- التفاصيل
- كتب بواسطة: نعمان عبد الغني
- الزيارات: 5
المخيمات.الصيفية.... .... لبنة أساسية في تنمية العنصر البشري
بفلم الاستاذ: نعمان عبد الغني
المخيم لبنة أساسية في تنمية العنصر البشري، ومكونا رئيسيا في تنشئة الأطفال والشباب.وظيفته غير قابلة للاختزال في الرعاية وحدها بل منبعا للمعرفة والبحث والمبادرة والعلاقات الإنسانية، ووسيلة تجعل الممارسة التربوية واقعية تتيح فرص متعددة لتحقيق المواطنة.
إن قطاع المخيمات الصيفية ومراكز الاصطياف في الوطن العربي لازال لم يحظ لحد الآن باهتمام الدارسين والباحثين بالنظر إلى المسيرة الطويلة التي قطعها ولا يزال يقطعها بعزيمة قوية لا تلين منذ عقد الأربعينات إلى اليوم، إنه قطاع له أهميته التربوية والاجتماعية البالغة، وكذا ارتباطه العميق بالمجتمع العربي ، حيث يلعب دورا طلائعيا هاما في رعاية الطفولة والشباب، كما يعكس هذا القطاع ببنياته وطموحاته ومكاسبه صورة واضحة المعالم للواجهة الأمامية للتحولات التي عرفها التنشيط السوسيو ثقافي ببلادنا. وتؤدي دوراً فعالاً في تربية الأطفال والنهوض بهم إلى مستوى أفضل ، لاهتمامها بالجوانب البدنية والنفسية والعقلية والاجتماعية للنشء ، ونظراً لذلك فقد ازداد انتشارها في الآونة الأخيرة ، حيث بدأ المهتمون بالعمل مع الأطفال على الصعيدين الرسمي والخاص بإقامة مخيمات صيفية عديدة للأطفال العاديين والمعاقين والأطفال الأيتام واللاجئين ومتضرري الحرب ومرضى السكري وغيرهم ، حيث تُقدم لهم في العادة برامج متنوعة تسهم في إنماء خصائصهم الشخصية وإكسابهم عادات سليمة واتجاهات مرغوب فيها .وتعتبر المراكز والمخيمات الصيفية من أرقى منتجات الصحوة لأنها أعمال تطوعية فريدة تمثل حاضنا ً مهما ً للشباب ، وتتنوع النشاطات في هذه المراكز والمخيمات الصيفية بين نشاطات ثقافية ورياضية واجتماعية ، لتمثل صورة نقية من الرقي الحضاري في لفتة وصورة رائعة من العمل التطوعي واستغلال الوقت ناهيك عن أنها محضن رائد للشباب .
ولا يعني ذلك أن هذه المخيمات والمراكز الصيفية معصومة من كل خطأ ونقص ، بل نعترف أن فيها قصورا ً في الجانب التوعوي الفكري ومبالغة أكثر من اللازم في الجانب الترفيهي البحت والإجتماعي ، وغيره من الأنشطة التي تخرج المنتسب لهذه الأنشطة قادرا ً على مواجهة الموجة الفكرية الحديثة .
في كل عام تتظافر الجهود في العديد من المؤسسات والهيئات المحلية والحكومية والدولية من أجل إقامة مخيمات صيفية للأطفال والفتيان والشباب وتكتسب المخيمات الصيفية أهمية بالغة كونها تأتي في مرحلة الإجازة الصيفية بعد عام دراسي طويل ومنهك تحتاج فيه الفئات المذكورة إلى الترفيه واللعب والاستمتاع والاستفادة واستثمار مكتسباتهم من التعلم الرسمي في ظل أجواء تتيح لهم الفرصة للتعبير عن ذاتهم والمشاركة النشطة التي تعزز لديهم المسئولية والديمقراطية ، فالمخيمات الصيفية تشكل محطة لاستقبال عدد كبير من الأطفال والفتيان والشباب خاصة في ظل النقص في عدد المؤسسات والأماكن الترفيهية والاجتماعية والتربوية والثقافية .والتي يجب عليها أن تخدم الأهداف التربوية أن تساهم في عملية التنشئة الاجتماعية وليس فقط أهداف إجرائية تعمل على توفير أنشطة من أجل الأنشطة وقضاء وقت الفراغ وإشغال فقط فترة الصيف.
إن فترة إجازة الصيف للأطفال والفتيان والشباب هي فترة توقف هامة تشهد انقطاعا من وتيرة النظام الدراسي ولكنها أيضاً نفس الفترة التي يقوم بها الأطفال والشباب لتحضير أنفسهم للدخول إلى عام دراسي تالي الذي يعتبر مرحلة جديدة في حياتهم الدراسية والاجتماعية، فيما يخص بعض الأطفال والفتيان والشباب الذين فشلوا في إتمام العام السابق أو مروا بخبرات صادمة خلاله وهي مواقف صعبة تحتاج إلى مساعدة لتجاوزها فإن هذه الفترة لازمة للمرور بسلام لكي يتمكنوا من الاستعداد لدخول العام الجديد بروح إيجابية.
الصيف أيضاً هو تلك الفترة التي يمتلك فيها هذه الفئات وقت فراغ كبير ينظر إليه البعض وخاصة الجهاز التعليمي إلى أن هذا الوقت يذهب سدى وهباء وخاصة أنه في نهايته تأتي البداية الصعبة للعام الدراسي الذي يجب على التلميذ أن يدخل من جديد في نظام تعليم صارم عليه التقييد بجدوله، هذا صحيح في حالة بقاء المشارك في حالة إجازة خلال الصيف لذا عند استغلال الصيف بوتيرته الخاصة لبث الرغبة لدي الأطفال والفتيان والشباب للتعلم واستثمار المكتسبات من الادارة التربوية الرسمية يمكن أن يعود بالفائدة ، لذا يجب أن تتم هذه المخيمات بشكل مغاير عن النظام الدراسي فهناك ضرورة لتمكين المشاركين في هذه المخيمات من الاكتشاف والتجربة والتعلم النشط في وقت يعيشه على انه متعة وترفيه هو هنا لتلبية احتياجات الأطفال والشباب النفسية والاجتماعية واحترام حقوقه.
ولا يمكن لذلك أن يتم إلا إذا توفر مشروع تربوي للمخيمات يعده فريق تربوي مختص معد أصلاً لذلك وفق معايير، لمن المخيم الصيفي، ولماذا، وكيف يتم العمل فيه، وما هي الاستعدادات لتوفير إجازة نوعية تلبي احتياجات المشاركين فيها وتخدم الأهداف المتعلقة بتنمية مهارات وقدرات المشاركين من الأطفال والشباب وممارسة حياة الجماعة وتعزيز الحوار بين أبناء المجتمع الواحد أو حتى الأحياء في داخل المجتمع مع الأخذ بعين الاعتبار طلبات المجتمع، والدور الذي يمكن أن يقوموا به من اجل خدمة قضايا مجتمعية.
• إن الأطفال والشباب في المجتمع العربي يشكلوا ما نسبته اكثر من 70% وهم محور العملية التربوية والتعليمية التي تستهدف تنشئتهم اجتماعياً ويمكن لهذه الفئات أن يكونوا عنصر تقدم وترقية اجتماعية فمواطنة هؤلاء لابد أن تمر بالضرورة عبر إعطاء الاعتبار والاعتراف بهم كعناصر فاعلة مشكلة للمجتمع وكنتيجة لذلك تبرز مواطنتهم عبر فعلهم اتجاه المجتمع وتأثيرهم بقضاياه.
علنا وأن نستفيد من تجاربنا ونتجاوز أخطائنا والإعداد للمستقبل بشكل أفضل وهذا يستدعي تكريس الجهد لتنظيم العمل الاجتماعي التربوي الثقافي مع الأطفال والفتيان والشباب بشكل عام ومع التركيز بشكل خاص على العناصر والأطراف الفاعلة فيه وذلك من خلال توفير سياسة اجتماعية وثقافية وتربوية تخص هذا العمل مع الأطفال والشباب خاصة خلال الاجازة الصيفية وفق معايير محددة وواضحة توفر الإطار للعمل وتحدد فيها المنهجية وإطار مهني ينظم عمل المنشطين ويعمل على تجديد وتطوير وتعزيز آليات التدريب المهني المتخصص لإعداد الكوادر والمتطوعين والفاعلين لمساعدتهم على فهم دورهم وتحمل مسؤولياتهم.
ويستدعي ذلك تنظيم جهة تقترح أطر وأنظمة تراعي المحاور السابقة توافق وتصادق على الدورات وتعتمد المخيمات الصيفية حسب هذه الأطر والقوانين بشرط أن تكون صالحة للكل تضع معاير وطنية وتشرف عليها وليس كما هو حادث اليوم من تخبط وغياب في المعايير وعدم الصلاحية لان بعض الجهات الرسمية واالمحلية تتاخد من هذا الامر محطات للاستفادة وتكوين العلاقات الشخصية علي حساب العمل العام.
علينا جميعاً بالسعي الجاد من اجل إيجاد مخيمات صيفية تشكل أماكن للإرشاد النفسي والاجتماعي للأطفال تساهم في تقليل حدة الأضرار الناجمة عن الخبرات الصادمة التي تعرض لها الأطفال ، مخيمات تقوم على الاحترام الكامل للأطفال والفتيان والشباب وتقوم في المقام الأول على ممارسات تطبيقية تؤمن حياة المشاركة والفريق معاً وسوياً نحو مخيمات وأنشطة صيفية تقوم على احترام حقوق الأطفال والشباب واحتياجات نموهم النفسية والاجتماعية وفق عمل عقلاني واعي تربوي تنموي يؤسس للتغيير الذي نريد.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د. زياد الحكيم
- الزيارات: 3
تصور رواية (مأساة أمريكية) تصويرا حيا الجانب المظلم من الحلم الأمريكي - وهي قصة ما يمكن أن يحدث عندما تطغى الرغبات المادية على الجانب الأخلاقي، فلا يبقى للاخلاق قيمة، ويصبح مقياس النجاح هو ما يحققه الرجل في ميدان المال والاعمال. وقد اقتبس الروائي ثيودور درايزر في روايته قصة جريمة حقيقية ارتكبها تشستر جيليت، الرجل البسيط ولكن الطموح، عندما أغرق في نيويورك صديقته الحامل عام 1906 للتخلص منها بعد أن تبين له أنها تقف في طريق تحقيق طموحاته المادية المجنونة.
وتعتبر (مأساة أمريكية) أفضل أعمال درايزر الروائية، وعملا مهما من أعمال المذهب الواقعي الطبيعي الذي أبصر النور في أوربة، ولكنه انتشر وتطور في الولايات المتحدة. ويعتبر أتباع هذا المذهب الأدبي أن مصير الأفراد في المجتمع يتحدد بفعل الوراثة والبيئة الأمر الذي لا يترك مجالا للإرادة الحرة أو للاختيار. بل إن بعض النقاد يعتبرون (مأساة أمريكية) أهم رواية أمريكية في كل الأحقاب وفي كل المذاهب الأدبية.
وتقوم الثقافة الأمريكية على أساس ما يعرف بالحلم الأمريكي الذي يعني أن أمام الأمريكيين جميعا فرصة لتحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية. ويعتقد معظم الأمريكيين أن ظروف الإنسان الاجتماعية والاقتصادية عند الولادة في الولايات المتحدة لا تضع قيودا على حظوظه في الحياة وان بإمكان أي أمريكي أن يصعد السلم حتى يصل إلى أعلى درجة منه مادام راغبا في ذلك.
وإذا كان من الممكن أن نوجز ما يريد درايزر أن يقوله في جملة واحدة فإننا نقول إن الحلم الأمريكي خدعة كبرى. ونقرأ في الرواية عن عالم أمريكي معقد، فيه شخصيات من مختلف الطبقات الاجتماعية. ومصير الإنسان في هذا العالم محدد منذ البداية. وهذا الموقف الفلسفي والأدبي يقوم على أساس نظرية تشارلز داروين وغيره من العلماء الذين قالوا بان الكائن الذي يولد بخصائص معينة - وراثية واجتماعية - هو القادر على مواجهة الحياة وعلى البقاء على قيد الحياة وعلى تحقيق النجاح.
بطل الرواية هو كلايد غريفثس الذي تدفعه فكرة تحقيق الحلم الأمريكي بكل ما يعني ذلك من ثراء مادي ومن استمتاع بالحياة. وبكل ما يعني ذلك من الافتقار إلى قيم أخلاقية رفيعة. وهو لا يجد حرجا في الكذب على الآخرين واللجوء إلى الحيلة والخدعة لتحقيق رغباته وطموحاته. ولا يجد حرجا في التهرب من مسؤولياته ومن المشكلات التي يسببها لنفسه وللآخرين. وهو لا يرى حدا فاصلا من الواقع والخيال. ومن اجل التهرب من واقعه المادي الفقير يغرق نفسه في عالم من أحلام اليقظة التي يرى نفسه فيها صاحب ثروة وجاه. وهو يحقق هذه الطموحات بأعمال جبانة وغير أخلاقية.
روبرتا فتاة فقيرة وخجولة وساذجة تعمل في المصنع الذي يعمل فيه كلايد مشرفا. ومع أنها فتاة جميلة وذكية – بل يصفها درايزر بأنها أجمل وأذكى فتيات المصنع – إلا أن ذلك لا يفتح لها مجالا لتطوير نفسها والانطلاق في الحياة. فالفقر الذي تعيش فيه يشكل حكما قاسيا عليها بان تبقى في مكان متدن على السلم الاجتماعي. وتغدو صديقة لبطل الرواية كلايد الذي يعدها بالزواج فتسلمه نفسها وتحمل منه، بالرغم من أن الحمل خارج نطاق الأسرة في بداية القرن العشرين في الولايات المتحدة كان يعتبر عارا على المرأة، وكانت توصف المرأة الخاطئة بأنها ساقطة ويطاردها التمييز والتحامل مدى الحياة.
سوندرا فينشلي، من ناحية أخرى، شابة جميلة وثرية، وتتحرك في الطبقات الاجتماعية العليا. وهي تمثل كل ما يطمح إليه كلايد في الحياة: الثراء والمتعة. وهو يريد الوصول إلى سوندرا بكل ما يمكنه من وسائل. ويقرر قتل روبرتا عندما تبدي له سوندرا أنها مهتمة به.
ويفر كلايد من موقع الجريمة، ولكن جميع الأدلة تطارده. وتتمكن الشرطة من القبض عليه، ويقدم للمحاكمة. وينفي التهم الموجهة إليه، ويكذب على المحامين بشأن ما كان يعتزم القيام به وما فعله. وبعد محاكمة طويلة يحكم عليه بالموت. ولا تفلح محاولات أمه في تعديل الحكم أو تخفيفه. ويواجه الموت وحيدا.
في العشرينيات من القرن العشرين شهدت الولايات المتحدة نهضة اقتصادية لم تعرفها في السابق. واغتنى كثير من الأمريكيين بطريقة أو بأخرى بسبب انتعاش أسواق المال وارتفاع أسعار الأراضي، وبسبب اختراعات جديدة واستنباط طرق لإنتاج السلع لم تكن تعرف من قبل. فأصيب الأمريكيون بحمى الركض وراء طموحات مادية لا تعرف الحدود، وأصبحت الحياة المادية هي مقياس النجاح والتحقق. وجاءت رواية (مأساة أمريكية) عام 1925 لتؤرخ لمرحلة واجه فيها المجتمع الأمريكي أزمة أخلاقية وإنسانية مستحكمة.
----------------------------------------
لندن - بريطانيا
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عمر بوشموخة
- الزيارات: 3
الجمال.. من رؤية جمالية بقلم : عمر بوشموخة تظل فكرة الجمال هاجسا يؤرق الكاتب والمبدع والفنان، على أساس أن الفنان هو الكائن الأكثر قدرة واستيعابا للجمال،بل إنه يتعدّى هذا المعنى إلى أنه لا يكتفي بتذوّق الجمال وفهم أسراره الكامنة في هذا الكون،وفي كل نقطة تقع عليها العين المعنوية الثالثة للفنان..بل إن الفنان بقدر ما يستوقفه الجمال المبثوث حوله يجد نفسه صانعا للجمال،مبتدعا له بصورة من صور الإبداع،فالفنان بموهبته وبمقدرته الخارقة على تذوّق الجمال وأسراره وعبقريته يساهم في خلْق الجمال،وفي إضْفاء لمساته الجمالية على لوحات الجمال والإبداع المتناثرة هنا..و..هناك. سواء أكان الفنان مبدعا في الشعر، أم في فنون الإبداع الأخرى فإن الجمال يظلّ حاضرا في فكره، وفي ريشته الأدبية، وفي رنّاته على أوتار العود، وفي كل خفقة من خفقات قلبه!! ذلك ما تناولته آراء المفكرين وأفكار الفلاسفة على مرّ العصور في موضوع الجمال، وتباينت آراؤهم في فهْم أسرار الجمال، ولم يتفقوا على وضْع تعريف محدّد له، وتلك هي ميزة هذا الموضوع الفلسفي القائم على التساؤل والدهشة أكثر من كونه يقدم الأجوبة " الجاهزة" التي لا يتفق بشأنها كلّ دارس، والفئات أكثر الناس قدرة على فهْم أسرار الجمال؛ لأن العمل الفنّيّ الذي ينجزه ينبع أساسا من إحساسه العميق بالجمال!! أقول هذا وأنا في غمرة اطلاعي على فلسفة الفن والجمال من خلال صفحات كتابيْن جديديْن صدرا للأديب الجزائري" بشير خلف" ضمْن إصدارات "الجزائر عاصمة للثقافة العربية" يتناول الكتاب الأول موضوع الجمال باعتباره رؤى أخرى للحياة، ويتناول الثاني وجود الجمال فينا..ومن حولنا، وفي كل نقطة تقع عليها أعيننا. ومنذ البداية يحاول الكتابان استدراج القارئ، وكل متذوّق للجمال إلى الانخراط في منظومة الكاتب الفكرية والفلسفية للانفتاح على عبقرية الجمال بكل أبعاده، وبكل اللغات الناطقة به. وهل الفن والجمال إلاّ لغة تسمو على كل اللغات، بل لأنه( الجمال) مصدر كل الوحي والإلهام والعبقرية!! لا شكّ أن امتلاء نفس الكاتب والأديب "بشير خلف" بمعاني الجمال والفن هو الذي أفضى به إلى تبليغ القارئ رؤيته الجمالية للفن والجمال، فجاءت آراء الكاتب لتفصح عمّا تخبّئه روحه الشفافة المرهفة من وجْد وصبابة إزاء كل ما هو جميل وعبقري..ومعبرا بأصدق التعابير من أن الجمال هو كل شيء في هذه الحياة، فهو مبثوثٌ في النص القرآني، ويرمز لبلاغة الإعْجاز فيه، ومبثوثٌ في المتْن الشعري العربي،وفي صفحات المبدعين من الأدباء، وفي جمالية الكلمة..مشيرا إلى أن الجمال والقبح لا يجتمعان " إثنان لا يجتمعان: القبح والجمال، فإذا ظهر الجمال اختفى القبح،وإذا ظهر القبح اختفى الجمال فهما نقيضان، والنقيضان لا يجتمعان،ولا يلتقيان،والإنسان من بين المخلوقات جميعا هو الذي لديه المقدرة على معرفة الجميل من القبيح، والتمييز بينهما…" غير أن الكاتب " بشير خلف" ومنذ البداية يريد أن يأخذ بلُباب القارئ إلى فكرته التي مفادها أن مَواطن الجمال لا يمكن حصْرها عند زاوية بعينها أو عند نقطة يمكن تحديدها،بل إن المساحة التي يتواجد بها الجمال لا حدود جغرافية لها، وإن الفنان والمبدع بوجه خاص هو الأقْدر على تجاوز النظرة الضيّقة أو المغلقة التي تغلف بعض المفاهيم إزاء الفن والجمال، ولعلّ هذا ما حدا بالفنان والفيلسوف العبقري "جبران خليل جبران" أن يُمْعن النظر في وضْع فهْم متبلور للجمال من دون الوصول إلى غرضه سوى القول: « منْ يُعْطيني عيْنا ترى الجمال، ويأخذ خزائني؟ » وفي ذلك اعترافٌ بصعوبة تحديد مفهوم واحد لموضوع الجمال..ولكن " بشير خلف" يحاول تقريب الصورة إلى القارئ من خلال بعض تلميحاته وإشاراته إلى المَواطن المتنوعة التي ينبثق منها إشعاع الجمال، ويتخذ منها مصدرا له، ومن ذلك يشير الكاتب إلى أن البيئة باعتبارها فضاء الحياة الرّحْب يمكن أن تكون مصدرا هامّا لإحساس الإنسان بالجمال، ومن ثمّ فإن المحافظة على البيئة واجبٌ ومسؤولية مشتركة بين الجميع، وإنه " من الطبيعي جدّا أن يقع الاهتمام بإيقاظ المشاعر والأحاسيس للمواطن، فإنشاء نافورات مائية ملوّنة، ومُضاءة تثير النفوس وتدفعها داخليا نحْو الرقّة الجمالية". بما يُفهم من ذلك أن المؤلف من خلال كتابيه لا يذهب مذهب فلاسفة الفنَ والجمال الذين لا يعنيهم من الجمال المنسكب على أديم الأرض، أو المنتشر في الفضاء أكثر من التغنّي بدلالاته، والتعبير عن إيحاءاته والتوحّد في معانيه، ولكنه يسعى إلى أن ينزل بالقيم السامية التي يرمز إليها الجمال من السماء إلى الأرض لتكون مصابيح هادية إلى نور الحقّ والمُثُل العليا..وهو الأمر الذي يستدعي من الكاتب الاستعانة بما أُوتي من براهين يقينية لإقناع الناس بأهمية وقيمة هذا الجمال المنبثق من أعماقنا ومن حولنا. ".. من نعم الله على الإنسان أنْ وهبه الله شعورا فيّاضا، ورهافة حسّ تنزع به نحْو الجمال، والسعي إليه، فأصبح الجمال من مكوّنات حياته، حتى أصبح الجمال علما وفنا وصناعة، ودخل في الإبداع الأدبي بكلّ أجناسه وارتبط بجميع أنواع الفنون، وصار الّلمسة الإنسانية الراقية في كلّ مرافق الحياة ومتطلّباتها." ولأن الكاتب ابن بيئته ونبْتة حيّة من حديقة مجتمعه، فإن وفاءه لثقافة أمته، وانتمائه للقيم الجمالية والأخلاقية والإنسانية لموطنه، تترجمه هذه الخلفية والمرجعية التي تقف وراءه، وهو يبذر أفكاره ويرصّص كلماته، ويرسم رؤاه وأحلامه انطلاقا من التربية النقيّة التي يقف عليها، فنجد الكاتب" بشير خلف" يتخذ من الدين موضوعا للجمال والعبقرية، مبْرزا العديد والكثير من صُور الإبداع والجمال التي تشير إلى قدرة الخالق في صْنْع ما يخطف الأبصار، وما يخلب الألباب والأفئدة من عبقرية التصوير الفني، ومن المشاهد التي يرسمها النصّ القرآني، بل إن الكاتب يُكثر من الاستشهادات في هذا الموضوع من قبل العلماء، وأئمة الفكر الإسلامي من أمثال أبي حامد الغزالي، ويوسف القرضاوي، ومحمد الغزالي، والأحاديث النبوية الشريفة لتعزيز آرائه في موضوع الجمال الفني من أنّ ديننا الحنيف يقوم على قيم الحبّ والفضيلة، والجمال ولا يضيق أبدا أمام كلّ ما هو جميلٌ، وكلّ ما هو أصيلٌ..فالله جميلٌ يحبّ الجمال!! وتأييدا لما يذهب إليه الكاتب، يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي" «…يحبّ المؤمن الجمال في كل مظاهر الوجود من حوله، والمؤمن يحبّ الجمال كذلك، لأن الجميل اسمٌ من أسماء الله الحسنى، وصفةٌ من صفاته العلا، وهو يحبّ الجمال أيضا لأنّ ربّه يحبه فهو جميلٌ يحب الجمال، وهذا ما علّمه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لأصحابه…» كما يستشهد الكاتب بشير خلف بأمثلة كثيرة من آراء وأفكار المفكرين المسلمين في شأن موقف الدين الإسلامي من الفنّ والجمال من ذلك قول الأستاذ " محمد قطب" عن القرآن الكريم: « هذا الكتاب لا يمكن بحالٍ أن يكون معاديا للفن.» كما يستشهد في هذا الموضوع بالدكتور محمد عمارة الذي يقول: « الجمال هو آيات الله التي أبدعها وبثّها في هذا الكون، وأمر الإنسان لأن ينظر في هذا الجمال، وهو امتثالٌ لأمر الله سبحانه وتعالى.» وتتوالى استشهادات المؤلف بالآراء والأفكار والمواقف النابعة من عمق الثقافة الإسلامية والتي عن اطّلاعه الواسع على الصورة التي يبدو لنا الأستاذ" بشير خلف" يجتهد في إقناع كل من يقرأ أفكاره في هذا الموضوع بجدّية طرْحه، وصدقية فكرته مفنّدا الآراء المنغلقة التي تذهب إلى أن الفن أو الجمال يتعارض وروح الدين الإسلامي، وكأنّ الكاتب يوجه دعوة خاصة لاستكشاف الجمال من رؤية جمالية يمثّل فيها الدين الحنيف الوجه المشرق، وأنّ ما يعرضه من آراء وحجج منطقية تدفع القارئ المتأمّل والمتأنّي إلى اعتبار هذا الموضوع يتأسّس من منظور إسلامي، في إشارةٍ إلى أن الدين كموضوعٍ للفن والجمال يستدعي تعميق الفكر، وتذوّق الجمال كما لو أنه يعبّر عن مقدرة الخالق، بل إن الكاتب يرى أن الجمال عنصرٌ من عناصر الإيمان، والقيم الجمالية الفنية تحمل في ثناياها ما يعمّق هذا الإيمان ويقوّيه، ويجعله وسيلة للسعادة، والخير في هذه الحياة. إن الرؤية الجمالية للكاتب رؤية شاملة تتأسس من كون الحياة ذاتها تعتبر منظومة جمالية بكل معاني الجمال، وهذا بالرغم من " عبثية الإنسان وفساده في الأرض، كما تشير إلى ذلك الآية الكريمة: « ظهر الفساد في البرّ والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقــهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجـــعون.»( الروم:41) ويريد الكاتب أن يأخذ بالقارئ إلى تقدير العرب للجمال قبل مجيء الإسلام، ولكنهم كانوا يحصرون هذا الجمال في الأشياء الحسية مثل جمال المرأة، والفرس، والبعير، والأطلال، وعلى المشاعر العاطفية المباشرة من حبٍّ وشوقٍ وحنين ولوعة ولهفة اللقاء، فكانوا ينظمون شعر الغزل، وحينما جاء الإسلام امتدّ اهتمامهم إلى جمال النفس والخلق وجوهر الأشياء. وللتشديد على قوّة الحجّة لا ينفكّ الكاتب في استعراض الشواهد والبراهين الدّالّة على أن الفنّ والجمال نعمة من نِعم الخالق على مخلوقاته لقوله تعالى:«…ولكم فيها جمالٌ حين تريحون وحين تسرحون.» وفي آية أخرى:« إنّا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوّنهم أيّهم أحْسن عملاً.» ولا يترك المؤلف ـ أحيانا ـ للقارئ فرصة لالتقاط أنفاسه وهو يهيم في سطور ما خطّه في بحثه من أفكار وآراء في موضوعٍ فلسفيٍ ما يزال البحث فيه قائما، وما يزال الجدال بشأنه يُسيل الكثير من الحبر؛ ولعلّ الأديب " بشير خلف " قد أدركه هذا الحسّ العميق نحْو موضوع وفكرة الجمال فأهدانا عصارة أفكاره، ومنحنا ذوب كبده من خلال عمله الدؤوب ليحفّزنا على الاقتراب أكثر من دوْحة الجمال، واكتناه أسرار الجمال الساكن فينا والذي يغمر الحياة من حولنا!!
- التفاصيل
- كتب بواسطة: خلف بشير
- الزيارات: 5
الثقافة البيئية..البعد الغائب !! بقلم: بشير خلف أصدرت رابطة الفكر والإبداع بولاية الوادي /الجزائر كتابها السنوي الذي يحمل عنوان: الثقافة البيئية..البعد الغائب، لمجموعة من الأساتذة المتخصصين في قضايا البيئة..الكتاب صدر عن دار " مزوار " للطبع والنشر بمدينة الوادي، يضمّ الكتاب مجموعة من المحاضرات لأساتذة من جامعات جزائرية من بينهم الدكتور محمد قماري ..دكتور في الطب وباحث في اللسانيات وعضو في المجلس الأعلى للغة العربية ، والدكتور لشهب بوبكر متخصص في الشريعة الإسلامية ذ، والدكتور أحمد زغب متخصص في الموروث الشعبي، والدكتور برحماني محفوظ متخصص في المالية العامة بجامعة البليدة، ولأستاذ عادل محلو متخصص في الأدب والنقد العربييْن وغيرهم من أساتذة من جامعات الجزائر، والبليدة ،وغرداية، وعنابة، وبسكرة، والوادي. الكتاب من الحجم المتوسط تبلغ صفحاته 284 صفحة تتضمّن: مدخلا لرئيس الرابطة، فكلمة السيد حسن مرموري مدير الثقافة لولاية الوادي ،ثم كلمة السيد محمد حمدي مدير دار الثقافة بالوادي أين انتظمت الندوة الفكرية السابعة أيام :24 ،25 ،26 مارس 2008 جاءت في وقتها ذلك أن قضايا البيئة فرضت نفسها بقوة في أغلب دول العالم من بينها الجزائر التي أعلنت على لسان وزيرها للبيئة أن سنة 2008 هي سنة البيئة في الجزائر. إن رابطة الفكر والإبداع بولاية الوادي إيمانا منها بأن الثقافة البيئية كوعي بأهمية البيئة في حياة الإنسان، وكسلوك حضاري لا ينفصل عن الحراك الشامل الذي يقوم به الفرد والمجتمع، وإحساسا منها برسالتها التثقيفية التوعوية فقد نظمت ندوتها هذه.. ضامّة جهودها إلى أنصار الدفاع عن البيئة، وضرورة حمايتها؛ حيث ينظر أنصار البيئة للعلاقة بين الإنسان والبيئة كعلاقة متداخلة حتمية وإجبارية، وذات تأثير لكليْهما، وبهذا المعنى لا يمكن النظر إلى الإنسان بمعزل عن البيئة، ومتابعة مشكلاته الوجودية بإهمال هذا الجانب، أو عدم الارتقاء لمستوى في التفكير يعطيه ما يستحق. إذْ أن هناك تفاعلا إيجابيا أو سلبيا بين السيرورة الاجتماعية-الاقتصادية والتوازنات البيئية الأساسية. ولا يمكن للمرء أن يكون جديا في تناول موضوع الحقوق الإنسانية، والرفاه، والسعادة دون أن يضع نصب عينيه النتائج الكارثية لبعض المشكلات البيئية التي فرضت نفسها حديثا على الإنسان المعاصر أينما تواجد، وصارت تهدد حياته، وتدمر مكتسباته. ولعل دخول ما أصبح يُعرف اليوم بالثقافة البيئية جاء محصّلة لغياب الوعي الفردي والجماعي في التعامل مع البيئة كوسط طبيعي تحيا فيه الكائنات بما فيها الإنسان، وكمحضن له يوفر له الصحة البيولوجية، والتوازن النفسي، والتوافق مع محيطه..هذه الثقافة غائبة لدى أغلب مواطنينا، وربّما يتحجّج البعض أنها مغيّبة من أطرافٍ بإمكانها أن تفعل الكثير من أجل حماية البيئة والمحافظة عليها.. في اعتقادنا أن الحفاظ على البيئة يبدأ من المواطن نفسه كتربية ..كسلوكٍ مستمرٍّ في يومياته، فإذا كان الإسلام الحنيف هو ديننا، ونحن نمارس العبادات ليلا نهارا، وهذه العبادات تستند إلى الطهارة الشاملة، أفأحرى أن يكون الفرد المسلم أوْلى من يسلك هذا السلوك، ويتبنّى ثقافة الحفاظ على البيئة دون الحاجة إلى من يحسّسه في ذلك سواء بالتلميح أو التصريح. وقد توجت الرابطة عملها بإصدار كتابها السنوي بعد الندوة بشهر ونصف ..كتاب قيّم بشهادة كلّ منْ تسلّم نسخة منه، واطّلع عليه ..الكتاب تحت عنوان: الثقافة البيئية..الوعي الغائب. الكتاب تمحورت المحاضرات فيه كالتالي: ـ المحور الأول..الإنسان والبيئة: الإنسان والبيئة تناغم أم تصادم؟ ـ التلوث اللساني ودلالاته الاجتماعيةـ الإنسان والبيئة من منظور سيكولوجي ـ الإعلام والبيئة. ـ المحور الثاني..البيئة في الإسلام : حماية البيئة في التشريع الإسلامي ـ البيئة في الإسلام ـ البيئة والمذهب الصوفي. ـ المحور الثالث..الثقافة البيئية: البيئة الموروث الشعبي ـ الثقافة البيئية..المهام والأبعاد ـ هل أنت مثقف بيئيا؟ . ـ المحور الرابع..السياحة البيئية : السياحة البيئية في ظل التنمية المستدامة ـ السياحة البيئية ـ المحور الخامس..الرؤى الاقتصادية والاجتماعية للبيئة:واقع البيئة في الصحراء،وادي سوف نموذجا ـ التنمية والبيئة ـ أدوات تسيير البيئة في القانون الجزائري ـ التنمية المستديمة في الجزائرـ البيئة والفقر. ـ المحور السادس..حماية البيئة: الآليات الاقتصادية لحماية البيئة ـ استراتيجية حماية البيئة. ـ المحور السابع..التربية البيئية: التربية البيئية بين تحديات الواقع ومناهج التعليم ـ التربية البيئية لتلاميذ المدرسة الابتدائية ـ التربية البيئية بين المفهوم والغاية. ركّز رئيس الرابطة في كلمته المدخلية على المشاكل التي باتت تُـؤرق العقلاء، والحريصين على سلامة الحياة على كوكبنا الأرضي أيّامنا هذه : قضيةُ البيئة، وعلاقةُ الإنسان بها ، وكيفية معالجتها بما يضمن للإنسان عيشا كريما آمنا من كلِّ تهديد يترصد حياته وصحَّته وغذاءه ومحيطه بشكل عام. ومشكلُ البيئة وليدُ التطوُّر السريع الذي شهدته البشرية في القرن العشرين كما هو معروفٌ ، وإفرازاتُ الثورة الصناعية، وتنامي المدن السريع ، فضلا عن السباق في مضمار الصناعات العسكرية والأسلحة الكيماوية، والمفاعلات النووية، وغيرها مما تدعو إليه ضرورة تلبية الحاجات المتزايدة للملايير المتكاثرة من سكَّان المعمورة.. لهذه الأسباب دقَّ العقلاء ناقوس الخطر، لِـما أصاب توازنَ الحياة من خللٍ خطيرٍ، أضحى يهدِّد الحياة والأحياء على كوكبنا الصغير. وتعني كلمة "البيئة" بمفهومها العام، الوسطَ أو المجالَ الذي يعيش فيه الإنسان فيتأثر به ويؤثر فيه،فالمنزل بيئة،والمدرسة بيئة،والشارع بيئة،والحيّ بيئة،والمجتمع بيئة،والمصنع بيئة،والعالم كلّه بيئة،وهكذا... وقد تتَّسع البيئةُ لتشمل الأرضَ التي تقِـلُّنا والسماء التي تُـظِـلُّنا، وقد تضيق لتخصَّ بيتَ الإنسان وموقع عمله وسكناه، وهي باختصار "كلُّ شيء يحيط بالإنسان . وتتجلَّى أهميـَّة البيئة في كون الإنسان ذا علاقة وطيدة بمحيطه، فمنذ فجر التاريخ والإنسان يسعى لتطوير حياته،واستغلال ما حوله بما يحقِّق رغباته ويلبِّي حاجاته، مترقيـًّا من الضروريات إلى قمة الكماليات..وفي سبيل تحقيق هذه الغايات حدثت آثارٌ سلبية لم تكن في الحسبان، لم يتفطَّن لها الإنسان في الإِْبـَّان، ثم تجلَّت مخاطرُها للعيان، فتداعى المخلصون لإنقاذ الوضع قبل فوات الأوان. وكانت أبرزُ آثارِ تدهورِ البيئة من خلال تدخّل الإنسان ، مشكلةَ التلوُّث بكافَّة أنواعها وتجلياتها، ومشكلةَ استنـزاف الموارد الطبيعية، ومشكلةَ التصحُّر.هذا ويُفرِّق الباحثون بين مفهوم البيئة، ومفهوم النظام البيئي؛ فالنظام البيئي هو وحدة بيئية متكاملة تتكون من كائنات حية، ومكونات غير حية في مكان معين؛ يتفاعل بعضها ببعض وفــق نظام دقيق ، ومتوازن في حركة دائبة لتستمر في أداء دورها في إعالة الحياة، ولذلك يُـطلق على النظام البيئي من هذا المنطلق: نظامُ إعالة الحياة. وتُـعـدُّ مظاهرُ هذا الخلل من أهم القضايا التي تُـناقشها أدبياتُ البيئة في الوقت الراهن. على سبيل المثال: قضايا التلوث البيئي- الماء والهواء والتربة- والتلوث الصوتي- الضوضاء- وأخطار انقراض بعض الكائنات الحية، كما تُطرح بشدة قضية ثقب الأوزون إشارةً إلى تأثيرها في تغير المناخ. وهنا تجتمع إرادة الخيّرين في الدفاع عن كوكبنا هذا من خلال: 1 ـ الدفاع عن البيئة وحمايتها . 2 ـ النظرة الكلية للكون . 3 ـ استدامة التنمية ، ورعايتها للبيئة 4 ـ الدفاع عن القيم: حيث يتمّ التركيز على القيم التي يعتنقها الأفراد في تعاملهم مع البيئة من حرصٍ على حياتهم ، وعلى حيوات الأجيال القادمة. إن الثقافة البيئية تهتمّ بالتوعية، والتحسيس المستمر لجميع الأفراد مهما كان عمُرهم،ومهما كان جنسهم،وأينما تواجدوا بأهمية البيئة،والمحافظة على المحيط من أجل الحفاظ على صحّة الإنسان وكذا وجود وبقاء الكائنات الأخرى سليمة حفاظا عليها كمكوّنٍ رئيسٍ وهامّ في الطبيعة من جهة،وحفاظا على التوازن البيئي من جهة أخرى ..ولا تتوقف الثقافة البيئية عند هذا الحدّ؛ بل تهدف إلى أن يتمتع الأفراد بجمال الطبيعة وسحْر المحيط ممّا يؤثّر على التوازن النفسي لديهم فتكون علاقتهم بخالق الطبيعة، ومبدع جمالياتها قوية متينة،وعلاقتهم فيما بينهم علاقة محبّة ووئام، وتعاون في إطار قيمٍ سامية تِؤطّرها روح المواطنة . ولئن كانت هذه من بعض أهداف الثقافة البيئية،فإن التربية البيئية التي عادة ما تكون موجّهة إلى المتعلمين في كل مراحل التعليم ،وإلى الشبان في دُور الشباب والمراكز الثقافية،وعناصر الكشافة،وفي المساجد ،فإنها تهدف إلى محاربة الجهل بشؤون البيئة، وإلى إعداد أجيال من المتعلّمين الواعين بمشاكل البيئة،والقادرين على المشاركة في حلّها. ومن المبادئ التي يتفق العلماء على ضرورة تحقيقها في برامج التربية البيئية : 1 ـ أن تكون عملية مستمرّة طوال الحياة،وفي المدرسة،وخارجها. 2 ـ أنْ تُدرّس البيئة كَـكُل،بما فيها من مكوّنات طبيعية،ومكوّنات من صُنْع الإنسان . 3 ـ أن تكون التربية البيئية البيئية مسؤولية كلِّ الجهات القائمة على أمور التربية والتعليم،أي التربية المباشرة وغير المباشرة،وعلى كلّ المستويات. 4 ـ أن تكون التربية البيئية متعددة الاتجاهات، فتشملَ كل المجالات والعلوم المتصلة بالبيئة: اقتصاد،سياسة، جغرافيا،صحة،علوم طبيعية ،قانون،إدارة ... 5 ـ وحيث أنها سلوكٌ تطبيقي أساسا، ينبغي أن تكون أكثر اقترابا من منظور صوْن البيئة، والمساهمة في إنعاشها بأعمال تطبيقية داخل المؤسسة التعليمية،وخارجها كالمساهمة في عمليات التشجير،والعناية بالزهور في الحدائق، وعمليات تنظيف المساحات الخضراء، والحفاظ عليها وصيانة محيطها ... إن ترتيب المحاضرات في الكتاب راعى التكامل والترابط بينها من حيث طرْح الإشكالية في المحاضرة الأولى للدكتور محمد قماري الذي عنْون محاضرته كالتالي: الإنسان والبيئة تناغم أم تصادم؟ ولا أخالنا نختلف في أن هذه العلاقة هي علاقة تصادم أيامنا هذه أينما حللْنا .. تتالت المحاضرات في الكتاب مشخِّـصة لهذا التصادم في أكثر من موقعٍ، والخطر بطبيعة الحال عائدٌ بالضرر على الإنسان ..والسبيل لتفادي هذا الضرر هو الشعور به وتفاديه، ولا يتأتّى ذلك إلاّ عن طريق التربية البيئية التي يكون منطلقها الأول المنزل، فالمجتمع بكلّ مكوّناته وفي طليعة هذه المكوّنات المدرسة، والمسجد الذي لا بدّ من أن يساهم بجدٍّ في غرْس هذه القيم بصفة دائمة نظرا لدوره التأثيري ..فلا غرْو أن يُنهى الكتابُ بمحاضرة عنوانها :التربية البيئية بين المفهوم والغاية للأستاذيْن :محمد كاكي،ومحمد توفيق ومان اللذيْن يريان في آخر محاضرتهما الأخيرة في الكتاب إلاّ بالرجوع إلى الطبيعة الأم الحنون وفق ما يراه الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو الذي يخاطب الإنسان المتعب الذي أنهكته متاعب الحياة بقوله: "عُــدْ إلى الطبيعة واستلق في أحضانها " .. نعم علينا أن نعود إلى الطبيعة ونكون أوفياء لها، وهذا يتطلب الالتزام بأخلاقيات تربوية تجاه البيئة، لكي نشعر بالهدوء والسكينة والأمان بأن هذه الأخلاقيات تعتبر ثورة قوية تعمل على تعديل الاتجاهات السلوكية للإنسان نحو احترام البيئة مما يضمن إعادة التوازن البيئي، بعد أن هددته الكثير من المخاطر بسبب غياب الأخلاقيات البيئية . وبذلك، يمكن للتربية البيئية، أن تلعب دورا أساسيا في درء مشكلات البيئة وحلها.لكنه من الواضح أن الجهود التربوية لن تؤتي أكلها إذا تجاهلت بعض العوامل الهامة الأخرى، ومنها على سبيل المثال: أن يكون هناك تشريع يسعى إلى تحقيق نفس الأهداف، وان تتخذ التدابير اللازمة للسهر على حسن تطبيق القوانين وان تفرض قرارات حازمة، وان يستعان بأجهزة إعلام الجماهير، التي يتزايد نفوذها بين الناس. وينبغي لكل هذه العوامل أن تتظافر فيما بينها، وان تشكل كلآً مترابطاً حتى تستطيع أن تسهم في حماية البيئة وتحسينها بصورة فاعلة. إذا كان الدكتور محمد قماري يرى أن الإنسان هو الجاني وهو الضحية في الآن نفسه، فبظلم من الإنسان نفسه، وبما كسبت يداه ظهر الفساد في البر والبحر، ومن زرع الريح فلن يحصد إلا العواصف، فالبيئة الأولى البكر التي احتضنت الإنسان لم تعد كذلك وقد اعتدى عليها، وانقلبت آثار هذه الاعتداءات إلى كابوس يلاحقه في صحته ونمط معيشته، فهو الضحية والجاني، والمعتدي والمعتدى عليه.. ها هو الإنسان يقف في العراء يواجه مشكلات كبيرة، كالاحتباس الحراري، ونضوب مصادر المياه وتلوثها، وتربص أمراض مزعجة كالحساسية والسرطانات، ومن هنا طفق بعض البشر يخصفون عليهم من بقايا الحكمة ما يواجهون به الكارثة، وإن كان الوعي قد ظهر مبكرا في تاريخ البشر كتلميحات ونصائح إلا أنه مع تفجر العصر الصناعي تحول إلى صيحات نذير.. وكي لا نحرث في البحر وحتى لا تضيع جهودنا في احتفالات موسمية بالبيئة، أو في مهرجانات نظرية، أو في جلب منتجات صناعية لمعالجة مشكلات البيئة، يجب أن ننطلق من قواعدنا الحقيقية وأن ندرس الموضوع من خلال إمكاناتنا الذاتية، دون التهوين أو التهويل، من ذلك موضوع المنتجات الزراعية الوافدة في البيئة الصحراوية، فمنتج البطاطا، أو الزيتون والخضروات يجب أن يخضع للتقويم العلمي ويستفيد من الظروف البيئية المحسنة لمعيشة السكان والأحياء، وتعدي النظرة الثنائية مع أو ضد إلى النظرة الموضوعية العلمية التي تعتمد جرد السلبيات والايجابيات، والسماح بإدماج الموضوع في المخطط الوطني، بحيث يستفيد من إمكانات أكبر في تنمية مرتكزات القوة ومعالجة السلبيات.. بينما الأستاذ عادل محلّو طرح في محاضرته التي تحمل عنوان: التلوّث اللساني ودلالاته الاجتماعية ظاهرة اجتماعية أخرى من التلوث قلّما نعيرها اهتماما، بل هي غائبة عنا..فالتلوث اللساني المقصود به علاقة الإنسان بالجدار. إنّ استعمال الجدار كفضاء للكتابة أمر قديم قدم البشر نفسها؛ إذ كتب الناس ورسموا على جدران الكهوف والمعابد منذ آلاف السنين، وقد اندرجت وظيفة تلك الكتابات والرسوم "... عند الإنسان الأوّل...في مقاومة واضحة للمحيط، وموجوداته الحيوانية المتوحّشة، أي بمعنى تحوّلت الرسوم التي هي كتابات إلى وسيلة للمقاومة السحريّة والبقاء بوسائلها الروحيّة. وفي عصرنا الحاضر استعاد الجدار أهميّته كفضاء تعبيريّ مميّز من خلال ما نراه مكتوبا عليه كلّ مرّة من شعارات وكلمات تدعمها رسوم في بعض الأحيان. ويشير الأستاذ: أنور عبد الملك في كتابه: (الإنسان والجدار) إلى الارتباط بين الحياة المدينيّة المعقّدة وانتشار الكتابة على الجدران ؛ إذ يصفها بأنّها " حاجة مدينيّة، أي تمثّل نتاجا للحضارة ومعطياتها، لأنّ المدينة تكون عادة مولّدة للظواهر والتيارات الجنونيّة" ومن أجل خاصيّتها المدينيّة كانت أولى الدراسات المختصّة في نييويورك حيث أصدر الباحث اللغوي الأمريكي ريد (Read) سنة 1928 أوّل دراسة تهتمّ بتحليل المفردات اللغويّة المدوّنة في الكتابات الجدرانيّة. وتنوّعت فيما بعد مداخل معالجة هذه الظاهرة أكاديميّا ممّا أدّى "...إلى نشوء مدرسة اجتماعيّة تُعنى بالبحث في كتابات العامّة بوصفها ممثّلا لثقافة المجتمع وطرائق تفكيره. ولم يكتفِ الإنسان بالكتابة على الجدار فقط بل امتدّت يده للكتابة على عربات القطارات والسيّارات ووسائل النقل المختلفة ممّا أنتج كتابات متحرّكة من مكان إلى آخر ومن بيئة اجتماعية إلى أخرى. إنّ الكتابة على الجدار كبقيّة الخطابات والملفوظات اللغويّة تحوي عناصر التواصل الستّة كما حدّدها رومان ياكوبسون وهي: أـ المرسل ب ـ المرسل إليه ت ـ الرسالة ث ـ الشيفرة جـ ـ القناة حـ ـ السياق أ ـ المرسل: إنّ الكتابات الجداريّة تُغفلُ عمدا اسم كاتبها لأنها غالبا ما تكون مُنتهكة للأعراف والتقاليد وكذلك لأنّ صاحبها لا يمتلك من السلطة أو الثروة أو القوّة النفسيّة ما يجعله يواجه الآخرين؛ إذ هو في الغالب الأعمّ واحد من الشباب المهمّشين الفقراء. ومن جهة أخرى فإنّ البعض يذكر اسمه ، وهي محاولة لإثبات الذات في وجه مجتمع يغمطه حقّه ولا يلتفت إلى ما لديه من موهبة أو تميّز بحسب ما يرى هو ذاتَهُ، ولذلك فهو يكتبه بحجم كبير لافت للانتباه. ب ـ المرسل إليه: هناك نوعان من الكتابات: ـ نوع أوّل يحدّدُ المرسل إليه :فيذكر اسما شخصيّا لفرد أو جهة ما أو بعلامة مميّزة له لا تخفى على قارئي الكتابة على الأقلّ ممّن يندرجون ضمن السياق القريب لعمليّة الكتابة ، ففي كليهما اسم شخص يستهدف بأن ترسل إليه مشاعر ومواقف ما . ـ نوع ثانٍ لا يحدّد المرسل إليه: وهو يوجّه رسالته للمجتمع كلّه ولا يسمّي شخصا أو جهة معيّنة، بل هو خطاب للنظام الاجتماعي وسلّم قيمه ونسقه الثقافي. إنّ النوع الأوّل لا يكاد يمثّل تحديّا خطرا للمجتمع لأنه يكتسي الطابع الشخصيّ، وفي حال تفاقمه فإنّ الجزء الأكبر من الانتقام يوجّه إلى الشخص أو الجهة المقصودة. ولكن يكمن الخطر في النوع الثاني لسببيْن أساسيْن: الأوّل: لأنه يكشف عن وجود احتقان وضغط وحنق على المجتمع بأسره دونما تمييز بين المسؤول، وغير المسؤول عمّا وصل إليه ذلك الفرد، ممّا يُضخّم احتمال تعرّض أيّ فرد أو جهة لانتقام ذلك الفرد. وبهذا يتشكّل جوّ من الخوف والرعب في المجال المكانيّ القريب من تلك الكتابات، كما يتشكّل أيضا قلق هامّ على مستقبل البناء الاجتماعيّ. الثاني: لأنّه يعبّر ـ دون أدنى شكّ ـ عن شعور فئة أو طبقة أو جهة ما بالتهميش،وهو ما يدلّ على صدْع في المجتمع قد يتزايد شيئا فشيئا ليشكّل تهديدا بالفوضى والاضطراب. إنّ مفهوم التهميش خطرٌ جدّا فهو أوخم عواقب من عدم المساواة لأنّه يعني خروج فئة ما ـ أو إحساسها بذلك ـ من دائرة الاهتمام أصلا أمّا عدم المساواة فتعني أنّ فئة ما أقلّ حظوة وهي لا تزال ـ رغم ذلك ـ ضمن سلّم الاهتمامات . ت ـ الرسالة: تتميّز الرسالة المكتوبة على الجدران بأنّها من حيث المضمون جريئة الخطاب؛ إذ تتمحور غالبا حول انتهاك الطابوهات المحرّمة في تلك البيئة الاجتماعيّة. وتتميّز أيضا بالمستوى اللغويّ المتدنّي لأنّها تمثّل الهامش، فهي كثيرة الأخطاء في النحو والتركيب والإملاء، وفي أحيان كثيرة تكون عاميّة لكن تُكتب كتابة خاطئة. والتوجّه العامّ للكتابات على الجدران في منطقتنا انزاح بحدّة نحو العاميّة بعد أن كانت نسبة الكتابات الفصيحة كبيرة، وهو أمر دالّ جداّ: إنّه علامة على نزول الفصحى من مكانتها كأداة للتعبير عن الذات عند شرائح كثيرة من الشباب، وهو ما يَستتبع ابتعادهم عن مصادر الثقافة الفصيحة في التعبير كالمدرسة والدين بمفهومهما الذي صار كثير منهم لا يرتاحون إليه كفضاء يحمل همومهم ومخاوفهم وآمالهم ـ إن بقي لهم آمال ـ. إنّه يدلّ على أنّ فئة المرسِلين قليلة المعرفة بقواعد الكتابة؛ أيْ إنهم من أولئك الذين تسرّبوا من المدرسة ولم يُكملوا تعليمهم. إنّ حجم وعدد الرسالات في الفضاء المكانيّ الواحد هو أيضا ذو دلالات اجتماعيّة هامّة، فالشارع الذي تكثر وتتراكم فيه الكتابات على الجدران يحسّ الآخرون بعدم الأمان فيه لأنّه يدلّ على وجود فئة منفلتة اجتماعيّا وهو ما يدفع بالناس إلى تجنّب المرور فيه مع عائلاتهم أو مع من يحترمون حتى لا يُحرجون من تلك الكتابات الجريئة. وهذا التجنّب يزيد ذلك المكان عزلة و يجعل الحركة الاقتصادية فيه بطيئة جدا حيث لا يكون مقصودا للتعاملات التجارية العادية، بل يُصنّف كمكان مشبوه ويتحوّل شيئا فشيئا إلى مكان للتعاملات الممنوعة من مخدّرات وصفقات مشبوهة، لينعكس ذلك أخيرا على نظرة السلطات له فيستثنى من البرامج التنموية والخدماتيّة الأساسية، ممّا يزيده تهميشا وبؤسا. والملاحظ أنّ شوارع منطقتنا لا تشهد لحدّ الآن كمّا كبيرا من الكتابات على الجدران، لكن يجب ألاّ نغفل عن أنّها في تزايد مستمرّ، وأن نقرأ ذلك قراءة صادقة عميقة. جـ ـ الشيفرة: نعني بالشيفرة طريقة ترميز المعلومات المُرسلة من طرف المُرسِلٍ. ويلاحظ أنّها تعتمد استعمالات خاصّة بالشباب؛ إذ لا يكاد غيرهم يعرف معناها الحقيقيّ المقصود، وهو ما يعكس انفصالهم عن لغة الكبار التي تمثّل المركز واستحداثهم لغة خاصّة بهم لأنّهم يرفضون ذلك المركز وما يسطّره لهم من قيم. صحيح أنّه من الطبيعيّ في كلّ المجتمعات أن تختلف لغة الشباب عن لغة الكبار، لكن ما يثير هنا هو اختلافها في تشفير ما يرفضه الكبار ؛ أيْ الطابوهات وعلى رأسها عالم العلاقات بين الجنسين ، والمخدّرات والخمر، وهي ممّا يرفضهما الدّين وتعملُ السياسةُ على ضبطهما. أيْ إنّهم يحتالون على هذا المثلّث الشهير في ثقافتنا العربيّة وذلك بإعطاء علامات لغويّة جديدة لتلك المحرّمات اجتماعيّا. وبهذا يحدثُ شرخٌ بين الجيليْن يؤذن بالخطر لأنّ الكبار لم يستطيعوا مواكبة الشباب عن كثب ولمس مشاكلهم والاعتراف بكيانهم المستقلّ. إنّ أولى خطوات المعالجة هي أن يعترف الكبار بوجود أجيال جديدة مختلفة، وأن يقبلوا التعايش معها. وإنّ طرق المعالجة المتّمثّلة في المحو السريع لتلك الكتابات لا تجدي نفعا لأنّها قد تزيد أولئك الذين يكتبون تشجيعا لأنهم يجدون سبيلا لمواجهة السلطات والمجتمع في حركات كرّ وفرّ عبر الكتابة والإصرار على إعادة ما محي وبعبارات أشدّ وأجرأ. ويضاف إلى ذلك أنّ هذه الطريقة المتّبعة طريقة مكلّفة لأنها تستوجب تجنيد عدد من عمّال البلديات والمدارس وغيرهما، واستخدام الدهن، إلى جانب أنّها تزيد المحيط البصريّ تشويها إذ عادة ما يستخدم لون مخالف للون الجدار الأصلي للمحو فتكبر الكتابة وتصير بقعا مُنفّرة ، والأدهى من ذلك أنّ بعض من يوكل إليهم محو الكتابات من على الجدران يقومون بالإعادة فوقها مباشرة متتبّعين تفاصيلها، فينتهون إلى تكبير تلك الكتابة أكثر بدلا من محوها!!! وأما الجهات الرسميّة ـ أي البلديات ـ فإنها لا تملك إرادة حقيقية لمحو الكتابات؛ لأنّ معظم ألوان الطيف السياسي قامت هي نفسها باستغلال الكتابات على الجدران في المواقع الممنوع الكتابة عليه؛ أي خارج تلك المساحات المخصّصة للدعاية خلال الحملة الانتخابية، رغم أنّها جميعها تزيّن برامجها بالسعي إلى حماية البيئة وإعطاء مدننا وقرانا وجها جميلا... فـلا يمكن أن تنهى عن خلق وهي تأتي مثله. ولكن الحلّ يمكن في خطوات أكثر عمقا وتحديدا وهي: أـ تطوير الخطاب الديني: أيْ أن يُخاطَب الشباب في عمق مشاكلهم وبطرائق قريبة منهم لُغةً وشكلا. ب ـ تطويرالمناهج التعليميّة: في مضامينها وطرق تدريسها بشكل يتماشى وتطوّر الحياة، كاستعمال الوسائل المعاصرة التي تجلب اهتمام المتعلّمين الشباب السمعيّة منها والبصريّة، وأيضا معالجة مشكلات الشباب من منظور جديد في تلك المناهج بعيدا عن الشكل الحادّ لثنائية الخطيئة/ الصواب، خاصّة أن معظم الذين يكتبون على الجدران هم من أولئك الذين لم يكملوا تعليمهم. جـ ـ تنمية طرائق التعبير الجماليّ: إنّ تلك الكتابات التي تعبّر عن مكبوتات الشباب يمكن أن تُحوّل إلى أعمال أدبية من قصّة وخاطرة وشعر ومسرح ولوحات تشكيلية إذا استطعنا أن نمكّنهم من التعبير عن أنفسهم بشكل جميل. وحتى الجدران أنفسها يمكن أن تظلّ مجالا لتعبيرهم ولكن بطرق أكثر جمالية ورمزية، لا تفقدهم خصوصيتهم وتجسيد مشاكلهم وأحلامهم كما لا تجعلهم في صدام مع المجتمع.وللأسف فإنّ مدارسنا هي أوّل مقبرة للتعبير الجماليّ بحيث يتمّ استدراك أيّ تأخّر في " الموادّ الأساسية" بالاعتداء على حصص الرسم والأشغال والرياضة والمطالعة... دـ المعالجة بالتوجيه: أي أن نوجّه ألشباب إلى تحويل الكتابة على الجدران إلى فنّ، ولم لا يكون ذلك في مناسبات تخصّهم حيث يبنى جدار في موضع ما داخل فضاء جواريّ ويمنحون كلّ الوسائل للكتابة عليه للتعبير عن أنفسهم بحريّة وفي ذات الوقت بمستوى رمزيّ وفنيّ، ويتمّ ذلك بإشراف متخصّصين في الفنون التشكيلية. إنّ الكتابة على الجدران سلوك سيئ وغير حضاريّ، ونحن جميعا ننتقده وننبذه، إنّه تلويث للبيئة الإيكولوجية وإيذاء للبصر لكنّه في ذات الوقت نتاج اجتماعيّ يمنحنا مدخلا متميّزا للإطلالة على عمق المجتمع وتصوّر حركيتّه واتجاهاته. إن كل محاضرات الكتاب ذات أهمية، وليس بالإمكان التعرض لها ، وقد توقفنا عند محاضرة الأستاذ عادل محلو لأهميتها من حيث طرح موضوع نادرا ما يُتعرض له كظاهرة ملوثة للبيئة. وللتذكير وكم أسلفنا ، فإن السيد وزير البيئة والسياحة وتهيئة الإقليم يوم 09/03 2008 في لقاء احتضنه قصر الأمم،أعلن عن الاستراتيجية الجديدة للترويج للثقافة البيئية في الجزائر تحت عنوان عريضٍ ( البيئة 2008)، حيث رسم الخطوط العريضة لهذا المشروع الذي يهدف إلى ترسيخ ثقافة الحفاظ على البيئة،وحمايتها بإشراك المواطن في هذا المشروع،كونه الفاعل الأساسي في الميدان، وراهن السيد الوزير على المدارس، والمساجد لترقية الحسّ البيئي لدى هذا المواطن..بالمناسبة يومها نصّب الوزير يومها اللاعب المعروف رابح ماجر،والعدّاءة نهيدة توهامي سفيريْن للبيئة. إن وزارة البيئة حسْب وزيرها سطّرت حمْلة تحسيسية غير محدودة في الزمن تتمحْور حوْل تكثيف العملية الاتصالية مع المواطنين على كافة الأصعدة، وتمسّ مختلف شرائح المجتمع. إن العملية ستمسّ نحْو خمسة وعشرين ألْف مدرسة،إضافة إلى تفعيل دوْر البيوت الخضراء في توسيع التوعية في بُعْدها الجواري،كما تراهن الوزارة أيضا على دوْر المؤسسة المسجدية في ترسيخ قيم حماية البيئة. وخلاصة القول أنّ " الثقافة البيئية " شكّلت أحد أهم الروافد التي أصبح الإنسان المعاصر ينادي بها، وهذا نظرا للأهمية الكبيرة التي تحتلها في حياة البشرية،حيث أن طبيعة التعاطي معها هي التي تحدد تداعياتها على صيرورة هذه المجتمعات سواء بالإيجاب، أو السلب؛ لأن المتتبع بطريقة علمية لمفاهيم الحفاظ على البيئة، ومكافحة التلوث بجميع أنواعه من شأنه بناءُ مجتمعٍ صحيٍّ يؤمن بهذا المقومات، ويسعى إلى تحقيقها وهو الذي نسعى إلى تحقيقه في مجتمعنا . حيث تهدف الثقافة البيئية إلى تطوير الوعي البيئي، وخلق المعرفة البيئية الأساسية بغية بلورة سلوك بيئي ايجابي ودائم، والذي هو بمثابة الشرط الأساسي كي يستطيع كلُّ شخص أن يؤدي دوره بشكل فعّال في حماية البيئة؛ وبالتالي المساهمة في الحفاظ على الصحة العامة. وهنا تكمن أهمية الثقافة البيئية والسعي الدءوب لتطويرها، بغية نشرها وإنضاجها لتتحول بذلك إلى مجال خاص مُهم، وقائم بذاته قادر على أن يأخذ دوره في المناهج التدريسية في كافة المراحل المدرسية والجامعية بهدف تنشئة أجيال بعقول جديدة تعي مفهوم الثقافة البيئية، وتعمل على تطبيقها؛ وعليه فمن خلال الثقافة البيئية يمكن إحداث تغييرات في طرق التفكير والسلوك البيئي عند المجتمع بحيث يتصرف كل شخص فيه وكأنه صاحب قرار ناضج.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: بوصبع رابح
- الزيارات: 4
|
.. |
1/ اللغة والتسمية:
إن اللغة تتوسّل بالتسمية لإحداث صورة للعالم ، وإظهار اختلافاته . لذلك نجد أن علاقة اللغة بالتسمية علاقة توليدية ، حيث تمارس كل واحدة وجودها ضمن وجود الأخرى ، لتعطي للوجود معنى« فاللغة ليست مجرّد أداة يملكها الإنسان إلى جانب غيرها من الأدوات، وإنما اللغة بوجه عام ، وقبل كل شيء ما يضمن إمكان الوجود وسط موجود ، ينبغي أن يكون موجوداً منكشفاً ، وهناك فحسب توجد لغـة ويوجد عالم »[1] ، على حد قول Heidgger .
واللغة لا تُعرب عن نفسها ، ولن تبين إلاّ حين تقوم بفعل التسمية للعالم ، فهذا العالم لا يحدث«إلا في منفتح القول والتسمية»[2]. وبالانتقال من المشافهة إلى الكتابة تمّ تثبيت الصورة الصوتية وتجميدها على المكتوب، وبذلك كانت الكتابة الحدث الحاسم في تاريخ البشرية.
يقول Walter.J.Ong« أما الاكتشاف الحاسم الفريد الذي قادنا إلى عوالم جديدة من المعرفة فقد تمّ داخل الوعي الإنساني ، لا عندما نشأت العلامة السميوطيقية، بل عندما اخترع نظام شفري من العلامات البصرية التي يستطيع الكاتب بواسطتها أن يقرّر الكلمات الدقيقة التي سوف يولدها القارئ من النص ، وهذا هو ما نعنيه عادة اليوم بالكتابة في معناها الدقيق»[3]. ووفق الصيرورة التاريخية للغة ، نلاحظ التطور الآني .
2/ التسمية والعنونة :
اللغة ¬ التسمية ¬ الكتابة ¬العنونة .
فاللغة جاءت كمرحلة لاحقة للكتابة ، حيث أن« كل مادة مدوّنة تحتاج إلى عنونتها بشكل ما ، وهذا لا يعني أن كل ما دوّن له عنوان»[4] . ونلاحظ أن هناك فروقات بين عمليتي التسمية والعنونة ، نوردها في الجدول التالي :
|
العنونة |
التسمية |
|
تدل على الهوية |
تدل على الكينونة |
|
ترسخ فاعلية التأويل |
ترسّخ دلالة متواترة |
|
حاضرة في الكتابي |
حاضرة في الشفهي |
|
دال يحيل إلى مدلولات |
دال يحيل إلى مدلول |
|
الزمكانية مؤجّلة |
الزمكانية حاضرة في الشفهي |
|
عملية لاحقة |
عملية سابقة |
3
3/ وظائف اللغة عند ياكبسون :
لذلك احتفى الدرس النقدي الحديث بالعنونة ، فأفرد لها مباحثَ وتخصّصات ارتقت إلى تكوين علم ما يسمى "La titrologie" ، علم العنونة .
ولقد أشار "ياكبسون" في خطاطته في وظائف جهاز الكلام الستة: المرسـل المرسل إليه، السياق ، الصلة ، السنن ، الرسالة . التي تحقّق بعض الوظائف في العنوان باعتباره نصّاً فمع المرسل تولد الوظيفة التعبيرية أو الانفعالية، وتنزع هذه الوظيفة إلى التعبير عن عواطف المرسل ومواقفه إزاء الموضوع الذي يعبر عنه .
ومع المرسل إليه تتولد الوظيفة الإفهامية ، وتتجسّد في الأساليب الإنشائية التي يعتمدها الباث قصد إفهام المستقبِل .
ومع السياق تتحقق الوظيفة المرجعية ، وهي الوظيفة المؤسِّسة للإخبار ، باعتبار اللغة تشير ، وتحيل على أشياء نتحدّث عنها . فتقوم اللغة بوظيفة الرمز إليها .
ومع الصلة تولد الوظيفة الانتباهية ، حيث تضمن هذه الوظيفة إبقاء التواصل بين طرفي الجهاز أثناء التخاطب ، والحرص على نجاحه من خلال لفت الباث انتباه متلقيه.
ومع السنن تتولد الوظيفة المعجمية ، وتسمى وظيفة ما وراء اللغة . ومدارها أن يتأكد أحد طرفي جهاز التخاطب أنه يستعمل ، والطرف الآخر نمطاً لغوياً واحدا .
ومع الرسالة تتولد الوظيفة الإنشائية، وهي الوظيفة التي تكون فيها الرسالة غاية في حدّ ذاتها ، لأنها لا تعبّر إلا عن نفسها، حيث أن كل رسالة تتضمن وظيفتها الأدبية، ودرجة هذه الوظيفة تختلف من نص إلى آخر،سواء أكان النص أدبياً أم كلاماً عادياً[5].
4/ العنونة كدرس نقدي معاصر :
يتوسّع الدرس النقدي الذي خرج من المركزيات المهيمنة والتوجيه ، إلى "الماحول" أضحى يبحث عن امتدادات تعدّ روافد النص المركز ؛ تقدّم له ،تختزله ، وتنبئ عنه وتمثل رائدا دلاليا طافحاً . فتحرّكت الدراسة من المتن إلى المحيط . وبهذا التحوّل في استراتيجية القراءة النقدية ، وإيلاء الاهتمام لكائنات نصيّة غاية في الخطورة على مستوى فهم النص وتأويله ، والكشف عن أسراره . ففضح التمركز النصي باكتفائه بنصّه ، وأصبح النص لا يكتمل ، ولا يمارِس حضوره إلا من خلال حضور النصوص التي تحيط به .
فتمّ اقتحام العتبات ، والتي هي في حقيقتها عقبات مفتاحية ، ندلف من خلالها إلى النص الذي يحاول دائما أن يلتمّ على نفسه . فتكون العتبات محطّات للمسكوت عنه واللامفكّر فيه ، يوظفها القارئ في تتبّع تطوّر الدلالة ، والقبض عليها .
ومن هذه العتبات ، عتبة العنوان ، التي أصبحت عِلماً قائما بذاته La titrologie قد أسّس له مجموعة من الباحثين الغربيين ، نذكر منهم : Gérard Genette ، Henry Mitterand ، Lucien Goldman، Charles Grivel ، Roger Rofer ، Léo Hock . وعند الباحثين العرب ، نذكر : عبد الفتاح الجحمري : عتبات النص البنية والدلالة . جميل حمداوي : مقاربة النص الموازي . شعيب حليفي : النص الموازي في الرواية استراتيجية العنوان . جمال بوالطيب : العنوان في الرواية المغربية .
وإذا رجعنا إلى لسان العرب ، للبحث عن جذر مفردة "عنوان" ، نجد المعاني والدلالات الآتية :
عَنَّ الشيء ، يَعِنُ ويَعُنُّ عنناً وعنونا : ظهر أمامك .
عنَّ ، يعِنُّ ويَعُن عناً وعنوناً ، واعتنَّ : اعترض وعرض .
عنَنْتُ الكتاب وأعننْتُه لكذا : أي عرضتُه وصرفته إليه .
عنَّ الكتابَ يعنه عناً وعنْنَنَةً : كعنونه مشتق من المعنى .
وقال اللحياني : عنت الكتاب تعنيناً وعنَّيتُه تعنيةً : إذا عنونته . وأصله عنان ، فلما كثرت النونات ، قُلبت إحداهما واواً ، وكلما استدللتَ بشيء تظهره على غيره فهو عنوان له . وأضاف ابن منظور بأن العنوان مشتق من المعنى . فمعنى كل كلام ومعناته ومعنية قصده .
ومن قال علوان الكتاب جعل النون لاماً ، لأنه أخفّ وأظهر من النون. قال اللّيثُ: العلوان لغة في العنوان غير جيدة ، والعُنوان بالضمّ هي اللغة الفصيحة . وقد يُكسَرُ فيُقال : عُنوانٌ ، عِنوانٌ ، وعُنيان[6] . وكل هذه المعاني مجتمعة تميل إلى دلالة العرض الظهور الاعتراض ، القصد والمعنى .
فالعنوان ليس زائدة يمكن الاستغناء عنها ، بل هو نواة مركّزة تمثّل وحدة دلالية تتصدّر جسد الرواية . فالعنوان هو الأثر الذي يُعرف به كل شيء[7] .
فعنوان الكتاب سمته و ديباجته ، وعنوان كل شيء ما دلّكَ ظاهرُه على باطنه[8] .
وهو ذلك التكشف الدلالي المختزل للنص ، حيث يحاول أن يكون رائداً يتقدّم ويشير لحمولة الدلالة، والتأويل للنص الذي يتولّى قيادته والدعوة إليه ، فهو مجموعة العلامات اللسانية التي يمكن أن تُدرج على رأس نصٍّ ، لتحدّده ، وتدلّ على محتواه العام ، فتغري القارئ بالتواصل[9] .
فالعنوان عموماً ، والعنوان الروائي خصوصاً في بداية الأربعينيات ، مع ميلاد وتبلور الجنس الروائي كنموذج سردي ، تضبطه قواعد الحكي ؛ جاءت تلك العناوين بسيطة ، تحاول تحبيب الجنس الأدبي للقارئ ، مع محاولة استقطابه ، واكتسابه كمستهلك لهذا الجنس الجديد . وقد لجأ الروائيون كذلك إلى محاكاة عناوين قديمة في النثر العربي .كالمويلحي في حديث عيسى ابن هشام[10] . وعناوين أخرى تميّزت بالطول والسجع ، وأخرى اكتفت بعناوين اسمية مثل "إبراهيم" و "إبراهيم الثاني" للمازني ، و"أديب"[11] لطه حسين . وأخرى تميّزت بالإبهام والغموض مستدرجة القارئ إلى العالم المتخيّل ، وفكّ رموزه . وقد تتعدّد إشارية العنوان حين يقوم «بوظيفة جمالية محدّدة مع النص ، أو في مواجهة النص أحياناً ، وذلك مثل الإشارة إلى شخصية محورية (دون كيشوت) ، أو إلى مكان يشمل مساحة هامة محورية في فضاء النص (زقاق المدق) ، أو إلى حدث يمثل مؤشراً يحدّد الطابع الفكري والإيديولوجي للنص (موسم الهجرة إلى الشمال) ، أو يمثل رمزاً استعارياً مكتفيا لدلالة النص (ذاكرة الجسد) ، أو يشير إلى أسطورة موظّفة (رحلة السندباد) إلى غير ذلك من الوظائف الدلالية و الجمالية ، فإذا أشار العنوان إلى أمر غائب في النص فإن التقابل بينهما يمكن أن يصبح هو البنية المولدة للدلالة والجديرة بأولوية التحليل »[12] .
من هنا يتّضح أن عملية العنونة ليست عملية اعتباطية ، بل عملية تتوفّر فيها القصدية ، لأن العنوان ملتصق بكينونة النص . فهو قرينه و رديفه ، ويعتريه ما يعتري النص من الخضوع للفعل القرائي ، والمنهجيات المختلفة . ولقد تطورت تجربة العنوان في الممارسة الإبداعية المعاصرة إلى حدّ الخروج به إلى فيض دلالي يقيمه على خصوصية تعبيرية ، ربما آلت به إلى تكوينية دلالية وجمالية تفعمه بالتفرد والغرابة عن سياق نصّه ، وتضع له بلاغته المغايرة بما أوشك أن « يؤسس ثقافة نصوصية متميزة تحضر العناوين دون النصوص »[13] .
لذلك وجب التساؤل عن إمكانية استغناء النص عن عنوانه ، وهل يقفز إلى دائرة الحضور بذاته ، معربا عن نفسه ، وعن فخامته دون اللجوء إلى العنوان وملحقاته من النصوص الموازية ؟ . لذلك تأتي الإجابة نافية لحالة الاستغناء للنص بذاته ، فهو يكون خداجاً بدون ملحقاته ، وإنما يكتسب صفة النضج الكامل والوعي الكلي ، والبلوغ الأدبي باكتمال محيطه الذي وُجد لإكماله« إذ تفترض الزيادة المضافة إلى الشيء إكماله وإتمامه ، لكنها تكشف في الأوان ذاته عن نقص فيه وهوّة تأتي هي لتردمها»[14] ، على حسب رأي "جاك دريدا" .
فالعنوان يمثّل حالة برزخية يتقلّب من خلالها في حالة من التفاعل مع المتلقي فيملي إيحاءاته ويفاوض لأجل إقناع المتلقي بنصّه فـ « سلطة النص وواجهته الإعلامية تمارس على المتلقي إكراها أدبياً ، كما أنه الجزء الدال من النص ، الذي يؤشّر على معنى ما ، فضلاً عن كونه وسيلة للكشف عن طبيعة النص والمساهمة في فكّ غموضه»[15] .
وتعدّدت التعريفات والتحديدات للعنوان على حسب الانتماء إلى المدرسة النقدية فهو عند Roland Barthes « نظام سميولوجي يحمل في طياته قيماً أخلاقية واجتماعية وإيديولوجية»([16]) ، وهو رسالة يتبادلها المرسل والمرسل إليه ، بينما يرى Robert Choulz أن العنوان هو الذي يسمي القصيدة ، ويعيّنها ، ويخلق أجواءها النصية والتناصية[17] . ولدى محمد مفتاح أنه« يقدّم معرفة لضبط انسجام النصّ وفهم ما غمض منه إذْ هو المحور الذي يتنامى ويتوالد، ويعيد إنتاج نفسه . وهو الذي يحدّد هوية الرواية ، فهو إن صحّت المشابهة بمثابة الرأس من الجسد ، والأساس الذي تُبنى عليه . غير أنه إما أن يكون طويلاً ، فيساعد على توقّع المضمون الذي يتلوه . وإما أن يكون قصيراً ، وحينئذ فإنه لا بدّ من قرائن فوق لغوية توحي بما يتبعه»[18].
وإذا كان العنوان خطاباً معنوناً وسمة للنص ، فإن قراءة العنوان « تحصر الإطار السوسيوثقافي والتناص الذي يندرج فيه التلقي ، بما أن العنوان يترجم البنية الكبرى للخطاب فإنه يسهّل قراءة وفهم العنوان الفرعي أو النص التميزي المحدد للجنس الأدبي»([19]) .
وهوكذلك ينشئ علاقة جدلية بينه وبين نصّه، باعتباره نصا صغيرا(Micro texte)، يتقدّم ويصف نصاّ أكبر منه (Macro texte) . فكل نص وعمـل أدبي مثلما يرى Michel Butour [20] ، يتكون من نصين : الجسد ، ويمثل العمل الأدبي وعنوانه . فهما قطبان يمرّ عبرهما تيار كهربائي يولّد الطاقة الدلالية ويكثّفها .
والعنوان مثله مثل نصّه، له حياة اجتماعية في سياق اجتماعي أو إشهاري أو ثقافي وشأنه شأن الوجه البشري له وهج وسطوع خاص متقلب . فهو يظهر محايداً ثمّ يمر دون أن يثير الانتباه . وقد يحصل العكس ، إذ يحدث أن يأتي عنيفا ، مثيرا للانتباه يشدّ بصر القارئ أو أذنه ؛ ومن هنا لا يتأثر إلى حدّ ما بتلك الأوجه الأنيقة التي هي مرآة روح الكتب[21]. فإذا كان هذا التعدد على مستوى الضبط والتعريف لتحديد العنوان ، فكذلك الوظائف تعددت واختلفت .
وظـــائـف العنــوان :
لقد تعددت وظائف العنوان وتنوعت بين ناقد وآخر؛ فمنهم من قصرها على وظيفة ومنهم من عد لها أكثر من وظيفة. أحصيت منها مجموعة وظائف لمجموعة من النقاد حيث أن الجمع بين هذه الآراء يشكّل صورة مكتملة عن مجموع الوظائف :
|
الناقد |
الوظيفة | |
|
ليو هوك Léo Hock[22] |
الإخبارية،الاشتراطية،التسموية،التعاقدية،الإقناعية،الإشارية. | |
|
جيرار جينات[23] |
الإغرائية،الإيحائية،الوصفية،التعيينية . | |
|
هنري ميتران[24] |
التعيينية،التحريضية،الإيديولوجية . | |
|
شارل قريفال[25] |
التسموية،الإشارية،الإشهارية . | |
|
ترانس هوكس[26] |
البصرية،الإيقونية . | |
|
صلاح فضل[27] |
عنصر بنوي،يقوم بوظيفة جمالية محددة مع النص،أو في مواجهته أحيانا. | |