- التفاصيل
- كتب بواسطة: أ . تحسين يحيى أبو عاصي
- الزيارات: 4
تحرك أخيرا وبعد وقت طويل جزء من الضمير الإنساني، ظهر ذلك جلياً من خلال التعبير القوي عن الإرادة الإنسانية الهادفة إلى فك الحصار عن المحرومين والمحاصرين في قطاع غزة، حصار على مسمع ومرأى من العالم كله، بمؤسساته الدولية واللا دولية، والحكومية والمدنية، هذا التحرك يستحق القائمون عليه كل الشكر والتقدير، ولعل هذا التحرك النوعي البسيط في مبناه العظيم في معناه، يؤدي فيما بعد إلى حراك إنساني، عربي وإسلامي وعالمي، يفضي في النهاية إلى رفع الحصار عن المرضى الذين يموتون كل يوم، وعن الجياع والمحرومين الذين يذوقون العذاب بكل ألوانه على مدار الساعة. لقد سطّر القائمون على هذه الخطوة النوعية رسالة عظيمة في مدلولاتها إلى العالمين العربي والإسلامي خاصة، وإلى العالم الغربي بشكل عام، شعوبا وحكومات، مفادها أن راهبة كاثوليكية في الواحد والثمانين من عمرها تقطع البحار والقفار بإرادة فولاذية، لهي أعظم كرامة وإرادة من كل الحكام والشعوب العربية والإسلامية إن بقيت لهم كرامة. العشرات من مختلف الملل والنحل يخططون منذ عامين لفك الحصار، انتهى بهم الأمر إلى نجاحهم في تبليغ رسالتهم النوعية، فهل وضع العرب والمسلمون مجتمعون وبكل مؤسساتهم خطة واحدة لعلاج طفل يعاني من مشاكل صحية في قلبه ؟ . عجوز بريطانية في الرابعة والثمانين، تملك إرادة لطالما افتقر إليها شبابنا من العرب والمسلمين، منعها طبيبها من ركوب البحر خشية على صحتها، من بعد أن تمكنت من الوصول إلى قبرص قادمة من بريطانيا، لهي أعظم من أولئك الرجال العرب والمسلمين الطاعنين في السن، الذين يجلسون على الطرقات وأبواب المنازل وفي الدواوين والمقاهي، من دون أن يقدموا لشعبهم مقدار القطمير أو الفتيل وكأنهم ينتظرون الموت على هامش الحياة. يهود ومسيحيون ومسلمون يصلون إلى ميناء الصيادين في غزة ( البسيط جدا ) وهو ميناء لا زال في طور الإنشاء، وهم في حالة من الإعياء والتعب؛ من أجل أن يوقظوا ضمير العالم الذي يغط في نوم عميق، من بعد أن مات الضمير العربي ومن قبله الإسلامي، ليسطروا من جديد أنه لا مكان للحقد ولثقافة الموت ونفي الآخر في ضمير الإنسانية المعذبة. فهل يقدر العرب والمسلمون على فهم واستيعاب مدلولات هذه الرسالة ؟ لقد أثبت النشيطون في مجال حقوق الإنسان أنهم أكثر رجولة من جميع القرارات العربية التي صدرت عن مؤتمرات القمم اللا عربية. وأثبتوا أنهم أكثر شرفا من الجامعة العربية التي صدرت عنها قرارات وتصريحات غطت أفق السماء، داعية إلى فك الحصار من دون أن تحرك ساكنا، ومن هيئة اللمم المتحدة ومجلس الغم الولي. كما أثبتوا وهم يتحملون المشاق والصعاب في رحلتهم الطويلة، أنهم أكثر انتماءً إلى شعب فلسطين من كل القادة والحكام والشعوب العربية وغير العربية. فهل ماتت النخوة العربية والإسلامية حتى أصبحت النساء المشاركات في سفينة فك الحصار أكثر نخوة من كل العرب والمسلمين !!؟
www.tahsseen.jeeran.com
tahsseen.maktoobblog.com
- التفاصيل
- كتب بواسطة: رشيد شاهين
- الزيارات: 3
اتفاقية ترسيخ وليس تنظيم وجود قوت الاحتلال الأميركي في العراق
رشيد شاهين
يحاول الرئيس الأميركي جورج بوش فيما تبقى له من فترة قصيرة في سدة الرئاسة للدولة الأقوى في العالم أن يحقق ربما الاتفاق الأخير أو الانجاز الأخير فيما يتعلق بالعراق – هذا إذا اعتبرنا انه حقق أي انجازات في العراق بعد احتلاله سوى تدمير البلد وتحويله إلى مقبرة للعراقيين، كما ونجح في جعله أحد أكثر البلدان فسادا في العالم، والأكثر خطرا والأقل أمنا والأكثر عددا في ما يتعلق باللاجئين سواء بالداخل أو بالخارج، عدا عن كل ما جلبه الاحتلال الأميركي من كوارث لا تعد ولا تحصى إلى هذا البلد الذي يعتبر واحدا من أكثر الدول التي تحتوي على محزونات من النفط وغيره من المعادن غير المكتشفة أو المستثمرة- خاصة وان "السيد بوش" انتقل من فشل إلى آخر على مدى أكثر من خمس سنوات منذ المغامرة التي قام به على أساس من الكذب الكثير والذي لم يشهد له التاريخ الحديث مثيلا سوى فيما قام به وزير إعلام هتلر من كذب وخداع وتزوير.
في هذا السياق فهو قد انتدب وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس من اجل التوصل إلى ما قيل انه اتفاقية ل "تنظيم الوجود العسكري"لقوات الاحتلال الأميركي الموجودة في العراق.
والحقيقة أن من يتناغم مع الرئيس الأميركي في هذا الإطار هو رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي والذي طالما كان مع بقاء هذه القوات والذي انقلب على موقفه هذا بشكل مريب وغريب وبدون سابق إنذار، فصار وكما تشير كل التصريحات الصادرة من بغداد وكأنه يريد برمجة أو جدولة الانسحاب الأميركي أو تنظيم هذا الوجود وهو الذي يعلم علم اليقين بأنه وبدون هذه القوات وبدون تواجدها لما تمكن لا هو ولا سواه من الوصول إلى السلطة، خاصة وأنه وبعد
خمس سنوات من الاحتلال الاميركي للعراق لا يستطيع لا هو ولا سواه من مغادرة مخبأه في المنطقة الخضراء وهذا ما ينطبق على سادته من الاميركيين الذين اقتطعوا منطقة شاسعة من بغداد سموها بالمنطقة الخضراء، وحولوا ما تبقى الى معازل واسوار وجدران ومنعوا الناس من السير في عشرات الكيلومترات من طرقها سواء برمكباتهم او حتى مشيا على الاقدام، والمالكي يعلم كذلك بأن أميركا وعندما أتت إلى العراق إنما أتت كقوات احتلال وليس كقوات تحرير، وان ما تم دفعه من الخزينة الأميركية والذي تجاوز بحسب كل التقديرات أل ستمائة مليار دولار عدا عن الخسائر البشرية لم يكن من اجل عيون العراقيين ولا من اجل الإطاحة بنظام صدام حسين بقدر ما كان من اجل السيطرة على العراق وإبقاءه تحت الهيمنة الأميركية أو في أحسن الاحوال واحدة من الدول التي تسير في ركاب القرار الأميركي وجزء من السياسة الخارجية الأميركية كما هو حال الكثير من دول العربان التي رهنها قادتها للسيد الأميركي بغض النظر عمن يكون هذا السيد ديمقراطي أم جمهوري.
محاولات السيد الأميركي إظهار أميركا بمظهر الدولة الحضارية والمتمدنة وانه لا أطماع له في العراق وان كل ما يريده هو الحفاظ على العراق والتدرج به إلى أن يتمكن من "الوقوف" على قدميه ليس سوى محاولات بائسة، حيث يعلم العالم بان من أوصل العراق إلى هذا الدرك إنما هو هذا الاحتلال وهدم أسس الدولة العراقية وكيانها بفعل ما تم اتخاذه من خطوات على الأرض منذ اللحظة الأولى للحرب، ومنذ الغارة الأولى على العراق والتي كان الهدف من وراءها هو الوصول بالعراق إلى هذا الحال.
الخداع الأميركي في ما يتعلق بالاتفاقية التي تريد توقيعها مع العراق من اجل "تنظيم الوجود العسكري الأميركي" ليس سوى استكمالا لكل مسلسل الخداع والكذب الأميركي الذي تمت فبركته منذ اتخذ القرار بغزو العراق واحتلاله والسيطرة عليه وتحويله إلى "محمية" كباقي المحميات في المنطقة، وهو جزء من إستراتيجية أميركية تم وضعها في ثمانينات القرن الماضي من اجل السيطرة على أكثر من أربعين من دول العالم بطرق مختلفة من بينها الاحتلال المباشر كما حصل في العراق وأفغانستان.
أن يحاول رئيس الوزراء العراقي التظاهر بأنه مع تنظيم هذا الوجود وانه مع الانسحاب ليس سوى جزء صغير من عملية الخداع التي يمارسها الرجل بالتوافق والترتيب مع الرئيس الأميركي وأركان إدارته، خاصة وان موقفه معروف من انه مؤيد قوي لبقاء قوات الاحتلال الأميركي، إلا انه أدرك تنامي الشعور بالكراهية والنزعة العدوانية ضمن صفوف أبناء الشعب العراقي إزاء وجود القوات الأميركية والتي ثبت على مدى السنوات الخمس الماضية أنها ليس سوى قوات احتلال وان كل ما قيل عنها في البداية من أنها سوف تنشر الديمقراطية والحرية والرفاهية لم يكن سوى خداع وكذب وتدليس وان هذه القوات مارست كل أنواع الموبقات في العراق وان شيئا فعليا على الأرض لم يتحقق لصالح المواطن العراقي وان البلد تحول إلى مرتع لكل الفاسدين والعصابات وأجهزة المخابرات وان شيئا لم يتقدم أماما في البلد منذ أن أتت قوات الاحتلال إليه في العام 2003. هذا الشعور لم يقتصر على المواطن العراقي العادي بل كان قبل ذلك ضمن قوى سياسية وأحزاب لها جماهيرها العريضة وفي المقدمة أتباع التيار الصدري الذي يعتبر أكثر التيارات السياسية شعبية وجماهيرية في العراق.
محاولات الخداع التي مورست على العراقيين منذ بداية الاحتلال لم يعد بالامكان تمريرها عليهم، وإذا ما نجحت تلك المحاولات ضمن لحظة تاريخية معينة ونتيجة ظروف لها علاقة بممارسات النظام السابق فان الفترة التي انقضت على وجود تلك القوات ومن جاء معها لحكم البلاد أصبحت كافية لان يدرك أبناء العراق بأنهم إنما مورس بحقهم خداع كبير، ومن هنا ربما يأتي الإحساس بالندم من قبل الكثير منهم كونهم صدقوا ما قيل عن أن تلك القوات إنما أتت من اجل تحرير العراق ونقله إلى مصاف الدول المتقدمة.
إن الحديث عن "جدولة الانسحاب أو تنظيم للتواجد العسكري الأميركي" لا يمكن أن يكون حديثا جادا عندما نعلم بان الحديث يدور عن 14 قاعدة عسكرية أو عشرة أو حتى اثنتين أو واحدة، حيث انه حتى القاعدة الواحدة فان بإمكانها أن تكون أضخم قاعدة في العالم، ويمكنها أن تكون ضمن مساحة العراق المعروفة اكبر من بعض الدول في المنطقة أو في العالم. إن الحديث عن هذا العدد الكبير من القواعد في العراق وبقاء أعداد ومعدات ضخمة ذات تقنيات متقدمة جدا في المجال العسكري لا يمكن أن يكون سوى احتلال لكن بالاتفاق مع حكام العراق الجديد والذين لا يمكن أن تكون لديهم القدرة على الفكاك من السيطرة الأميركية خاصة وان من أتى بهم إلى الحكم هو "سيدهم" الأميركي".
إن الحديث الذي لا يزال يتردد عن أن هؤلاء القادة وصلوا إلى السلطة من خلال انتخابات "شفافة ونزيهة" وأنهم تم انتخابهم من خلال صناديق الاقتراع ومن قبل أبناء الشعب العراقي إنما هو كلام يمكنهم أن يقنعوا به أنفسهم وان يدلسوا به على أنفسهم وأتباعهم حيث لا يمكن ولا بحال من الأحوال أن تكون هنالك ديمقراطية في ظل الاحتلال، هذا بالاضافة الى اننا نعلم خاصة واننا كنا شهودا على تلك الانتخابات كيف كانت عملية الانتخابات وكيف تم استغلال الدين والرموز الدينية بشكل لا علاقة له بالدين.
كذلك فإن من غير الواقعي أن يتم فهم وجود هذه القواعد بعيدا عن التهديدات الأميركية الإسرائيلية للدولة المجاورة للعراق والمقصود هنا إيران هذا إذا ما تخطينا ما حدث مؤخرا في القوقاز من أحداث أعادت إلى الأذهان ما كان يعرف بالحرب الباردة وما يقال الآن عن "عودة للدب الروسي" إلى ما يمكن وصفه بمحاولة استعادة "أمجاد الاتحاد السوفييتي السابق" وهذا ما سوف يستدعي بالضرورة وجود القوات الأميركية في أي بقعة ممكنة في المناطق القريبة من حدود روسيا والعراق في هذا الإطار احد البلدان المرشحة لذلك.
الحديث عن تنظيم للوجود العسكري الأميركي وسواه ليس سوى محاولة للإيحاء بان أميركا لا ترغب بالبقاء في العراق، لكن ما يوجد على الأرض من حقائق وترتيبات ينافي ويدحض بشكل كامل هذه الادعاءات الأميركية وكذلك العراقية، هذا بالإضافة إلى كل التصريحات الأميركية في هذا المجال والتي أشارت في الكثير منها إلى رغبة أميركية بالتواجد في هذا البلد لعشرات السنين واعتراف القادة الأميركيين وعلى الأخص العسكريين منهم بان ما تم إحرازه على الأرض من تقدم في بناء القوات العراقية غير كاف وكان آخر ما جاء في هذا الإطار ما قاله قائد قوات الاحتلال الأميركي في العراق الجنرال بترايوس قبل يومين في مقابلة له مع صحيفة نيويورك تايمز " لم أكن أعرف من أنها حلقة دموية مفرغة، لم نحقق مكاسب نوعية لافتة على الصعيد الأمني، ما زال هناك الكثير من العمل للقيام به"، ولا نستبعد هنا من أن عدم تحقيق تقدم في إعداد القوات العراقية وهذا التأخير في بناء هذه القوات يأتي على خلفية محاولة التذرع بالبقاء في العراق اطول فترة ممكنة رغم اننا نعتقد بان أميركا لا تحتاج الى ذرائع في هذا السياق.
بالإضافة إلى هذا الذي ذكرنا فان من غير الممكن أن تكون أهداف الغزو الأميركي للعراق مكتملة أو تحققت إن تم سحب القوات الأميركية كما يتوهم البعض، حيث إن من المعروف بان واحدا من الأسباب لتلك الحرب هو حماية الدولة العبرية ومنع قيام دولة قوية في العراق مستقبلا من اجل منع أي تهديد مستقبلي لهذا الكيان عدا عن أطماع أميركا في بناء الشرق الأوسط الكبير أو الجديد والذي تحدثت عنه بكل صراحة الوزيرة رايس خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان في العام 2006.
إننا نعتقد بان بوش وخلال الفترة القصيرة المتبقية يرغب بتحقيق ولو انجاز واحد قبل أن يغادر غير مأسوف عليه - لا بد هنا من التذكير بأن محاولات بوش تحقيق انجاز في فترة الأشهر الأخيرة من ولايته لا تقتصر على العراق بل هو يحاول الشيء ذاته في جبهة فلسطين حيث مارس كذبا مماثلا فيما يتعلق بالدولة الفلسطينية التي لا بد من أن تقوم في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومن هنا فإننا نعتقد بان الزيارة التي تنوي رايس القيام بها إلى المنطقة خلال هذا الأسبوع تأتي في هذا السياق-، وعلى أي حال فهو – بوش- وفي كلتا الحالتين الفلسطينية والعراقية يعلم بأنه لن يستطيع أن يحقق أي تقدم، وهو بتقديرنا إنما يحاول أن يرسم سيناريوهات لخلفه وبالتالي الإبقاء على إرث ثقيل يتم من خلاله توريط الإدارة الأميركية القادمة بغض النظر عمن تكون ديمقراطية أو جمهورية في قضايا ضمن رؤيته التوراتية للأمور حيث يعتقد الرجل بأنه إنما يحقق المشيئة الإلهية لكل ما يفعل.
بيت لحم
24-8-008
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد بوعلاوي
- الزيارات: 3
ابن حمديس الصقلي
محمد بوعلاوي باحث من الجزائر
ولد عبد الجبار بن حمديس سنة 447 هـ = 1055 م في مدينة سرقوسة الواقعة على الساحل الشرقي من جزيرة صقلية من أصل عربي أزدي ، إلا أنه يفتخر في شعره بأنه من ( بني ثغر ) .
|
|
نشأته : نشأ في أسرة محافظة ، توفيت والدته وهو شاب تاركة إياه وبنتا صغيرة، وتزوج أبوه أبو بكر بصبية صقلية ، بينما كفل الجد الشاعر وضمه إلى ابنته – عمة الشاعر – أرملة ابن أبي الدار فكفلته مع ابنها علي وابنتها ، تنشئ أربعتهم وترعاهم .
في الأندلس والمغرب العربي : دخل الشاعرالأندلس آتيا من إفريقية سنة ( 472 هـ 1080 م )، بعدما اضطره النورمانديون الذين اغتصبوا صقلية إلى الهجرة. فآثر ملازمة المعتمد بن عباد ، ومع أفول شمس بني عباد تنقل الشاعر إلى أغمات بالمغرب الأقصى حيث المعتمد مسجونا. وحل ببجاية الحمادية حوالي 486 هـ في ظل حكم ( المنصور بن الناصر بن علناس ) ، ومنها إلى جزر البليار - ميورقة - فالمغرب الأدنى في بلاط يحي وولده علي وحفيده حسن. وأخيرا ألقى عصا الترحال ببجاية ، ومن شعره ندرك أنه عمر وبلغ الثمانين من عمره:
|
أنا في الثمانين التي فتلت بها = قيــد |
الزمانة عند ذل قيادي |
وقوله :
|
ولي عصا من قبيل الذم أمدحها |
= |
بها أقدم من تأخــــيرها قدمـــتـي |
|
كأنها وهي في كفــــي أهش بها |
= |
على الثمانين عاما لا على غنمي |
|
كأنني قوس رام وهي لي وتـــر |
= |
أرمي عليها رمي الشيب والهرم |
ثقافته : سكتت المصادر وكتب التراجم عن ذكر أسماء شيوخه وأساتذته الذين قرأ وتخرج عليهم ، ولمن رام الوقوف على ثقافته فلا مناص من دراسة شعره لمعرفة الثقافة التي امتلكها الشاعر.
لغة الشاعر : تمكن ابن حمديس من ناصية اللغة وأحاط بغريبها ، واقتنص شواردها مما ينم على أنه كان واسع الإطلاع ، وقد أشار إلى ذلك في قوله :
|
أمــــا بنـــــاتي المفردات فإنــها = |
في الحسن أشهر من بنات حبيب |
|
وأنا أبو الحسنـــــاء والغراء إن = |
أغرب فما الإغراب لي بغــريب |
أو قوله :
|
متىتسمع الجوزاء في الجو منطقي |
= |
تصخ في مقالي لارتجال الغرائب |
شعر ابن حمديس :
يقول إحسان عباس : ( لم تنجب صقلية مثله في الشعر ...وربما لم ينشأ من شعراء المغرب من يضاهيه قوة وتنوعا ). وقد كان معاصروه ومن جاء بعدهم يعجبون ببعض المعاني المبتكرة والصور الفنية الرائعة .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أمينة سراج
- الزيارات: 3
لقاء مع الشاعر الفلسطيني شجاع الصفدي
أجرته/ أمينة سراج
مترف بالحزن ..
مترع بالإنسانية ..
مسكون بالصمت ..
وعاشق سري للجنون ..
روحه القابعة على شفا غموض تستفزك لعميق الغوص ..
وذاكرته المغلقة على وجع باذخ تستنبت في داخلك هَمّ الأسئلة ..
البياض عنده ترياق،
والكلمات سم يستوطن روح الشاعر ..
وبين تفريغ سم لادعاء الحياة.. وبياض ورقة لوهم الشفاء،
يصل ضيفنا سماء الشعر، حاملا في كفه قلبا متوحدا .. متأبطا جرحا وقضية .. ومتكئا على حجر، لم يزل بعد ..
يشبهه .. !!
مرحبا بالشاعر الفلسطيني شجاع الصفدي في لقاء أدبي، نتبادل الأدوار فيه قليلا، لنسرق من الزمن لحظات تواصل إنساني، ندري مسبقا - برونقه وحده، تفرده ..
*** شكرا أمينة لهذه المقدمة الباذخة .. ولا شيء بجعبتي إلا ما ورثته عن ذاتي .
فليكن بين يديكم إن كان فيه ما يستحق ..
:- لنذهب إلى حيث البداية، " الطفولة ، هي باقة روائح" كما يقول لويس شادورن،
طفولة الإنسان الفلسطيني المعجونة برائحة الرصاص والدم، كيف يستعيد شجاع الصفدي روائحها السرية التي شكلت كيانه الإنساني أولا، ثم الشعري؟
*** عند التحدث عن الطفولة نمعن في الحلم , في البراءة , في الخيال وكأننا نجمةٌ تنام على هدب غيمة ، أو عصفور يلهث حاملا قشة يبني بها الحياة .
قد نقول أكثر حين نتحدث عن الطفولة في أي مكان طبيعي في هذا العالم ، ونغرق في دراما الوصف الحسي لمرحلة البدء في شق طريق الحياة ، لكننا في فلسطين اعتدنا أن نكون حالة استثنائية في كل شيء حتى في سمات طفولتنا التي تختلف كليا عن أي طفولة في هذه الأرض ..
أما عن شخصي فطفولتي كانت كمعظم أبناء جيلي يصعب حملها للمسمى الثقيل " الطفولة "
كبرنا وترعرعنا في ظل المواجهات والحجارة والرصاص والثورة الصادقة ، كان جيلنا يؤمن بالوطن أكثر من الحزب وكبرنا وقد صقلت شخصيتنا على ذلك حتى وصلنا لمرحلة لم نعد نرى أنفسها فيها فكل ما يحيط بها قاتم ، وكأن ما كبرنا عليه بات أكذوبة أو هو وهم ، أو نعود لنقول هو حلم ، ولكنه ليس كأحلام الطفولة التي تحدثت عنها أعلاه لدى أطفال العالم . ..
فاجأتنا الحقيقة بأكبر مما نحتمل فخلقت فجوة بين أمسنا وحاضرنا وقد انعكس ذلك على كل شخص بطريقة ما حسب معطيات حياته وخطاها وأنا واحد من هؤلاء ، ولكن الفجوة ما بين طفولتي وحاضري اتسعت كثيرا حتى ما عدت أذكر شيئا في الهوة المعتمة ما بينهما .
:- ونبقى مع البدايات دوما، القصيدة الأولى (البيان الشخصي الأول)، تجاوزا للخربشات والتعاريج الساذجة للحرف: هل تذكر القصيدة الأولى، الشعور الأول بخلق حقيقي لما يمكن تسميته قصيدة..
وهل تعتبر أنه من حق الشاعر أن يسقط ما يشاء من شعره،
وفي أي زاوية تصنف ذلك الفعل ؟
***القصيدة الأولى ؟ لنقولها نحتاج لأن نعرف كنه البدء ؟
لا أؤمن بشاعر يقول شيئا عن بداياته ويوقن أنه يدركها ، فهذا إما لا يدرك من أين بدأ ويلجأ للتحديد الافتراضي بما يشبه التسنين ( أي تحديد العمر تقديرا ) ، أو أنه يقنع نفسه بأن هنالك قصيدة ما يعتبرها بداية مقنعة له فيسوّقها للآخرين ويقول ها هي البداية ، تبقى هذه وجهة نظر قد أخطئ فيها وإن كنت أؤمن بصوابها .
لذلك أقول دون تردد أني لا أذكر أي نصٍ كتبته وأعتبره بداية لي .
أما عن حق الشاعر في أن يسقط ما شاء من شعره ، أقول : نعم من حقه ذلك لأن الشاعر قد يكتب أحيانا ما لا يجب أن يُقرأ ، ويستقرئ لنفسه ما يجب أن يكتب .
وفي الحالة الأولى من الضروري أن يخفي ذلك عن القراء كونه ليس مؤمنا بضرورة أن يقرأ الآخرون ذلك ، فهل يقدم المرء للناس ما يصنع و لا يؤمن به هو ذاته ؟
وفي الحالة الثانية ، يستقرئ الكتابة بمصداقية مع الذات فيبدو النص المقدم بمثابة واقعة تسرد نفسها للقارئ فيتفاعل معها ويعيشها .
الشاعر يشبه الطاهي مع اختلاف المواقع ، الطاهي يقدم ما يشتهيه الآخرون من الطعام الطيب المذاق ، والشاعر يقدم للقارئ ولائم الكلام، والقارئ ضيفٌ على الشاعر أن يكْرِمه ويكَرِّمه فيقدم له ما يطيب له فيتذوقه بغبطة إن كان طيبا ، ويمتعض منه إن كان كريها ، لذا من حق الشاعر أن يفكر جيدا قبل أن يقدم الوليمة للقارئ .
وأصنف ذلك الأمر في خانة الحفاظ على جودة الصنع .
أوَ لم يوصِ الرسول الكريم بذلك إذ قال ص : "من عمل منكم عملا فليتقنه"
فهل يضام إتقان العمل الذي نقدمه للآخرين ؟ بالتأكيد لا .
:- لنحدد الرؤية أكثر، تقول إنه (من حق الشاعر أن يفكر جيدا قبل أن يقدم الوليمة للقارئ)،
ماذا إذا كانت تلك الوليمة قد قدمت أصلا، ثم اعتقد الشاعر فيما بعد أنها تمثل (صبيانية شعرية)؟
*** وهل الشاعر نبي ؟ هنا خطأ الجمهور الذي يقرأ حين يصنف الشاعر وكأنه إله لا يخطئ ..
الشاعر إنسان ، له سهواته وهفواته ، قد يقدم رؤية معينة من خلال نص أو قصيدة وبعد أن ينشرها يعيد قراءتها فتبدو له بصورة أخرى غير ما أحب
ألا يحدث أن يتزوج الرجل أنثى ما موقنا أنها وهج الحياة ، وبعد حين تفقد الأشياء بريقها فهل يطلقها لهذا السبب ؟ وهذا الحال ينطبق على الشاعر ، هل يطلق قصيدته التي انشقت من ضلعه ؟
وماذا إن كانت صبيانية شعرية ؟ ألا يعيش الإنسان مراحله بالتدرج في الحياة ؟
هكذا حال الشعر ، وما نقدمه هو ما تجود به القريحة ، وإن حدث وأخرجناه للناس إذن جدنا بما نملك
والحكم في هذه الحالة لا يصبح ملكنا بل هو ملك للقارئ حتى وإن ندمنا أننا قدمنا تلك الوليمة وخذلنا أنفسنا في الحكم عليها .
:- الراحل وشيكا محمود درويش مثلا لم يكن يعترف في مرحلة ما متأخرة من عمره الشعري بديوان (عصافير بلا أجنحة)، وكذلك فعل قبله أدونيس،
في حالة كهذه:
*ما الفيصل؟
*وهل من حق الشاعر أن يتخذ ذلك القرار وحده؟
*أين موقع القارئ في هذه الحالة؟
لا أظن درويش قد تبرأ أو أنكر شيئا مما كتب , قد يكون اعتبر أن بعض ما كتبه خرج عن إطار محدد اختاره هو لنفسه أو فرضته عليه الهالة الثورية التي أحاطت بشعره ..
للناس رؤيتها وأحكامها وللشاعر الحق في طبيعة الشعور تجاه ما قدم , وسواء درويش أو أدونيس أو أي من رموز الشعر المعاصر إن كان حدث وأنكروا نصا أو عملا من أعمالهم فالأمر ملتبس على الآخرين في ذلك برأيي , فهؤلاء لا يتنكرون لما قدموا وإنما من شدة حبهم لجمهور القراء يؤرقهم الشعور ولو للحظة أنهم قدموا شيئا باتوا يشعرون أنهم كانوا قادرين على أن يقدموا ما هو أجمل وأفضل وأعتى منه , ومن هذا المنطلق قد يشعرون بالامتعاض فقط وليس بالتنكر للنص , وكأن لسان حالهم يقول : لو عدت لوقتها لقلت هنا كذا وكذا وأبكيت هذه التركيبة وآلمت هذا المعنى , وزدت هذا المجاز غموضا ..
وأنا على ثقة لو فكر القارئ بالأمر من هذه الزاوية سيكون الأمر مختلفا ويتفهم أن للشاعر دائما ملكوته الخاص بشأن ما ينزفه من أعمال.
:- فقط ، استأذنك في توضيح نقطة هنا شاعرنا، ليس الحديث هنا عن تبرأ ,أو نكران، بمعنى الجحود، وإنما بمعنى العناية الحقيقية بنضج التجربة، وهذا لا يتعلق بالمجموعات الأولى للشعراء فقط، وإنما بقصائد في أوج العطاء الشعري،
عن محمود درويش تحديدا، هذا الرأي أُشير إليه بناء على حوار سابق مع الشاعر الراحل أجراه الأديب عبده وازن بجريدة الحياة 2005.
*** تعقيبا على ما تفضلت به من حوار عبده وازن مع العظيم الراحل محمود درويش
ما معنى الحذف هنا ؟قد يكون لدرويش ألف معنى ومأرب من كلمة حذف ..
حذف الشيء من قاموسه , أسقطه من حساباته , لكنه مدرج في أعماله حتى لو اجتثه من كل مكان ..
طالما بات الديوان بين يدي القراء لا يمكن للشاعر أن يستدرك الأمر فيقرر أن يعدمه ..
ثم إن درويش يقول بوضوح أن هنالك قصائد كتبها ولم ينشرها , وقصائد نشرها منفردة ولكن حين أصدر دواوينا معينة لم يدرج تلك القصائد في الدواوين وكأنه يعمد لتقليص عرضها على القراء أو وقوعها بين يدي أقل عدد ممكن من الجمهور ..
له في ذلك أحكامه ولا أخفي أني أفعل المثل ولدي كم كبير جدا من النصوص والقصائد التي كتبتها في مراحل مختلفة من حياتي وأحاول أن أجعلها في قمقم يصعب إيجاده وفتحه .. يحدث ذلك مع الكثيرين أيضا .
:- كسؤال فرعي، "نسخة منقحة"، لعلنا لم نعتد ربما التقاء هذه العبارة على غلاف ديوان شعري،
ولكن شعراء من حجم أدونيس وسعيد عقل مثلا يمارسونها،
*ما رأيك بتنقيح ديوان شعري؟
*وهل يمكننا تقمص التجربة الأولى بتفاصيلها للقيام بعملية التنقيح،
*أم أننا ام أننا هنا أمام إعادة صياغة، ليس بجماليات مغايرة فقط، وإنما بفكر وتجربة مغايرين ايضا؟
من الجائز جدا تنقيح ديوان قد صدر , فالمرور على السطور دائما له صورة أخرى كلما تمعنا أكثر وددنا
لو غيرنا ههنا كلمة , وأضفنا ههنا معنى , من الممكن لزوجين أن يعيدا عرسهما
ويحتفيان بذكرى الزواج , أليس كذلك ؟
هو لا يغير زوجته ولا هي تبدل شريكها , وإنما يجددان الثوب الروحاني للحياة
وهكذا قد يكون التشبيه ممكنا , فالشاعر قد يرغب بأن يبعث روحا جديدة في قصائدٍ قد قدمها في ديوان ما .
وليس معنى ذلك أن هذا نهجا يجب إتِّباعه وإنما هو رغبة خاصة ومنهاج قد يروق لزيدٍ من الشعراء ولا يروق لعمرو .
أما عن شخصي فأنا أحبذ التجربة الأولى بما فيها حتى لو احتوت خطيئة , فنقطة البدء
دائما بنظري أجمل وهي الدافع للمضي قدما في الخطى دون حاجة لفرض تجربة وفكر مغايرين ،
فالمرحلة التي كتب فيها ديوان ما مثلا تختلف اجتماعيا وفكريا وعاطفيا عن مرحلة تالية ،
ومعنى أن أفكر بإعادة الصياغة فهذا يعني أني أعيد هيكلة مرحلة كاملة وما دمت سأفعل
فالأصوب في هذه الحالة أن أنجز جديدا يعبر عن المرحلة بما فيها
لا أن أتقمص أمسي وأخرجه بثوب جديد للقارئ قد لا يستسيغه غالبا .
:- أن تكتب، هو أن تسعى إلى معرفة ما سوف تكتبه"، تقول مارغريت دوراس،
جدلية المعرفة والمحو: فالشاعر حسب المقولة السابقة، ينطلق من المجهول في الكتابة، ويتجرد من معارفه السابقة
ليقدم أدبا خالصا يمثله وحده: لكل من حمل قلما أعلام يتمثل بها على درب الكتابة،
لكن الكثيرين من هؤلاء ينسون ذواتهم في محاولة التمثل تلك، ويقعون في فخ التقليد، وتكرار تجارب سابقة:
*ما رأيك، هل على الشاعر فعلا أن يلم ، ليس بالتجارب الشعرية الأخرى فقط،
وإنما بالتجارب الثقافية ايضا من فنون وآداب وفلسفة وغيرها،
*وكيف بإمكان الشاعر _ المبتدئ خاصة، أن يتحرر من معارفه، وتجارب الآخرين،
ليصل قدس الشعر عاريا إلا من نفسه؟
*** لنفند أولا ما قالته مارغريت دوراس , إذ أن تسعى إلى معرفة ما سوف تكتبه هذا يعني أن ما تكتبه موجود أصلا , وعليك أن تجد النموذج وتملأه بالبيانات ! في الحقيقة هذا يشعرني بالانزعاج فدوما كرهت القوالب الجاهزة .
لكن لو قمنا باستبدال كلمة واحدة في مقولتها ووضعنا بدلا من معرفة " خلق " ما سوف تكتبه , فهذا يعني أنك من يصنع القالب لما يكتب , ويخلق الإطار قبل اللوحة , وبهذا برأيي تكون التجربة الإبداعية .
أن تنهل من كافة صنوف الأدب والشعر والفكر , وتخلق لنفسك إطارك الأمثل وتتفنن في رسم اللوحات كما تشاء مع احتفاظك بالقدرة على تشكيل إطار جديد وقتما تشاء .
أما مسألة التقليد وتكرار تجارب سابقة فهنا أضع ذلك في خانة الاجتهاد على تقمص الآخر , لن يراك أحد، سيرى فيك صورة الآخرين .فأين أنت من الإعراب حينها ؟ سيكون الشاعر أو الأديب هنا انعكاسا لصورة الآخر وهذا يفقده صورته .
ونقطة أن على الشاعر أن يلم بالتجارب الشعرية والثقافية وغيرها من فنون وآداب ! هنا أتوقف وأتساءل : هل هذا واجب على الشاعر فقط ؟
ما تفضلتِ به هو واجب على كل إنسان يسعى للمعرفة والعلم والفكر وتطوير الذات ويأمل بالارتقاء بذاته، ولكن بالنسبة للشاعر فهو يكتب ليفسر غموض الأماكن والأشياء في قالبٍ فكري يسمى افتراضا " النص الأدبي أو القصيدة". وغيره من المبدعين لهم قوالبهم أيضا باختلاف مسمياتها .
أي أن المعرفة والعلم هي عبارة عن قوالب فكرية يشكلها العارفون ويحملها الباحثون عن المعرفة لتكون المرشد في الطريق. أما عن الشاعر المبتدئ ، فالشعر لا بداية له ولا نهاية , إن فكر الشاعر منذ البداية أن يكون انعكاسا لصورة غيره كما ذكرت ،فلن يبدع وإنما سيقدم ما قدمه الآخرون في ذات القالب دون أن تتغير سوى الأسماء ، لذا سيكون أول ثناء عليه هو أن نصك ذكرني بفلان في قصيدته كذا أو كذا. . وقد يخطئ ويظن ذلك مدحا ، ولكنه برأيي أسوأ ذم , فأن ترى الآخر في نصّك مهما كان مبدعا أو أسطورة هذا لا يفرح بقدر ما يزعج ويوجب أن يفكر الشاعر أنه فشل بخلق صورته الخاصة وقالبه الأدبي الذي حريٌ به أن يصنعه ...
أي أن الشاعر حين يبدأ عليه أن يتجرد من الآخرين , لا بأس أن يمعن ويغوص في تجاربهم , ولكن لا يقدم أدبه أو شعره ، من خلال ذات القالب , وإنما لا ضير أن يجعلها عونا له في الخلق الشعري الذي يمهد لولادته .
:- قبل الغوص في تجربة شجاع الصفدي الشعرية: تجربة نقدية وحيدة ( قراءة في المجموعة القصصية " اقتلاع (للأديبة الفلسطينية بشرى أبو شرار)، حدثنا عن تجربة النقد،
ولماذا لم تتكرر حتى الآن؟
هي لم تكن تجربة , هي كانت حالة , لأني لست بناقد ولا أقوم بدوره , لكني وجدت في مجموعة الأديبة بشرى أبو شرار معاناة معينة خلقت مزجا بين جرح العراق ونزف فلسطين , فكان ما كتبت هو تعبيرا عن حالة انتابتني أثناء قراءتي لها في ذلك الوقت حيث كانت العراق تتعرض للعدوان والاحتلال وفلسطين تتعرض للذبح اليومي بالآلة العسكرية الأمريكية والصهيونية فعبرت عنها بطريقةٍ ما , ولم تكن نقدا وإنما هي قراءة خاصة لا أكثر .. لذلك قد تتكرر إن شعرت لحظة قراءتي لكتاب ما بالحاجة للتعبير عنه بذات الطريقة ..
:- المشهد ( الدرامي ) في قصيدة شجاع الصفدي يحضر بقوة، الحوار، المونولوج..
بشكل يجعل القارئ أحيانا أمام مشهد تطوري في كل قصيدة، وربما بدت مشاهد قصيدة ما امتدادا لمشاهد أخرى قبلها
*ما رأيك؟
*خبرنا أكثر عن تجربة الدراما والمسرح في قصيدة شجاع الصفدي،
*وهل يلفت هذا انتباه القارئ أكثر؟
***وهل الحياة إلا دراما مستمرة تمتد طويلا ؟
قبل أن أقول شيئا عن المشهد الدرامي أحبذ تسمية النصوص بدلا من القصائد ..
النص يحمل المشهد بطريقة انتقالية متسلسلة , فقد يمنح المتلقي الغوص في ما قبل وقوع المشهد منذ السطر الأول فيجد نفسه يخوض عميقا وهو بعد على شفا القراءة فتكون لذلك لذة مختلفة فيقرأ ثانية وثالثة إن كان من ينقله عبر أثير النص يجيد سبك المشوار بصحبته ،وقد يفر من سطرين إن شعر أن النص لا يعدو كونه متاهة لن تصل به للغموض الشهي الذي يبتغيه .
وعن تجربتي أقول : أنا أعبر المشهد كالطيف فيتلبسني وكأنه مسٌ سحري فأسرقني من أسر الحياة لأكتب للآخرين
خريطة الطريق للموت الشهي , وحين يخرج النص للشمس يكتمل نضوج الألم في مخزون الذاكرة .
إذن الدراما في النص هي حيثيات المشهد الذي أقدمه ، والمسرح هو الساحة التي يعرض فيها ليتسرب لصدور الآخرين .
وهذا يختصر الكلام حول لفت انتباه القارئ , فلا يكفيني أن ألفت انتباه المتلقي للنص , فإن لم أشعر تماما بأن ما قدمته قد تسرب بروحانية لنفسه أسقِط النص من حساباتي بقسوة تامة , لأن لفت الانتباه هو انجذابٌ عابر كالبريق يخبو بعد ملامسة اللحظة الحسية, لكن الامتزاج بروح المتلقي ورغبته بالتهام السطور مرة تلو الأخرى وعودته للنص بعد مرور الوقت بحثا عن شيء يوجعه فيه.
هذا برأيي هو ما أعتبره نصا قيما .
:- القالب النثري لكتاباتك الشعرية، هذا الفن الذي يعد لدى الكثير من النقاد من أصعب الفنون الأدبية،
حيث تصبح اللغة والحس الشعري وحدهما عامل الاستثناء مقابل، (فرص أوفر )
لتميز القوالب الشعرية الأخرى من إيقاع وغيره.
تجربة شجاع الصفدي النثرية، كيف يحددها، وكيف يقيمها؟
*** أنا لا أقيّم ما أكتب ولكنني أتعامل مع الكتابة كثورة دؤوبة لتفجير كهوف الذات المثقلة بأعبائها , لا أراها تجربةً بقدر ما أراها قدراً.
كتبت أنماطا مختلفة منذ السنوات التي بدأ يراعي فيها بالخربشة الأولى وحتى الآن . ووصلت لقناعة أن الامتزاج بالنص هو الفيصل في جودته , وليس تصنيفه ضمن إطار أدبي يفرض عليه .
نعم النص النثري له روح خاصة , قد يصهرك وإياه في بوتقة واحدة فتشعر وكأنه يقولك ويحكي ما بمكنونك وهذا يجعل القارئ يميل له أكثر من القصيدة المنظومة , ليس لأن النثر أرقي أو العكس , فكلاهما فن أدبي خاص له كيانه المستقل الذي يدافع عنه بجبروت وقوة , ولكن لأن النثر يسلب القارئ ليجعله أكثر اندماجا بالحدث الذي يتخلله النص .
وقد توجهت لهذا الاتجاه قبل بضعة سنوات وتغلبت الحالة النثرية بشكل كبير على أي صنف آخر .
لذلك أنا لا أصنف نفسي شاعرا بقدر ما أصنف نفسي ناثرا , وبهذه الحالة يكون المدى مفتوحا
فأنا أكتب المقال السياسي وأكتب المقال الساخر وغيرها ، لذلك فلقب الشاعر قد يجعل المجال محصورا على أفق محدد ، بينما أحب الغوص في آفاق متنوعة أصنعها وأخلقها بالشكل الذي أرتأيه مناسبا ،
والمهم برأيي هو أن يكون الأديب بعيدا عن الإسفاف والابتذال في أعماله , وأن يقدم النص محبوكا بشكل راقٍ من حيث الفكرة والمضمون , والأهم من حيث الإحساس , إذ أنه حين يقدم عملا هو ذاته كتبه فقط ليخرجه للجمهور ليضاف لرصيد أعماله فهذا يعني أنه يقدم جمادا لا حياة فيه مهما بلغت دقته اللغوية , بل فيه ازدراء للقراء .
أؤمن تماما أن على الأديب أن يقدم النص بإحساسه , يخرج من روحه جسرا يعبر النص فيه لأرواح الآخرين ويحثها على إدراك مواطن الوجع .
وهذا ما أطمح وأسعى دوما لتحقيقه في أي نصٍ أقدمه , وأقر أني مؤمن تماما بالأسلوب الأدبي الذي أتبعه
وأؤمن أني لا أتقمص أحدا سواي، وأتجرد من أي قوالب جاهزة تماما , فالمهم كما قلت أن تشتغل على النص والعمل الأدبي ليخرج كما يليق بقرائك , وليس المهم أن تركض لتكتب نصا يدخل ضمن دائرة التصنيف المبجل ، في حين يسقط من أول نظرة يمر بها القارئ على سطوره
:- في مجموعتك الأولى " أتكئ على حجر " ، يشعر المتلقي أنه أمام شاعر "نخبوي"،
يوظف أبعادا أسطورية قد لا تكون في متناول فهم القارئ العادي، ويشكل منها أداة تعبيرية
عن معطيات عالمه الخارجي وهواجسه الداخلية. بينما نجدك في المجموعة الثانية " للألم بقية "أكثر قربا
من القارئ العادي، وهذا ما نلمسه أيضا في المجموعة الصادرة قريبا بإذن الله "سفر في الفراغ"،
حيث يتضافر عمق المعنى مع بساطة الأسلوب ومتانة اللغة.
صف لنا أبعاد كل تجربة، واعتباراتها الخاصة..:
*** لكل سفر يبدأه الشاعر نقطة بدء , تشبه الشرارة التي تجعله يفكر بأن نصا معينا هو البداية لجمع ديوان أو مجموعة شعرية تحمل مضمونا وأفكارا تتناسق في فلسفتها ونهجها.
وعن ديوان أتكئ على حجر , لم أوظف الأسطورة كيلا تكون في متناول القارئ العادي كما قد يظَن
وإنما كان توظيف الأسطورة عبارة عن إسقاط الخيال على الواقع ليصف حالة الإنسانية من عدة زوايا
فتجد الخيانة مجسدة عبر أسطورة إنانا والراعي المقدس , وتجد الصديق أنكيدو الذي يشكل الضمير الإنساني لدى جلجامش الباحث عن الخلود , وتجد المشتت الفلسطيني في غربته يحلم بالوطن البعيد في قصيدة أتكئ على حجر, كانت النصوص تشكل حالات سلوكية بشرية من خلال توظيفها وإسقاط الأسطورة على تركيبتها , ومن ناحية أخرى فديوان أتكئ على حجر يعتبر حافزا للكثيرين للبحث والاستمتاع بالمعرفة والفهم , فهنالك قارئ قد يعجبه الديوان ويندمج بالقراءة وعند عدم فهمه لرمز ما سيكون لديه الدافع ليبحث ويفهم وهذا يكون قد خدم القارئ معرفيا وفكريا بشكل أو بآخر ..فهنالك فارق كبير بين التعقيد اللغوي المحبط والمنفر وبين الغموض السردي المثير والحاث على التقصي والبحث بغاية إدراك التفاصيل الدقيقة للنص.
أما عن مجموعة " للألم بقية " فقد كانت نصوصا حملت مرحلة معينة سبقت ديوان أتكئ على حجر
وكتبت معظمها قبله بأعوام , وكانت تجسد الحب بمنظور برئ وحالم أكثر مما هو واقعي , وكأن رؤية الشاعر فيها هي أمنيات تحمل إنسانيته المجردة فأينعت كما تزهر وردة في عرض الصحراء لكن حظها أن حرب الحياة الطاحنة تدور رحاها فتدوسها سنابك الخيل وتضحي الوردة مسحوقة وتتناثر مع غبار الحرب و الحب الأسطوري المزعوم .
والسبب في أن القارئ قد يحبذ للألم بقية فالمسألة أن الذوق ألوان لا يتفق به اثنان , وكلٌ يبحث فيما يقرأ عن ضالته ومن يعشق يبحث عن الوردة في قلب الصحراء ويتعامى عن رحى الحرب وسنابك الخيل , وهذا حقه فالحلم عند الحب أكبر من متسع ما نملك من خيال.
مجموعتي الثالثة "سفر في الفراغ " والتي تأخرت في الصدور بسبب الحصار وعدم دخول ورق الطباعة لقطاع غزة تحمل الحب بثوبه الواقعي , وكأن لسان حال المرحلة ينطقها ويكتبها , فتأتي كحالة من التدوين التأريخي للسفر , ولكنه سفرٌ في فراغات الحياة
التي تكشفت للشاعر بعد أن تعرت الحقائق لتسدل الستار على المشهد الأخير .
:- الأنثى.. الجالسة دوما على حقائبها في شعر شجاع الصفدي، تبدو العلاقة بها ملتبسة أحيانا،
فقد ترتدي أثواب النكران تارة، وثوب ضحايا القدر تارة أخرى، ولكنها في الغالب تُلمَح كنجم ينطفئ بمجرد أن نلتقطه،
حدثنا عن تلك العلاقة الملغومة بين الشاعر والأنثى،
وهل النساء (جميلات عن بعد ، ولكنهن بعيدات عن الجمال)؟
*** تجلس على حقائبها تتأهب للسفر , فلا هي مسافرةٌ ولا هي باقية , يأتي قطارٌ ويذهب ولا تبرح مكانها في صالة الانتظار مما يجعل العلاقة هنا ليست ملتبسة بقدر ما هي ضرب من الجنون ..
ترتدي أثواب النكران حين يصيبها برد انتظاره فتقف حين يأتي القطار وتوشك أن تغادر فلا تطيعها قدماها
فتجلس مرة أخرى على الحقائب تسند يدها على رأسها وتبكي , في الحين الذي يركض هو في النفق محاولا منع القطار التالي من بلوغ المحطة غير مبالٍ باحتمالية سحقه , تاركا كل الأحداث للقدر يحددها وهكذا يكون هو الراحل أبدا ضحية لحبها وتكون هي المنتظرة أبدا بلا جدوى ضحية القدر .
إجمالا هي ليست نجما ينطفئ بمجرد أن نلتقطه , ببساطة فالنجمة التي تلتقط لا تكون سوى أكذوبة عابرة لا بريق لها ، وإنما لنقل هي أفقٌ كلما ركضنا إليه وأملنا بلوغه فرّ من ناظرينا وابتعد ونواصل سفرنا إليه ويواصل سفره إلى المجهول.
وأخيرا هنا أقول: " النساء جميلات عن بعد , لكنهن بعيدات عن الجمال "
الوردة التي تقطفها تفقد عبيرها وجمالها وهي بين يديك , لكنها ما دامت على الغصن فهي مبهجة لها عبيرها الحي النابض , وأقول: إن شئت ألا تفقد الوردة بريقها عليك أن تخلق لها حديقة تكون أنت من فيها وحدك من يرعاها ويرويها , وهكذا لا تصبح الوردة مشاعا للآخرين إن ظلت على الغصن , ولا حاجة بك أن تقطفها فتفقد بهجتها .
أيكفي ذلك ليقول الأمر بشكله المنطقي ؟
:- في الحقيقة ، هو لا يكفي !! بل يؤكد حاجتنا للقاء ، أو بالأحرى لقاءات أخرى.. لنعبّ من حضورك الجميل وفلسفتك المتفردة..
شجاع الصفدي ، كان فرصة استثنائية لي هذا اللقاء، آمل ألا أكون أرهقتك كثيرا..
شكرا لك..
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد بوعلاوي
- الزيارات: 3
السيرة الذاتية
للباحث : محمد بوعلاوي
العنوان : محمد بوعلاوي
ص .ب- 577 – أفلو- 03400
الأغواط
البريد الإلكتروني:
الهاتف : المحمول :0662334771 الثابت : 029964145
.البيانات الشخصية: تاريخ ومكان الميلاد:17/06/1958 بريدة (الأغواط)
الحالة الإجتماعية: متزوج
الجنسية : جزائري
.المؤهل العلمي :
جامعة تلمسان – كلية الآداب والعلوم الإنسانية والإجتماعية
درجة الماجستير (حسن جدا).
الشعبة : أدب عربي
التخصص : أدب مغربي قديم
.الخبرة العلمية :
معلم لغة عربية : 1979 إلى 2007
مفتش التربية والتعليم الأساسي خلال الموسم 2007/2008 إلى يومنا هذا
المساهمة في إنشاء جمعيات تربوية وثقافية.
المشاركة في ملتقيات وطنية ذات بعد تربوي
المهارات : الإعلام الآلي
البحوث : رسالة ماجستير بعنوان
" قصيدة الرثاء في الأدب الجزائري القديم من الفتح إلى نهاية الدولة الزيانية – دراسة موضوعية وفنية – " .
- الرثاء في الأدب الجزائري القديم موضوعيا وفنيا ، مشروع كتاب للطبع .
- بكاء المدن الجزائرية في الشعر الجزائري القديم ، الصورة الفنية في شعر ابن هانئ الأندلسي ، رثاء غير الإنسان في الشعر المغربي القديم ، مجموعة مقالات (تحت الطبع).
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد بوعلاوي
- الزيارات: 2
قصائد الرثاء في الشعر الجزائري القديم
- الخصائص الأسلوبية -
أ) الألفــاظ:
مادامت عناصر الأدب هي الفكرة والعاطفة والخيال والألفاظ ، «فإن اللفظة تعتبر السبب الأساسي لكلّ نقد يوجه إلى اللغة، ولا غرابة في ذلك؛ فاللفظة هي أصغر الوحدات ذات المعنى في الكلام المتصل»([1]). ويقول "شوقي ضيف": « أول ما يلقانا في نصوص الشعر ألفاظها وهي ليست ألفاظاً محدّدة الدلالة، يدل بها الشعراء على أشياء حسية، من واقعهم الخارجي، فإنهم لا يعبرون عن هذا الواقع ومسمياته الحقيقية، وإنما يعبرون عن واقعهم النفسي وما تختلج به نفوسهم من مشاعر، وأحاسيس»([2]). وممّا سبق نستنتج أنّ الفكر « لما كان موجهاً دائماً إلى الخارج فإنّ تجسيده يكون في اللغة أوالألفاظ، وهذه اللغة ليست رداء للفكرأو قالباً له وإناء يحتويه، وإنما هي الفكر نفسه مجسّداً في ألفاظ لغوية...»([3])
وما دام الكلام عن الرثاء فلابد أن تكون الألفاظ ذات بعد انفعالي ودلالي، يتناسب ونفسية الشاعر في هذا الموقف الحزين المؤلم، لأنّ « اللفظة صوت وضع ليكون رمزاً للمعنى»([4])، واللفظة في القصيدة تتجاوز معناها المعجمي لتنصب على عمق النفس فيكون ذلك تجسيداً لحالة نفسية يعيشها الشاعر.
وكمثال على ما ذهبنا إليه مقطوعة " بكر بن حماد" حيث يعطي اللفظة قيمتها الجمالية والتعبيرية عندما يصور حزنه وفاجعته بفقد ولده "عبد الرحمن":
|
بكيت على الأحبة إذ تولـــــوا |
|
و لو أنّي هلكت بكوا عليّ |
|
فيا نسلي بقاؤك كان ذخـــــراً |
|
و فقدك قد كوى الأكباد كياً |
|
كفى حزناً بأنني منك خلــــــــو |
|
و أنت ميْت و بقيت حياً |
|
و لم أك آيساً فيئســت لمـــــا |
|
رميـــت التـرب فوقـــك من يـــدي |
الدراسة اللفظية لهذه الأبيات تدخل في فهم الحالة النفسية للشاعر غداة إنشادها، إذ حشد ألفاظاً عدّة تعبر عن مدى حزنه ولوعته مثل: بكيت، تولوا، هلكت، فقدك، كوى، حزناً، خلو، آيساً، تأسف، غروب، الهم، هذه الألفاظ وغيرها هي زفرات أطلقها الشاعر مشحونة بالأسى .
وفي أبيات الأمير" أبو زكريا" ألفاظ تناسب الموقف:
|
ألا جازع يبكي لفقد حبيبـــــــه |
|
فإني لعمري قد أضر بي الثكل |
|
لقد كان لي مال و أهل فقدتهم |
|
فها أنا لا مال لدي أهل ولا أهل |
|
سأبكي و أرثي حسرة لفراقهم |
|
بكاء قريح لا يمل و لا يسلو |
|
فلهفي ليوم فرّق الدّهر بيننــا |
|
ألا فرجٌ يرجــى فينتـظم الشــــــمل |
ألفاظ كــ: جازع، يبكي، فقد، أضر، الثكل ، فراقهم، قريح ، قربت المعاني وأجلتها.
أما " ابن هانئ الأندلسي" فألفاظه فخمة مجلجلة تحجب وراءها معانٍ ليست عميقة « و فرقة أصحاب جلبة وقعقعة بلا طائل معنىً إلا القليل النادر كأبي القاسم بن هانئ ومن جرى مجراه»([5]) ، كقوله:
|
صدق الفنــــــــاء و كذب العمر |
|
و جلّ العظـــات و بالــــغ النــذر |
|
إنا وفي آمال أنفســـــــــــــِنـــــا |
|
طــولٌ وفـــي أعمـــــارِنا قصــرِ |
يمكن للدارس استخلاص الألفاظ المعبّرة عن الحزن ، وهي ألفاظ أقل إيحاء ممّا رأيناه سابقاً.
وبالإنتقال إلى العهد الزياني، لابد أن نشير إلى" أبي حمو موسى الزياني" فقصائده جديرة بالدراسة « وأعظم الشعراء منهم " أبو حمو موسى الزياني"»([6]) كقوله:
|
صبٌ تذكر عهداً بالحمى سلفــــــا |
|
فظل يسكب دمعاً هاطلاً و كفا |
|
و بات من شدّة الإشراف في قلق |
|
و خامرت عقله الأفكار فاختلفا |
|
و هيجته الصبا بهم يوماً فصبــــا |
|
و صــاح من وهج التبريح وا آسفا |
حشد الشاعر ألفاظا ألفناها عند الشاعر الجاهلي، « و يستفيد المطلع على أساليبه ومناحيه أنّه كان متضلعاً في الأدب الجاهلي كلّ التضلع لأنّه لم يخرج قط عن مناحيهم»([7])، ومما يؤكد ذلك توظيفه لـ: الحِمى، هامية...
وما يمكن أن يقال أن الشاعر الجزائري القديم كان في مراحله الأولى أكثر سيطرة على ألفاظه يطوعها لخدمة أغراضه الفنية والبلاغية، ثمّ تراخت قبضته عن ناحية اللفظ في المراحل اللاحقة خاصة في العهد الزياني حيث استبد بالصياغة الشعرية أنواع البديع المختلفة حتى كاد يغدو عبداً لها.
التكرار:
عمد بعض الشعراء إلى تكرار بعض التراكيب « كميزة من ميزات الأسلوب الرثائي، بجانب كونها ضرباً من الولولة و الندب و أيضاً لارتباطها بظروف الشاعر النفسية وشدّة انفعاله وتأثره»([8]).
يظهر ذلك بجلاء عند "عفيف الدين التلمساني" في قوله:
|
أين البنان التي إذا كتبــــت |
|
و عاين النّاس خطها سجدوا |
|
أين الثنايا التي إذا ابتسمت |
|
أو نطقت لاح لـــؤلــؤ نضــــد |
إلى قوله:
|
لو أنّ عنيّ منك ما رأتـــــــــا |
|
ما رأتا ما دهاهما الرمد |
|
لو أنّ أذني منك ما ســــــمعا |
|
نطقا لما صمتا لما أجد |
|
لو احتماليك باليدين إلــــــى |
|
صدري لم ترتعش عليـــك يـد |
هذا التكرار بمثابة الضوء الذي يسلطه الشاعر على الأعماق فيسهل الاطلاع على خباياها، فهو « يجيئ في سياق شعوري كثيف يبلغ أحياناً درجة المأساة ؛ ومن ثمَّ فإنّ العبارة المكررة تؤدي إلى رفع مستوى الشعور إلى درجة غير عادية. واستناد الشاعر إلى هذا التكراريجعله يستغني عن عناء الإفصاح المباشر وإخبار القارئ بالألفاظ عن مدى كثافة الذروة العاطفية»([9]).
ب) الأسلوب:
الأسلوب كما يراه "عبد القاهر الجرجاني" « هو المذهب من النظم والطريقة فيه»([10])، وليس المقصود بالأسلوب طرق الأداء اللغوية فحسب:« بل المقصود منحى الكاتب العام، وطريقته في التأليف والتعبير والتفكير والإحساس على السواء، بحيث أننا إذا قلنا: إنّ لكلّ كاتب أسلوبه يكون معنى الأسلوب كلّ هذه العناصر التي ذكرناها»([11])، أمّا "أحمد الشايب" فيعرفه بقوله: « هو طريقة الكتابة ، أو طريقة الإنشاء ، أو طريقة اختيار الألفاظ و تأليفها للتعبير بها عن المعاني قصد الإيضاح والتأثير»([12]).
ومن خلال ما سبق فلا مناص للدارس من تعدي حدود اللغة والتعابير التي استعملها الشاعر، حتى يقترب من جوّه الفكري والعاطفي أثناء ممارسة الإبداع.
وبعد القراءة المتأنية لقصائد الرثاء في الشعر الجزائري القديم وجدت غلبة الأسلوب التقريري على بعض القصائد ممّا أدى إلى ضعف الخيال وندرة الصور الشعرية الجذابة ، وقد ارتبط شعر الرثاء بالحوادث الهامة واتسم بالإيجاز وقوة التعبيرووضوح المعاني، وكلّ ذلك كان انعكاساً لحياة الشعراء البسيطة البعيدة عن التعقيد، كما اهتم الشعراء بترتيب المعاني وتسلسل الأفكار وترابطها، لأنّ الشاعر يفكر وينفعل ويتأثر
- التفاصيل
- كتب بواسطة: حسين أحمد سليم
- الزيارات: 3
ظاهرة
بقلم
حسين أحمد سليم
حالة الرفض للواقع الحياتي تتمثل في فعل حركة الثورة العشوائية لشبابنا،المترجمة في مسارات ميدانية غريبة عجيبة دخيلة على بيئتنا، ولا علاقة لها بتراثنا أو تقاليدنا وعاداتنا وأخلاقنا، ظاهرة متفشية بشكل لافت في الكثير من الأحياء والقرى والبلدات والمدن, وغالبا ما نشاهدها أو نشعر بها أو نسمعها في حزام الضواحي المحيطة بمدينة الغد بيروت . وأحياء الضاحية الجنوبية للعاصمة تشهد سيلا من هذه الظاهرة, التي يمارس فعلها شبابنا في عمر المراهقة غالبا, لتنتقل العدوى لمن هم أكبر سنا بلا خجل ولا حياء أو وازع من ضمير أو وجدان. الهبوط في ترجمة المشاعر الإنسانية والأحاسيس في التعبير عما يختلج في الكوامن عند الأفراد في البيئة, تفسير لا يقبل الشك في مستوى حركة التفتت الخلقي والتحلل الأدبي, وهو ما يحمل الكمد للنفس والغم للقلب والسخرية للفعل والإستهزاء للممارسات, التي يقترفها شباب اليوم عندما تشاهد أحدهم في عمر لم يتجاوز السنوات العشر إلا قليلا, يركب سيارة فخمة مزينة بكل ما يلفت النظر وثمنها يساوي مبلغا باهظا, يمارس فيها شبقه النفسي وهيجانه الشبابي وثورته الهوجاء في الطرقات وفي الأزقة والباحات وبين البيوت والمنازل المكتظة على بعضها, لابسا ثياب الرياضة المزركشة الألوان أو بنطاله القصير جدا وقميصه المشرع عن صدره العاري, رافعا صوت مذياع سيارته عاليا يتفجر من مكبرات الصوت الإضافية, ليصم الأذان ويثير الإشمئزاز ويؤثر بشكل سلبي على أعصاب الناس, فتشعر وكأن زجاج السيارة سيتفجر من جلجلة الصوت ويتحطم, ويخيل لك أن الدماء سوف تتفجر من جلده أو من وجهه, وهو غير آبه لأحد غير ملتفت مأخوذا بفعلته نشوانا بسكرته, وكأنك تشاعد فيلما من أفلام الرعب التي تتقزز لها النفوس.
هذا الشباب هو صورة عن الكثير من الشباب بممارسات نزقهم, وهم يستمعون إلى أغنية أجنبية صاخبة, لا يفهمون منها حتى لهجتها أو لكنتها أو نوع موسيقاها ولا معانيها, ويرددون معها كل على مزاجيته ويدندنون بأصواتهم النشاز, التي تثير النفوس قرفا ووالأبدان قهرا للأداء الرديء. وهم يمخرون الطرقات الضيقة بسرعة جنونية تكاد لا تلتقط أنفاسك معها, والبعض منهم يسير ببطء قاتل وكأنه يمشي على البيض ليقتلعك من هدأتك المسائية أو الليلية أو الصباحية أو قيلولتك, راميا بك في أتون توتر الأعصاب لتضرب الأرض برجليك دون وعي, وتشبع جبينك لكما بقبضتيك حتى تخور قواك, رافعا صوتك بالتهديد والوعيد والويل والثبور وعظائم الأمور. فإذا راودتك نفسك لحاقا بالفاعل لا تدركه لأنه قد أسرع بسيارته مفلتا منك كالمجنون, وإذا حالفك الحظ التعيس ونهرته يرفع من صوت مذياع سيارته أكثر, وإذا لم يعجبك الفعل يترجل ببطء من سيارته ويمارس إظهار مسدسه المزروع في خصره, ليشير لك بأنه مستعد لكل طاريء, هامسا بأذنك ما يجعلك تتراجع معتذرا له عن تسرعك فهو تابع لتنظيم حزبي, أو لعائلة لها تاريخها الحافل بالقتل أو عشيرة مشهود لها بالتفلت من إحترام النظم والقوانين, فترجع من حيث أتيت حانقا مشمئزا متوترا أكثر, تمارس عض أصابعك بأنيابك ليتفجر منها الدم, لاعنا ساعة سكنك في هذا المكان الذي يطلقون عليه تسمية لا تليق بشأنه ولا مستواه, محدثا نفسك بترك المكان أو هجره لمكان آخر أكثر راحة وأكثر أمان.
الفعل المستشري في بعض الأحياء في أمكنة عديدة في البلاد, ما هو إلا ردات فعل سلبية للحالات السيئة التي وصلنا إليها في عملية الأداء التربوي أولا, ومنهجية مساراتنا التي لا تتوافق والرؤى النظرية التي نحلم بها, بحيث أننا في حركة تنظيراتنا في كافة الأمور الإجتماعية والثقافية والتربوية والوطنية وغيرها, لم نراع عملية الإجراءات التطبيقية ميدانيا, ومدى إستيعاب عقولنا لها قبل عقول أبنائنا وشبابنا, وهو ما يدفع رعيلا من أجيالنا وشبابنا للتفلت من عقال ما نخطط له لممارسة العكس, محاكاة لرؤى شبابية أخرى غير ناضجة تستهوي أولادنا وتجذبهم لإمتطاء صهواتها, لترمي بهم في عالم آخر مليء بالوهم والسراب ولا يتطابق وواقعنا ولا يتوافق وتقاليدنا ومعتقداتنا ولا يجاري مساراتنا وطرقنا.
مقياس رقي الأمم والشعوب أخلاقهم المرتبطة بمستوى ممارساتهم الميدانية, وسمو حضارة المجتمعات إنعكاس رقي مناقب أفرادها وجماعاتها, وهي مهمة من نصّبوا أنفسهم للناس قادة بدءا من ولي الأمر في البيت كرب أسرة مرب مكلف, مرورا بالمدرسة وطاقمها التربوي الموجه في المراحل الأولى, وصولا للمؤسسات الجامعية فالعملية, وليس إنتهاءا بالمؤسسات الإدارية المسؤولة في البلاد كل وفق صلاحياته.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: حسين أحمد سليم
- الزيارات: 3
سرقة
بقلم
حسين أحمد سليم
السرقة أنواع وكل يفتي لسرقته ما يتلاءم ووضعها هروبا من الوصم بها, ليحمل المرء عار فعله في خفايا نفسه التي تسول له السوء أينما حل, والسرقة هي السرقة قليلة محدودة أو كبيرة متسعة لا فرق, فليس في العملية وجهان للتفسير أو الإجتهاد. فالسارق هو السارق أيضا ولا مجال لصفة أخرى تعطى له من جراء فعلة قام بها, وليس هناك من رحمة للسارق, بحيث تقطع يده عقابا له على فعلته ليرتدع إذا حدثته نفسه مرة أخرى بذات الفعل, وحتى يكون الإجراء المنفذ بحقه درسا واضحا لكل من تراوده نفسه بالقيام بفعل السرقة.
السارق ليس سارق رغيف الخبز ليسد به رمق جوعه فحسب, وإن كانت الغاية تبرر الوسيلة في أعراف من إجتهدوا في إستنباط ما يجيز لهم الفعل تحت ستار النص, وليس السارق من يسرق رأس ماعز لغاية في نفسه, أو من يسرق سيارة لفتت نظره الشره فإستحسنها ملبيا نداء نفسه الأمارة بالسوء فسرقها, أو من تسلل تحت جنح الظلام إلى بيت أحدهم ليسطو على ما جهد في توفيره لوقت الحاجة, وليس من يجيز لنفسه فعل اللصوصية ليقطع أسلاك الكهرباء والهاتف ليبيعها بأبخس الأثمان تاركا قرية أو بلدة أو حيا بكامله يغرق في الظلام, وليس من يسمح لنفسه أن تمتد يده خلسة لجيب صديقه أو رفيقه أو غيره من المارة في الدروب والطرقات لينتشل محفظته التي تحتوي بعض أمواله وأوراقه الخاصة, وليس من يتجرأ على نهب هاتف متنقل لزميل له في غفلة من إنتباهه, وليس من يأخذ مبلغا من المال حسبما يشاء من جيب أخيه أو والده أو زوجه أو قريبه دون معرفته, وهكذا فأبواب السرقة كثيرة وكثيرة يجتهد السارق في طرقها ببديهة سريعة للقيام بلصوصيته ساعة تراوده نفسه السيئة الموبوءة بهذا الجرم الشائن.
الفرد الموظف في مهمة ما تابعة لمؤسسة ما, وهو لا يتقي الله في أداء عمله يعتبر سارقا, والذي لا يقوم بعمله على أكمل وجه في المهمة الموكولة إليه فهو سارق, والذي يختلس شيئا من محل عمله مهما كان دون إذن صاحب العمل فهو سارق, والذي يترك الوقت يضيع سدى دون إحراز نتيجة فاعلة فهو سارق, والذي يوهم مسؤوله المباشر بأنه يقوم بما أسند إليه ويتقاعس في واجبه فهو سارق, والذي ينتهز فرصة وجوده في عمل ما ليستفيد من المقدرات التي بين يديه لصالحه فهو سارق, والذي يبخس في عمل زميل له ليبرز عمله أمام الآخرين فهو سارق, والذي يمارس الوشاية بزملاء له في وظيفته لبياض وجهه فهو سارق, والذي يخطط للغير في سرقة شيء ما دون المشاركة في الفعل فهو سارق, والذي يختلس النظر الشبق بالشهوة الحوراء لجارته المحصنة فهو سارق, والذي يبني علاقاته على أسس وضيعة وغير أخلاقية فهو سارق, وهكذا فالسرقات أبواب كثيرة متواصلة الحلقات متشابكة, والسارقون وما أكثرهم علمتهم نفوسهم الوضيعة الفعل فتخصصوا به, فلا تغرنك المظاهر المجلوة عند البعض ولا تنطلي عليك حيل البعض, ولا تمنح ثقتك لمن يعطيك من طرف لسانه حلاوة ليستميلك قبل الإيقاع بك في شركه فريسة سائغة, ولا تصاحب سارقا فيفسد عليك حياتك بممارسة السرقة منك يوم تغلق أبواب السرقة بوجهه…
السارق الصغير سارق في المستوى التصنيفي كما السارق الكبير, فهناك سارق يزج في السجن فور تنفيذ عمليته الشائنة ويحاسبه القانون عليها دون رحمة ولا هوادة ليكون عبرة لمن يعتبر, وهناك السارق الذي ينفذ فعلته ويختفي من وجه القانون حتى يدرأ لزمن ما نيل الحساب, وهناك السارق الذي يمارس فعل السرقة بجرأة وبقوة ولا يخاف القانون ولا يخاف الله, ويفاخر ببطولته في فعل اللصوصية والسرقة, وهناك السارق الذي يقوم بسرقة الشعب بأساليب متعددة بحكم منصبه الذي وصل إليه زورا وبهتانا, وهناك من يسن القوانين التي تغطي عملية السرقة تسهيلا لمارسات اللصوصية المنتظمة والمنظمة, وغير وغير… لتأتي النتيجة الساخرة بأن من له يعطى ويزاد ومن بيس له الذي له يسلب منه, فالسارق الذي يسرق ليأكل من الجوع يغدو مزموما ومحتقرا قي طول البلاد وعرضها ويرمى في زنزنة من السجن مظلمة, والسارق الذي يسرق ليزيد في أمواله وثرواته التي هي على شاكلته يتوج بطلا ولا كل الأبطال تصفق له الأكف المستفيدة دون كلل ولا ملل. وأما سارق الأرض ومغتصبها لقيام دولته المزعومة والمزعزعة على ترابها الطاهر تشرعن لصوصيته ويحمى من مجلس الأمن وزمر الأمم؟!. ووسارق الوطن وبائعه البلاد في سوق النخاسة الدولية فهو الحضاري الألمعي في عصر العولمة, عجبا لهذا العالم المتحضر كيف يسن القوانين والنظم على شاكلته؟!. وأما سارق الأرواح من أجسادها وناهب النفوس من أبدانها ليبني على دمائها مجده الزائل فهو الإمبراطور الذي لم ينجب التاريخ شبيها له ولا ند. وسارقو العقول من رؤوس أصحابها, والأفكار من أدمغة حامليها, والأحاسيس من الصدور اللاهجة بها, والمشاعر من القلوب النابضة بها, والإبداعات من أصحاب الخلق والإبداع, والكتابات من تعب الكتاب على إختلاف أنواعهم, والفنون من أنامل حانية بالخلق, وغير وغير… أليست فعل لصوصية المنفذ وهو السارق الأكبر؟!.
السرقة هي السرقة صغيرة كانت أم كبيرة, قليلة كانت أو كثيرة, والسارق هو السارق سرق ليأكل أم سرق ليزيد في ثروته, فإقطعوا يد السارق ونفذا حكم الله في الأرض قبل أن نصل إلى حيث اللارجوع, وتبتلع الأرض من عليها وتقوم الساعة حيث الأمر يومها للديان.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: خليفة بولفعة
- الزيارات: 8
مدخل إلى أفعال الكلام
بقلم : خليفة بولفعة
يطلق الباحثون على هذه الظاهرة اللغوية ،تداولية أفعال الكلام،وهي نظرية انطلقت من فكرة جوهرية ، أسس لها "أوستن"John Langshaw Austin وتلميذه "سارل" Searle John، تتمثل في أن وظيفة اللغة الأساس لا تكمن وصف العالم أو التعبير عن الأفكار أو التأمل ونقل المعلومات-أي التوجه الوصفيالذي ندد به "أوستن" وأسماه بالوهم الوصفي- بقدر ما هي مؤسسة تعمل على تحويل الأقوال إلى أفعال ضمن سياقات خاصة. ويفهم من هذا أن هناك أقوالا تتم في إطار اجتماعي ومؤسساتي تصبح أفعالا منجزة بمجرد النطق بها، مثل قول الرئيس:" أعلن حل البرلمان أو الدستور"،أو قول القاضي :"فتحت الجلسة".
ويقسم الباحثون هذه الأفعال اللغوية إلى أفعال مباشرة مثل أفعال العقود (زوج ،طلق ،باع ، اشترى ، بايع وعاهد ...) و وأفعال غير مباشرة ،مثل قولهم في المثال المشهور "هل بإمكانك أن تناولني الملح ؟ "، فظاهر هذا الكلام استفهام ولكن دلالته تشير إلى طلب بتقديم الملح (1) .وعليه فإن المنطلق الأساس لهذا التوجه ، يعني القطيعة مع نظرية "تشومسكي" التي ترى بأولوية النحو ، ونظرية"سوسير" التي ترى بأولوية اللسان([1]).وبذلك فاللغة حسب " أوستن" وفلاسفة اللغة،ليست مجرد وصف للعالم ،بل هي فعل يؤثر في الواقع ويعدل في السلوك ويثير ردود الأفعال.(2)
وتعتبر هذه الظاهرة اللغوية جوهر إنتاج الأعمال الأدبية، خاصة في الرواية والشعر. فالسارد عندما يقوم بعملية الحكي لا يقصد تقديم سلسلة من الأحداث إلى المتلقي ،بقدر ما يكون هدفه إحداث أثر ما في متلقيه ،وبذلك فإن عملية السرد مثلها مثل العمليات الخطابية الأخرى تهدف إلى إيصال فكرة ما إلى المتلقي أو تضليله عنها(3).
وعلى هذا الأساس ،يبدو أن هذه الأفعال تعمل على تحديد الرؤية السردية "التي ترتبط ارتباطا وثيقا بأحد أهم مكونات الخطاب السردي المتمثل في الراوي وعلاقته بالعمل السردي بوجه عام ،وذلك لاعتبار أن الحكي يستقطب دائما عنصرين أساسيين بدونهما لا يمكننا أن نتحدث عنه.هذان العنصران هما :القائم بالحكي ومتلقيه ، وبمعنى آخر الراوي والمروي له"(4) .وهذه الرؤية لا تتم دون منظومة سردية تؤطرها أفعال لغوية تتم من خلال عملية تفاعلية بين عنصرين اثنين هما المرسل والمتلقي من خلال عملية تفاعلية. ومن مظاهر ذلك ما نجده في أفعال منظومة السرد عند الروائية أحلام مستغامي:
(( ... اليوم بعد ربع قرن أنت تخجل من ذراع بدلتك الفارغ الذي تخفيه بحياء .. وكأنك تعتذر عن ماضيك ..)(5) وكذلك في حديثها عن "الذراع المبتورة" لـ(خالد بن طوبال) الذي فقد ذراعه أثناء حرب التحرير الجزائرية ...كانت تلك بطاقة تعريفي وأوراقي الثبوتية (6)( ... وقد تزعج البعض ، تفسد على البعض راحتهم ، تفقدهم شهيتهم (7) ومع ذلك فهو يدرك بأن حياته ما زالت جرحا ينزف ، وتتضاعف مأساته في المنفى حين يدرك أن هؤلاء لا يعترفون بجرحه وإنما يعترفون بفنه فقط(8)،لا تقصد الروائية هنا تقديم صورة لبطل روايتها بقدر ما تحاول التأثير في المتلقي وإقناعه بفكرها وإيديولوجيتها عن طريق توظيف جانب موح من أيقونة الجسد "الذراع المبتورة"، التي هي في جانب منها صورة إنسانية مزعجة ومثيرة للشفقة معا ،ومن جهة أخرى رمز لهوية وطنية ذات بعد سياسي وتاريخي ، أي وسام معلق على هذا الجسد ،كما إنها شهادة على ظلم الإنسان وقهره (الاستعمار) وتنكره (بعد الاستقلال): اليوم بعد ربع قرن أنت تخجل من ذراع بدلتك الفارغ الذي تخفيه بحياء.... وكأنك تعتذر عن ماضيك ....
وحين تتحدث عنه في منفاه (فرنسا):تصفه بالرجل الذي يحمل ذاكرته على جسده ( وكنت تحمل ذاكرتك على جسدك ( (8) تقرأ على بعض الكراسي أماكن محجوزة لمعطوبي الحرب والحوامل .. محجوزة لمحاربين غيرك، حربهم لم تكن حربك، جراحهم ربما كانت على يدك ، وجراحك أنت غير معترف بها(9).
في حين تقدم صورة أخرى مقابلة تمثل أبشع صور الخيانة والانتهازية والمحسوبية: ( ... وقد تزعج البعض، تفسد على البعض راحتهم، تفقدهم شهيتهم).، وكذا في حديثها عن حسان الذي يمثل شريحة أخرى من المجتمع الجزائري:( في العاصمة ستكون لك ( خيوط) ستوصلك الطرق القصيرة هناك .. ولن توصلك الجسور هنا!)(10).ومنه نفهم أن الروائية في موقف رفض وتنديد لوضع ما ، فلم تكتفي بوصفه وعرضه على المتلقي بطريقة سافرة ،بل وظفت إستراتيجية السرد المكونة من أفعال لغوية ضمنية، توحي بصورة مباشرة بأفكار وإيديولوجية تعززها قوة بلاغية وحجاجية تعمل كلها على إثارة المتلقي والتأثير فيه.
لقد أصبحت هذه الذراع لعنة تطارده في كل مكان ( كنت تتأملين ذراعي الناقصة وأتأمل سوار يدك ، كان كلانا يحمل ذاكرته فوقه )
. ويذكر بكل مرارة :
( أنا الرجل المعطوب الذي ترك في المعارك ذراعه وفي المدن المعلقة قلبه(11)
وقريب من هذا ما نجده عند الروائي إبراهيم الكوني:"..ولكن القدر فوت الفرصة .جاءت الأنباء بانكسار المقاومة في الحمادة أيضا و...باستشهاد الوالد.قيل انه قاوم ببسالة.بل إن أهل الصحراء نظموا القصائد بعدها تمجيدا لبطولته.ربما لأنهم لم يتوقعوا من رجل مزواج متيم بالسبايا الزنجيات أن يسطر المآثر في مقاومة الطليان.أحد الرعاة أخبره أن الهجوم المباغت لم يفقده السيطرة على نفسه،فطاف على القبيلة ، وجمع المقاتلين،وحارب حتى حوصر معسكره.طال الحصار فاختلف مع بعض المشايخ الذين هدهم العطش ورأوا ضرورة التسليم.انفصل عنهم مع عدد من المخلصين.اعتصم بجبل الحساونة حتى مات .مات بالعطش ،فاستسلمت القبيلة كغيرها من القبائل. تولى ابن عمته المشيخة بعد انتظار طويل .ولكنه لم يسعد بها،فقد تشتت القبيلة وهاجرت إلى الجهات الأربع.لجأت بعض العشائر إلى غدامس ،ولجأت قبائل أخرى إلى "تامنغست" وعزمت بعض القبائل أن تنزح إلى السودان.ولم يفد سعي الشيخ الجديد لتجميعها.فشل في إقناع الشيوخ بالتذرع بالصبر والانتظار حتى يمر البلاء.وهو لا يزال يتنقل في الصحاري ساعيا لتجميع الشتات كي يمارس مهام المشيخة.آه.لو تشتت كل القبائل في الصحراء الواسعة لاندثرت الخلافات حول المشيخة ولما تقاتل الأشقاء للفوز بالزعامات"(12)
لا يريد الروائي هنا تقديم الأحداث ووصفها بطبيعة الحال ،ولكنه يوظف استراتيجيات مختلفة للتأثير في المتلقي ،سواء عن طريق عملية السرد المثيرة ،أو توظيف بعض الوحدات المعجمية الموحية مثل " جاءت الأنباء بالانكسار- طال الحصار فاختلف مع بعض المشايخ- القبيلة – استسلمت القبيلة- تشتت القبيلة وهاجرت إلى الجهات الأربع- ساعيا لتجميع الشتات كي يمارس المشيخة- ثم يحتم ذلك بقوله: آه.لو تشتت كل القبائل في الصحراء الواسعة لاندثرت الخلافات حول المشيخة ولما تقاتل الأشقاء للفوز بالزعامات. إن الراوي هنا لا يصف ولا يسرد بقدر ما يندد بوضع سياسي متعفن،تسوده الخيانة والقبلية والبداوة والخضوع والاستسلام ،بالرغم من المظاهر الخادعة والشعارات الزائفة التي يروج لها .باختصار شديد ، يوظف الروائي ريشته لرسم صورة متعددة الأبعاد لأزمة العالم العربي.وتظهر هنا قوة عملية الفعل اللغوي المتمثلة في السرد الذي يعتبر وسيلة لغوية يوظفها الروائي للتأثير في المتلقي .
كما تعمل الصيغ والمحددات النحوية والبلاغية على تقوية المعنى وإعطائه بعدا آخر، فهي تعتبر أيضا إحدى الموجهات الخطابية التي تعبر عن ذاتية المتلفظ وتواجده في الزمان والمكان،وبذلك فإن مثل هذا النوع من التوظيف ، يعمل على إبراز نوعية الحدث و درجة حدوثه وسلميته ؛ إما بشكل احتمالي أو تأكيدي.وهذا النوع يعمل على توجيه الخطاب وتقويته لإحداث أكبر أثر ممكن في المتلقي .مثل قول أبي الطيب المتنبي موظفا الفعل اللغوي المتمثل في النهي بصيغته الصريحة:
- فلا تغرُرْكَ ألســنةُ مَـــوالٍ تُقلّبُهَـنَّ أفئـدةٌ أعـــادي([2])
- لا تَعْذُلِ المُشتاقَ في أشـــواقه حتى يكون َ حشاكَ في أحشـائهِ([3])
يستعمل النهي بصيغته الصريحة(الفعل اللغوي المباشر) لحرصه على تبليغ ما يريده من تحذير أو تنبيه للمرسل إليه من هؤلاء الأصدقاء ، نفس الشيء في المثالين الآخرين فلا يحتاج المرسل إليه هنا إلى أي تأويل،وبذلك تحقق التحذير بصورة شمولية إلى المخاطب العياني والافتراضي على حد سواء . أما في الأمثلة التالية فنجده يغير من إستراتيجيته الخطابية مستعملا نفس الفعل اللغوي، إلا انه يضيف نون التوكيد إلى فعل المضارع المسبوق بلا الناهية لسبب إستراتيجي وتداولي يتطلبه السياق:
|
1- لا تَطْلُبنَّ كريماً بعـــد رؤيته |
|
إنّ الكرامَ بأسخَاهُمْ يداً خُتِمـوا ([4]) |
|
2- إذا كنت ترضى أن تعيش بذلّةٍ |
|
فلا تَسْتَــعِدَنّ الحُسَـام اليَمَانِيَا ([5]) |
|
3- ولا تستطيلنّ الرّمــَاحَ لغارةٍ |
|
ولا تستجيدَنّ العتــاقَ المَذَاكِيَا ([6]) |
وبذلك نجد أن في هذا النوع من التوظيف يتطلب تدرجا وسلمية في الفعل ، فنون التوكيد هنا لها دور تداولي يبرز أن درجة التوكيد أعلى منها في الصيغة السابقة ،وفي هذا المنحى تأكيد ناتج عن معرفة المرسل للمرسل إليه وإدراكه الجيد للموقف التواصلي وبعناصر السياق المهيكلة للخطاب . ويبرز من هذا الاستخدام أن الفعل اللغوي المتمثل في النهي درجات تحددها ظروف المرسل إليه وحالته ومنزلته ،وقربه أو بعده من المرسل ،كما يرجع ذلك إلى طبيعة الموضوع أو الأمر المنهي عنه .
وقد يرد هذا الفعل الكلامي بألفاظ معجمية غير الأداة المختصة، مثل الألفاظ الدالة على الكف أو الترك، مثل قوله سبحانه وتعالى" وَلِلَّهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181)"(الأعراف) . فقد وردت كلمة "ذروا " الدالة على الأمر في صيغته المعجمية والنحوية،إلا أنها في بنيتها العميقة تدل على النهي ،أي عدم إتباع الملحدين في آيات الله وأسمائه ،ومثل ذلك كثير في الشعر العربي مثل قول أبي الطيب المتنبي :
- فدَعْ كُلّ صَوتٍ غَيرَ صَوتِي فإنّني أنا الطّائرُ المَحكيّ والآخرُ الصّدَى
وغني عن البيان أن هذا الملفوظ قد ورد بصيغة الأمر غير أن بنيته العميقة تدل على النهي سواء من الناحية المعجمية حيث نجد كلمة " دع" تعني الترك ،أي" اترك " والدعوة إلى الترك تعني النهي عن إتيان الفعل.أما من ناحية سياق الخطاب، فإن المرسل يطلب من سيف الدولة أن يدع ما عداه من الشعراء، لأنهم -حسب رأيه- ليسوا إلا صدى لشعره .
وعلى هذا الأساس تكون هذه النظرية في أساسها رفض للتصور القديم الذي يرى في اللغة ، مجرد قواعد مجردة يستخدمها الفرد للتعبير عن حاجته التواصلية،حسب "دوسوسير" الذي يرى أن دراسة اللغة تتضمن جانبين :جانب أساس، هدفه دراسة اللسان باعتباره ممارسة اجتماعية في جوهرها ومستقلة عن الفرد؛ وهي دراسة نفسية في أساسها ؛وجانب ثانوي ، هدفه الجانب الفردي في اللغة،أي الكلام الذي يشمل الجانب الصوتي: فهو نفسي-مادي"(14) وهنا يبرز الاختلاف الواضح بين التوجهين، أي الوصفي والتداولي .
ويمكن تلخيص هذه النظرية في سلسلة من الأفعال :
الفعل التلفظي : يقوم فيه المرسل بتوجيه مرسلة خطابية ما موجهة إلى مرسل إليه ضمن سياق ما.
الفعل الصوتي: يقوم المرسل بنطق مجموعة من الألفاظ مستثمرا في ذلك كفاءته اللغوية عبر إستراتجيات متعددة في سياق معين.
الفعل الإنجازي :يقوم المرسل بفعل كلامي في سياق ما .
الفعل التأثيري: يؤثر المرسل على المرسل إليه بطريقة ما.
وتوجد بين هذه الأفعال علاقة جوهرية، تتمثل في التلفظ من طرف المرسل بفعل كلامي، ينتج عنه من طرف المرسل إليه ، نتيجة تأثره بهذا الفعل الكلامي(15) .
وبما أن الشكل اللغوي ليس كافيا في أكثر الأحوال لإبراز الدلالة الفعلية لهذه الأفعال، فلا بد من إيجاد بعد أساس فيها يتمثل في قصد المرسل، حيث تتم عملية الاختيار التركيبي والدلالي في الملفوظ بمراعاة السياق المناسب.وهذا ما تم بالفعل على يد "سارل"بعد" أوستن" فلم يعد المعنى موجودا في الخطاب الحرفي أو المباشر فحسب، بعد أن أكد فلاسفة اللغة بشكل واضح ، أنه يستحيل الاكتفاء بما تقوله الجملة حرفيا، خاصة من خلال ما أكده "جرايس" من اعتبار متضمنات القول جزءا أساسا في العملية التواصلية ، أي عدم الاكتفاء بما هو متواضع عليه( مثلما لاحظنا في الأمثلة السردية السابقة) ، كما أكد هؤلاء على أهمية المبادلات اللغوية و دور العناصر غير اللسانية في إنتاج الخطاب وتأويله ، مثل السياق والموقف التواصلي والمعارف المسبقة للمتخاطبين(16).كما أبرزوا دور الأفعال غير المباشرة في هذه الإستراتجية الخطابية .و زيادة على أن دلالات الخطاب اللغوي تتعدد حسب سياقات التلفظ، فإن دلالة الملفوظ قد تتغير بتغير الظروف والمحددات الزمنية والمكانية والموقف التواصلي.
ومن أهم النظريات التي تذهب في هذا الاتجاه ما جاء به " جرايس" في قوانين الخطاب ، التي تجعل المتكلم يقول ما يود قوله دون أن يصرح بذلك ، و يصرح في موقف ويلمح في آخر، وخاصة مبدأ المشاركة الذي يشكل العمود الفقري للنشاط الكلامي ، إذ من خلاله يتمكن المتخاطبون من ضمان عدم انقطاع التواصل(17).
والجدير بالذكر هنا، هو أن هذه الظاهرة اللغوية هي ما عرف في التراث العربي بالخبر والإنشاء.فقد ثبت عندهم أن الاختيارات التركيبة والدلالية لا تخضع بالضرورة إلى اعتبارات نحوية ، بل لاعتبارات تداولية ،كما أن الإفادة في الكلام ترجع إلى أحوال وملابسات المتخاطبين. وهذا ما أكده عند عبد القاهر الجرجاني و ابن خلدون : " ألا ترى أن قولهم (زيد جاءني) مغاير لقولهم (جاءني زيد ) من قبل أن المتقدم منها هو الأهم عند المتكلم،فمن قال: جاءني زيد أفاد أن اهتمامه بالمجيء قبل الشخص المسند إليه،ومن قال زيد جاءني أفاد أن اهتمامه بالشخص قبل المجيء( المسند)..."(18) .وهناك أفعال لغوية أخرى اكتست اكتست أهمية كبيرة عند البلاغيين والنحويين وعلماء التفسير والأصوليين خاصة ،منها:
الأمر : الذي نظر إليه النحاة القدامى باعتباره صيغة لغوية يوظفها المتكلم ليعبر بها عن مستويات مختلفة من الطلب الدالة على الأمر وغيره ، أي صيغة تستدعي الفعل ،أو قول ينبئ عن استدعاء الفعل من جهة الغير على جهة الاستعلاء . وكذلك ذهب البلاغيون إلى وضع قواعد بلاغية تنظر إليه من زاويتين مختلفتين ، زاوية الحقيقة والمجاز، مستعملين في ذلك منهجا تداوليا يقترب وبشكل كبير من الدرس التداولي الحديث، فعملوا على إبراز أهمية البنية الملفوظية وضرورة تماثلها مع المقصدية التي يكون السياق هو الفيصل في تحديدها.كما يأتي الأمر عند الأصوليين صيغة للتكليف تنصب في التشريع على وضع الحكم لأفعال المكلفين بالأمر على أوجه دلالته المختلفة من وجوب وإباحة، وندب أو حظر بالنهي على أوجه دلالته المختلفة من تحريم وكراهة(19) ،كما يعرف بـ"استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء"(20) وقد تعددت دلالة الأمر عند الأصوليين فنجد ابن النجار عد لصيغة (افعل) خمسا وثلاثين معنى(21)
النهي: يعرف ابن فارس النهي بقوله: "هو قولك: لا تفعل(22)" إذ لا صيغة له سوى المضارع مع لا الناهية، ويعرفه صاحب الإيضاح بأنه " له حرف واحد وهو "لا" الجازمة في قولك "لا تفعل" وهو كالأمر في الاستعلاء. وقد يستعمل في غير طلب الكف أو الترك... (23)
وقد ينهى عن الشيء باستخدام الدلالة المعجمية المتضمنة تحريما للفعل، أو نهيا عنه ومدلول صيغة النهي هو الكف عن الفعل على الفور، وحقيقته التحريم عند الأصوليين، وقد تدل الصيغة باعتماد السياق على معان أخرى غير أصلية(24)
ولكي يتحقق هذا الفعل يجب أن تتوفر شروط وقوعه مثل المرتبة أو المنزلة مثله مثل الأمر(كما أوردنا في الأمثلة السابقة( لا يتم حل البرلمان أو الدستور إلا من طرف شخص تتوفر فيه شروط معينة وهو الرئيس،ونفس الشيء بالنسبة لفتح الجلسة في المحكمة لا تتم إلا من طرف القاضي) وهذا ما يؤكده المبرد "واعلم أن الطلب من النهي بمنزلته من الأمر ،يجري على لفظه كما جرى على لفظ الأمر(25)
و يستعمل النهي لتوجيه المخاطب والغائب وذلك عند استعمال حرف "لا" لأنه "يقع على فعل الشاهد والغائب "(26).
وعلى الجملة ، فإن هذا النمط من التداولية ، يرى أن اللغة ليست وسيلة للإخبار أو الاتصال أو تعبيرا عن الفكر ، بقدر ما هي مؤسسة تعمل على صهر هذه الظاهرة البشرية وإعادة صياغتها بشكل خاص ينتج عنه أفعال تعمل على التأثير وتغيير السلوك.وإن كانت العملية اللسانية في حد ذاتها هي إخبار ونقل للمعلومات فهي أفعال خاضعة لمجموعة من الضوابط تعمل على تغيير موقف المتلقي وتعديل وضعيته من خلال استهداف أفكاره ومعتقداته بسبب ما تتضمنه من قوة إنجازية(27) .
الهوامش
[1] - J .L .Searle. sens et expression. Traduit par : Joelle Porust ,Edition Minuit, Paris; p.71
2- Martine Bracops, Introduction à la pragmatique, ,p.97
3J.-M Adam, Le texte narratif, Paris, Nathan,1985,p.7
4- سعيد يقطين،تحليل الخطاب الروائي،ط.3،المركز الثقافي العربي للطباعة والنشر والتوزيع ،بيروت/الدار البيضاء،1997،ص.283 5 أحلام مستغانمي ،ذاكرة الجسد ،ص.72
6 - الرواية ص.53
7 نفسه ،نفس ص
8 - الرواية ،نفس ص
9- الرواية ،ص72/73
10 - الرواية ، ص.389
11 -الرواية ص.100
12 - إبراهيم الكوني ،التبر،رياض الريس للكتب والنشر ،لندن،1990، ص.76.
13-Ferdinand De Saussure ,cours de linguistique générale, édition Talantikit , Bejaia ,2002,p .26
15- عبد الهادي بن ظافر الشهري إستراتجيات الخطاب ،مرجع سابق ،ص.75
16 - Introduction à la pragmatique, op , Cit ,p.98
17-عمر بلخير، تحليل الخطاب المسرحي في ضوء النظرية التداولية، ص.101
18 –المقدمة ص.1604
19 - ردة الله بن ضيف الله الطليحي، دلالة السياق ، "سلسلة الرسائل الموصى بطبعها" ،جامعة أم القرى ،المملكة العربية السعودية، 1424 هـ ، ص.156
20- الكولذاني الحنبلي ، التمهيد في أصول الفقه ،ت.د مفيد أبو عميشة وزميله ،جانعة أم القرى ،مكة المكرمة ،1406 هـ ،ج1/124
21 - دلالة السياق ، مرجع سابق ،ص. 157
22- البديعي الصاحبي ، تحقيق احمد صقر ، الناشر ،عيسى البابي الحلبي وشركاه،القاهرة ،1977، ص. 302
23- الخطيب القزويني ،الإيضاح في علوم البلاغة ،ت.د.عبد الحميد هنداوي ،ط 2، مؤسسة المختار للنشر والتوزيع ، القاهرة، 2004 ،ص.139
24- دلالة السياق ، مرجع سابق ،ص.527-528
25- المبرد ،المقتضب،ت.محمد عبد الخالق عضيمة ،عالم الكتب ،بيروت ،ج 2،ص.135
26- إستراتيجيات الخطاب ،مرجع سابق ،ص.350
27 - Orecchioni ,Enonciation de la subjectivité dans le langage, p. 185
بسم الله الرحمن الرحيم بعد النظر في مقال ا.د. عبد اللطيف بن عبد الله بن دهيش المنشور في جريدة الجزيرة يوم: الأحد 2 شعبان 1429 العدد 13093، وجدناه قد احتوى على العديد من الأخطاء والمخالفات العلمية والتاريخية، تُستغرب وتُستنكر من أستاذ دكتور في التاريخ بجامعة أم القرى، فمقاله يحتوي على ست كذبات وتدليسين ليستدل بها على انتسابه وإخوانه إلى دهيش بن عبد الله الشمري، ولما كانت دعواهم الانتساب باطلة فلا غرابة أن يستدلوا بأدلة مكذوبة، وسنذكر في هذا الرد نماذج من كذب الدكتور الدهيش: في قوله : « إن استشهاد الكاتب د. أحمد المزيد على أن آل دهيش لم يبق منهم أحد استناداً إلى ما قاله ابن منقور والفاخري، فهو قول مردود جملةً وتفصيلاً؛ لأننا نحن آل دهيش موجودون، ولله الحمد». قوله: «أن الشيخ عبدالله البسام في (تحفة المشتاق) يقول ما نصه: (عندما قام حمد بن علي بن سيف بقتل أفراد آل دهيش وثار على القاتل ثلة منهم وتغلبوا عليهم ورحلوا إلى حرمة من المجمعة ثم إلى مرات عام 1194هـ). قوله : (لقد ذكر عبدالرحمن المغيري في كتابه (المنتخب في ذكر أنساب قبائل العرب) ما نصه: (ومن بطون آل مغيرة الجباري مسكنهم مرات وكانوا من أقدم أهلها فانقرضوا إلا القليل. ومن أشهرهم عبدالله بن علي الجبري الذي ترأس في بلدة مرات سنة 1236هـ حين ظهر الترك على نجد، وقد عاون الجبري هذا آل دهيش) ص 267. وهذا ما يؤكد أن آل دهيش أحفاد عبدالله الشمري كانوا في تلك الفترة في مرات ولهم شأن عظيم.) قوله: (وأشار إليه الأستاذ راشد الغفيلي في مقاله في وراق صحيفة الجزيرة العدد 10489 بتاريخ 25- 3-1422هـ.) قوله (أما قوله بعدم ذكر آل دهيش في الكتب التي قال الكاتب أحمد المزيد بأنها بين يديه.. فنحن نرد عليه بأن يذكر لنا ما هي تلك الكتب؟ وأن هذا لا يعني أن آل دهيش بن عبدالله الشمري ليسوا موجودين. وها نحن نقول إن بعض أجدادنا بقوا في مرات وبعضهم انتشروا في بقية أرجاء المملكة...) قوله : (أما عن قيامنا بإعادة بناء مسجد أحد أجداد الأسرة وهو يحيى بن دهيش - رحمه الله - فهو عمل نريد به وجه الله؛ فلماذا يغضب د. أحمد المزيد من عمل الخير؟! وهو من المتخصصين في العقيدة). التدليس الأول في مقال الدكتور عبد اللطيف بن دهيش قوله : ( أولا: 4- إن الشيخ حمد الجاسر - رحمه الله - نقل قول ابن لعبون عند تطرقه إلى ذرية عبدالله الشمري، ولم يعلق على ذلك، لا بأنهم موجودون، ولا بأنهم منقرضون؛ ومن هنا فإنه لا دليل يؤخذ منه بهذا الشأن.). قوله: «وقد سبق لنا إعداد كتاب نسب الأسرة منذ عهد قديم، وقد تم طبعه عام 1406هـ وتوزيعه على أفراد الأسرة، وفيه الكثير من التفصيل وتأكيد انتساب أسرة آل دهيش إلى جدهم عبدالله الشمري». بقلم سعد الحربي 0540978395جوال رابط لمقال المزيني:
السيد رئيس التحرير المحترم
تحية طيبة ، وبعد:
يسرنا نشركم لمقالنا المرفق مع هذا الخطاب، وهو بعنوان (8كذبات وتدليسات في مقال بالجزيرة لدكتور سعودي).
شاكرين ومقدرين حسن تعاونكم واستجابتكم.
ثمان كذبات وتدليسات
في مقال بالجزيرة لدكتور سعودي
الكذبة الأولى في مقال الدكتور عبد اللطيف بن دهيش
فهذه كذبة على د. أحمد المزيد، فهو قد استدل بأن آل دهيش لم يبق منهم أحد بقول ابن لعبون وبقول ابن عيسى، وفعل حمد الجاسر، وعجبًا لأستاذ دكتور يكذب مثل هذه الكذبة!!!
وقد أورد د. المزيد في مقاله قول ابن منقور وقول الفاخري في تبيين أن قتلة آل دهيش التي قتل فيها أغلبهم كانت في عام 1098هـ، ولا يعارض ذلك ما ذكره الشيخ عبد الله البسام في «تحفة المشتاق»، في أحداث عام 1137هــ حينما أوضح أن آخر حرب بين آل سيف وآل دهيش، ومعهم أهل حرمة كانت في هذا العام، وهذا هو آخر ذكر لآل دهيش بن عبدالله الشمري في كتب تاريخ نجد.
* * *
الكذبة الثانية في مقال الدكتور عبد اللطيف بن دهيش
هذا كذب وتزوير على الشيخ البسام، فكل ما ذكره الكاتب هنا هو من اختلاقه، وغير موجود في كتاب «تحفة المشتاق في أخبار نجد والحجاز والعراق» للبسام.
فنعجب من أستاذ دكتور في التاريخ، يتقول على مؤرخ ومرجع من مراجع تاريخ الجزيرة العربية.
الكذبة الثالثة في مقال الدكتور عبد اللطيف بن دهيش
فما ذكره المؤلف هنا هو تقويل للمغيري ما لم يقله، وهذا هو الذكر الوحيد لدهيش مرات في كتب التاريخ والأنساب، ورغم ذلك فإن المغيري لم يقل: «آل دهيش أحفاد عبد الله الشمري»، بل قال آل دهيش، ولم ينسبهم، مع اهتمامه بنسبة الأسر المنتمية لقبائل إلى قبائلها، وخصوصا أسر مرات، لأنه من أهلها.
* * *
الكذبة الرابعة في مقال الدكتور عبد اللطيف بن دهيش
فقد كذب على الأستاذ راشد الغفيلي، حيث لم ينسب في ترجمته للشيخ عبد الله بن دهيش لدهيش بن عبد الله الشمري، وإنما ترجم له فقط، ولم يسبق أحد الدكتور عبد اللطيف بن دهيش في الاستدلال على إثبات نسبه بمقالة في جريدة!!!.
* * *
الكذبة الخامسة في مقال الدكتور عبد اللطيف بن دهيش
فهذا كذب على دكتور أحمد المزيد، على نهج من يقول ( فويل للمصلين) ثم يسكت ولا يكمل بعدها (الذين هم عن صلاتهم ساهون )، إنما قال دكتور المزيد ( بين يدي الآن كتب التاريخ والأنساب في نجد، ولا يوجد في كتاب منها نسبة آل دهيش أهل مرات إلى أسرة دهيش بن عبدالله الشمري.) فالتعميم في كلام الدكتور المزيد لا يحتاج إلى ذكر أسماء كتب دون كتب، لأنه قد عمم بالفعل، وكان الجدير بدكتور عبد اللطيف الذي يدعي في مقاله نسبة أسرته لدهيش الشمري، ثم يقول في مقاله: «ولي على ما أورده الكاتب د. أحمد المزيد وغيره بعض الوقفات العلمية التوثيقية على أساس بحثي بعيداً عن التشنجات»، وكرجل أكاديمي أن يرد على تحدي د. أحمد المزيد باسم أي كتاب يذكر نسب دهيش مرات لعبدالله الشمري، لكن الدكتور الدهيش لم يستطع ذلك. واكتفى بقول أنه من أهل دهيش، متناسيًا أن قولته هذه هي محل النقاش وطلب الدليل، فلا ذكر لهذا النسب إلا في كتاب «نسب أسرة آل دهيش» الذي أعده د. عبد الملك الدهيش، أخو الكاتب.
أو ما أرسله د. عبد الملك بن دهيش من ترجمة لوالده الشيخ عبدالله بن عمر بن دهيش لمحمد بن عثمان القاضي صاحب روضة الناظرين، المعاصر أمين مكتبة عنيزة.
فإنما قال القاضي في روضة الناظرين بعد ترجمة الشيخ عبد الله الدهيش ـ دون نسبته لدهيش الشمري ـ ما نصه :« يقول ابنه فضيلة الشيخ عبد الملك في ترجمته لأبيه التي وافاني بها أن موطن أسرته آل دهيش مدينة المجمعة، وأنهم ينتمون إلى شمر، وقد انتقلوا من المجمعة إلى حرمة ثم إلى مرات..».
وواضح من النص أن ما قاله القاضي ما هو إلا من مقولة د. عبد الملك الدهيش، خاصة أن القاضي قد نقل كلام د. عبد الملك ولم يدرجها في نسب الشيخ عبدالله الدهيش.
ثم قول عبد اللطيف الدهيش عن الحقيل: (وذكر ذلك الأستاذ عبدالعزيز الحقيل في كتابه (المجمعة وحرمة) ص (121) في ترجمته لوالدنا الشيخ عبدالله بن دهيش.).
فالحقيل لم ينسب الشيخ عبد الله الدهيش لدهيش بن عبد الله الشمري، إنما نقل عن القاضي ترجمة الشيخ عبد الله بن دهيش نقلا نصيا وقد سبق الرد على قول القاضي في النقطة السابقة.
* * *
الكذبة السادسة من كذبات الدكتورعبد اللطيف بن دهيش
فهل غضب دكتور المزيد من ترميم مسجد حويزة؟ لا، إنما قال الدكتور المزيد: (أما ترميم آل دهيش لمسجد حويزة (المسمى يحيى بن دهيش) فعمل مشكور، لكنه لا يثبت انتساباً لأسرة دهيش بن عبدالله الشمري.) قال: عمل مشكور، وليس هذا غضبًا، فلنكن صادقين مع أنفسنا يا دكتور عبد اللطيف، ولنقل أن الغضب إنما هو منكم لقولة الدكتور عن هذا الترميم : (لكنه لا يثبت انتساباً لأسرة دهيش بن عبدالله الشمري.).
* * *
وهذا تدليس، واستغفال للقارئ، فالدكتور الدهيش، لم يورد نص كلام الدكتور المزيد كاملا، لأنه يتضمن الرد على هذا الادعاء، ويثبت أن الشيخ حمد الجاسر علامة الجزيرة لم يذكر آل دهيش في موسوعته جمهرة أنساب الأسر المتحضره في نجد، لأنهم عنده قد انقطعوا، وإليك أخي القارئ نص ما قاله دكتور المزيد في مقاله:
(نقل علامة الجزيرة حمد الجاسر في كتابه (جمهرة أنساب الأسر المتحضرة في نجد) قول ابن لعبون السابق، موافقاً له (1-389)، ولذلك نجده قد ترجم للأسر التي نسبها ابن لعبون للجد عبد الله الشمري، مؤسس المجمعة، وهي: (آل سيف 1-386)، وآل مزيد (2-756)، وآل محرج (2-724)، وآل حمادا (1-159)، وآل جبر (1-90)، وآل فايز (2- 369)، وآل مفيز (2- 796)، وآل مجحد (2- 721)، وآل سويد (1- 359)، ولم يذكر آل دهيش بن عبد الله الشمري، لأنهم عنده قد انقطعوا، وليسوا من الأسر الباقية في نجد، قبل القرن الرابع عشر الهجري، قال حمد الجاسر في مقدمة كتابه: (إنني عنيت بالأسر المتحضرة ممن كانت مستوطنة في الحضر قبل القرن الرابع عشر الهجري) (1-4). وقد كانت مجلة العرب تفتح أبوابها للقراء والمهتمين للتعليق والإضافة على كتاب (جمهرة أنساب الأسر المتحضرة في نجد)، ولم نجد أحداً كتب مضيفاً أو مستدركاً.) انتهى كلام الدكتور المزيد.
ونحن نعلم أن كتاب جمهرة الأنساب، الذي ألفه العلامة حمد الجاسر هو من المراجع الأساسية للأنساب في المملكة العربية السعودية.
* * *
التدليس الثاني في مقال الدكتور عبد اللطيف بن دهيش
فالدهيش هنا، جعل كتاب نسب أسرة آل دهيش، مقررا للقضية، فيما يوهم القارئ أن د. أحمد المزيد لم يطلع على هذا الكتاب.
والحقيقة أن الدهيش حجب عن القارئ رد د. المزيد على كتاب «نسب أسرة آل دهيش» الذي جمعه وأعده معالي الدكتور عبد الملك بن دهيش، والذي أورد د. المزيد الرد عليه في مقاله، حيث يقول: «وأما كتاب (نسب أسرة آل دهيش) [ لمعالي الدكتور عبد الملك بن دهيش] فبعد قراءته يتضح أنه من بداية الكتاب حتى (ص13) ينقل ما ذكره المؤرخون عن آل دهيش بن عبدالله الشمري، وهذا لا يخص آل دهيش أهل مرات.
ومن (ص15) حتى نهاية الكتاب يذكر تاريخ أسرة آل دهيش أهل مرات، أما ما ذكره المؤلف في (ص14)؛ حيث يقول: (وبقي آل دهيش في بلدة حرمة لدى أصهارهم آل مدلج في مناوشات وقتال مع أبناء عمهم آل سيف حتى سنة 1194هـ؛ حيث أتى جيش أهل العارض في عهد الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود وضبطوا المجمعة وأخذوا حمد بن عثمان بن حمد بن علي آل سيف، وذهبوا به إلى الدرعية، وارتحل آل دهيش إلى مرات؛ حيث لم يجدوا بُدًّا بعد طول هذه الحروب من الرحيل من المجمعة وحرمة إلى مكان آخر يجدون فيه الطمأنينة والاستقرار؛ فارتحلوا إلى مرات واستقروا بها، وقد ملكوا عدة عقارات بمرات في أوائل القرن الثالث عشر الهجري).
وهذا القول نرد عليه من وجهين:
أولاً: قوله: (بقي آل دهيش.. حتى سنة 1194هـ)، يخالف ما كتبه أهل التاريخ، ومنهم: ابن منقور؛ حيث يقول في تاريخه في أحداث عام 1098هـ: (وقُتل حمد بن علي راعي المجمعة، ثم آل دهيش في المجمعة).
والفاخري؛ حيث يقول في أحداث 1098هـ: (وقُتل حمد بن علي رئيس المجمعة، وقُتل آل دهيش، وآل دهيش بن عبدالله الشمري من رؤساء بلدة المجمعة ينازعون بني عمهم آل سيف بن عبدالله الشمري الرئاسة) (ص103).
ثانياً: قوله: (ارتحل آل دهيش إلى مرات طلباً للأمن.. إلخ)، فهذا يخالف التاريخ والواقع؛ حيث أنعم الله عز وجل على أهل الجزيرة العربية - ومنها المجمعة وحرمة ومرات - بالدولة السعودية الأولى، التي عاش الناس في ظلالها في أمن لم يعرفوه منذ قرون».
ولكن بدلا من الرد على هذا النقد، جاء د. عبد اللطيف، بما يوهم على القارئ أن الكتاب قد احتوى على الدليل الوافي، متغافلا عن نقد دكتور المزيد، ويتضح من فعل د. عبد اللطيف أنه لا يوجد في كتاب عبد الملك الدهيش أي دليل لهذه النسبة المزعومة، وإلا لأوردها د. عبد اللطيف في مقاله هذا.
فكيف بأستاذ دكتور في التاريخ، أن يجمع كل هذه المغالطات في مقال واحد!! فهو يحرف كلام ابن منقور، وابن لعبون، ويكذّب الفاخري، حيث قال :«وقتل آل دهيش»، قائلا: «فمن اين جاء بكلمة قتل»؛ ويكذب ابن عيسى، ويحجب عن القراء منهج حمد الجاسر في كتابه «جمهرة أنساب الأسر المتحضرة في نجد»، ويقوّل المغيري ما لم يقله.
وكل ذلك ليس غريبا على عبد اللطيف بن دهيش وأخيه عبد الملك وإخوانهما، لأنهم اّدعوا ادعاءً باطلا، وهو انتسابهم لآل دهيش بن عبد الله الشمري، فلا غرابة أن يحتوي استدلالهم على ادعائهم الباطل هذا الكذب والتدليس وتجهيل القراء.
http://search.al-jazirah.com.sa/2008jaz/jun/22/wo4.htm
رابط لمقال د. أحمد المزيد:
http://archive.al-jazirah.com.sa/2008jaz/jun/29/wo4.htm
رابط لمقال دكتور عبد اللطيف بن دهيش:
http://www.al-jazirah.com/830482/wo2d.htm
- التفاصيل
- كتب بواسطة: دكتور محمود الحريبات
- الزيارات: 2
إنه مسلسل ظلام وليس نور
مما دفعني لكتابة هذه المقالة، عندما كنت في مناسبة عامة وقبل صلاة العشاء لم يتسع المجلس للحضور، وبعد انتهاء الصلاة شاهدت أعداداً كبيرة بدأت تغادر، حتى انتهينا إلى بضعة أشخاص ، فسألت ما الخطب، فأخبرني صديق لي بأن الجميع ذهبوا لحضور مسلسل اسمه نور، فأردت أن أعرف ما هو هذا المسلسل؟
فاستنتجت أن هدف هذا المسلسل هو أن يتبع أبنائنا عادات وتقاليد تخالف الشرع وتخالف عاداتنا وتقاليدنا . وأخذت أطرح على نفسي بعض الأسئلة. هل المطلوب من المرأة المسلمة والعربية خاصة أن تصادق على زوجها وأن يتقدم لها صديقها وهي على ذمة زوجها؟ هل المطلوب من أبنائنا وبناتنا عندما يتقابلون مع أصدقائهم أن يتبادلوا القبل في البيوت والشوارع والجامعات والمدارس؟هل هناك أدنى نسبة من العائلات العربية تعيش على نظام هذه العائلة التي يدور حولها هذا المسلسل؟
أنا أرى أن غالبية متابعي هذا المسلسل الفاشل في وطنه هم من غير المثقفين الذين تفيض دموعهم فرحاً أو حزناً على أسخف المواقف ، وكأنني أرى أن المطلوب من متابعي هذا المسلسل ونحن على أبواب شهر رمضان أن نفطر على كأس من الخمر، وبدل الصلوات والعبادات نقيم حفلات اللهو و الطرب، ولو كان هذا المسلسل وطنياً ويحكي قصة بطولات شباب فلسطين الذين تصدوا بحجارتهم وصدورهم العارية وأسلحتهم الحقيقة أيام الاجتياح لأقوى وأظلم كيان على وجه الأرض، فاق النازية في قتل الأطفال والشيوخ لوجدت العزوف عن هذا المسلسل، ومن لديه عمل أو دراسة أو مناسبة لأطال وقت عمله حتى ينتهي وقت هذا المسلسل. واستخف الجميع بهذا المسلسل،ولو خصص كل متابع لهذا المسلسل البغيض مدة عرضه لتصفح الأخبار العالمية أو يتصفح كتاباً أو يكتب مقالاً أو يشارك في حلقة علمية لرددنا على أحمد حسن الزيات في مقالته ( لو كنا نقرأ) وقلنا له إن في العالم العربي تسعمائة وتسعون في كل ألف يقرأون، وهم الآن مثقفون ويستغلون أوقات فراغهم في أنفع شيء وهو القراءة، أنا لست ضد مشاهدة التلفاز والبرامج المفيدة والهادفة إلى رقي الإنسان والسمو به إلى أعلى درجات الإنسانية، ولكني ضد الانحدار إلى هذا المستوى من التخلف الفكري لقد أثر هذا المسلسل سلباً على الأطفال وعلى طلاب المدرسة وعلى الأسر بأكملها حتى على حياتهم الاجتماعية، فأصبحت تغلق أفراحهم وأتراحهم حتى صلواتهم مع بداية هذا المسلسل، وأصبح لدى متابعيه شرود ذهني لدرجة أنه أصبح هو الحديث في النهار والليل، لذلك يجب على الكتاب والمثقفين أن يقاوموا هذا النوع من أمراض العصر المظلمة وتنوير أبناء الأمة بالنور الحقيقي وليس بمسلسلات الظلام والجهل.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: حسين أحمد سليم
- الزيارات: 3
الحروف
بقلم
حسين أحمد سليم
الحروف رموز الأصوات, وكل حرف يمثل صوتا معينا, لتتكون من مجموع الأصوات منظومة اللغة. ولكل لغة عددا من الحروف مماثل أو متقارب لبقية اللغات, وأصواتها هي الأساس لجميع اللغات, التي يتفاهم بها الناس, رغم إختلافها لفظا ومعنى.
الحروف ألغاز لا يفهمها إلا القليلون من أصحاب الوعي الباطني, أو من العرفانيين الذين أودع الله في قلوبهم شيئا ضئيلا من أسرار هذه الحروف, بحيث راحوا يصولو ويجولون بما هداهم الله, ويقيمون التجارب العديدة, بغية الوصول إلى إرساء قواعد علم الحروف, وترجمة أسرار الحروف, وخاصة حروف القرآن المقطعة.
علماء أسرار الحروف تمكن بعضهم من خلال دراسات واسعة ومضنية من إدراك النزر اليسير من أسرار الحروف, بحيث أن للحروف شخصياتها التي تميز كل حرف عن الآخر بسرّه الذي يحمله ضمنا فخورا. بالإضافة إلى النطق والكتابة, فالحروف تؤلف اللغة المتكاملة بجميع مفاهيمها, الصالحة للتفاهم بين أبناء البشر.
الحروف هي أساس اللغة أسرار ومفاهيم, لا يفهمها كل الناس ولا يحيط بمكنونها جميع الناطقين بها, ولقد وهب الله بعض أسرارها لخاصت, وأعانهم عرفانهم الذاتي بتبيان البعض اليسير من أسرار هذه الحروف بقدر.
المفسرون أماطوا اللثام عن أسرار بعض الآيات والسور القرآنية, والبعض الآخر إجتهدوا بتفسير الإسم الأعظم والحروف المقطعة في أوائل بعض السور القرآنية, وهناك من إنصرف للعمل في شروحات الأدعية, وقسم آخر من هؤلاء عمل على أرقام الجمل وفك الطلاسم وتركيبات بعض الحروف وأسرارها الذاتية. عن طريق الوسائل الكشفية أو الإلهامية أو العبادية, والتي خصّ الله بها عباده المقربين, مخفيا كيفيات التعليم الأساسية للوصول إلى حقائق تلكم الأسرار, التي لا نعلم منها سوى ما نتلمسه من آثارها الظاهرة, والتي يمكن تقسيمها إلى ضربين: أسرار ذات آثار فعلية عاجلة أو آجلة, وأسرار ذات معاني ظاهرة وأخرى باطنة.
هنا لا بد من الفصل الكامل بين علماء أسرار الحروف الروحانيين, وبين الآخرين الذين يوهمون أنفسهم والبعض من أفراد مجتمعهم, بضلوعهم الوهمي بعلم أسرار الحروف. ويجب أن نعرف أن الله لم يهب هذه الرحمة لمن يستغل ويستخدم هذا العلم لمصلحته وأهوائهالخبيثة وأغراضه المصلحية الدنيوية الدنيئة, وإلا لإضطربت الحياة في جوانب عديدة من نواحيها الطبيعية والإجتماعية, وأصيب النظام بالإختلال, وسادت فوضى التخرصات والأطماع والإستحواذ.
حكمة الله قضت بألا يدرك علم أسرار الحروف سوى الأنبياء والرسل والأوصياء والأئمة الهداة والمقربين من العلماء والفقهاء والصالحين.والبوح بجوانب من أسرار بعضها كان وما زال لحاجة وضرورات , وهبها الله إلى حملة الأسرار لإستخدامها فيما يرضي الله في خدمة شؤون الخلق. ولا يستفيد من أسرار الحروف أو يحصل على فوائدها إلا من آمن مخلصا بالله. كونه القوة العظمى المتكاملة الفاعلة في كل شيء, وفاعلية أسرار الحروف رهن بإرادته سبحانه وتعالى دون غيره.