الله واليوم الآخر | ||
|
||
| اليوم الآخر وحده | ||
|
||
| الأركان مجتمعة | ||
|
||
| الغيب | ||
|
باللون الداكن ما تحضر فيه الرسالة، أي رسولٌ أو وحيٌ أو آيات: 106 موضعاً من 179. والتفصيل في الملحق 2.
وطريقة قراءة الشكل: الرسالة، رسولاً كانت أو وحياً أو آيات، حاضرةٌ في 106 مواضع من 179، أي في ستّة مواضع من كلّ عشرة تقريباً. وإذا أُضيف إليها ما ذُكر فيه الله وحده أو مع اليوم الآخر، صار الإيمان بالله أو برسالته 162 موضعاً من 179، أي تسعة من كلّ عشرة تقريباً. ولا يبقى خارجهما إلا الإيمان باليوم الآخر وحده (16 موضعاً، أكثرها في ذمّ ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾)، والإيمان بالغيب (البقرة 3).
الإيمان جوابٌ على رسول
في قصص الأنبياء لا يأتي الإيمان إلا ردّاً على نبيٍّ بعينه وعلى ما جاء به:
- قوم صالح انقسموا حول رسالته قسمين. قال المؤمنون: ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف 75)، فردّ المستكبرون: ﴿إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ (الأعراف 76). فالإيمان والكفر هنا كلاهما موقفٌ من «ما أُرسل به».
- شعيب يقسم قومه على رسالته: ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ (الأعراف 87).
- موسى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ (يونس 83)، وقال الملأ عنه وعن أخيه هارون: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ (المؤمنون 47).
- سحرة فرعون حين آمنوا عرّفوا ربّهم بالرسولين: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأعراف 121) ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ (الأعراف 122).
- أتباع عيسى: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ (الصف 14).
- وفي سورة الشعراء تُختم قصّة كلّ رسولٍ بقوله ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وتتكرّر الجملة ثماني مرّات: في أوّل السورة، ثم في آخر قصّة كلّ رسولٍ من سبعة، من موسى إلى شعيب (الشعراء 8 و67 و103 و121 و139 و158 و174 و190).
والأنبياء أنفسهم مؤمنون بما أُنزل إليهم: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة 285). وفي سورة الصافّات يُختم ذكر نوح وإبراهيم وإلياس بقوله ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الصافات 81 و111 و132)، وذكر موسى وهارون بقوله ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الصافات 122). فالإيمان ليس صفةً لأتباع محمد ﷺ وحدهم، بل صفة كلّ من صدّق رسالةً جاءته من الله.
أركان الإيمان كما تعدّها الآيات
أتمّ قائمةٍ في القرآن خمسة أركان: ﴿وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (البقرة 177)، ومثلها في التحذير من الكفر: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (النساء 136). وفي البقرة 285 أربعةٌ منها: الله والملائكة والكتب والرسل.
فالقرآن نفسه يعدّ الأركان: الله، والملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر. والملائكة والكتب من طريق الرسالة نفسها: المَلَك يحمل الوحي، والكتاب يحفظه، والرسول يبلّغه.
ولا يصحّ في هذا البناء الإيمان ببعض الرسل دون بعض. فمن فعل ذلك حُكم عليه حكماً قاطعاً: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ (النساء 150) ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ (النساء 151). وحين يحدّد القرآن المؤمنين بأسلوب «إنّما»، وهو أسلوبٌ يفيد التحديد والحصر، يذكر الرسول مع الله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ (الحجرات 15)، ومثلها النور 62.
وماذا عن «بالله واليوم الآخر»؟
هنا أقوى ما يُعترض به على كلمة «دائماً» في الفكرة: فأشهر صيغةٍ للإيمان في السور المدنيّة لا تذكر الرسول، مثل ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (البقرة 62). وقد جاء ذكر الله واليوم الآخر وحدهما في 21 آية، كلّها مدنيّة.
لكنّ الرسول، وإن غاب عن العبارة نفسها، حاضرٌ حولها في أكثر المواضع. ففي 15 آية من الإحدى والعشرين يُذكر الرسول أو الوحي في الآية نفسها أو في الآيتين قبلها أو بعدها، أو تكون الآية خطاباً للرسول. ومن أمثلتها:
- ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (النساء 59)
- ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (المجادلة 22)
- ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (التوبة 44)
ولماذا يُكتفى بذكر الله واليوم الآخر؟ لأنّهما طرفا الإيمان: الله مبدأ كلّ شيء، واليوم الآخر موعد الحساب. ولهذا تأتي العبارة كثيراً في مواضع العمل والمسؤوليّة، كالإنفاق (البقرة 264، النساء 38 و39)، والطلاق (البقرة 228 و232، الطلاق 2)، وطاعة الله والرسول (النساء 59). وتبقى ستّ آياتٍ لا يُذكر قريباً منها رسولٌ ولا وحي، وهي التي تجعل كلمة «دائماً» أوسع من النصّ، كما يأتي في الاعتراضات.
إيمانٌ بالباطل، وإيمانٌ مخلوط
الإيمان فعل تصديقٍ وثقة، وقيمته من قيمة ما يُصدَّق به. ولهذا يصف القرآن بالإيمان من صدّق بالباطل أيضاً: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ (النساء 51)، و﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ (العنكبوت 52)، و﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ (سبأ 41) أي بالجنّ. ويصف إيماناً بالله يخالطه الشرك: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (يوسف 106). فالمؤمن الذي يمدحه القرآن هو من صدّق بالحقّ وأخلص له.
وللإيمان في القرآن صفاتٌ لا تُذكر للإسلام: موضعه القلب (الحجرات 14، المجادلة 22)، ويزيد (الأنفال 2، الفتح 4)، وقد يدّعيه اللسان بلا حقيقة ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة 8)، ولا يكون بالإكراه ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس 99).
خلاصة القسم: الإيمان في القرآن تصديقٌ بالله وبما جاء من عنده على ألسنة رسله، والرسالة أكثر ما يُذكر معه. وأركانه كما تعدّها الآيات خمسة: الله، والملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر. وكلمة «دائماً» في الفكرة أوسع من النصّ، والأدقّ «غالباً».
أين العمل الصالح؟
تضع الفكرة العمل الصالح بين أركان الإيمان. والقرآن يربط بينهما ربطاً شديداً، لكنّه لا يجعل العمل «شيئاً يُصدَّق به». ويظهر ذلك في ثلاثة أساليب:
- الواو. تتكرّر عبارة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ خمسين مرّة، وتأتي بصيغٍ أخرى سبع مرّات. والواو تجمع بين شيئين: فالإيمان شيء، والعمل شيءٌ آخر يرافقه ولا يفارقه.
- الشرط. يُقبل العمل الصالح بشرط الإيمان في ستّ آيات بعبارة «وهو مؤمن»، منها ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (النساء 124)، ومثلها في الإسراء 19، والنحل 97، وطه 112، والأنبياء 94، وغافر 40. أي إنّ العمل وحده لا يكفي، والإيمان شرطٌ لقبوله. والإيمان نفسه لا ينفع إن لم يُثمر: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ (الأنعام 158).
- «إنّما». حين يعرّف القرآن «المؤمنين حقّاً» يُدخل الأعمال في التعريف: الصلاة والإنفاق في الأنفال 2–4، والجهاد في الحجرات 15، وملازمة الرسول في النور 62.
فما الجواب؟ العمل الصالح ركنٌ في الإيمان الذي يُنجي صاحبه، كما في قوله ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (البقرة 62)، ومثلها المائدة 69. أمّا ما يُصدَّق به فهو الخمسة التي تعدّها الآيات: الله، والملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر.
خلاصة القسم: الإيمان أصلٌ، والعمل الصالح ثمرته وبرهان صدقه وشرط نفعه. فقول الفكرة إنّ العمل الصالح من أركان الإيمان صحيحٌ إذا أُريد الإيمان الذي يُنجي، لا ما يُصدَّق به.
الإسلام: لِمَن يُسلم المسلم؟
إذا كان سؤال الإيمان «بماذا؟» فسؤال الإسلام «لِمَن؟». والجواب في القرآن واحدٌ لا يتغيّر: لله وحده.
لله وحده
ذُكر في القرآن من يُسلَم له صراحةً في 17 موضعاً، كلّها لله:
- ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة 131)
- ﴿فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ (الحج 34)
- ﴿وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ (الزمر 54)
- ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة 133)
وحين يحضر نبيٌّ في الكلام يبقى رفيقاً في الإسلام، لا جهةً يُسلَم لها. قالت ملكة سبأ: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (النمل 44)؛ أسلمت «مع سليمان» لا «لسليمان». وفي قوله ﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ قُدّم «له» على الفعل، وهذا في العربيّة يفيد التخصيص: له وحده لا لغيره.
ومن تمام هذا المعنى أن يُسلم الإنسان «وجهه» لله، والوجه هنا كنايةٌ عن الذات كلّها. وجاء ذلك في أربعة مواضع، يقترن ثلاثةٌ منها بالإحسان:
- ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ (البقرة 112)
- ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (النساء 125)
- ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ﴾ (لقمان 22)
فكما يقترن العمل الصالح بالإيمان في عبارة «وهو مؤمن»، يقترن الإسلام بالإحسان في عبارة «وهو محسن».
ما ضدّ الإسلام؟
ضدّ الإسلام في القرآن هو الشرك قبل كلّ شيء، لأنّ الإسلام تسليمٌ لله وحده، والشرك تسليمٌ له ولغيره:
- ﴿وَلَٰكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (آل عمران 67)
- ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام 14)
ويقابَل الإسلام كذلك بالإجرام: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ (القلم 35)، وبالجور: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ (الجن 14)، والقاسطون هم الجائرون. ويأتي الكفر بعده خروجاً منه: ﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ (التوبة 74). أمّا الإيمان فضدّه الغالب الكفر والشكّ: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (البقرة 108)، و﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ (الحجرات 15).
وقد لخّص ابن تيمية هذا المعنى: «فالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده؛ فمن استسلم له ولغيره كان مشركا ومن لم يستسلم له كان مستكبرا عن عبادته» (مجموع الفتاوى 3/91).
إسلام الكون، وإسلام المضطرّ
والإسلام أوسع من الإيمان من جهةٍ أخرى: فهو يكون طوعاً ويكون كرهاً. يقول تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ (آل عمران 83). فكلّ ما في الكون منقادٌ لله، شاء أم أبى، كما يسجد له: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ (الرعد 15). ويوم القيامة يستسلم المكذّبون: ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ (الصافات 26).
أمّا الإيمان فلا يكون بالإكراه (يونس 99)، ولا ينفع إذا جاء بعد رؤية العذاب: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ (غافر 85). وأوضح مثالٍ فرعون: حين أدركه الغرق ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (يونس 90)، فجاءه الجواب: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (يونس 91).
الإسلام في نهاية العمر
يرتبط الإسلام بنهاية الحياة في أربع آيات، ولا يرتبط بها الإيمان في أيّ آية:
- وصيّة إبراهيم ويعقوب لأبنائهما: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة 132).
- وخطاب المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران 102).
- ودعاء سحرة فرعون: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ (الأعراف 126).
- ودعاء يوسف: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (يوسف 101).
فالذين آمنوا أنفسهم يُؤمرون أن يموتوا مسلمين، ويوسف، وهو نبيٌّ آتاه الله الملك، يسأل ربّه أن يتوفّاه مسلماً. فالإسلام هنا ليس درجةً أدنى من الإيمان، بل غاية التسليم التي يُختم بها العمر.
الفرق في جدول
| الوجه | الإيمان | الإسلام |
|---|---|---|
| يتّجه إلى | الله ورسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر والغيب، ومنه تصديق الرسول فيما يخبر به | الله وحده |
| ضدّه الغالب | الكفر والشكّ | الشرك والإجرام والجور |
| موضعه | القلب (الحجرات 14) | الوجه، أي الذات كلّها، والصدر (البقرة 112، الأنعام 125) |
| هل يزيد؟ | نعم، في ستّ آيات | لا يوصف بالزيادة |
| هل يكون بالإكراه؟ | لا (يونس 99) | في الكون كلّه «طوعاً وكرهاً» (آل عمران 83) |
| في نهاية العمر | لا يُذكر فيها | أربع آيات |
| هل يُسمّى «الدين»؟ | لا | نعم: «إنّ الدين عند الله الإسلام» (آل عمران 19) |
| رفيقه | العمل الصالح: «وهو مؤمن» | الإحسان: «وهو محسن» |
| نداء الجماعة به | «يا أيّها الذين آمنوا» 89 مرّة | لا نداء باسمه |
الإسلام دين الأنبياء جميعاً
هذا أقوى شقّي الفكرة وأوضحهما في القرآن: فالإسلام فيه وصفٌ لأنبياء وأقوامٍ عاشوا قبل محمد ﷺ بقرون، لا اسمٌ لأتباعه وحدهم.
من وُصف بالإسلام قبل محمد ﷺ؟
| من | ماذا قيل | أين |
|---|---|---|
| نوح | ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ | يونس 72 |
| إبراهيم وإسماعيل وذرّيّتهما | ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ | البقرة 128 |
| إبراهيم | ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ | البقرة 131 |
| إبراهيم وابنه | ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ | الصافات 103 |
| يعقوب وأبناؤه | ﴿نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ | البقرة 133 |
| يوسف | ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ | يوسف 101 |
| آل لوط | ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ | الذاريات 36 |
| موسى وقومه | ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ | يونس 84 |
| سحرة فرعون | ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ | الأعراف 126 |
| أنبياء التوراة | ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ | المائدة 44 |
| سليمان وملكة سبأ | ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ | النمل 31 و38 و42 و44 |
| حواريّو عيسى | ﴿قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ | آل عمران 52، المائدة 111 |
| قومٌ من أهل الكتاب قبل نزول القرآن | ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ | القصص 53 |
| الجنّ | ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ | الجن 14 |
| فرعون عند الغرق، ورُدّ عليه | ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ | يونس 90 |
ملّة إبراهيم. حين قال اليهود والنصارى ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا﴾ (البقرة 135)، جاء الجواب: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾، ثم ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ … وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة 136). وحين ادّعى كلٌّ منهم إبراهيم لنفسه قيل: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ (آل عمران 67). فإبراهيم سابقٌ على اليهوديّة والنصرانيّة، والوصف الذي اختاره القرآن له هو «مسلم».
دينٌ واحد، وشرائع متعدّدة. يقول تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى 13). ويقول: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة 48). فالدين واحدٌ وصّى به الأنبياء جميعاً، والشرائع، أي تفاصيل الأحكام، تختلف من رسولٍ إلى رسول. والإسلام اسم الدين الواحد، لا اسم شريعةٍ بعينها. قال ابن تيمية: «فدين الأنبياء واحد وهو دين الإسلام كلهم مسلمون مؤمنون كما قد بين الله في غير موضع من القرآن» (مجموع الفتاوى 35/364).
«وأنا أوّل المسلمين»
قد يسأل القارئ: كيف قيل لمحمد ﷺ ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام 163)، وقد سبقه نوح وإبراهيم بالإسلام؟ الجواب في آياتٍ مشابهة: قال موسى ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأعراف 143)، وقال السحرة ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء 51). فالأوّليّة نسبيّة: كلّ رسولٍ أوّلُ من يُسلم ويؤمن في قومه وزمانه. وهذا شاهدٌ آخر على أنّ الإسلام والإيمان كليهما يتكرّران مع كلّ رسالة.
والإيمان كذلك لكلّ أمّة
ولا يعني هذا أنّ الإيمان خاصٌّ بأتباع محمد ﷺ. فالإيمان وصفٌ لأتباع كلّ نبيّ: أتباع نوح (هود 36 و40، الشعراء 111 و118)، وهود (هود 58)، وصالح (الأعراف 75، هود 66، النمل 53)، وشعيب (الأعراف 87 و88، هود 94)، ولوط وأهله (العنكبوت 26، الذاريات 35)، وموسى وهارون وقومهما (يونس 83 و87، الصافات 122)، ومؤمن آل فرعون (غافر 28)، وامرأة فرعون (التحريم 11)، وقوم يونس (يونس 98، الصافات 148)، وأصحاب الكهف (الكهف 13)، وأصحاب الأخدود (البروج 8)، وأتباع عيسى (الصف 14، الحديد 27)، والرجل الذي جاء من أقصى المدينة في سورة يس (يس 25)، والجنّ (الجن 2 و13، الأحقاف 31).
وفي قصّة لوط مثالٌ يجمع الكلمتين في آيتين متتاليتين: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الذاريات 35) ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الذاريات 36). القوم أنفسهم «مؤمنون» في آية، و«مسلمون» في التي بعدها.
فالفرق بين الكلمتين ليس أنّ إحداهما قديمة والأخرى جديدة. الفرق في الوظيفة: الإسلام اسم الدين الواحد الذي يتوارثه الأنبياء وأتباعهم، والإيمان جواب كلّ أمّةٍ على رسولها حين يأتيها.
قولٌ قديم يصحّحه الحصر
روى الطبريّ في تفسيره عن ابن زيد قوله: «ولم يذكر الله بالإسلام والإيمان غير هذه الأمة، ذكرت بالإيمان والإسلام جميعا، ولم نسمع بأمة ذكرت إلا بالإيمان» (جامع البيان 18/692). والحصر الكامل يردّ هذا القول: آل لوط وُصفوا بالكلمتين في آيتين متتاليتين (الذاريات 35 و36)، وقوم موسى في آيةٍ واحدة (يونس 84)، وحواريّو عيسى في آيتين (آل عمران 52، المائدة 111)، وسحرة فرعون في سياقٍ واحد (الأعراف 121 و126). وهذا مثالٌ على فائدة العدّ: قولٌ قاله عالمٌ قديم، ويكفي الحصر لتصحيحه.
أين تقع آيات الإسلام؟
الأنبياء وأهل الكتاب في قلب آيات الإسلام
آيات الإسلام الخمس والستون بحسب موضوع المقطع الذي ترد فيه
| قصص الأنبياء وأقوامهم | ||
|
||
| خطاب الجماعة المؤمنة ووصف المسلمين | ||
|
||
| الحوار مع أهل الكتاب | ||
|
||
| دعوة الناس والمشركين | ||
|
||
| أمر النبيّ ﷺ بالإسلام | ||
|
||
| الأعراب والمنافقون والمحاربون | ||
|
||
| الجنّ | ||
|
باللون الداكن قصص الأنبياء والحوار مع أهل الكتاب: 31 آية من 65. وكلّ آيةٍ معدودةٌ في موضوعٍ واحد، والمواضع المحتملة في الملحق 1.
أكثر من ربع آيات الإسلام (19 من 65) في قصص الأنبياء السابقين وأقوامهم، ونحو خُمسها (12) في الحوار مع أهل الكتاب؛ ومعاً 31 آية، أي قرابة النصف. وأكثر آيات القصص مكّيّة (11 من 19)، وأكثر آيات الحوار مع أهل الكتاب مدنيّة (10 من 12). فالإسلام يُذكر في مكّة غالباً في قصص الأنبياء، ويُذكر في المدينة غالباً في الحوار مع أهل الكتاب.
خلاصة القسم: الإسلام في القرآن اسم الدين الواحد الذي كان عليه نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وأتباعهم، وإبراهيم «مسلم» قبل أن تكون يهوديّةٌ أو نصرانيّة. وهذا أقوى ما في الفكرة وأوضحه.
حين تجتمع الكلمتان
أدقّ امتحانٍ للفرق بين كلمتين أن تجتمعا في موضعٍ واحد. وقد اجتمعتا في 29 آيةً من آيات الإسلام الخمس والستين: في الآية نفسها (19 آية)، أو في الآية المجاورة لها (10 آيات).
تسع صورٍ للاجتماع
| الصورة | مثالها | آيات الإسلام التي تأتي فيها |
|---|---|---|
| إيمانٌ يُعلَن، ثم يُشهَد بالإسلام أو يُسأل في الخاتمة | ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ | آل عمران 52، المائدة 111، الأعراف 126، يونس 90 (فرعون عند الغرق، ورُدّ عليه) |
| الإسلام ثمرةٌ للإيمان بالآيات | ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ | النمل 81، الروم 53، الزخرف 69، الجن 14 |
| إيمانٌ بالرسالات كلّها، ثم إسلامٌ لله | ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا … وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ | البقرة 136، آل عمران 84، العنكبوت 46 |
| الإسلام دينٌ قائم، والإيمان واجبٌ للرسول الآتي | ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ | آل عمران 67 و80 و83 و85 |
| الإسلام أوّلاً، ثم الإيمان بعده | ﴿آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ | القصص 53، الحجرات 14 و17 |
| الشرطان معاً في جملةٍ واحدة | ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ | يونس 84 |
| الوصفان لجماعةٍ واحدة | ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَٰذَا﴾، والمخاطَبون في الآية قبلها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ | الحج 78، الذاريات 36، آل عمران 102، النحل 102، المائدة 3 |
| صفتان مختلفتان في قائمةٍ واحدة | ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ | الأحزاب 35، التحريم 5 |
| مقابلةٌ بين الكلمتين | ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾، ثم في آخر الآية ﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ | الأنعام 125، المائدة 44، النساء 125 |
ويُستفاد من هذا الجدول ثلاثة أمور:
- لا ترتيب ثابتاً. يأتي الإسلام بعد الإيمان عند حواريّي عيسى وسحرة فرعون والجنّ، ويأتي قبله عند الأعراب (الحجرات 14) وعند قومٍ من أهل الكتاب قالوا ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ (القصص 53). فليست إحداهما مرحلةً تسبق الأخرى في كلّ حال.
- الكلمتان مختلفتان. تعدّ آية الأحزاب 35 «المسلمين والمسلمات» و«المؤمنين والمؤمنات» صفتين، كما تعدّ «القانتين» و«الصادقين»، ولو كانتا بمعنىً واحد لما عُدّتا صفتين. ومثلها في التحريم 5: ﴿مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ﴾.
- والكلمتان متلازمتان. آل لوط «مؤمنون» و«مسلمون» معاً، والذين نودوا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في الحج 77 هم الذين سُمّوا «المسلمين» في الحج 78. وقد ردّ ابن كثير على من جعل آيتي الذاريات دليلاً على أنّ الكلمتين بمعنىً واحد، فقال: «وهذا الاستدلال ضعيف؛ لأن هؤلاء كانوا قوما مؤمنين، وعندنا أن كل مؤمن مسلم لا ينعكس، فاتفق الاسمان هاهنا لخصوصية الحال، ولا يلزم ذلك في كل حال» (تفسير القرآن العظيم 7/422). ومعنى «لا ينعكس»: ليس كلّ مسلمٍ مؤمناً.
ثلاث آياتٍ متوازية
في ثلاثة مواضع يأتي الوعد نفسه مرّةً بكلمة الإيمان، ومرّةً بكلمة الإسلام:
| الوعد | بكلمة الإيمان | بكلمة الإسلام |
|---|---|---|
| الأجر، ولا خوف ولا حزن | ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة 62) | ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة 112) |
| العروة الوثقى | ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ﴾ (البقرة 256) | ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ﴾ (لقمان 22) |
| الهداية | ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ (البقرة 137) | ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ (آل عمران 20) |
فالكلمتان تتبادلان الموقع حين يكون الكلام عن الغاية: الإيمان الذي يصحبه العمل الصالح، والإسلام الذي يصحبه الإحسان، يوصلان إلى النتيجة نفسها. وقد احتجّ محمد بن نصر المروزيّ بالموضع الثالث على أنّ الإسلام هو الإيمان: «فحكم الله بأن من أسلم فقد اهتدى، ومن آمن فقد اهتدى فقد سوى بينهما» (تعظيم قدر الصلاة 2/531). لكنّ اتّفاق النتيجة لا يعني اتّفاق المعنى: طريقان يصلان إلى بيتٍ واحد ليسا طريقاً واحداً. ولهذا تعدّ الأحزاب 35 الكلمتين صفتين، وتُثبت الحجرات 14 إحداهما وتنفي الأخرى عن قومٍ بأعيانهم.
وفي الموضع الثالث أيضاً ما يدلّ على المعنى الخاصّ للإسلام. فالمطلوب من أهل الكتاب في آل عمران 20 أن يُسلموا كما أسلم النبيّ ﷺ ومن اتّبعه: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾. والمطلوب منهم في البقرة 137 أن يؤمنوا بمثل ما آمن به المؤمنون، أي بما أُنزل على محمد ﷺ وعلى الأنبياء قبله (البقرة 136). فلا يكفي هنا ما كان عليه أهل الكتاب من قبل، بل يُطلب منهم قبول الرسالة الحاضرة.
قاعدةٌ تجمع ذلك
صاغ ابن رجب الحنبليّ قاعدةً تلخّص هذا الاستعمال: «إذا أفرد أحدهما، دخل فيه الآخر ... فإذا قرن بينهما دل أحدهما على بعض ما يدل عليه بانفراده، ودل الآخر على الباقي» (جامع العلوم والحكم 1/109). أي إنّ الكلمة إذا جاءت وحدها اتّسعت فشملت معنى الأخرى، وإذا جاءت الكلمتان معاً تقاسمتا المعنى. ويُعبَّر عن ذلك اختصاراً بأنّهما إذا اجتمعتا افترقتا، وإذا افترقتا اجتمعتا.
خلاصة القسم: الإسلام والإيمان يفترقان في المعنى ويلتقيان في الكمال. قد يُثبت أحدهما ويُنفى الآخر، وقد يُعدّان صفتين، ويلتقيان في الغاية. وليست إحداهما مرحلةً تسبق الأخرى في كلّ حال.
«قولوا أسلمنا»: قصّة الأعراب
في سورة الحجرات موضعٌ فريد، هو الموضع الوحيد في القرآن الذي يُنفى فيه الإيمان ويُثبت الإسلام لقومٍ بأعيانهم في وقتٍ واحد. وذكر المفسّرون أنّه نزل في أعرابٍ من بني أسد بن خزيمة (الطبريّ، جامع البيان 22/314)، وأنّهم وفدوا على النبيّ ﷺ سنة تسعٍ للهجرة (ابن عاشور، التحرير والتنوير 26/263).
المقطع خطوةً خطوة
- الادّعاء: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ (الحجرات 14).
- الردّ والبديل: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. لم يقل لهم «ولكن أسلمتم»، بل علّمهم أن يقولوا الكلمة التي تطابق حالهم.
- السبب: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. فالإيمان موضعه القلب. وكلمة «لمّا» تنفي الشيء الآن وتُفهم أنّه منتظَرٌ قريب، كما يُقال: لمّا يصلِ المسافر، أي لم يصل بعدُ وهو قادم. ونقل ابن عاشور عن الزمخشريّ: «وما في (لما) من معنى التوقع دال على أن هؤلاء قد آمنوا فيما بعد» (التحرير والتنوير 26/265).
- الطمأنة: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾، أي لا يُنقصكم من أجر أعمالكم شيئاً. فإسلامهم مقبول، وأعمالهم محفوظة.
- التعريف: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحجرات 15).
- العتاب: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ (الحجرات 16).
- المنّ والجواب: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الحجرات 17).
ويحيط بالمقطع كلّه معنى الصدق: ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ في وصف المؤمنين، و﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في خطاب الأعراب. فالمسألة مسألة صدق الدعوى: من قال «آمنّا» فليكن كما وصفت الآية 15.
ماذا يُثبت المقطع؟
- الكلمتان قد تفترقان. إسلامٌ ثابت وإيمانٌ منفيّ لقومٍ واحد في وقتٍ واحد؛ وهذا وحده يمنع القول بأنّهما بمعنىً واحد في كلّ موضع. قال ابن عاشور: «تعليما لهم بالفرق بين الإيمان والإسلام فإن الإسلام مقره اللسان والأعمال البدنية» (26/264).
- الإيمان بالله ورسوله، بلا شكّ، مع العمل. آية التعريف (الحجرات 15) أقرب آيات القرآن إلى نصّ الفكرة: ما يُؤمَن به هو الله ورسوله، وشرطه ألّا يخالطه شكّ، وبرهانه الجهاد بالمال والنفس. ومثلها في النور 62: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ﴾.
- الإسلام هنا بمعناه الخاصّ. ما منّ به الأعراب على النبيّ ﷺ هو دخولهم في جماعته. قال ابن كثير: «يعني: الأعراب [الذين] يمنون بإسلامهم ومتابعتهم ونصرتهم على الرسول» (تفسير القرآن العظيم 7/390). فهذا أوّل درجات الإسلام، لا إسلام الأنبياء الذي يسألونه في آخر حياتهم.
- العمل برهانٌ لا تعريف. قال ابن عاشور إنّ «إنّما» هنا تحصر المؤمنين في مقابل هؤلاء الأعراب خاصّة: «والقصر إضافي، أي المؤمنون الذين هذه صفاتهم غير هؤلاء الأعراب»، ولا يعني ذلك أنّ حقيقة الإيمان لا تقوم إلا بكلّ هذه الصفات (26/267).
ما المقصود بإسلامهم؟ ثلاثة أقوال
جمع الطبريّ في تفسير الآية ثلاثة أقوال:
| القول | قائله | عبارته |
|---|---|---|
| استسلامٌ في الظاهر خوفاً | سعيد بن جبير ومجاهد وابن زيد | «استسلمنا لخوف السباء والقتل» (22/316) |
| إسلامٌ بالقول لم يصدّقه العمل بعد | الزهريّ، واختاره الطبريّ | «إن الإسلام: الكلمة، والإيمان: العمل» (22/314) |
| انتحال اسمٍ لم يستحقّوه بعد | ابن عبّاس، في رواية العوفيّ عنه | «لأنهم أرادوا أن يتسموا بأسماء المهاجرين قبل أن يهاجروا» (22/315) |
واختار الطبريّ أنّهم أُمروا أن يقولوا «أسلمنا، بمعنى: دخلنا في الملة والأموال، والشهادة الحق» (22/316). وأخذ البخاريّ بالقول الأوّل، فعقد في كتاب الإيمان باباً عنوانه: «باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل» (صحيح البخاري 1/14)، وروى فيه حديث سعد بن أبي وقّاص حين قال للنبيّ ﷺ عن رجلٍ لم يُعطه: «فوالله إني لأراه مؤمنا، فقال: أو مسلما» (رقم 27).
وخالفه ابن كثير صراحةً، فرأى أنّ هؤلاء الأعراب «ليسوا بمنافقين، وإنما هم مسلمون لم يستحكم الإيمان في قلوبهم»، واحتجّ بأنّهم «لو كانوا منافقين لعنفوا وفضحوا، كما ذكر المنافقون في سورة براءة» (7/389).
والنصّ نفسه يرجّح قول ابن كثير بثلاث قرائن: كلمة «لمّا» التي تنتظر دخول الإيمان، والوعد بألّا يُنقص من أعمالهم شيء، والخطاب بالشرط ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ لا بالفضح والوعيد كما يُخاطَب المنافقون. فهو إسلامٌ صحيحٌ في أوّل درجاته، والإيمان مرجوٌّ بعده.
والعكس: إيمانٌ في القلب بلا إعلان
وكما يوجد إسلامٌ لم يدخل معه الإيمان القلب، يوجد إيمانٌ مستقرٌّ في القلب لم يُعلَن: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ (غافر 28)، و﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (النحل 106). فالكلمتان تفترقان في الاتّجاهين، والغالب أنّ الإسلام ما ظهر من الانقياد، والإيمان ما استقرّ في القلب من التصديق.
لكنّ هذا غالبٌ لا قاعدة. فالقرآن يسمّي الحال الظاهرة للمنافقين إيماناً كما يسمّيها إسلاماً: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (التوبة 66)، و﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ (المنافقون 3)، و﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ (التوبة 74). فالإيمان في هذه المواضع هو الإيمان المعلَن الذي دخلوا به الجماعة، لا الإيمان الذي استقرّ في القلب.
خلاصة القسم: قصّة الأعراب تُثبت أنّ الإسلام قد يوجد قبل أن يدخل الإيمان القلب، وأنّ المؤمن الحقّ من آمن بالله ورسوله بلا شكّ وصدّق إيمانه بعمله. والإسلام فيها بمعناه الخاصّ: الدخول في جماعة النبيّ ﷺ.
لماذا يُنادى المسلمون «يا أيّها الذين آمنوا»؟
في المدينة صار لأتباع النبيّ ﷺ ثلاثة أشياء: نداءٌ يُخاطَبون به، وأحكامٌ تُشرَّع لهم، واسمٌ يُعرفون به. واللافت أنّ القرآن يوزّع هذه الثلاثة على الكلمتين بدقّة.
النداء
| النداء | كم مرّة؟ | في السور المكّيّة | في السور المدنيّة |
|---|---|---|---|
| ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ | 89 | 0 | 89 |
| ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ﴿يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ | 2 | 2 | 0 |
| ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ | 20 | 10 | 10 |
| ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ | 5 | 5 | 0 |
| ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ | 12 | 0 | 12 |
| ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ | 1 | 0 | 1 |
| ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا﴾ | 1 | 0 | 1 |
| ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ | 2 | 1 | 1 |
| «يا أيّها المسلمون» أو «يا أيّها الذين أسلموا» | 0 | — | — |
ينادي القرآن الجماعات في المدينة بموقفها من الرسالة: «الذين آمنوا»، و«الذين هادوا»، و«أهل الكتاب»، و«الذين كفروا». وعبارة «الذين آمنوا» مبنيّةٌ كعبارة «الذين هادوا»: تسمّي الجماعة بالفعل الذي صارت به جماعة. وتأتي الجماعتان متجاورتين في ثلاث آيات، منها ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ﴾ (البقرة 62)، ومثلها المائدة 69 والحجّ 17. أمّا في السور المكّيّة فلم يرد نداء «يا أيّها الذين آمنوا» قطّ، وجاء مكانه مرّتين نداءٌ بالعبوديّة: «يا عبادي الذين آمنوا».
الأحكام
بنداء «يا أيّها الذين آمنوا» شُرعت أحكامٌ كثيرة، منها: الصيام (البقرة 183)، والقصاص (البقرة 178)، وترك الربا (البقرة 278)، وكتابة الدَّين (البقرة 282)، والوضوء (المائدة 6)، وتحريم الخمر والميسر (المائدة 90)، والوفاء بالعقود (المائدة 1)، والسعي إلى صلاة الجمعة (الجمعة 9)، وحكم المطلّقة قبل الدخول (الأحزاب 49)، وامتحان المهاجرات (الممتحنة 10).
والشخص الذي تتعلّق به الأحكام في القرآن هو «المؤمن» و«المؤمنة»:
| الباب | الشاهد |
|---|---|
| الزواج | ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ (البقرة 221)، ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (النساء 25)، ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (المائدة 5)، ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (الأحزاب 49) |
| القتل الخطأ وكفّارته | ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (النساء 92) |
| القذف | ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (النور 23) |
| الولاء | ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النساء 144)، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (التوبة 71) |
| القتال بين الطوائف | ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (الحجرات 9) |
| الهجرة والبيعة | ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ (الممتحنة 10)، ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ (الممتحنة 12) |
ولا يرد لفظ «مسلم» في حكمٍ عمليٍّ واحد. مواضعه الاثنان والأربعون في قصص الأنبياء، والحوار مع أهل الكتاب، وأمر النبيّ ﷺ أن يكون من المسلمين، والدعوة كما في ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (الأنبياء 108)، والوصيّة بالموت عليه، والتسمية (الحج 78)، وقائمتَي الصفات (الأحزاب 35، التحريم 5).
إيمانٌ يُعرف بالظاهر
لكن كيف تُبنى الأحكام على الإيمان، وهو في القلب؟ الجواب في القرآن نفسه: يُحكم بالظاهر، والحقيقة عند الله:
- ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ (الممتحنة 10)
- ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾ (النساء 25)
- ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (النساء 94)
وقال ابن عاشور في آية النساء: «وقد ناطت صفة الإسلام بقول: «لا إله إلا الله محمد رسول الله» أو بتحية الإسلام وهي «السلام عليكم»» (التحرير والتنوير 5/167). فالآية تقول «مؤمناً»، والمفسّر يسمّي الصفة نفسها «إسلاماً». والقرآن يبني أحكام الجماعة على الإيمان المعلَن، أي على إعلان التصديق بالله ورسوله، وهو ما سمّاه العلماء بعد ذلك «إسلاماً».
«المسلمين»: اسمٌ موروث
بعد نداء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الحج 77) تأتي التسمية في الآية التالية: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ (الحج 78). وجمع الطبريّ في تفسيرها بين الوصفين: «سماكم يا معشر من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم المسلمين من قبل» (جامع البيان 18/691). فهم «المؤمنون» بإيمانهم بمحمد ﷺ، و«المسلمون» بالاسم الموروث.
واختُلف في من سمّاهم: قال ابن عبّاس ومجاهد وقتادة والضحّاك: الله سمّاكم، وقال ابن زيد: إبراهيم، واحتجّ بدعائه ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ (البقرة 128). وعلى القولين يبقى الاسم موصولاً بملّة إبراهيم. وفي دعاء إبراهيم نفسه يأتي بعد طلب «الأمّة المسلمة» طلبُ الرسول: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ (البقرة 129)؛ فالاسم والرسول كلاهما استجابةٌ لدعائه.
ماذا يفسّر هذا التوزيع؟
النداء بـ«الذين آمنوا» نداءٌ للجماعة بالفعل الذي صارت به جماعة: تصديق الرسول الذي جاءها. والتسمية بـ«المسلمين» نسبةٌ لها إلى الدين الذي كان عليه الأنبياء قبلها. ولهذا لا يرد «يا أيّها المسلمون» قطّ: الإسلام اسمٌ يُحمَل ويُتوارث، والإيمان جوابٌ يُنادى به من أجاب.
ثم انقلب الاستعمال في اصطلاح العلماء لاحقاً: صار «المسلم» اسم العضو في الجماعة الذي تُبنى عليه الأحكام، وصار «المؤمن» درجةً أعلى منه. وهذا الانقلاب من أسباب الالتباس الذي تريد الفكرة تصحيحه.
وتلتقي هذه الملاحظة مع ما ذهب إليه المؤرّخ فريد دونر من أنّ الجماعة الأولى سمّت نفسها «المؤمنين»، وأنّ «المسلمين» لم يستقرّ اسماً لجماعةٍ دينيّةٍ متميّزة إلا قرب نهاية القرن السابع الميلادي. أمّا قوله إنّ جماعة المؤمنين ضمّت في أوّلها يهوداً ونصارى صالحين، فاجتهادٌ تاريخيّ يتجاوز ما يثبته النصّ هنا، ويقابله ما في آل عمران 20 والبقرة 137 من دعوة أهل الكتاب إلى الإسلام والإيمان بالرسالة.
خلاصة القسم: في القرآن يُنادى أتباع محمد ﷺ بالإيمان، وتُبنى أحكامهم على الإيمان المعلَن، ويُسمَّون «المسلمين» باسمٍ موروث من ملّة إبراهيم. أمّا جعل «المسلم» اسماً للأحكام و«المؤمن» درجةً فوقه فاصطلاحٌ لاحق.
أهل الكتاب: مسلمون أم مؤمنون؟
إذا كان الإسلام دين الأنبياء جميعاً، فهل يكون اليهوديّ أو النصرانيّ الذي يؤمن بالله واليوم الآخر ويعمل صالحاً «مسلماً» بالمعنى القرآنيّ، وإن لم يؤمن بمحمد ﷺ؟ هذا أهمّ ما يترتّب على الفكرة وأدقّه. وآيات القرآن في أهل الكتاب تسير في اتّجاهين، ولا يصحّ أخذ أحدهما وترك الآخر.
ما يجمع الأمم
- لا نجاة بالانتساب وحده. ردّ القرآن قولهم ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ (البقرة 111) بقوله ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ (البقرة 112)، وخاطب المسلمين وأهل الكتاب معاً: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (النساء 123).
- الميزان واحد. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (البقرة 62)، ومثلها المائدة 69.
- في أهل الكتاب مؤمنون صالحون. ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (آل عمران 113) ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (آل عمران 114).
- وفيهم مسلمون قبل نزول القرآن. ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ (القصص 53).
- والأساس المشترك التوحيد. ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ (آل عمران 64)، وتُختم الآية بقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.
ما يُطلب منهم
- أن يُسلموا كما أسلم النبيّ ﷺ. ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ (آل عمران 20).
- أن يؤمنوا بالقرآن. في أوّل خطاب بني إسرائيل في سورة البقرة، قبل الآية 62: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ (البقرة 41).
- أن يقيموا كتبهم وما أُنزل إليهم. قبل آية المائدة 69 مباشرة: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (المائدة 68).
- أن يتّبعوا النبيّ المكتوب عندهم. حين سأل موسى الرحمة لقومه قيل له: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف 156)، ثم وُصف أهلها: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ (الأعراف 157). ثم قيل للناس كافّة: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ (الأعراف 158).
- ألّا يفرّقوا بين الرسل. ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ (النساء 150) ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ (النساء 151).
وصفة الممدوحين من أهل الكتاب تجمع الأمرين: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ (آل عمران 199). والذين آمنوا منهم بالقرآن ﴿أُولَٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ (القصص 54)، وفي الحديث الصحيح أنّ الأجرين لإيمانهم بنبيّهم ثم إيمانهم بمحمد ﷺ.
آية الميثاق: مفتاح المسألة
في سورة آل عمران مقطعٌ يجمع الاتّجاهين في سياقٍ واحد (الآيات 81–85):
- عهدٌ على الأنبياء أنفسهم: إذا جاءهم رسولٌ يصدّق ما معهم فعليهم أن يؤمنوا به وينصروه: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ (آل عمران 81).
- الإسلام دين الكون كلّه: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ (آل عمران 83).
- تعريف الإسلام بالإيمان بالرسل جميعاً: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ … لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران 84).
- ثم الحكم: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (آل عمران 85).
فالإسلام الذي لا يُقبل غيره هو الإسلام الموصوف في الآية التي قبله مباشرة: إيمانٌ بما أُنزل على الأنبياء كلّهم، ومنه ما أُنزل على محمد ﷺ. ومن ردّ رسولاً جاءه فقد فرّق بين الرسل، والتفريق بينهم كفرٌ صريح في سورة النساء (150–151). وبعبارةٍ أبسط: عموم الإسلام لا يفتح باباً للالتفاف على الرسالة الأخيرة، لأنّ الإيمان بكلّ رسولٍ يأتي جزءٌ من تعريف الإسلام نفسه.
كيف فهم المفسّرون آية البقرة 62؟
هذه الآية، ومثلها المائدة 69، أكثر آيات الباب نقاشاً: هل يكفي اليهوديَّ والنصرانيَّ أن يؤمن بالله واليوم الآخر ويعمل صالحاً، وإن لم يؤمن بمحمد ﷺ؟ للمفسّرين فيها أربعة أقوال:
| القول | قائله | عبارته |
|---|---|---|
| الآية منسوخة، أي رُفع حكمها، بقوله ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ | ابن عبّاس، في رواية عليّ بن أبي طلحة عنه | قال الطبريّ: «وهذا الخبر يدل على أن ابن عباس كان يرى أن الله جل ثناؤه كان قد وعد من عمل صالحا - من اليهود والنصارى والصابئين - على عمله، في الآخرة الجنة، ثم نسخ ذلك» (جامع البيان 2/155) |
| الآية فيمن مات على دين نبيّه قبل بعثة محمد ﷺ | السدّيّ ومجاهد، في خبر أصحاب سلمان الفارسيّ | «فكان إيمان اليهود: أنه من تمسك بالتوراة وسنة موسى، عليه السلام؛ حتى جاء عيسى» (تفسير ابن كثير 1/284) |
| الإيمان المطلوب من أهل الكتاب هو التصديق بمحمد ﷺ | الطبريّ | «وأما إيمان اليهود والنصارى والصابئين، فالتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به» (جامع البيان 2/148) |
| الآية تقرّر سنّة الله في الأمم، ولا تشترط في لفظها الإيمان بمحمد ﷺ | محمد عبده ورشيد رضا | «ولا إشكال في عدم اشتراط الإيمان بالنبي - صلى الله عليه وسلم؛ لأن الكلام في معاملة الله - تعالى - لكل الفرق أو الأمم المؤمنة بنبي ووحي بخصوصها» (تفسير المنار 1/278) |
ولم يأخذ الطبريّ بالنسخ، وقال: «والذي قلنا من التأويل الأول، أشبه بظاهر التنزيل» (2/155). وجمع ابن كثير بين قول ابن عبّاس وقول السدّيّ، فجعل قول ابن عبّاس «إخبار عن أنه لا يقبل من أحد طريقة ولا عملا إلا ما كان موافقا لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم» بعد بعثته، «فأما قبل ذلك فكل من اتبع الرسول في زمانه فهو على هدى وسبيل ونجاة» (1/285).
وقول المنار أدقّ ممّا يُنسب إليه. فرشيد رضا يجعل الوعد لـ«أهل الأديان الإلهية - وهم الذين بلغتهم دعوة نبي على وجهها وبشرطها - إذا آمنوا بالله واليوم الآخر على الوجه الصحيح الذي بينه نبيهم وعملوا الأعمال الصالحة» (1/281)، ويقرّر أنّ اليهود والنصارى مسؤولون عن العمل بدينهم «حتى يأتيهم هدي آخر، كأن تبلغهم دعوة الإسلام» (1/280). ونقل تقسيم الغزاليّ لمن بلغتهم دعوة محمد ﷺ: من لم يعلم بها، ومن بلغته على غير وجهها، فهما في حكم الناجين، و«من بلغته الدعوة على وجهها ولم ينظر في أدلتها إهمالا أو عنادا أو استكبارا وهؤلاء مؤاخذون حتما» (1/280–281). فالخلاف بين المنار والجمهور ليس في وجوب الإيمان بمحمد ﷺ على من بلغته رسالته على وجهها، أي صحيحةً واضحةً بأدلّتها، بل في موضع هذا الشرط: أهو في لفظ الآية نفسها، أم في آياتٍ أخرى؟ وفي تحديد من بلغته الرسالة على وجهها.
وروى الطبريّ عن ابن جريج عن مجاهد خبراً مرسلاً، أي يرويه التابعيّ عن النبيّ ﷺ دون ذكر الصحابيّ، في أصحاب سلمان، يجمع الكلمتين على قسمة الفكرة نفسها: «من مات على دين عيسى ومات على الإسلام قبل أن يسمع بي، فهو على خير؛ ومن سمع بي اليوم ولم يؤمن بي فقد هلك» (2/155). فدين عيسى يُسمّى فيه إسلاماً، والجواب على محمد ﷺ يُسمّى إيماناً. والخبر مرسل، فيُستأنس به ولا يُعتمد عليه وحده.
ما في الصحيح
- «والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار» (صحيح مسلم، رقم 153).
- «ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب، آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم» (صحيح البخاري، رقم 97).
الحديثان يستعملان «الإيمان» للجواب على كلّ رسول: إيمانٌ بنبيّه، ثم إيمانٌ بمحمد ﷺ. والحديث الأوّل يقيّد الحكم بالسماع: «لا يسمع بي». وهذا موافقٌ لقوله ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام 19)، ولقوله ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء 15).
خلاصة القسم:
- الإسلام مشترك. من أسلم وجهه لله من أهل الكتاب قبل نزول القرآن كان مسلماً، والقرآن يشهد بذلك (القصص 53).
- الإيمان تابعٌ للرسول الذي يأتي. إيمان كلّ أمّة جوابها على رسولها. فلمّا جاء محمد ﷺ صار الإيمان المطلوب ممّن بلغته رسالته من أهل الكتاب إيماناً به (آل عمران 81، الأعراف 157–158، البقرة 41).
- وهذا الإيمان جزءٌ من الإسلام نفسه. الإسلام في آل عمران 84–85 إيمانٌ بالرسل جميعاً دون تفريق، فعموم الإسلام لا يجعل ردّ الرسالة الأخيرة طريقاً آخر إليه.
- والبقرة 62 وعدٌ قائم لمن حقّق شرطها. والخلاف في دخول الإيمان بمحمد ﷺ في هذا الشرط بعد بعثته، وسياق الآيتين في البقرة والمائدة يرجّح دخوله في حقّ من بلغته الرسالة. أمّا من لم تبلغه على وجهها فأمره إلى الله.
ماذا قال العلماء؟
لم يتّفق العلماء على العلاقة بين الكلمتين. منهم من جعلهما اسمين لشيءٍ واحد، ومنهم من فرّق بينهما، ومنهم من قال إنّهما متلازمتان، ومنهم من جعل المعنى تابعاً للموضع. وفيهم من قسّم الإسلام نفسه قسمين، ومن سبق الفكرة إلى بعض ما تقوله.
أربعة مواقف
| الموقف | من قال به | من كلامه |
|---|---|---|
| اسمان لشيءٍ واحد | محمد بن نصر المروزيّ، ونسبه إلى «الجمهور الأعظم من أهل السنة والجماعة وأصحاب الحديث» | «الإيمان الذي دعا الله العباد إليه، وافترضه عليهم هو الإسلام الذي جعله دينا» (تعظيم قدر الصلاة 2/529) |
| اسمان لشيئين مختلفين | الزهريّ وأحمد بن حنبل وغيرهما | سُئل أحمد: «يفرق بين الإسلام والإيمان؟ فقال لي: نعم»، واحتجّ بالحجرات 14، وقال: «الإيمان قول وعمل، والإسلام إقرار» (2/528) |
| متلازمان، لا يوجد أحدهما بلا الآخر | «الفقه الأكبر» المنسوب إلى أبي حنيفة | «فمن طريق اللغة فرق بين الإسلام والإيمان ولكن لا يكون إيمان بلا اسلام ولا يوجد إسلام بلا إيمان وهما كالظهر مع البطن» (الفقه الأكبر ص 57) |
| المعنى بحسب الموضع | الغزاليّ، وابن رجب | الغزاليّ: «قد ورد باستعمالهما على سبيل الترادف والتوارد وورد على سبيل الاختلاف وورد على سبيل التداخل» (إحياء علوم الدين 1/116)؛ وقاعدة ابن رجب في الإفراد والاقتران، وقد سبقت في قسم «حين تجتمع الكلمتان» |
ولا يصحّ ادّعاء الإجماع في أيّ اتّجاه. فابن كثير يقول إنّ كون الإيمان أخصّ من الإسلام هو «مذهب أهل السنة والجماعة» (تفسير القرآن العظيم 7/389)، والمروزيّ يجعل التسوية قول جمهورهم. وابن رجب يحكي الخلاف صريحاً: «فمنهم من يدعي أن جمهور أهل السنة على أنهما شيء واحد: منهم محمد بن نصر المروزي، وابن عبد البر»، «ومنهم من يحكي عن أهل السنة التفريق بينهما» (جامع العلوم والحكم 1/110–111).
القسمة المشهورة: الإسلام ظاهر، والإيمان باطن
استقرّ في اصطلاح العلماء، من السنّة والشيعة، أنّ الإسلام هو الظاهر الذي تُبنى عليه الأحكام في الدنيا، والإيمان هو الباطن الذي يُبنى عليه الثواب في الآخرة:
- حديث جبريل: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت»، والإيمان «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» (صحيح مسلم، رقم 8).
- ابن رجب: «والتحقيق في الفرق بينهما: أن الإيمان هو تصديق القلب، وإقراره، ومعرفته، والإسلام: هو استسلام العبد لله، وخضوعه، وانقياده له» (1/111).
- الكافي للكلينيّ، من كتب الحديث عند الشيعة الإماميّة: «الاسلام يحقن به الدم، وتؤدى به الأمانة، وتستحل به الفروج، والثواب على الايمان» (2/24).
وهذه القسمة لا تطابق استعمال القرآن في أربعة أمور:
- الأحكام: ما تجعله القسمة للإسلام، كحرمة الدم والزواج، يجعله القرآن للإيمان المعلَن، كما سبق في قسم النداء والأحكام.
- القدر: يُعدّ في حديث جبريل ممّا يُؤمَن به، ولا يرد في قوائم الإيمان القرآنيّة (البقرة 177، النساء 136).
- الموت: يُطلب في القرآن أن يكون على الإسلام: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. أمّا الدعاء الذي يورده ابن رجب في صلاة الجنازة فيجعل الموت على الإيمان: «اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان»، وعلّله بأنّه «عند الموت فلا يبقى غير التصديق بالقلب» (1/112).
- الرتبة: صار «المؤمن» في هذه القسمة لقباً عالياً يُتهيَّب، حتى نقل ابن رجب أنّ الحسن وابن سيرين كانا يقولان «مسلم» ويهابان «مؤمن» (1/111)؛ والقرآن ينادي الجماعة كلّها بـ«الذين آمنوا».
فالقسمة اجتهادٌ رتّب به العلماء نصوص الحديث مع آية الحجرات 14، وليست وصفاً لاستعمال القرآن كلّه.
من قال إنّ الإسلام إسلامان
قسّم بعض العلماء الإسلام نفسه قسمين، على وجهين مختلفين:
- في الرتبة: قال الراغب الأصفهانيّ: «والإسلام في الشرع على ضربين: أحدهما: دون الإيمان، وهو الاعتراف باللسان، وبه يحقن الدم، حصل معه الاعتقاد أو لم يحصل»، وشاهده الحجرات 14، «والثاني: فوق الإيمان، وهو أن يكون مع الاعتراف اعتقاد بالقلب، ووفاء بالفعل، واستسلام لله في جميع ما قضى وقدر»، وشاهده إسلام إبراهيم (المفردات 1/423). وجعل الطباطبائيّ للإسلام أربع مراتب، وقال: «فمن الاسلام ما يتأخر عن الايمان محققا» (الميزان 1/301).
- في السعة: فرّق ابن تيمية بين إسلامٍ خاصّ وإسلامٍ عامّ: «فإن الإسلام الخاص الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم المتضمن لشريعة القرآن: ليس عليه إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم»، «وأما الإسلام العام المتناول لكل شريعة بعث الله بها نبيا فإنه يتناول إسلام كل أمة متبعة لنبي من الأنبياء»، وقال في الخلاف في تسمية أتباع موسى وعيسى مسلمين: «وهو نزاع لفظي» (مجموع الفتاوى 3/94). وقيّد ذلك قبله بقوله: «فمن بلغته رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يقر بما جاء به لم يكن مسلما ولا مؤمنا» (3/93).
والإسلام في الفكرة المختبَرة يجمع الوجهين: هو الإسلام العامّ في السعة، والإسلام الأعلى في الرتبة، كما في إسلام الأنبياء ودعائهم أن يموتوا عليه.
من سبق إلى الفكرة
- الراغب الأصفهانيّ في الإيمان: «والإيمان يستعمل تارة اسما للشريعة التي جاء بها محمد عليه الصلاة والسلام»، ثم قال: «ويوصف به كل من دخل في شريعته مقرا بالله وبنبوته» (المفردات 1/91). وهذه تكاد تكون عبارة الفكرة نفسها: المؤمن من آمن بالله وبالنبوّة.
- ابن كثير: «وسميت أمة محمد صلى الله عليه وسلم مؤمنين لكثرة إيمانهم وشدة إيقانهم، ولأنهم يؤمنون بجميع الأنبياء الماضية والغيوب الآتية» (تفسير القرآن العظيم 1/285).
- ابن تيمية في دين الأنبياء: «فدين الأنبياء واحد وهو دين الإسلام كلهم مسلمون مؤمنون» (مجموع الفتاوى 35/364).
- الطبريّ في التسمية: «سماكم يا معشر من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم المسلمين من قبل» (جامع البيان 18/691).
محمد شحرور
أقرب المعاصرين إلى الفكرة المفكّر السوريّ محمد شحرور، صاحب كتاب «الإسلام والإيمان: منظومة القيم» (1996). ففي القسم المعنون «القسم الأول: الإسلام والإيمان» على موقعه يقول: «الإسلام أعم من الإيمان، فهو دين عام إنساني لكل أهل الأرض»، ويجعل من أركان الإيمان «الإيمان بمحمد (ص) وبما أنزل عليه». وهذا لبّ الفكرة.
لكنّه يخالفها في ثلاثة أمور، والنصّ في الثلاثة أقرب إلى الفكرة منه إليه:
| المسألة | قول شحرور | ما في القرآن |
|---|---|---|
| أين يقع الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح؟ | في الإسلام: «أركان الإسلام هي الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح (الأخلاق والمعاملات)» | يعبّر عنها القرآن بفعل الإيمان: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، ولا يُذكر الإسلام في القرآن لغير الله |
| ما أركان الإيمان؟ | «التصديق بالرسل والرسالات والشعائر والشورى والقتال» | قوائم الإيمان في القرآن: الله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر (البقرة 177، النساء 136)، والشعائر أعمالٌ تقترن بالإيمان ولا يُؤمَن بها |
| أيّهما أوّلاً؟ | «الإسلام يتقدم دائماً على الإيمان ويسبقه» | يأتي الإسلام بعد الإيمان عند الحواريّين والسحرة والجنّ، وقبله عند الأعراب ومؤمني أهل الكتاب |
فالفكرة توافق شحرور في عموم الإسلام وفي ربط الإيمان بالرسالة، وتفارقه في نقل الإيمان بالله واليوم الآخر من باب الإيمان إلى باب الإسلام. والنصّ القرآنيّ معها في هذا الفرق.
خلاصة القسم: العلماء مختلفون في العلاقة بين الكلمتين، ولا إجماع في المسألة. والقسمة المشهورة، الإسلام ظاهر والإيمان باطن، اجتهادٌ لا يطابق استعمال القرآن كلّه. وللفكرة سلفٌ واضح عند الراغب وابن كثير وابن تيمية والطبريّ.
اعتراضات وأجوبة
هذه أقوى سبعة اعتراضات على الفكرة، من القرآن ومن التراث، مع الجواب عن كلٍّ منها، وما يُسلَّم به منه.
1. الإيمان لا يأتي «دائماً» في سياق الرسالة
الاعتراض: عبارة «بالله واليوم الآخر» ترد في 21 آية دون ذكر الرسول، وفي ستٍّ منها لا يُذكر رسولٌ ولا وحيٌ قريباً من الآية: البقرة 8 و126 و228 و264، والنساء 38، والتوبة 19. ويرد الإيمان بالله وحده: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (التغابن 11)، ويرد إيمانٌ بالباطل في ستّة مواضع، وثقةٌ بأشخاصٍ ليسوا رسلاً في خمسة.
الجواب: المواضع الستّة كلّها في سياق العمل والمسؤوليّة: إنفاقٌ رياءً أمام الناس (البقرة 264، النساء 38)، وادّعاء المنافقين (البقرة 8)، وكتمان المطلّقة ما في رحمها (البقرة 228)، والمفاضلة بين الأعمال (التوبة 19)، ودعاء إبراهيم لأهل مكّة (البقرة 126). فذكر الله واليوم الآخر هو المقصود فيها، لأنّهما طرفا المسؤوليّة. ومن آمن بالله إيماناً صحيحاً صدّق رسله؛ ولهذا فسّر الطبريّ «من آمن بالله واليوم الآخر» في حقّ أهل الكتاب بالتصديق بمحمد ﷺ.
ما يُسلَّم به: كلمة «دائماً» أوسع من النصّ، والأدقّ «غالباً»: الرسالة حاضرة في 106 مواضع من 179، والله أو رسالته في 162 منها.
2. الإيمان أيضاً عامٌّ في الأمم، فما الفرق؟
الاعتراض: إذا كان الإيمان جواب كلّ أمّة على رسولها، والأنبياء أنفسهم موصوفين به (الصافات 81 و111 و122 و132)، فهو عامٌّ كالإسلام. فلا يصحّ أن يُجعل الإسلام هو العامّ والإيمان هو الخاصّ.
الجواب: الاعتراض صحيح، وهو يصحّح موضع الفرق. فالفرق بين الكلمتين ليس في امتدادهما في التاريخ، بل في وظيفتهما: الإسلام اسم الدين الواحد الذي يُنسب إليه ويُتوارث، ولا يكون إلا لله؛ والإيمان تصديقٌ بالله وبما أرسل، يتجدّد مع كلّ رسالة.
ما يُسلَّم به: تُصاغ الفكرة على أساس الوظيفة، لا على أساس أنّ إحدى الكلمتين قديمة والأخرى خاصّة بأمّة محمد ﷺ.
3. القرآن يسوّي بين الاسمين
الاعتراض: آل لوط «مؤمنون» و«مسلمون» في آيتين متتاليتين (الذاريات 35–36)، وقوم موسى يُخاطَبون بالشرطين معاً (يونس 84)، والوعد الواحد يأتي بالكلمتين (البقرة 62 و112، البقرة 256 ولقمان 22، البقرة 137 وآل عمران 20). وبهذا قال المروزيّ، ونسبه إلى جمهور أهل السنّة.
الجواب: هذه المواضع تُثبت أنّ الكلمتين تجتمعان في الشخص الكامل وفي الغاية، ولا تُثبت أنّهما بمعنىً واحد. فالحجرات 14 تُثبت الإسلام وتنفي الإيمان عن قومٍ بأعيانهم، والأحزاب 35 والتحريم 5 تعدّانهما صفتين.
ما يُسلَّم به: في أكثر المواضع تقع الكلمتان على الأشخاص أنفسهم؛ فالفرق فرقٌ في المعنى والوظيفة، لا فرقٌ بين جماعتين.
4. «الإسلام» في المدينة اسمٌ لدين محمد ﷺ
الاعتراض: يقول تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة 3)، ويُسأل أهل الكتاب ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ (آل عمران 20)، فلم يكونوا مسلمين، ويقال في المنافقين ﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ (التوبة 74)، وفي الأعراب ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ (الحجرات 17). وحديث جبريل يعرّف الإسلام بالشهادتين والأركان الخمسة. فالإسلام بمعناه الشرعيّ هو دين محمد ﷺ.
الجواب: القرآن يستعمل المعنيين: العامّ في قصص الأنبياء وملّة إبراهيم، والخاصّ في دعوة النبيّ ﷺ ومن دخل فيها. وإكمال الدين في المائدة 3 إكمالٌ للدين الواحد الذي شُرع لنوح وإبراهيم وموسى وعيسى (الشورى 13)، لا دينٌ جديد. وحديث جبريل يعرّف الإسلام كما تمارسه أمّة محمد ﷺ، وهو ما سمّاه ابن تيمية «الإسلام الخاص».
ما يُسلَّم به: لا يصحّ نفي المعنى الخاصّ. والفكرة تقول إنّ الإسلام «ليس محصوراً» في دين محمد ﷺ، ولا تقول إنّ دينه ليس إسلاماً.
5. ركنان ناقصان: الملائكة والكتب
الاعتراض: تعدّ الفكرة أركان الإيمان: الله، ورسالة النبيّ، واليوم الآخر، والعمل الصالح. والقرآن يعدّها: الله، والملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر (البقرة 177، النساء 136)، ويقول في البقرة 285: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾. فالفكرة تُسقط ركنين وتضيف ما ليس منها.
الجواب: الملائكة والكتب داخلان في «الرسالة» إذا فُهمت بطريقها ومضمونها: المَلَك الذي يبلّغ، والكتاب الذي يُنزَّل. والعمل الصالح رفيقٌ للإيمان، لا شيءٌ يُصدَّق به.
ما يُسلَّم به: الصياغة الأدقّ تسمّي الأركان الخمسة كما سمّاها القرآن، وتضع العمل الصالح في موضعه.
6. العمل: داخلٌ في الإيمان أم خارجٌ عنه؟
الاعتراض: يأتي من جهتين متعاكستين. فمن يجعل الإيمان تصديقاً فقط يقول إنّ الواو في ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ تدلّ على أنّ العمل غير الإيمان، فلا يكون ركناً فيه. وأهل الحديث يقولون «الإيمان قول وعمل»، فالعمل عندهم ركنٌ فيه لا رفيقٌ له.
الجواب: النصّ يجمع الأمرين: واوٌ تميّز بينهما (خمسون موضعاً)، وشرطٌ يربطهما ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (ستّ آيات)، و«إنّما» تُدخل العمل في وصف المؤمنين حقّاً: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (الأنفال 2) إلى قوله ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (الأنفال 4). وقال ابن عاشور في «إنّما» في الحجرات 15 إنّها لا تعني أنّ حقيقة الإيمان لا تقوم إلا بالعمل.
ما يُسلَّم به: العمل الصالح ركنٌ في الإيمان الذي يُنجي، وليس ممّا يُصدَّق به. وهذا ما انتهى إليه قسم «أين العمل الصالح؟».
7. عموم الإسلام قد يُفهم طريقاً بديلاً عن الرسالة الأخيرة
الاعتراض: إذا كان كلّ من أسلم وجهه لله من أيّ ملّة مسلماً، فلا معنى لدعوة أهل الكتاب إلى الإيمان بمحمد ﷺ، ولا لختم النبوّة. وابن تيمية صريحٌ في ذلك: «فمن بلغته رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يقر بما جاء به لم يكن مسلما ولا مؤمنا» (مجموع الفتاوى 3/93)، وفي صحيح مسلم: «لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار» (رقم 153).
الجواب: هذا لازمٌ لصيغةٍ موسَّعة من الفكرة، لا لجوهرها. فالإسلام الذي لا يُقبل غيره في آل عمران 85 هو المعرَّف في الآية قبلها بالإيمان بالرسل جميعاً دون تفريق، والعهد في آل عمران 81 أُخذ على الأنبياء أنفسهم أن يؤمنوا بالرسول الآتي.
ما يُسلَّم به: تُقيَّد الفكرة بأنّ عموم الإسلام لا يُسقط الإيمان بالرسالة الأخيرة عمّن بلغته على وجهها.
الحكم على الفكرة
عبارةً عبارة
| عبارة الفكرة | الحكم | السبب |
|---|---|---|
| المؤمن هو الذي آمن بالله وبالنبوّة أو الرسالة | صحيح | ما يُؤمَن به صراحةً هو الله أو رسالته في 162 موضعاً من 179، وآيتا الحجرات 15 والنور 62 تحدّدان المؤمنين بالإيمان بالله ورسوله |
| ودائماً تأتي في سياق ذلك | صحيح غالباً لا دائماً | عبارة «بالله واليوم الآخر» في 21 آية، ستٌّ منها لا يُذكر قريباً منها رسولٌ ولا وحي |
| أركانه: الإيمان بالله ورسالة نبيّه واليوم الآخر | صحيح ناقص | يكتمل بالملائكة والكتب كما في البقرة 177 والنساء 136 |
| والعمل الصالح | صحيح بقيد | ركنٌ في الإيمان الذي يُنجي، ورفيقٌ له وشرطٌ لنفعه، لا ممّا يُصدَّق به |
| الإسلام هو ما كان عليه كلّ الأنبياء من قبل | صحيح | نوح وإبراهيم ويعقوب ويوسف وموسى وسليمان والحواريّون موصوفون به، والدين واحد (الشورى 13) |
| وليس محصوراً بدين النبيّ محمد ﷺ | صحيح بقيدين | للإسلام معنى خاصّ ودرجات، والإسلام العامّ يتضمّن الإيمان بالرسل جميعاً، فلا يُسقط الرسالة الأخيرة عمّن بلغته |
فالفكرة صحيحةٌ في جوهرها، وأقوى شقّيها الثاني، أي عموم الإسلام. ويحتاج شقّها الأوّل إلى ضبطٍ في ثلاثة مواضع: كلمة «دائماً»، وعدد الأركان، وموضع العمل الصالح. ويحتاج شقّها الثاني إلى قيدين: المعنى الخاصّ للإسلام، وعدم إسقاط الرسالة الأخيرة.
أين يقع الفرق بالضبط؟
ليس الفرق أنّ إحدى الكلمتين قديمة والأخرى خاصّة بأمّة محمد ﷺ، فكلتاهما تتكرّر مع كلّ رسالة. الفرق في الوظيفة:
| الوجه | الإسلام | الإيمان |
|---|---|---|
| ما هو؟ | تسليم النفس كلّها لله وحده | تصديقٌ مع ثقةٍ واطمئنان |
| يتّجه إلى | الله وحده | الله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر |
| صلته بالرسل | دينٌ واحد يتوارثه الأنبياء وأتباعهم | جواب كلّ أمّة على الرسول الذي جاءها |
| وظيفته في الجماعة | الاسم: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ | النداء والأحكام: «يا أيّها الذين آمنوا» |
| موقعه من الحياة | يُسأل في الخاتمة، ويكون طوعاً وكرهاً | موضعه القلب، ويزيد، ولا يكون بالإكراه |
الفكرة بصياغةٍ أدقّ
- الإسلام في القرآن تسليم النفس لله وحده، ولا يُسلَم فيه لغير الله. وهو الدين الواحد الذي كان عليه الأنبياء وأتباعهم من نوح إلى محمد ﷺ، وبه سُمّيت أمّة محمد ﷺ «من قبل وفي هذا».
- وللإسلام درجات ومعنيان. درجاته من انقيادٍ ظاهر لم يدخل معه الإيمان القلب (الحجرات 14) إلى إسلام الأنبياء الذي يُسأل في الخاتمة (البقرة 131، يوسف 101). ومعناه العامّ دين الأنبياء، ومعناه الخاصّ الدخول في دعوة محمد ﷺ (آل عمران 20، الحجرات 17).
- الإيمان تصديقٌ وثقة، يتّجه إلى الله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر. وهو في كلّ أمّة جوابها على الرسول الذي جاءها، ولذلك يغلب أن يأتي في سياق الرسالة.
- العمل الصالح رفيق الإيمان، وشرط نفعه، وبرهان صدقه، لا ممّا يُصدَّق به؛ والإيمان الذي يُنجي إيمانٌ وعمل.
- تفترق الكلمتان في المعنى وتجتمعان في الكمال: قد يُثبت أحدهما ويُنفى الآخر (الحجرات 14)، وقد يُعدّان صفتين (الأحزاب 35)، ويلتقيان في الغاية (الآيات المتوازية). وإذا جاءت إحداهما وحدها في موضعٍ دخلت فيها الأخرى غالباً.
- في المدينة صار «الذين آمنوا» نداء الجماعة واسمها في الأحكام، وصار «المسلمين» اسمها الموروث من ملّة إبراهيم.
- عموم الإسلام لا يجعل ردّ الرسالة الأخيرة طريقاً إليه. فالإسلام في آل عمران 84–85 إيمانٌ بالرسل جميعاً دون تفريق، والعهد أُخذ على الأنبياء أن يؤمنوا بالرسول الآتي. ومن لم تبلغه الرسالة على وجهها فأمره إلى الله.
أسئلة للنقاش
هذه أسئلة موجّهة إلى ثلاث قراءات تخالفها الدراسة: من يحصر الإسلام في دين محمد ﷺ، ومن يسوّي بين الكلمتين أو يجعل الإيمان درجةً فوق الإسلام في كلّ حال، ومن يجعل عموم الإسلام طريقاً بديلاً عن الرسالة الأخيرة.
شروط الجواب المقبول:
- أن يكون من نصّ القرآن أو مبنيّاً عليه.
- ألّا يحتجّ بإجماعٍ نُقل فيه خلافٌ معروف؛ فابن رجب يحكي الخلاف في التسوية والتفريق بين أهل السنّة أنفسهم.
- ألّا يدور على نفسه: لا يُفسَّر «الإسلام» بأنّه دين محمد ﷺ، ثم يُستدلّ بهذا التفسير على أنّه دين محمد ﷺ.
- أن يتّسق مع المواضع كلّها، لا مع بعضها.
إلى من يحصر الإسلام في دين محمد ﷺ
- بأيّ معنى قال نوح ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (يونس 72)، وقال أبناء يعقوب لأبيهم ﴿إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة 133)؟
- كيف وُصف إبراهيم بأنّه ﴿كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ (آل عمران 67)، والحجّة على أهل الكتاب في الآيات نفسها أنّ التوراة والإنجيل نزلا بعده: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ (آل عمران 65)؟
- بأيّ إسلامٍ كان قومٌ من أهل الكتاب مسلمين «من قبله» حين قالوا ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ (القصص 53)؟
- من هم ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ (المائدة 44) الذين يحكمون بالتوراة؟
إلى من يسوّي بين الكلمتين
- كيف يُنفى الإيمان ويُثبت الإسلام لقومٍ واحد في وقتٍ واحد (الحجرات 14) إذا كانا اسمين لشيءٍ واحد؟
- لماذا تعدّ الأحزاب 35 «المسلمين والمسلمات» و«المؤمنين والمؤمنات» صفتين، كما تعدّ «القانتين» و«الصادقين»؟
- لماذا يتّجه الإيمان إلى الله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، ولا يتّجه الإسلام في أيّ موضعٍ إلا إلى الله؟
- لماذا يوصف الإيمان بالزيادة في ستّ آيات، ولا يوصف الإسلام بها قطّ؟
إلى من يجعل الإيمان درجةً فوق الإسلام في كلّ حال
- لماذا يُؤمر «الذين آمنوا» أن يموتوا مسلمين (آل عمران 102)، ويسأل يوسف بعد النبوّة والملك ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (يوسف 101)؟
- لماذا جاء الإسلام بعد الإيمان في قول الحواريّين ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران 52)، وفي قول سحرة فرعون (الأعراف 121 و126)؟
- إذا كان «المسلم» هو الاسم الذي تُبنى عليه الأحكام، فلماذا لم يرد «مسلم» في حكمٍ قرآنيّ واحد، وورد «مؤمن» في الزواج والقتل والقذف والولاء؟
- لماذا لم يناد القرآن الجماعة «يا أيّها المسلمون» مرّةً واحدة، ونادى «يا أيّها الذين آمنوا» 89 مرّة؟
إلى القراءة الموسّعة
- كيف تُقرأ آية العهد ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ (آل عمران 81)، وقد أُخذ العهد على الأنبياء أنفسهم؟
- ما الإسلام الذي لا يُقبل غيره في آل عمران 85، إن لم يكن الإسلام المعرَّف في الآية قبلها بالإيمان بالرسل جميعاً دون تفريق؟
- إذا كان الإيمان بالله واليوم الآخر من أركان الإسلام لا من أركان الإيمان، فلماذا عبّر عنه القرآن بفعل الإيمان في 21 آية، ولم يقل مرّةً «أسلم لله واليوم الآخر»؟
- إذا كان الإسلام يسبق الإيمان دائماً، فكيف جاء بعده عند الحواريّين والسحرة والجنّ؟
لا تطلب هذه الأسئلة جواباً عن كلٍّ منها وحده، بل جواباً واحداً يتّسق مع المواضع كلّها. والصياغة الأدقّ في القسم السابق محاولةٌ لهذا الجواب، وهي معروضةٌ للنقد بالشروط نفسها.
ملحق 1: آيات الإسلام الخمس والستون بحسب موضوعها
هذه الآيات الخمس والستون التي ترد فيها كلمات الإسلام (أسلَمَ، يُسلم، مسلم، إسلام)، وعدد مواضعها 72. وُضعت كلّ آيةٍ تحت موضوعٍ واحد بحسب المقطع الذي ترد فيه، والمكّيّ والمدنيّ بحسب السورة.
| الموضوع | العدد | مكّيّ / مدنيّ | المواضع |
|---|---|---|---|
| قصص الأنبياء وأقوامهم | 19 | 11 / 8 | البقرة 128 و131 و132 و133؛ آل عمران 52 و67؛ المائدة 44 و111؛ الأعراف 126؛ يونس 72 و84 و90؛ يوسف 101؛ النمل 31 و38 و42 و44؛ الصافات 103؛ الذاريات 36 |
| خطاب الجماعة المؤمنة ووصف المسلمين | 16 | 10 / 6 | آل عمران 102؛ المائدة 3؛ الأنعام 125؛ النحل 89 و102؛ الحج 34 و78؛ النمل 81؛ الروم 53؛ لقمان 22؛ الأحزاب 35؛ الزمر 22؛ فصلت 33؛ الزخرف 69؛ الأحقاف 15؛ التحريم 5 |
| الحوار مع أهل الكتاب | 12 | 2 / 10 | البقرة 112 و136؛ آل عمران 19 و20 و64 و80 و83 و84 و85؛ النساء 125؛ القصص 53؛ العنكبوت 46 |
| دعوة الناس والمشركين | 7 | 6 / 1 | هود 14؛ الحجر 2؛ النحل 81؛ الأنبياء 108؛ الزمر 54؛ الصف 7؛ القلم 35 |
| أمر النبيّ ﷺ بالإسلام | 6 | 6 / 0 | الأنعام 14 و71 و163؛ النمل 91؛ الزمر 12؛ غافر 66 |
| الأعراب والمنافقون والمحاربون | 4 | 0 / 4 | التوبة 74؛ الفتح 16؛ الحجرات 14 و17 |
| الجنّ | 1 | 1 / 0 | الجن 14 |
| المجموع | 65 | 36 / 29 |
المواضع التي تحتمل أكثر من موضوع:
- آل عمران 67 والمائدة 44 وُضعتا في قصص الأنبياء، لأنّهما وصفٌ لنبيٍّ أو أنبياء بالإسلام، مع أنّ سياقهما الحوار مع أهل الكتاب.
- آل عمران 83 في الحوار مع أهل الكتاب بسياقها (الآيات 81–85)، مع أنّ موضوعها إسلام من في السماوات والأرض.
- النساء 125 في الحوار مع أهل الكتاب، لأنّها جوابٌ على ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (النساء 123).
- القصص 53 في الحوار مع أهل الكتاب، وهي عن قومٍ منهم حين سمعوا القرآن.
- النحل 81 في دعوة الناس، وهي ختام تعداد النعم: ﴿كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾.
- الفتح 16 مع الأعراب والمحاربين، والإسلام فيها انقياد المحاربين: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾.
- الجن 14 وحدها، لأنّها حكايةٌ عن غير البشر.
ولو نُقلت آل عمران 67 والمائدة 44 إلى الحوار مع أهل الكتاب لصار عدد آيات القصص 17 وعدد آيات الحوار 14، ولا يتغيّر بذلك شيءٌ من نتائج الدراسة.
ملحق 2: ما يُؤمَن به في القرآن موضعاً موضعاً
هذه المواضع الـ198 التي ذُكر فيها ما يُؤمَن به بلفظه، أو عاد إليه ضميرٌ واضح المرجع. كلّ موضعٍ معدودٌ مرّةً واحدة بحسب ما اجتمع فيه، ويُذكر رقم الآية مرّتين إذا ورد فيها موضعان. وعمود «في النفي» يعدّ ما جاء منفيّاً أو في الذمّ، كقوله ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾.
ما يُؤمَن به بحقّ: 179 موضعاً
| ما يُؤمَن به | المواضع | في النفي | الآيات |
|---|---|---|---|
| الوحي والكتاب والآيات | 56 | 16 | البقرة 4 و41 و85 و91 (مرّتان) و121 و285؛ آل عمران 7 و53 و72 و119؛ النساء 47 و60 و162؛ الأنعام 25 و54 و92 و109 و110 و118؛ الأعراف 75 و76 و87 و101 و126 و146 و156 و185؛ يونس 40 (مرّتان) و74؛ هود 17؛ الحجر 13؛ النحل 104 و105؛ الإسراء 107؛ الكهف 6؛ طه 127؛ الحج 54؛ الشعراء 199 و201؛ النمل 81؛ القصص 52 و53؛ العنكبوت 46 و47 (مرّتان)؛ الروم 53؛ السجدة 15؛ سبأ 31؛ الشورى 15؛ الزخرف 69؛ محمد 2؛ الجن 2 و13؛ المرسلات 50 |
| الرسول أو الرسل | 22 | 11 | البقرة 55؛ آل عمران 81 و183؛ النساء 150 و159؛ المائدة 12؛ الأعراف 132 و134 و157؛ يونس 78 و83؛ هود 53؛ الإسراء 90 و93؛ طه 71؛ المؤمنون 38 و47؛ الشعراء 49 و111؛ العنكبوت 26؛ الدخان 21؛ الحديد 28 |
| الله وحده | 35 | 3 | البقرة 186 و256؛ آل عمران 52 و110 و193؛ النساء 175؛ المائدة 88؛ الأعراف 121؛ التوبة 61 و86؛ يونس 84 و90 (مرّتان)؛ يوسف 37 و106؛ الكهف 13؛ طه 70 و73؛ الشعراء 47؛ العنكبوت 10؛ يس 25؛ غافر 7 و84؛ الحديد 8 (مرّتان)؛ الممتحنة 1 و4 و11؛ التغابن 9 و11؛ الطلاق 11؛ الملك 29؛ الحاقة 33؛ الجن 13؛ البروج 8 |
| الله والرسالة معاً | 26 | 1 | البقرة 136؛ آل عمران 84 و179 و199؛ النساء 136 و152 و171؛ المائدة 59 و81 و84 و111؛ الأعراف 158 (مرّتان)؛ الأنفال 41؛ النور 47 و62 (مرّتان)؛ الفتح 9 و13؛ الحجرات 15؛ الحديد 7 و19 و21؛ المجادلة 4؛ الصف 11؛ التغابن 8 |
| الله واليوم الآخر | 21 | 4 | البقرة 8 و62 و126 و228 و232 و264؛ آل عمران 114؛ النساء 38 و39 و59 و162؛ المائدة 69؛ التوبة 18 و19 و29 و44 و45 و99؛ النور 2؛ المجادلة 22؛ الطلاق 2 |
| اليوم الآخر وحده | 16 | 14 | الأنعام 92 و113 و150؛ النحل 22 و60؛ الإسراء 10 و45؛ طه 16؛ المؤمنون 74؛ النمل 4؛ سبأ 8 و21؛ الزمر 45؛ غافر 27؛ الشورى 18؛ النجم 27 |
| الأركان مجتمعة | 2 | 0 | البقرة 177 و285 |
| الغيب | 1 | 0 | البقرة 3 |
والرسالة، أي الوحي أو الرسول أو كلاهما مع الله أو مع الأركان، حاضرةٌ في 106 مواضع منها: 56 + 22 + 26 + 2. ومن مواضع الرسول الـ22 ستّة عشر جاء فيها الفعل باللام («آمن له»)، كقوله ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ﴾.
المواضع المستبعدة: 19 موضعاً
| السبب | المواضع | الآيات |
|---|---|---|
| إيمانٌ بباطل: الجبت والطاغوت، والباطل، والجنّ، والشرك | 6 | النساء 51؛ النحل 72؛ العنكبوت 52 و67؛ سبأ 41؛ غافر 12 |
| ثقةٌ بأشخاصٍ ليسوا رسلاً («آمن لـ») | 5 | البقرة 75؛ آل عمران 73؛ التوبة 61 و94؛ يوسف 17 |
| ضميرٌ يحتمل أكثر من مرجع | 5 | النساء 55؛ الأعراف 86 و123؛ سبأ 52؛ الأحقاف 31 |
| إحالةٌ إلى ما قبله: ﴿بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ | 2 | البقرة 137 (مرّتان) |
| الإيمان بالعذاب حين يقع | 1 | يونس 51 |
ولم يُعدّ ما يشبه ذلك في الظاهر وليس منه، مثل ﴿قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ (المائدة 41) و﴿أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (يونس 100).
ملحق 3: ملاحظات على المنهج والتوثيق
النصّ والبيانات
- نصّ المصحف: رواية حفص، في نصّ «تنزيل» المشكول المنشور في مستودع fawazahmed0/quran-api على GitHub. كلّ ما بين ﴿﴾ في الدراسة مطابَقٌ آلياً على هذا النصّ حرفاً حرفاً بعد حذف علامات الوقف، وكلّ إحالةٍ إلى سورةٍ وآية فُحص وجودها.
- بيانات الصرف: Quranic Arabic Corpus، في مراجعته المنشورة في مستودع mustafa0x/quran-morphology. والعدّ بالكلمة: 812 موضعاً لكلمات الإيمان في 668 آية، و72 موضعاً لكلمات الإسلام في 65 آية.
- المكّيّ والمدنيّ: بحسب السورة في المصحف المتداول، والمدنيّ 28 سورة، منها ستّ مختلفٌ فيها: الرعد والحج والرحمن والإنسان والبيّنة والزلزلة.
قرارات العدّ
- الصيغة المعدودة. عُدّت «آمَنَ» وما تصرّف منها (يؤمن، مؤمن، إيمان)، و«أسلَمَ» وما تصرّف منها (يُسلم، مسلم، إسلام). أمّا «أَمِنَ» و«الأمن» و«الأمانة» و«السلام» و«السِّلم» و«سلّم» و«مستسلمون» فخارج الأرقام الرئيسة.
- ما يُؤمَن به. استُخرجت المواضع المرشّحة آلياً من الكلمات التي تلي الفعل، ثم رُوجعت موضعاً موضعاً، فثبت 198 موضعاً، منها 179 إيمانها بحقّ، و19 مستبعدة بسببٍ مذكور (الملحق 2). والمنفيّ معدود، لأنّ ما يُؤمَن به مذكورٌ فيه.
- اجتماع الكلمتين. تُعدّ آية الإسلام مجتمعةً مع الإيمان إذا ورد لفظ الإيمان فيها (19 آية) أو في الآية التي قبلها أو بعدها (10 آيات).
- حضور الرسول حول عبارة «بالله واليوم الآخر». حُسب حضوره في آيتين قبل الآية وآيتين بعدها، بلفظ الرسول أو النبيّ أو الإنزال أو الكتاب، أو بخطاب النبيّ ﷺ في الآية. ولم يُحسب لفظ «الآيات» في البقرة 266، ولا إبراهيم المتكلّم في البقرة 126، ولا ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ في البقرة 6. ولو حُسبت لارتفع العدد من 15 إلى 18.
- تصنيف آيات الإسلام. كلّ آيةٍ تحت موضوعٍ واحد، والمواضع المحتملة مبيّنة مع أثر نقلها (الملحق 1).
- النداء. عُدّت العبارة بلفظها، فـ«يا أيّها الذين آمنوا» 89 مرّة في 20 سورة مدنيّة، و«أيّه المؤمنون» مرّة في النور 31.
درجات النقل
- منقولٌ من مصدره ومطابَق. كلّ نصٍّ تراثيّ بين «» مطابَقٌ آلياً على نصّه الرقميّ في مشروع OpenITI، المأخوذ عن المكتبة الشاملة، مع الجزء والصفحة من الطبعة المذكورة في المصادر. وحُذفت من النقول أرقام حواشي المحقّق، والنقاط الثلاث علامة حذف.
- منقولٌ من صفحاتٍ على الشبكة. نصوص محمد شحرور منقولة من القسم المعنون «القسم الأول: الإسلام والإيمان» على موقعه، كما ظهر في 9 أكتوبر 2026، ولم تُطابَق على كتابه المطبوع. وآراء فريد دونر ملخَّصة من صفحة كتابه على موقع قسم دراسات الشرق الأدنى بجامعة برنستون، ومن عرض إلكا ليندستيدت لها في مدوّنة معهد هلسنكي للدراسات المتقدّمة، لا من كتابه مباشرة.
- ملخَّصٌ لا منقولٌ بلفظه. ما لم يوضع بين «»، مثل أسماء القائلين بأنّ الله هو المسمِّي في الحج 78، وآراء دونر.
تنبيهاتٌ على درجة الثبوت
- خبر مجاهد في أصحاب سلمان («من مات على دين عيسى ومات على الإسلام قبل أن يسمع بي...») مرسل، وخبر السدّيّ في القصّة نفسها من روايته، ولم يُعتمد على أيٍّ منهما وحده.
- قول ابن عبّاس في نسخ البقرة 62 من رواية عليّ بن أبي طلحة، وفي سماعه من ابن عبّاس كلامٌ معروف عند المحدّثين.
- دعاء صلاة الجنازة («ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان») منقولٌ عن ابن رجب، ولم تُدرس طرقه هنا.
- «الفقه الأكبر» منسوبٌ إلى أبي حنيفة، وفي نسبته إليه خلاف.
- روايات «الكافي» منقولة بوصفها ممثّلةً لتصوّر المدرسة الإماميّة، ولم تُدرس أسانيدها.
- ترقيم صحيح البخاري وصحيح مسلم ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي.
ما لم يُطابَق على نصّه
- لم تُطابَق نصوص الكتب المعاصرة المطبوعة (كتاب شحرور، وكتاب دونر) على طبعاتها الورقيّة.
- لم تُراجع طبعة «الميزان» التي يتبعها ترقيم النصّ الرقميّ، لأنّ بياناتها غير مذكورة فيه.
المصادر
نصّ القرآن وبياناته
- نصّ المصحف برواية حفص: نصّ «تنزيل» المبسّط المشكول، من مستودع fawazahmed0/quran-api.
- بيانات الصرف: Quranic Arabic Corpus، من مستودع mustafa0x/quran-morphology.
- النصوص التراثيّة الرقميّة: مشروع OpenITI، المأخوذ عن المكتبة الشاملة ومكتبة الشيعة.
كتب التفسير واللغة والعقيدة
- الطبريّ، جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، ط1، 1420هـ/2000م.
- ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تحقيق سامي بن محمد سلامة، دار طيبة، ط2، 1420هـ/1999م.
- ابن عاشور، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984م.
- محمد رشيد رضا، تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
- الطباطبائيّ، الميزان في تفسير القرآن، النصّ الرقميّ في OpenITI، دون بيانات الطبعة.
- الراغب الأصفهانيّ، المفردات في غريب القرآن، تحقيق صفوان عدنان الداودي، دار القلم والدار الشامية، دمشق وبيروت، ط1، 1412هـ.
- ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، 1399هـ/1979م.
- الغزاليّ، إحياء علوم الدين، دار المعرفة، بيروت.
- محمد بن نصر المروزيّ، تعظيم قدر الصلاة، تحقيق عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي، مكتبة الدار، المدينة المنورة، ط1، 1406هـ.
- ابن رجب الحنبليّ، جامع العلوم والحكم، تحقيق محمد الأحمدي أبو النور، دار السلام، ط2، 1424هـ/2004م.
- ابن تيمية، مجموع الفتاوى، جمع عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، 1416هـ/1995م.
- الفقه الأكبر المنسوب إلى أبي حنيفة، مطبوع مع «الشرح الميسّر على الفقهين الأبسط والأكبر» لمحمد بن عبد الرحمن الخميس، مكتبة الفرقان، الإمارات، ط1، 1419هـ/1999م.
- الكلينيّ، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران.
كتب الحديث، وفهرس الأحاديث
- البخاريّ، الجامع المسند الصحيح، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، ط1، 1422هـ، مصوّرة عن الطبعة السلطانية بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي.
- مسلم بن الحجّاج، صحيح مسلم، بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
| الحديث | الموضع |
|---|---|
| «أو مسلما» (سعد بن أبي وقاص) | صحيح البخاري 27، كتاب الإيمان، باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة |
| «ثلاثة لهم أجران» | صحيح البخاري 97، كتاب العلم، باب تعليم الرجل أمته وأهله |
| حديث جبريل | صحيح مسلم 8، كتاب الإيمان، باب معرفة الإيمان والإسلام والقدر وعلامة الساعة |
| «لا يسمع بي أحد من هذه الأمة» | صحيح مسلم 153، كتاب الإيمان، باب وجوب إيمان أهل الكتاب برسالة الإسلام |
مراجع معاصرة ومصادر الشبكة
- محمد شحرور، «القسم الأول: الإسلام والإيمان»، shahrour.org، اطُّلع عليه في 9 أكتوبر 2026.
- محمد شحرور، الإسلام والإيمان: منظومة القيم، دار الأهالي (سوريا)، 1996؛ ودار الساقي، 2014. بيانات الطبعات من Goodreads.
- Fred M. Donner, Muhammad and the Believers: At the Origins of Islam, Belknap Press of Harvard University Press, 2010. عرض الكتاب على موقع قسم دراسات الشرق الأدنى بجامعة برنستون.
- Fred M. Donner, "From Believers to Muslims: Confessional Self-Identity in the Early Islamic Community," Al-Abhath 50–51 (2002–2003): 9–53، بحسب الإحالة إليه في العرض التالي.
- إلكا ليندستيدت، عرضٌ لأطروحة دونر وللشواهد النقشيّة، مدوّنة معهد هلسنكي للدراسات المتقدّمة.