مجلة أقلام الثقافية
  • الرئيسية
  • هذه المجلة
  • المنتديات
  • الشاعر سامر سكيك
  • انضم إلينا

واحة الإبداع

  • الشعر الفصيح
  • القصة والرواية
  • الخاطرة والنثر
  • مقالات متنوعة
  • الفن التشكيلي
  • بحوث ودراسات
  • أدب عالمي

أقلام متخصصة

  • حديث أقلام
  • القلم الديني
  • القلم السياسي
  • القلم الفكري
  • القلم العلمي
  • القلم النقدي
  • القلم الاقتصادي
  • تحقيقات صحفية

اخترنا لك

  • أعلام ومشاهير
    • أرشيف
  • قراءة في كتاب
    • أرشيف
  • مختارات شعرية

زوايا متنوعة

  • إدارة وأعمال
  • مسرح ومسرحيون
  • شؤون فلسطينية
  • للنساء فقط
  • الصحة والناس
  • من هنا وهناك
  • علوم وتكنولوجيا
    • أرشيف
  • تربية وتعليم

موسوعات أقلام

  • أدباء ومثقفون
  • قصص الأنبياء
  • التاريخ الإسلامي
  • شعراء وقصائد
  • عقائد وأديان

تسالي وترفيه

  • شرح الأبراج
  • ابتسم مع أقلام
  • ألغاز سريعة
  • اختبر ثقافتك

المخيمات.الصيفية.... .... لبنة أساسية في تنمية العنصر البش

التفاصيل
كتب بواسطة: نعمان عبد الغني
نشر بتاريخ: 17 يوليو 2007
انشأ بتاريخ: 17 يوليو 2007
الزيارات: 5

المخيمات.الصيفية....  ....  لبنة أساسية في تنمية العنصر البشري
بفلم الاستاذ: نعمان عبد الغني
المخيم لبنة أساسية في تنمية العنصر البشري، ومكونا رئيسيا في تنشئة الأطفال والشباب.وظيفته غير قابلة للاختزال في الرعاية وحدها بل منبعا للمعرفة والبحث والمبادرة والعلاقات الإنسانية، ووسيلة تجعل الممارسة التربوية واقعية تتيح فرص متعددة لتحقيق المواطنة.
إن قطاع المخيمات الصيفية ومراكز الاصطياف في الوطن العربي لازال لم يحظ لحد الآن باهتمام الدارسين والباحثين بالنظر إلى المسيرة الطويلة التي قطعها ولا يزال يقطعها بعزيمة قوية لا تلين منذ عقد الأربعينات إلى اليوم، إنه قطاع له أهميته التربوية والاجتماعية البالغة، وكذا ارتباطه العميق بالمجتمع العربي ، حيث يلعب دورا طلائعيا هاما في رعاية الطفولة والشباب، كما يعكس هذا القطاع ببنياته وطموحاته ومكاسبه صورة واضحة المعالم للواجهة الأمامية للتحولات التي عرفها التنشيط السوسيو ثقافي ببلادنا. وتؤدي دوراً فعالاً في تربية الأطفال والنهوض بهم إلى مستوى أفضل ، لاهتمامها بالجوانب البدنية والنفسية والعقلية والاجتماعية للنشء ، ونظراً لذلك فقد ازداد انتشارها في الآونة الأخيرة ، حيث بدأ المهتمون بالعمل مع الأطفال على الصعيدين الرسمي والخاص بإقامة مخيمات صيفية عديدة للأطفال العاديين والمعاقين والأطفال الأيتام واللاجئين ومتضرري الحرب ومرضى السكري وغيرهم ، حيث تُقدم لهم في العادة برامج متنوعة تسهم في إنماء خصائصهم الشخصية وإكسابهم عادات سليمة واتجاهات مرغوب فيها .وتعتبر المراكز والمخيمات الصيفية من أرقى منتجات الصحوة لأنها أعمال تطوعية فريدة تمثل حاضنا ً مهما ً للشباب ، وتتنوع النشاطات في هذه المراكز والمخيمات الصيفية بين نشاطات ثقافية ورياضية واجتماعية ، لتمثل صورة نقية من الرقي الحضاري في لفتة وصورة رائعة من العمل التطوعي واستغلال الوقت ناهيك عن أنها محضن رائد للشباب .
ولا يعني ذلك أن هذه المخيمات والمراكز الصيفية معصومة من كل خطأ ونقص ، بل نعترف أن فيها قصورا ً في الجانب التوعوي الفكري ومبالغة أكثر من اللازم في الجانب الترفيهي البحت والإجتماعي ، وغيره  من الأنشطة التي تخرج المنتسب لهذه الأنشطة قادرا ً على مواجهة الموجة الفكرية الحديثة .
في كل عام تتظافر الجهود في العديد من المؤسسات والهيئات المحلية والحكومية والدولية من أجل إقامة مخيمات صيفية للأطفال والفتيان والشباب وتكتسب المخيمات الصيفية أهمية بالغة كونها تأتي في مرحلة الإجازة الصيفية بعد عام دراسي طويل ومنهك تحتاج فيه الفئات المذكورة إلى الترفيه واللعب والاستمتاع والاستفادة واستثمار مكتسباتهم من التعلم الرسمي في ظل أجواء تتيح لهم الفرصة للتعبير عن ذاتهم والمشاركة النشطة التي تعزز لديهم المسئولية والديمقراطية ، فالمخيمات الصيفية تشكل محطة لاستقبال عدد كبير من الأطفال والفتيان والشباب خاصة في ظل النقص في عدد المؤسسات والأماكن الترفيهية والاجتماعية والتربوية والثقافية .والتي يجب عليها أن تخدم الأهداف التربوية أن تساهم في عملية التنشئة الاجتماعية وليس فقط أهداف إجرائية تعمل على توفير أنشطة من أجل الأنشطة وقضاء وقت الفراغ وإشغال فقط فترة الصيف.
إن فترة إجازة الصيف للأطفال والفتيان والشباب هي فترة توقف هامة تشهد انقطاعا من وتيرة النظام الدراسي ولكنها أيضاً نفس الفترة التي يقوم بها الأطفال والشباب لتحضير أنفسهم للدخول إلى عام دراسي تالي الذي يعتبر مرحلة جديدة في حياتهم الدراسية والاجتماعية، فيما يخص بعض الأطفال والفتيان والشباب الذين فشلوا في إتمام العام السابق أو مروا بخبرات صادمة خلاله وهي مواقف صعبة تحتاج إلى مساعدة لتجاوزها فإن هذه الفترة لازمة للمرور بسلام لكي يتمكنوا من الاستعداد لدخول العام الجديد بروح إيجابية.
الصيف أيضاً هو تلك الفترة التي يمتلك فيها هذه الفئات وقت فراغ كبير ينظر إليه البعض وخاصة الجهاز التعليمي إلى أن هذا الوقت يذهب سدى وهباء وخاصة أنه في نهايته تأتي البداية الصعبة للعام الدراسي الذي يجب على التلميذ أن يدخل من جديد في نظام تعليم صارم عليه التقييد بجدوله، هذا صحيح في حالة بقاء المشارك في حالة إجازة خلال الصيف لذا عند استغلال الصيف بوتيرته الخاصة لبث الرغبة لدي الأطفال والفتيان والشباب للتعلم واستثمار المكتسبات من الادارة  التربوية الرسمية يمكن أن يعود بالفائدة ، لذا يجب أن تتم هذه المخيمات بشكل مغاير عن النظام الدراسي فهناك ضرورة لتمكين المشاركين في هذه المخيمات من الاكتشاف والتجربة والتعلم النشط في وقت يعيشه على انه متعة وترفيه هو هنا لتلبية احتياجات الأطفال والشباب النفسية والاجتماعية واحترام حقوقه.
ولا يمكن لذلك أن يتم إلا إذا توفر مشروع تربوي للمخيمات يعده فريق تربوي مختص معد أصلاً لذلك وفق معايير، لمن المخيم الصيفي، ولماذا، وكيف يتم العمل فيه، وما هي الاستعدادات لتوفير إجازة نوعية تلبي احتياجات المشاركين فيها وتخدم الأهداف المتعلقة بتنمية مهارات وقدرات المشاركين من الأطفال والشباب وممارسة حياة الجماعة وتعزيز الحوار بين أبناء المجتمع الواحد أو حتى الأحياء في داخل المجتمع مع الأخذ بعين الاعتبار طلبات المجتمع، والدور الذي يمكن أن يقوموا به من اجل خدمة قضايا مجتمعية.
• إن الأطفال والشباب في المجتمع العربي  يشكلوا ما نسبته  اكثر من 70% وهم محور العملية التربوية والتعليمية التي تستهدف تنشئتهم اجتماعياً ويمكن لهذه الفئات أن يكونوا عنصر تقدم وترقية اجتماعية فمواطنة هؤلاء لابد أن تمر بالضرورة عبر إعطاء الاعتبار والاعتراف بهم كعناصر فاعلة مشكلة للمجتمع وكنتيجة لذلك تبرز مواطنتهم عبر فعلهم اتجاه المجتمع وتأثيرهم بقضاياه.
علنا وأن نستفيد من تجاربنا ونتجاوز أخطائنا والإعداد للمستقبل بشكل أفضل وهذا يستدعي تكريس الجهد لتنظيم العمل الاجتماعي التربوي الثقافي مع الأطفال والفتيان والشباب بشكل عام ومع التركيز بشكل خاص على العناصر والأطراف الفاعلة فيه وذلك من خلال توفير سياسة اجتماعية وثقافية وتربوية تخص هذا العمل مع الأطفال والشباب خاصة خلال الاجازة الصيفية وفق معايير محددة وواضحة توفر الإطار للعمل وتحدد فيها المنهجية وإطار مهني ينظم عمل المنشطين ويعمل على تجديد وتطوير وتعزيز آليات التدريب المهني المتخصص لإعداد الكوادر والمتطوعين والفاعلين لمساعدتهم على فهم دورهم وتحمل مسؤولياتهم.
ويستدعي ذلك تنظيم جهة تقترح أطر وأنظمة تراعي المحاور السابقة توافق وتصادق على الدورات وتعتمد المخيمات الصيفية حسب هذه الأطر والقوانين بشرط أن تكون صالحة للكل تضع معاير وطنية وتشرف عليها وليس كما هو حادث اليوم من تخبط وغياب في المعايير وعدم الصلاحية لان بعض الجهات الرسمية واالمحلية تتاخد من هذا الامر محطات للاستفادة وتكوين العلاقات الشخصية علي حساب العمل العام.
علينا جميعاً بالسعي الجاد من اجل إيجاد مخيمات صيفية تشكل أماكن للإرشاد النفسي والاجتماعي للأطفال تساهم في تقليل حدة الأضرار الناجمة عن الخبرات الصادمة التي تعرض لها الأطفال ، مخيمات تقوم على الاحترام الكامل للأطفال والفتيان والشباب وتقوم في المقام الأول على ممارسات تطبيقية تؤمن حياة المشاركة والفريق معاً وسوياً نحو مخيمات وأنشطة صيفية تقوم على احترام حقوق الأطفال والشباب واحتياجات نموهم النفسية والاجتماعية وفق عمل عقلاني واعي تربوي تنموي يؤسس للتغيير الذي نريد.

 

 

"مأساة أمريكية" قصة أزمة اخلاقية

التفاصيل
كتب بواسطة: د. زياد الحكيم
نشر بتاريخ: 16 يوليو 2007
انشأ بتاريخ: 16 يوليو 2007
الزيارات: 3

 

تصور رواية (مأساة أمريكية) تصويرا حيا الجانب المظلم من الحلم الأمريكي - وهي قصة ما يمكن أن يحدث عندما تطغى الرغبات المادية على الجانب الأخلاقي، فلا يبقى للاخلاق قيمة، ويصبح مقياس النجاح هو ما يحققه الرجل في ميدان المال والاعمال. وقد اقتبس الروائي ثيودور درايزر في روايته قصة جريمة حقيقية ارتكبها تشستر جيليت، الرجل البسيط ولكن الطموح، عندما أغرق في نيويورك صديقته الحامل عام 1906 للتخلص منها بعد أن تبين له أنها تقف في طريق تحقيق طموحاته المادية المجنونة.

وتعتبر (مأساة أمريكية) أفضل أعمال درايزر الروائية، وعملا مهما من أعمال المذهب الواقعي الطبيعي الذي أبصر النور في أوربة، ولكنه انتشر وتطور في الولايات المتحدة. ويعتبر أتباع هذا المذهب الأدبي أن مصير الأفراد في المجتمع يتحدد بفعل الوراثة والبيئة الأمر الذي لا يترك مجالا للإرادة الحرة أو للاختيار. بل إن بعض النقاد يعتبرون (مأساة أمريكية) أهم رواية أمريكية في كل الأحقاب وفي كل المذاهب الأدبية.

وتقوم الثقافة الأمريكية على أساس ما يعرف بالحلم الأمريكي الذي يعني أن أمام الأمريكيين جميعا فرصة لتحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية. ويعتقد معظم الأمريكيين أن ظروف الإنسان الاجتماعية والاقتصادية عند الولادة في الولايات المتحدة لا تضع قيودا على حظوظه في الحياة وان بإمكان أي أمريكي أن يصعد السلم حتى يصل إلى أعلى درجة منه مادام راغبا في ذلك.

وإذا كان من الممكن أن نوجز ما يريد درايزر أن يقوله في جملة واحدة فإننا نقول إن الحلم الأمريكي خدعة كبرى. ونقرأ في الرواية عن عالم أمريكي معقد، فيه شخصيات من مختلف الطبقات الاجتماعية. ومصير الإنسان في هذا العالم محدد منذ البداية. وهذا الموقف الفلسفي والأدبي يقوم على أساس نظرية تشارلز داروين وغيره من العلماء الذين قالوا بان الكائن الذي يولد بخصائص معينة - وراثية واجتماعية - هو القادر على مواجهة الحياة وعلى البقاء على قيد الحياة وعلى تحقيق النجاح.

بطل الرواية هو كلايد غريفثس الذي تدفعه فكرة تحقيق الحلم الأمريكي بكل ما يعني ذلك من ثراء مادي ومن استمتاع بالحياة. وبكل ما يعني ذلك من الافتقار إلى قيم أخلاقية رفيعة. وهو لا يجد حرجا في الكذب على الآخرين واللجوء إلى الحيلة والخدعة لتحقيق رغباته وطموحاته. ولا يجد حرجا في التهرب من مسؤولياته ومن المشكلات التي يسببها لنفسه وللآخرين. وهو لا يرى حدا فاصلا من الواقع والخيال. ومن اجل التهرب من واقعه المادي الفقير يغرق نفسه في عالم من أحلام اليقظة التي يرى نفسه فيها صاحب ثروة وجاه. وهو يحقق هذه الطموحات بأعمال جبانة وغير أخلاقية.

روبرتا فتاة فقيرة وخجولة وساذجة تعمل في المصنع الذي يعمل فيه كلايد مشرفا. ومع أنها فتاة جميلة وذكية – بل يصفها درايزر بأنها أجمل وأذكى فتيات المصنع – إلا أن ذلك لا يفتح لها مجالا لتطوير نفسها والانطلاق في الحياة. فالفقر الذي تعيش فيه يشكل حكما قاسيا عليها بان تبقى في مكان متدن على السلم الاجتماعي. وتغدو صديقة لبطل الرواية كلايد الذي يعدها بالزواج فتسلمه نفسها وتحمل منه، بالرغم من أن الحمل خارج نطاق الأسرة في بداية القرن العشرين في الولايات المتحدة كان يعتبر عارا على المرأة، وكانت توصف المرأة الخاطئة بأنها ساقطة ويطاردها التمييز والتحامل مدى الحياة.

سوندرا فينشلي، من ناحية أخرى، شابة جميلة وثرية، وتتحرك في الطبقات الاجتماعية العليا. وهي تمثل كل ما يطمح إليه كلايد في الحياة: الثراء والمتعة. وهو يريد الوصول إلى سوندرا بكل ما يمكنه من وسائل. ويقرر قتل روبرتا عندما تبدي له سوندرا أنها مهتمة به.

ويفر كلايد من موقع الجريمة، ولكن جميع الأدلة تطارده. وتتمكن الشرطة من القبض عليه، ويقدم للمحاكمة. وينفي التهم الموجهة إليه، ويكذب على المحامين بشأن ما كان يعتزم القيام به وما فعله. وبعد محاكمة طويلة يحكم عليه بالموت. ولا تفلح محاولات أمه في تعديل الحكم أو تخفيفه. ويواجه الموت وحيدا.

في العشرينيات من القرن العشرين شهدت الولايات المتحدة نهضة اقتصادية لم تعرفها في السابق. واغتنى كثير من الأمريكيين بطريقة أو بأخرى بسبب انتعاش أسواق المال وارتفاع أسعار الأراضي، وبسبب اختراعات جديدة واستنباط طرق لإنتاج السلع لم تكن تعرف من قبل. فأصيب الأمريكيون بحمى الركض وراء طموحات مادية لا تعرف الحدود، وأصبحت الحياة المادية هي مقياس النجاح والتحقق. وجاءت رواية (مأساة أمريكية) عام 1925 لتؤرخ لمرحلة واجه فيها المجتمع الأمريكي أزمة أخلاقية وإنسانية مستحكمة.

----------------------------------------

لندن - بريطانيا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الجمال من رؤية جمالية

التفاصيل
كتب بواسطة: عمر بوشموخة
نشر بتاريخ: 16 يوليو 2007
انشأ بتاريخ: 16 يوليو 2007
الزيارات: 3

الجمال.. من رؤية جمالية بقلم : عمر بوشموخة تظل فكرة الجمال هاجسا يؤرق الكاتب والمبدع والفنان، على أساس أن الفنان هو الكائن الأكثر قدرة واستيعابا للجمال،بل إنه يتعدّى هذا المعنى إلى أنه لا يكتفي بتذوّق الجمال وفهم أسراره الكامنة في هذا الكون،وفي كل نقطة تقع عليها العين المعنوية الثالثة للفنان..بل إن الفنان بقدر ما يستوقفه الجمال المبثوث حوله يجد نفسه صانعا للجمال،مبتدعا له بصورة من صور الإبداع،فالفنان بموهبته وبمقدرته الخارقة على تذوّق الجمال وأسراره وعبقريته يساهم في خلْق الجمال،وفي إضْفاء لمساته الجمالية على لوحات الجمال والإبداع المتناثرة هنا..و..هناك. سواء أكان الفنان مبدعا في الشعر، أم في فنون الإبداع الأخرى فإن الجمال يظلّ حاضرا في فكره، وفي ريشته الأدبية، وفي رنّاته على أوتار العود، وفي كل خفقة من خفقات قلبه!! ذلك ما تناولته آراء المفكرين وأفكار الفلاسفة على مرّ العصور في موضوع الجمال، وتباينت آراؤهم في فهْم أسرار الجمال، ولم يتفقوا على وضْع تعريف محدّد له، وتلك هي ميزة هذا الموضوع الفلسفي القائم على التساؤل والدهشة أكثر من كونه يقدم الأجوبة " الجاهزة" التي لا يتفق بشأنها كلّ دارس، والفئات أكثر الناس قدرة على فهْم أسرار الجمال؛ لأن العمل الفنّيّ الذي ينجزه ينبع أساسا من إحساسه العميق بالجمال!! أقول هذا وأنا في غمرة اطلاعي على فلسفة الفن والجمال من خلال صفحات كتابيْن جديديْن صدرا للأديب الجزائري" بشير خلف" ضمْن إصدارات "الجزائر عاصمة للثقافة العربية" يتناول الكتاب الأول موضوع الجمال باعتباره رؤى أخرى للحياة، ويتناول الثاني وجود الجمال فينا..ومن حولنا، وفي كل نقطة تقع عليها أعيننا. ومنذ البداية يحاول الكتابان استدراج القارئ، وكل متذوّق للجمال إلى الانخراط في منظومة الكاتب الفكرية والفلسفية للانفتاح على عبقرية الجمال بكل أبعاده، وبكل اللغات الناطقة به. وهل الفن والجمال إلاّ لغة تسمو على كل اللغات، بل لأنه( الجمال) مصدر كل الوحي والإلهام والعبقرية!! لا شكّ أن امتلاء نفس الكاتب والأديب "بشير خلف" بمعاني الجمال والفن هو الذي أفضى به إلى تبليغ القارئ رؤيته الجمالية للفن والجمال، فجاءت آراء الكاتب لتفصح عمّا تخبّئه روحه الشفافة المرهفة من وجْد وصبابة إزاء كل ما هو جميل وعبقري..ومعبرا بأصدق التعابير من أن الجمال هو كل شيء في هذه الحياة، فهو مبثوثٌ في النص القرآني، ويرمز لبلاغة الإعْجاز فيه، ومبثوثٌ في المتْن الشعري العربي،وفي صفحات المبدعين من الأدباء، وفي جمالية الكلمة..مشيرا إلى أن الجمال والقبح لا يجتمعان " إثنان لا يجتمعان: القبح والجمال، فإذا ظهر الجمال اختفى القبح،وإذا ظهر القبح اختفى الجمال فهما نقيضان، والنقيضان لا يجتمعان،ولا يلتقيان،والإنسان من بين المخلوقات جميعا هو الذي لديه المقدرة على معرفة الجميل من القبيح، والتمييز بينهما…" غير أن الكاتب " بشير خلف" ومنذ البداية يريد أن يأخذ بلُباب القارئ إلى فكرته التي مفادها أن مَواطن الجمال لا يمكن حصْرها عند زاوية بعينها أو عند نقطة يمكن تحديدها،بل إن المساحة التي يتواجد بها الجمال لا حدود جغرافية لها، وإن الفنان والمبدع بوجه خاص هو الأقْدر على تجاوز النظرة الضيّقة أو المغلقة التي تغلف بعض المفاهيم إزاء الفن والجمال، ولعلّ هذا ما حدا بالفنان والفيلسوف العبقري "جبران خليل جبران" أن يُمْعن النظر في وضْع فهْم متبلور للجمال من دون الوصول إلى غرضه سوى القول: « منْ يُعْطيني عيْنا ترى الجمال، ويأخذ خزائني؟ » وفي ذلك اعترافٌ بصعوبة تحديد مفهوم واحد لموضوع الجمال..ولكن " بشير خلف" يحاول تقريب الصورة إلى القارئ من خلال بعض تلميحاته وإشاراته إلى المَواطن المتنوعة التي ينبثق منها إشعاع الجمال، ويتخذ منها مصدرا له، ومن ذلك يشير الكاتب إلى أن البيئة باعتبارها فضاء الحياة الرّحْب يمكن أن تكون مصدرا هامّا لإحساس الإنسان بالجمال، ومن ثمّ فإن المحافظة على البيئة واجبٌ ومسؤولية مشتركة بين الجميع، وإنه " من الطبيعي جدّا أن يقع الاهتمام بإيقاظ المشاعر والأحاسيس للمواطن، فإنشاء نافورات مائية ملوّنة، ومُضاءة تثير النفوس وتدفعها داخليا نحْو الرقّة الجمالية". بما يُفهم من ذلك أن المؤلف من خلال كتابيه لا يذهب مذهب فلاسفة الفنَ والجمال الذين لا يعنيهم من الجمال المنسكب على أديم الأرض، أو المنتشر في الفضاء أكثر من التغنّي بدلالاته، والتعبير عن إيحاءاته والتوحّد في معانيه، ولكنه يسعى إلى أن ينزل بالقيم السامية التي يرمز إليها الجمال من السماء إلى الأرض لتكون مصابيح هادية إلى نور الحقّ والمُثُل العليا..وهو الأمر الذي يستدعي من الكاتب الاستعانة بما أُوتي من براهين يقينية لإقناع الناس بأهمية وقيمة هذا الجمال المنبثق من أعماقنا ومن حولنا. ".. من نعم الله على الإنسان أنْ وهبه الله شعورا فيّاضا، ورهافة حسّ تنزع به نحْو الجمال، والسعي إليه، فأصبح الجمال من مكوّنات حياته، حتى أصبح الجمال علما وفنا وصناعة، ودخل في الإبداع الأدبي بكلّ أجناسه وارتبط بجميع أنواع الفنون، وصار الّلمسة الإنسانية الراقية في كلّ مرافق الحياة ومتطلّباتها." ولأن الكاتب ابن بيئته ونبْتة حيّة من حديقة مجتمعه، فإن وفاءه لثقافة أمته، وانتمائه للقيم الجمالية والأخلاقية والإنسانية لموطنه، تترجمه هذه الخلفية والمرجعية التي تقف وراءه، وهو يبذر أفكاره ويرصّص كلماته، ويرسم رؤاه وأحلامه انطلاقا من التربية النقيّة التي يقف عليها، فنجد الكاتب" بشير خلف" يتخذ من الدين موضوعا للجمال والعبقرية، مبْرزا العديد والكثير من صُور الإبداع والجمال التي تشير إلى قدرة الخالق في صْنْع ما يخطف الأبصار، وما يخلب الألباب والأفئدة من عبقرية التصوير الفني، ومن المشاهد التي يرسمها النصّ القرآني، بل إن الكاتب يُكثر من الاستشهادات في هذا الموضوع من قبل العلماء، وأئمة الفكر الإسلامي من أمثال أبي حامد الغزالي، ويوسف القرضاوي، ومحمد الغزالي، والأحاديث النبوية الشريفة لتعزيز آرائه في موضوع الجمال الفني من أنّ ديننا الحنيف يقوم على قيم الحبّ والفضيلة، والجمال ولا يضيق أبدا أمام كلّ ما هو جميلٌ، وكلّ ما هو أصيلٌ..فالله جميلٌ يحبّ الجمال!! وتأييدا لما يذهب إليه الكاتب، يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي" «…يحبّ المؤمن الجمال في كل مظاهر الوجود من حوله، والمؤمن يحبّ الجمال كذلك، لأن الجميل اسمٌ من أسماء الله الحسنى، وصفةٌ من صفاته العلا، وهو يحبّ الجمال أيضا لأنّ ربّه يحبه فهو جميلٌ يحب الجمال، وهذا ما علّمه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لأصحابه…» كما يستشهد الكاتب بشير خلف بأمثلة كثيرة من آراء وأفكار المفكرين المسلمين في شأن موقف الدين الإسلامي من الفنّ والجمال من ذلك قول الأستاذ " محمد قطب" عن القرآن الكريم: « هذا الكتاب لا يمكن بحالٍ أن يكون معاديا للفن.» كما يستشهد في هذا الموضوع بالدكتور محمد عمارة الذي يقول: « الجمال هو آيات الله التي أبدعها وبثّها في هذا الكون، وأمر الإنسان لأن ينظر في هذا الجمال، وهو امتثالٌ لأمر الله سبحانه وتعالى.» وتتوالى استشهادات المؤلف بالآراء والأفكار والمواقف النابعة من عمق الثقافة الإسلامية والتي عن اطّلاعه الواسع على الصورة التي يبدو لنا الأستاذ" بشير خلف" يجتهد في إقناع كل من يقرأ أفكاره في هذا الموضوع بجدّية طرْحه، وصدقية فكرته مفنّدا الآراء المنغلقة التي تذهب إلى أن الفن أو الجمال يتعارض وروح الدين الإسلامي، وكأنّ الكاتب يوجه دعوة خاصة لاستكشاف الجمال من رؤية جمالية يمثّل فيها الدين الحنيف الوجه المشرق، وأنّ ما يعرضه من آراء وحجج منطقية تدفع القارئ المتأمّل والمتأنّي إلى اعتبار هذا الموضوع يتأسّس من منظور إسلامي، في إشارةٍ إلى أن الدين كموضوعٍ للفن والجمال يستدعي تعميق الفكر، وتذوّق الجمال كما لو أنه يعبّر عن مقدرة الخالق، بل إن الكاتب يرى أن الجمال عنصرٌ من عناصر الإيمان، والقيم الجمالية الفنية تحمل في ثناياها ما يعمّق هذا الإيمان ويقوّيه، ويجعله وسيلة للسعادة، والخير في هذه الحياة. إن الرؤية الجمالية للكاتب رؤية شاملة تتأسس من كون الحياة ذاتها تعتبر منظومة جمالية بكل معاني الجمال، وهذا بالرغم من " عبثية الإنسان وفساده في الأرض، كما تشير إلى ذلك الآية الكريمة: « ظهر الفساد في البرّ والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقــهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجـــعون.»( الروم:41) ويريد الكاتب أن يأخذ بالقارئ إلى تقدير العرب للجمال قبل مجيء الإسلام، ولكنهم كانوا يحصرون هذا الجمال في الأشياء الحسية مثل جمال المرأة، والفرس، والبعير، والأطلال، وعلى المشاعر العاطفية المباشرة من حبٍّ وشوقٍ وحنين ولوعة ولهفة اللقاء، فكانوا ينظمون شعر الغزل، وحينما جاء الإسلام امتدّ اهتمامهم إلى جمال النفس والخلق وجوهر الأشياء. وللتشديد على قوّة الحجّة لا ينفكّ الكاتب في استعراض الشواهد والبراهين الدّالّة على أن الفنّ والجمال نعمة من نِعم الخالق على مخلوقاته لقوله تعالى:«…ولكم فيها جمالٌ حين تريحون وحين تسرحون.» وفي آية أخرى:« إنّا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوّنهم أيّهم أحْسن عملاً.» ولا يترك المؤلف ـ أحيانا ـ للقارئ فرصة لالتقاط أنفاسه وهو يهيم في سطور ما خطّه في بحثه من أفكار وآراء في موضوعٍ فلسفيٍ ما يزال البحث فيه قائما، وما يزال الجدال بشأنه يُسيل الكثير من الحبر؛ ولعلّ الأديب " بشير خلف " قد أدركه هذا الحسّ العميق نحْو موضوع وفكرة الجمال فأهدانا عصارة أفكاره، ومنحنا ذوب كبده من خلال عمله الدؤوب ليحفّزنا على الاقتراب أكثر من دوْحة الجمال، واكتناه أسرار الجمال الساكن فينا والذي يغمر الحياة من حولنا!!

الثقافة البيئية..البعد الغائب

التفاصيل
كتب بواسطة: خلف بشير
نشر بتاريخ: 15 يوليو 2007
انشأ بتاريخ: 15 يوليو 2007
الزيارات: 5

الثقافة البيئية..البعد الغائب !! بقلم: بشير خلف أصدرت رابطة الفكر والإبداع بولاية الوادي /الجزائر كتابها السنوي الذي يحمل عنوان: الثقافة البيئية..البعد الغائب، لمجموعة من الأساتذة المتخصصين في قضايا البيئة..الكتاب صدر عن دار " مزوار " للطبع والنشر بمدينة الوادي، يضمّ الكتاب مجموعة من المحاضرات لأساتذة من جامعات جزائرية من بينهم الدكتور محمد قماري ..دكتور في الطب وباحث في اللسانيات وعضو في المجلس الأعلى للغة العربية ، والدكتور لشهب بوبكر متخصص في الشريعة الإسلامية ذ، والدكتور أحمد زغب متخصص في الموروث الشعبي، والدكتور برحماني محفوظ متخصص في المالية العامة بجامعة البليدة، ولأستاذ عادل محلو متخصص في الأدب والنقد العربييْن وغيرهم من أساتذة من جامعات الجزائر، والبليدة ،وغرداية، وعنابة، وبسكرة، والوادي. الكتاب من الحجم المتوسط تبلغ صفحاته 284 صفحة تتضمّن: مدخلا لرئيس الرابطة، فكلمة السيد حسن مرموري مدير الثقافة لولاية الوادي ،ثم كلمة السيد محمد حمدي مدير دار الثقافة بالوادي أين انتظمت الندوة الفكرية السابعة أيام :24 ،25 ،26 مارس 2008 جاءت في وقتها ذلك أن قضايا البيئة فرضت نفسها بقوة في أغلب دول العالم من بينها الجزائر التي أعلنت على لسان وزيرها للبيئة أن سنة 2008 هي سنة البيئة في الجزائر. إن رابطة الفكر والإبداع بولاية الوادي إيمانا منها بأن الثقافة البيئية كوعي بأهمية البيئة في حياة الإنسان، وكسلوك حضاري لا ينفصل عن الحراك الشامل الذي يقوم به الفرد والمجتمع، وإحساسا منها برسالتها التثقيفية التوعوية فقد نظمت ندوتها هذه.. ضامّة جهودها إلى أنصار الدفاع عن البيئة، وضرورة حمايتها؛ حيث ينظر أنصار البيئة للعلاقة بين الإنسان والبيئة كعلاقة متداخلة حتمية وإجبارية، وذات تأثير لكليْهما، وبهذا المعنى لا يمكن النظر إلى الإنسان بمعزل عن البيئة، ومتابعة مشكلاته الوجودية بإهمال هذا الجانب، أو عدم الارتقاء لمستوى في التفكير يعطيه ما يستحق. إذْ أن هناك تفاعلا إيجابيا أو سلبيا بين السيرورة الاجتماعية-الاقتصادية والتوازنات البيئية الأساسية. ولا يمكن للمرء أن يكون جديا في تناول موضوع الحقوق الإنسانية، والرفاه، والسعادة دون أن يضع نصب عينيه النتائج الكارثية لبعض المشكلات البيئية التي فرضت نفسها حديثا على الإنسان المعاصر أينما تواجد، وصارت تهدد حياته، وتدمر مكتسباته. ولعل دخول ما أصبح يُعرف اليوم بالثقافة البيئية جاء محصّلة لغياب الوعي الفردي والجماعي في التعامل مع البيئة كوسط طبيعي تحيا فيه الكائنات بما فيها الإنسان، وكمحضن له يوفر له الصحة البيولوجية، والتوازن النفسي، والتوافق مع محيطه..هذه الثقافة غائبة لدى أغلب مواطنينا، وربّما يتحجّج البعض أنها مغيّبة من أطرافٍ بإمكانها أن تفعل الكثير من أجل حماية البيئة والمحافظة عليها.. في اعتقادنا أن الحفاظ على البيئة يبدأ من المواطن نفسه كتربية ..كسلوكٍ مستمرٍّ في يومياته، فإذا كان الإسلام الحنيف هو ديننا، ونحن نمارس العبادات ليلا نهارا، وهذه العبادات تستند إلى الطهارة الشاملة، أفأحرى أن يكون الفرد المسلم أوْلى من يسلك هذا السلوك، ويتبنّى ثقافة الحفاظ على البيئة دون الحاجة إلى من يحسّسه في ذلك سواء بالتلميح أو التصريح. وقد توجت الرابطة عملها بإصدار كتابها السنوي بعد الندوة بشهر ونصف ..كتاب قيّم بشهادة كلّ منْ تسلّم نسخة منه، واطّلع عليه ..الكتاب تحت عنوان: الثقافة البيئية..الوعي الغائب. الكتاب تمحورت المحاضرات فيه كالتالي: ـ المحور الأول..الإنسان والبيئة: الإنسان والبيئة تناغم أم تصادم؟ ـ التلوث اللساني ودلالاته الاجتماعيةـ الإنسان والبيئة من منظور سيكولوجي ـ الإعلام والبيئة. ـ المحور الثاني..البيئة في الإسلام : حماية البيئة في التشريع الإسلامي ـ البيئة في الإسلام ـ البيئة والمذهب الصوفي. ـ المحور الثالث..الثقافة البيئية: البيئة الموروث الشعبي ـ الثقافة البيئية..المهام والأبعاد ـ هل أنت مثقف بيئيا؟ . ـ المحور الرابع..السياحة البيئية : السياحة البيئية في ظل التنمية المستدامة ـ السياحة البيئية ـ المحور الخامس..الرؤى الاقتصادية والاجتماعية للبيئة:واقع البيئة في الصحراء،وادي سوف نموذجا ـ التنمية والبيئة ـ أدوات تسيير البيئة في القانون الجزائري ـ التنمية المستديمة في الجزائرـ البيئة والفقر. ـ المحور السادس..حماية البيئة: الآليات الاقتصادية لحماية البيئة ـ استراتيجية حماية البيئة. ـ المحور السابع..التربية البيئية: التربية البيئية بين تحديات الواقع ومناهج التعليم ـ التربية البيئية لتلاميذ المدرسة الابتدائية ـ التربية البيئية بين المفهوم والغاية. ركّز رئيس الرابطة في كلمته المدخلية على المشاكل التي باتت تُـؤرق العقلاء، والحريصين على سلامة الحياة على كوكبنا الأرضي أيّامنا هذه : قضيةُ البيئة، وعلاقةُ الإنسان بها ، وكيفية معالجتها بما يضمن للإنسان عيشا كريما آمنا من كلِّ تهديد يترصد حياته وصحَّته وغذاءه ومحيطه بشكل عام. ومشكلُ البيئة وليدُ التطوُّر السريع الذي شهدته البشرية في القرن العشرين كما هو معروفٌ ، وإفرازاتُ الثورة الصناعية، وتنامي المدن السريع ، فضلا عن السباق في مضمار الصناعات العسكرية والأسلحة الكيماوية، والمفاعلات النووية، وغيرها مما تدعو إليه ضرورة تلبية الحاجات المتزايدة للملايير المتكاثرة من سكَّان المعمورة.. لهذه الأسباب دقَّ العقلاء ناقوس الخطر، لِـما أصاب توازنَ الحياة من خللٍ خطيرٍ، أضحى يهدِّد الحياة والأحياء على كوكبنا الصغير. وتعني كلمة "البيئة" بمفهومها العام، الوسطَ أو المجالَ الذي يعيش فيه الإنسان فيتأثر به ويؤثر فيه،فالمنزل بيئة،والمدرسة بيئة،والشارع بيئة،والحيّ بيئة،والمجتمع بيئة،والمصنع بيئة،والعالم كلّه بيئة،وهكذا... وقد تتَّسع البيئةُ لتشمل الأرضَ التي تقِـلُّنا والسماء التي تُـظِـلُّنا، وقد تضيق لتخصَّ بيتَ الإنسان وموقع عمله وسكناه، وهي باختصار "كلُّ شيء يحيط بالإنسان . وتتجلَّى أهميـَّة البيئة في كون الإنسان ذا علاقة وطيدة بمحيطه، فمنذ فجر التاريخ والإنسان يسعى لتطوير حياته،واستغلال ما حوله بما يحقِّق رغباته ويلبِّي حاجاته، مترقيـًّا من الضروريات إلى قمة الكماليات..وفي سبيل تحقيق هذه الغايات حدثت آثارٌ سلبية لم تكن في الحسبان، لم يتفطَّن لها الإنسان في الإِْبـَّان، ثم تجلَّت مخاطرُها للعيان، فتداعى المخلصون لإنقاذ الوضع قبل فوات الأوان. وكانت أبرزُ آثارِ تدهورِ البيئة من خلال تدخّل الإنسان ، مشكلةَ التلوُّث بكافَّة أنواعها وتجلياتها، ومشكلةَ استنـزاف الموارد الطبيعية، ومشكلةَ التصحُّر.هذا ويُفرِّق الباحثون بين مفهوم البيئة، ومفهوم النظام البيئي؛ فالنظام البيئي هو وحدة بيئية متكاملة تتكون من كائنات حية، ومكونات غير حية في مكان معين؛ يتفاعل بعضها ببعض وفــق نظام دقيق ، ومتوازن في حركة دائبة لتستمر في أداء دورها في إعالة الحياة، ولذلك يُـطلق على النظام البيئي من هذا المنطلق: نظامُ إعالة الحياة. وتُـعـدُّ مظاهرُ هذا الخلل من أهم القضايا التي تُـناقشها أدبياتُ البيئة في الوقت الراهن. على سبيل المثال: قضايا التلوث البيئي- الماء والهواء والتربة- والتلوث الصوتي- الضوضاء- وأخطار انقراض بعض الكائنات الحية، كما تُطرح بشدة قضية ثقب الأوزون إشارةً إلى تأثيرها في تغير المناخ. وهنا تجتمع إرادة الخيّرين في الدفاع عن كوكبنا هذا من خلال: 1 ـ الدفاع عن البيئة وحمايتها . 2 ـ النظرة الكلية للكون . 3 ـ استدامة التنمية ، ورعايتها للبيئة 4 ـ الدفاع عن القيم: حيث يتمّ التركيز على القيم التي يعتنقها الأفراد في تعاملهم مع البيئة من حرصٍ على حياتهم ، وعلى حيوات الأجيال القادمة. إن الثقافة البيئية تهتمّ بالتوعية، والتحسيس المستمر لجميع الأفراد مهما كان عمُرهم،ومهما كان جنسهم،وأينما تواجدوا بأهمية البيئة،والمحافظة على المحيط من أجل الحفاظ على صحّة الإنسان وكذا وجود وبقاء الكائنات الأخرى سليمة حفاظا عليها كمكوّنٍ رئيسٍ وهامّ في الطبيعة من جهة،وحفاظا على التوازن البيئي من جهة أخرى ..ولا تتوقف الثقافة البيئية عند هذا الحدّ؛ بل تهدف إلى أن يتمتع الأفراد بجمال الطبيعة وسحْر المحيط ممّا يؤثّر على التوازن النفسي لديهم فتكون علاقتهم بخالق الطبيعة، ومبدع جمالياتها قوية متينة،وعلاقتهم فيما بينهم علاقة محبّة ووئام، وتعاون في إطار قيمٍ سامية تِؤطّرها روح المواطنة . ولئن كانت هذه من بعض أهداف الثقافة البيئية،فإن التربية البيئية التي عادة ما تكون موجّهة إلى المتعلمين في كل مراحل التعليم ،وإلى الشبان في دُور الشباب والمراكز الثقافية،وعناصر الكشافة،وفي المساجد ،فإنها تهدف إلى محاربة الجهل بشؤون البيئة، وإلى إعداد أجيال من المتعلّمين الواعين بمشاكل البيئة،والقادرين على المشاركة في حلّها. ومن المبادئ التي يتفق العلماء على ضرورة تحقيقها في برامج التربية البيئية : 1 ـ أن تكون عملية مستمرّة طوال الحياة،وفي المدرسة،وخارجها. 2 ـ أنْ تُدرّس البيئة كَـكُل،بما فيها من مكوّنات طبيعية،ومكوّنات من صُنْع الإنسان . 3 ـ أن تكون التربية البيئية البيئية مسؤولية كلِّ الجهات القائمة على أمور التربية والتعليم،أي التربية المباشرة وغير المباشرة،وعلى كلّ المستويات. 4 ـ أن تكون التربية البيئية متعددة الاتجاهات، فتشملَ كل المجالات والعلوم المتصلة بالبيئة: اقتصاد،سياسة، جغرافيا،صحة،علوم طبيعية ،قانون،إدارة ... 5 ـ وحيث أنها سلوكٌ تطبيقي أساسا، ينبغي أن تكون أكثر اقترابا من منظور صوْن البيئة، والمساهمة في إنعاشها بأعمال تطبيقية داخل المؤسسة التعليمية،وخارجها كالمساهمة في عمليات التشجير،والعناية بالزهور في الحدائق، وعمليات تنظيف المساحات الخضراء، والحفاظ عليها وصيانة محيطها ... إن ترتيب المحاضرات في الكتاب راعى التكامل والترابط بينها من حيث طرْح الإشكالية في المحاضرة الأولى للدكتور محمد قماري الذي عنْون محاضرته كالتالي: الإنسان والبيئة تناغم أم تصادم؟ ولا أخالنا نختلف في أن هذه العلاقة هي علاقة تصادم أيامنا هذه أينما حللْنا .. تتالت المحاضرات في الكتاب مشخِّـصة لهذا التصادم في أكثر من موقعٍ، والخطر بطبيعة الحال عائدٌ بالضرر على الإنسان ..والسبيل لتفادي هذا الضرر هو الشعور به وتفاديه، ولا يتأتّى ذلك إلاّ عن طريق التربية البيئية التي يكون منطلقها الأول المنزل، فالمجتمع بكلّ مكوّناته وفي طليعة هذه المكوّنات المدرسة، والمسجد الذي لا بدّ من أن يساهم بجدٍّ في غرْس هذه القيم بصفة دائمة نظرا لدوره التأثيري ..فلا غرْو أن يُنهى الكتابُ بمحاضرة عنوانها :التربية البيئية بين المفهوم والغاية للأستاذيْن :محمد كاكي،ومحمد توفيق ومان اللذيْن يريان في آخر محاضرتهما الأخيرة في الكتاب إلاّ بالرجوع إلى الطبيعة الأم الحنون وفق ما يراه الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو الذي يخاطب الإنسان المتعب الذي أنهكته متاعب الحياة بقوله: "عُــدْ إلى الطبيعة واستلق في أحضانها " .. نعم علينا أن نعود إلى الطبيعة ونكون أوفياء لها، وهذا يتطلب الالتزام بأخلاقيات تربوية تجاه البيئة، لكي نشعر بالهدوء والسكينة والأمان بأن هذه الأخلاقيات تعتبر ثورة قوية تعمل على تعديل الاتجاهات السلوكية للإنسان نحو احترام البيئة مما يضمن إعادة التوازن البيئي، بعد أن هددته الكثير من المخاطر بسبب غياب الأخلاقيات البيئية . وبذلك، يمكن للتربية البيئية، أن تلعب دورا أساسيا في درء مشكلات البيئة وحلها.لكنه من الواضح أن الجهود التربوية لن تؤتي أكلها إذا تجاهلت بعض العوامل الهامة الأخرى، ومنها على سبيل المثال: أن يكون هناك تشريع يسعى إلى تحقيق نفس الأهداف، وان تتخذ التدابير اللازمة للسهر على حسن تطبيق القوانين وان تفرض قرارات حازمة، وان يستعان بأجهزة إعلام الجماهير، التي يتزايد نفوذها بين الناس. وينبغي لكل هذه العوامل أن تتظافر فيما بينها، وان تشكل كلآً مترابطاً حتى تستطيع أن تسهم في حماية البيئة وتحسينها بصورة فاعلة. إذا كان الدكتور محمد قماري يرى أن الإنسان هو الجاني وهو الضحية في الآن نفسه، فبظلم من الإنسان نفسه، وبما كسبت يداه ظهر الفساد في البر والبحر، ومن زرع الريح فلن يحصد إلا العواصف، فالبيئة الأولى البكر التي احتضنت الإنسان لم تعد كذلك وقد اعتدى عليها، وانقلبت آثار هذه الاعتداءات إلى كابوس يلاحقه في صحته ونمط معيشته، فهو الضحية والجاني، والمعتدي والمعتدى عليه.. ها هو الإنسان يقف في العراء يواجه مشكلات كبيرة، كالاحتباس الحراري، ونضوب مصادر المياه وتلوثها، وتربص أمراض مزعجة كالحساسية والسرطانات، ومن هنا طفق بعض البشر يخصفون عليهم من بقايا الحكمة ما يواجهون به الكارثة، وإن كان الوعي قد ظهر مبكرا في تاريخ البشر كتلميحات ونصائح إلا أنه مع تفجر العصر الصناعي تحول إلى صيحات نذير.. وكي لا نحرث في البحر وحتى لا تضيع جهودنا في احتفالات موسمية بالبيئة، أو في مهرجانات نظرية، أو في جلب منتجات صناعية لمعالجة مشكلات البيئة، يجب أن ننطلق من قواعدنا الحقيقية وأن ندرس الموضوع من خلال إمكاناتنا الذاتية، دون التهوين أو التهويل، من ذلك موضوع المنتجات الزراعية الوافدة في البيئة الصحراوية، فمنتج البطاطا، أو الزيتون والخضروات يجب أن يخضع للتقويم العلمي ويستفيد من الظروف البيئية المحسنة لمعيشة السكان والأحياء، وتعدي النظرة الثنائية مع أو ضد إلى النظرة الموضوعية العلمية التي تعتمد جرد السلبيات والايجابيات، والسماح بإدماج الموضوع في المخطط الوطني، بحيث يستفيد من إمكانات أكبر في تنمية مرتكزات القوة ومعالجة السلبيات.. بينما الأستاذ عادل محلّو طرح في محاضرته التي تحمل عنوان: التلوّث اللساني ودلالاته الاجتماعية ظاهرة اجتماعية أخرى من التلوث قلّما نعيرها اهتماما، بل هي غائبة عنا..فالتلوث اللساني المقصود به علاقة الإنسان بالجدار. إنّ استعمال الجدار كفضاء للكتابة أمر قديم قدم البشر نفسها؛ إذ كتب الناس ورسموا على جدران الكهوف والمعابد منذ آلاف السنين، وقد اندرجت وظيفة تلك الكتابات والرسوم "... عند الإنسان الأوّل...في مقاومة واضحة للمحيط، وموجوداته الحيوانية المتوحّشة، أي بمعنى تحوّلت الرسوم التي هي كتابات إلى وسيلة للمقاومة السحريّة والبقاء بوسائلها الروحيّة. وفي عصرنا الحاضر استعاد الجدار أهميّته كفضاء تعبيريّ مميّز من خلال ما نراه مكتوبا عليه كلّ مرّة من شعارات وكلمات تدعمها رسوم في بعض الأحيان. ويشير الأستاذ: أنور عبد الملك في كتابه: (الإنسان والجدار) إلى الارتباط بين الحياة المدينيّة المعقّدة وانتشار الكتابة على الجدران ؛ إذ يصفها بأنّها " حاجة مدينيّة، أي تمثّل نتاجا للحضارة ومعطياتها، لأنّ المدينة تكون عادة مولّدة للظواهر والتيارات الجنونيّة" ومن أجل خاصيّتها المدينيّة كانت أولى الدراسات المختصّة في نييويورك حيث أصدر الباحث اللغوي الأمريكي ريد (Read) سنة 1928 أوّل دراسة تهتمّ بتحليل المفردات اللغويّة المدوّنة في الكتابات الجدرانيّة. وتنوّعت فيما بعد مداخل معالجة هذه الظاهرة أكاديميّا ممّا أدّى "...إلى نشوء مدرسة اجتماعيّة تُعنى بالبحث في كتابات العامّة بوصفها ممثّلا لثقافة المجتمع وطرائق تفكيره. ولم يكتفِ الإنسان بالكتابة على الجدار فقط بل امتدّت يده للكتابة على عربات القطارات والسيّارات ووسائل النقل المختلفة ممّا أنتج كتابات متحرّكة من مكان إلى آخر ومن بيئة اجتماعية إلى أخرى. إنّ الكتابة على الجدار كبقيّة الخطابات والملفوظات اللغويّة تحوي عناصر التواصل الستّة كما حدّدها رومان ياكوبسون وهي: أـ المرسل ب ـ المرسل إليه ت ـ الرسالة ث ـ الشيفرة جـ ـ القناة حـ ـ السياق أ ـ المرسل: إنّ الكتابات الجداريّة تُغفلُ عمدا اسم كاتبها لأنها غالبا ما تكون مُنتهكة للأعراف والتقاليد وكذلك لأنّ صاحبها لا يمتلك من السلطة أو الثروة أو القوّة النفسيّة ما يجعله يواجه الآخرين؛ إذ هو في الغالب الأعمّ واحد من الشباب المهمّشين الفقراء. ومن جهة أخرى فإنّ البعض يذكر اسمه ، وهي محاولة لإثبات الذات في وجه مجتمع يغمطه حقّه ولا يلتفت إلى ما لديه من موهبة أو تميّز بحسب ما يرى هو ذاتَهُ، ولذلك فهو يكتبه بحجم كبير لافت للانتباه. ب ـ المرسل إليه: هناك نوعان من الكتابات: ـ نوع أوّل يحدّدُ المرسل إليه :فيذكر اسما شخصيّا لفرد أو جهة ما أو بعلامة مميّزة له لا تخفى على قارئي الكتابة على الأقلّ ممّن يندرجون ضمن السياق القريب لعمليّة الكتابة ، ففي كليهما اسم شخص يستهدف بأن ترسل إليه مشاعر ومواقف ما . ـ نوع ثانٍ لا يحدّد المرسل إليه: وهو يوجّه رسالته للمجتمع كلّه ولا يسمّي شخصا أو جهة معيّنة، بل هو خطاب للنظام الاجتماعي وسلّم قيمه ونسقه الثقافي. إنّ النوع الأوّل لا يكاد يمثّل تحديّا خطرا للمجتمع لأنه يكتسي الطابع الشخصيّ، وفي حال تفاقمه فإنّ الجزء الأكبر من الانتقام يوجّه إلى الشخص أو الجهة المقصودة. ولكن يكمن الخطر في النوع الثاني لسببيْن أساسيْن:  الأوّل: لأنه يكشف عن وجود احتقان وضغط وحنق على المجتمع بأسره دونما تمييز بين المسؤول، وغير المسؤول عمّا وصل إليه ذلك الفرد، ممّا يُضخّم احتمال تعرّض أيّ فرد أو جهة لانتقام ذلك الفرد. وبهذا يتشكّل جوّ من الخوف والرعب في المجال المكانيّ القريب من تلك الكتابات، كما يتشكّل أيضا قلق هامّ على مستقبل البناء الاجتماعيّ.  الثاني: لأنّه يعبّر ـ دون أدنى شكّ ـ عن شعور فئة أو طبقة أو جهة ما بالتهميش،وهو ما يدلّ على صدْع في المجتمع قد يتزايد شيئا فشيئا ليشكّل تهديدا بالفوضى والاضطراب. إنّ مفهوم التهميش خطرٌ جدّا فهو أوخم عواقب من عدم المساواة لأنّه يعني خروج فئة ما ـ أو إحساسها بذلك ـ من دائرة الاهتمام أصلا أمّا عدم المساواة فتعني أنّ فئة ما أقلّ حظوة وهي لا تزال ـ رغم ذلك ـ ضمن سلّم الاهتمامات . ت ـ الرسالة: تتميّز الرسالة المكتوبة على الجدران بأنّها من حيث المضمون جريئة الخطاب؛ إذ تتمحور غالبا حول انتهاك الطابوهات المحرّمة في تلك البيئة الاجتماعيّة. وتتميّز أيضا بالمستوى اللغويّ المتدنّي لأنّها تمثّل الهامش، فهي كثيرة الأخطاء في النحو والتركيب والإملاء، وفي أحيان كثيرة تكون عاميّة لكن تُكتب كتابة خاطئة. والتوجّه العامّ للكتابات على الجدران في منطقتنا انزاح بحدّة نحو العاميّة بعد أن كانت نسبة الكتابات الفصيحة كبيرة، وهو أمر دالّ جداّ:  إنّه علامة على نزول الفصحى من مكانتها كأداة للتعبير عن الذات عند شرائح كثيرة من الشباب، وهو ما يَستتبع ابتعادهم عن مصادر الثقافة الفصيحة في التعبير كالمدرسة والدين بمفهومهما الذي صار كثير منهم لا يرتاحون إليه كفضاء يحمل همومهم ومخاوفهم وآمالهم ـ إن بقي لهم آمال ـ.  إنّه يدلّ على أنّ فئة المرسِلين قليلة المعرفة بقواعد الكتابة؛ أيْ إنهم من أولئك الذين تسرّبوا من المدرسة ولم يُكملوا تعليمهم. إنّ حجم وعدد الرسالات في الفضاء المكانيّ الواحد هو أيضا ذو دلالات اجتماعيّة هامّة، فالشارع الذي تكثر وتتراكم فيه الكتابات على الجدران يحسّ الآخرون بعدم الأمان فيه لأنّه يدلّ على وجود فئة منفلتة اجتماعيّا وهو ما يدفع بالناس إلى تجنّب المرور فيه مع عائلاتهم أو مع من يحترمون حتى لا يُحرجون من تلك الكتابات الجريئة. وهذا التجنّب يزيد ذلك المكان عزلة و يجعل الحركة الاقتصادية فيه بطيئة جدا حيث لا يكون مقصودا للتعاملات التجارية العادية، بل يُصنّف كمكان مشبوه ويتحوّل شيئا فشيئا إلى مكان للتعاملات الممنوعة من مخدّرات وصفقات مشبوهة، لينعكس ذلك أخيرا على نظرة السلطات له فيستثنى من البرامج التنموية والخدماتيّة الأساسية، ممّا يزيده تهميشا وبؤسا. والملاحظ أنّ شوارع منطقتنا لا تشهد لحدّ الآن كمّا كبيرا من الكتابات على الجدران، لكن يجب ألاّ نغفل عن أنّها في تزايد مستمرّ، وأن نقرأ ذلك قراءة صادقة عميقة. جـ ـ الشيفرة: نعني بالشيفرة طريقة ترميز المعلومات المُرسلة من طرف المُرسِلٍ. ويلاحظ أنّها تعتمد استعمالات خاصّة بالشباب؛ إذ لا يكاد غيرهم يعرف معناها الحقيقيّ المقصود، وهو ما يعكس انفصالهم عن لغة الكبار التي تمثّل المركز واستحداثهم لغة خاصّة بهم لأنّهم يرفضون ذلك المركز وما يسطّره لهم من قيم. صحيح أنّه من الطبيعيّ في كلّ المجتمعات أن تختلف لغة الشباب عن لغة الكبار، لكن ما يثير هنا هو اختلافها في تشفير ما يرفضه الكبار ؛ أيْ الطابوهات وعلى رأسها عالم العلاقات بين الجنسين ، والمخدّرات والخمر، وهي ممّا يرفضهما الدّين وتعملُ السياسةُ على ضبطهما. أيْ إنّهم يحتالون على هذا المثلّث الشهير في ثقافتنا العربيّة وذلك بإعطاء علامات لغويّة جديدة لتلك المحرّمات اجتماعيّا. وبهذا يحدثُ شرخٌ بين الجيليْن يؤذن بالخطر لأنّ الكبار لم يستطيعوا مواكبة الشباب عن كثب ولمس مشاكلهم والاعتراف بكيانهم المستقلّ. إنّ أولى خطوات المعالجة هي أن يعترف الكبار بوجود أجيال جديدة مختلفة، وأن يقبلوا التعايش معها. وإنّ طرق المعالجة المتّمثّلة في المحو السريع لتلك الكتابات لا تجدي نفعا لأنّها قد تزيد أولئك الذين يكتبون تشجيعا لأنهم يجدون سبيلا لمواجهة السلطات والمجتمع في حركات كرّ وفرّ عبر الكتابة والإصرار على إعادة ما محي وبعبارات أشدّ وأجرأ. ويضاف إلى ذلك أنّ هذه الطريقة المتّبعة طريقة مكلّفة لأنها تستوجب تجنيد عدد من عمّال البلديات والمدارس وغيرهما، واستخدام الدهن، إلى جانب أنّها تزيد المحيط البصريّ تشويها إذ عادة ما يستخدم لون مخالف للون الجدار الأصلي للمحو فتكبر الكتابة وتصير بقعا مُنفّرة ، والأدهى من ذلك أنّ بعض من يوكل إليهم محو الكتابات من على الجدران يقومون بالإعادة فوقها مباشرة متتبّعين تفاصيلها، فينتهون إلى تكبير تلك الكتابة أكثر بدلا من محوها!!! وأما الجهات الرسميّة ـ أي البلديات ـ فإنها لا تملك إرادة حقيقية لمحو الكتابات؛ لأنّ معظم ألوان الطيف السياسي قامت هي نفسها باستغلال الكتابات على الجدران في المواقع الممنوع الكتابة عليه؛ أي خارج تلك المساحات المخصّصة للدعاية خلال الحملة الانتخابية، رغم أنّها جميعها تزيّن برامجها بالسعي إلى حماية البيئة وإعطاء مدننا وقرانا وجها جميلا... فـلا يمكن أن تنهى عن خلق وهي تأتي مثله. ولكن الحلّ يمكن في خطوات أكثر عمقا وتحديدا وهي: أـ تطوير الخطاب الديني: أيْ أن يُخاطَب الشباب في عمق مشاكلهم وبطرائق قريبة منهم لُغةً وشكلا. ب ـ تطويرالمناهج التعليميّة: في مضامينها وطرق تدريسها بشكل يتماشى وتطوّر الحياة، كاستعمال الوسائل المعاصرة التي تجلب اهتمام المتعلّمين الشباب السمعيّة منها والبصريّة، وأيضا معالجة مشكلات الشباب من منظور جديد في تلك المناهج بعيدا عن الشكل الحادّ لثنائية الخطيئة/ الصواب، خاصّة أن معظم الذين يكتبون على الجدران هم من أولئك الذين لم يكملوا تعليمهم. جـ ـ تنمية طرائق التعبير الجماليّ: إنّ تلك الكتابات التي تعبّر عن مكبوتات الشباب يمكن أن تُحوّل إلى أعمال أدبية من قصّة وخاطرة وشعر ومسرح ولوحات تشكيلية إذا استطعنا أن نمكّنهم من التعبير عن أنفسهم بشكل جميل. وحتى الجدران أنفسها يمكن أن تظلّ مجالا لتعبيرهم ولكن بطرق أكثر جمالية ورمزية، لا تفقدهم خصوصيتهم وتجسيد مشاكلهم وأحلامهم كما لا تجعلهم في صدام مع المجتمع.وللأسف فإنّ مدارسنا هي أوّل مقبرة للتعبير الجماليّ بحيث يتمّ استدراك أيّ تأخّر في " الموادّ الأساسية" بالاعتداء على حصص الرسم والأشغال والرياضة والمطالعة... دـ المعالجة بالتوجيه: أي أن نوجّه ألشباب إلى تحويل الكتابة على الجدران إلى فنّ، ولم لا يكون ذلك في مناسبات تخصّهم حيث يبنى جدار في موضع ما داخل فضاء جواريّ ويمنحون كلّ الوسائل للكتابة عليه للتعبير عن أنفسهم بحريّة وفي ذات الوقت بمستوى رمزيّ وفنيّ، ويتمّ ذلك بإشراف متخصّصين في الفنون التشكيلية. إنّ الكتابة على الجدران سلوك سيئ وغير حضاريّ، ونحن جميعا ننتقده وننبذه، إنّه تلويث للبيئة الإيكولوجية وإيذاء للبصر لكنّه في ذات الوقت نتاج اجتماعيّ يمنحنا مدخلا متميّزا للإطلالة على عمق المجتمع وتصوّر حركيتّه واتجاهاته. إن كل محاضرات الكتاب ذات أهمية، وليس بالإمكان التعرض لها ، وقد توقفنا عند محاضرة الأستاذ عادل محلو لأهميتها من حيث طرح موضوع نادرا ما يُتعرض له كظاهرة ملوثة للبيئة. وللتذكير وكم أسلفنا ، فإن السيد وزير البيئة والسياحة وتهيئة الإقليم يوم 09/03 2008 في لقاء احتضنه قصر الأمم،أعلن عن الاستراتيجية الجديدة للترويج للثقافة البيئية في الجزائر تحت عنوان عريضٍ ( البيئة 2008)، حيث رسم الخطوط العريضة لهذا المشروع الذي يهدف إلى ترسيخ ثقافة الحفاظ على البيئة،وحمايتها بإشراك المواطن في هذا المشروع،كونه الفاعل الأساسي في الميدان، وراهن السيد الوزير على المدارس، والمساجد لترقية الحسّ البيئي لدى هذا المواطن..بالمناسبة يومها نصّب الوزير يومها اللاعب المعروف رابح ماجر،والعدّاءة نهيدة توهامي سفيريْن للبيئة. إن وزارة البيئة حسْب وزيرها سطّرت حمْلة تحسيسية غير محدودة في الزمن تتمحْور حوْل تكثيف العملية الاتصالية مع المواطنين على كافة الأصعدة، وتمسّ مختلف شرائح المجتمع. إن العملية ستمسّ نحْو خمسة وعشرين ألْف مدرسة،إضافة إلى تفعيل دوْر البيوت الخضراء في توسيع التوعية في بُعْدها الجواري،كما تراهن الوزارة أيضا على دوْر المؤسسة المسجدية في ترسيخ قيم حماية البيئة. وخلاصة القول أنّ " الثقافة البيئية " شكّلت أحد أهم الروافد التي أصبح الإنسان المعاصر ينادي بها، وهذا نظرا للأهمية الكبيرة التي تحتلها في حياة البشرية،حيث أن طبيعة التعاطي معها هي التي تحدد تداعياتها على صيرورة هذه المجتمعات سواء بالإيجاب، أو السلب؛ لأن المتتبع بطريقة علمية لمفاهيم الحفاظ على البيئة، ومكافحة التلوث بجميع أنواعه من شأنه بناءُ مجتمعٍ صحيٍّ يؤمن بهذا المقومات، ويسعى إلى تحقيقها وهو الذي نسعى إلى تحقيقه في مجتمعنا . حيث تهدف الثقافة البيئية إلى تطوير الوعي البيئي، وخلق المعرفة البيئية الأساسية بغية بلورة سلوك بيئي ايجابي ودائم، والذي هو بمثابة الشرط الأساسي كي يستطيع كلُّ شخص أن يؤدي دوره بشكل فعّال في حماية البيئة؛ وبالتالي المساهمة في الحفاظ على الصحة العامة. وهنا تكمن أهمية الثقافة البيئية والسعي الدءوب لتطويرها، بغية نشرها وإنضاجها لتتحول بذلك إلى مجال خاص مُهم، وقائم بذاته قادر على أن يأخذ دوره في المناهج التدريسية في كافة المراحل المدرسية والجامعية بهدف تنشئة أجيال بعقول جديدة تعي مفهوم الثقافة البيئية، وتعمل على تطبيقها؛ وعليه فمن خلال الثقافة البيئية يمكن إحداث تغييرات في طرق التفكير والسلوك البيئي عند المجتمع بحيث يتصرف كل شخص فيه وكأنه صاحب قرار ناضج.

مقاربةسيميائيةلعتبة العنوان لرواية طوق الياسمين للاديب واسين

التفاصيل
كتب بواسطة: بوصبع رابح
نشر بتاريخ: 13 يوليو 2007
انشأ بتاريخ: 13 يوليو 2007
الزيارات: 4

..

 

1/ اللغة والتسمية:

إن اللغة تتوسّل بالتسمية لإحداث صورة للعالم ، وإظهار اختلافاته . لذلك نجد أن علاقة اللغة بالتسمية علاقة توليدية ، حيث تمارس كل واحدة وجودها ضمن وجود الأخرى ، لتعطي للوجود معنى« فاللغة ليست مجرّد أداة يملكها الإنسان إلى جانب غيرها من الأدوات، وإنما اللغة بوجه عام ، وقبل كل شيء ما يضمن إمكان الوجود وسط موجود ، ينبغي أن يكون موجوداً منكشفاً ، وهناك فحسب توجد لغـة  ويوجد عالم »[1] ، على حد قول Heidgger .

واللغة لا تُعرب عن نفسها ، ولن تبين إلاّ حين تقوم بفعل التسمية للعالم ، فهذا العالم لا يحدث«إلا في منفتح القول والتسمية»[2]. وبالانتقال من المشافهة إلى الكتابة تمّ تثبيت الصورة الصوتية وتجميدها على المكتوب، وبذلك كانت الكتابة الحدث الحاسم في تاريخ البشرية.

يقول Walter.J.Ong« أما الاكتشاف الحاسم الفريد الذي قادنا إلى عوالم جديدة من المعرفة فقد تمّ داخل الوعي الإنساني ، لا عندما نشأت العلامة السميوطيقية، بل عندما اخترع نظام شفري من العلامات البصرية التي يستطيع الكاتب بواسطتها أن يقرّر الكلمات الدقيقة التي سوف يولدها القارئ من النص ، وهذا هو ما نعنيه عادة اليوم بالكتابة في معناها الدقيق»[3]. ووفق الصيرورة التاريخية للغة ، نلاحظ التطور الآني .

 

 

2/ التسمية والعنونة :

اللغة ¬  التسمية ¬ الكتابة  ¬العنونة .

فاللغة جاءت كمرحلة لاحقة للكتابة ، حيث أن« كل مادة مدوّنة تحتاج إلى عنونتها بشكل ما ، وهذا لا يعني أن كل ما دوّن له عنوان»[4] . ونلاحظ أن هناك فروقات بين عمليتي التسمية والعنونة ، نوردها في الجدول التالي :

العنونة

التسمية

تدل على الهوية

تدل على الكينونة

ترسخ فاعلية التأويل

ترسّخ دلالة متواترة

حاضرة في الكتابي

حاضرة في الشفهي

دال يحيل إلى مدلولات

دال يحيل إلى مدلول

الزمكانية مؤجّلة

الزمكانية حاضرة في الشفهي

عملية لاحقة

عملية سابقة

3

3/ وظائف اللغة عند ياكبسون :

لذلك احتفى الدرس النقدي الحديث بالعنونة ، فأفرد لها مباحثَ وتخصّصات ارتقت إلى تكوين علم ما يسمى "La titrologie" ، علم العنونة .

ولقد أشار "ياكبسون" في خطاطته في وظائف جهاز الكلام الستة: المرسـل  المرسل إليه، السياق ، الصلة ، السنن ، الرسالة . التي تحقّق بعض الوظائف في العنوان باعتباره نصّاً فمع المرسل تولد الوظيفة التعبيرية أو الانفعالية، وتنزع هذه الوظيفة إلى التعبير عن عواطف المرسل ومواقفه إزاء الموضوع الذي يعبر عنه .

ومع المرسل إليه تتولد الوظيفة الإفهامية ، وتتجسّد في الأساليب الإنشائية التي يعتمدها الباث قصد إفهام المستقبِل .

ومع السياق تتحقق الوظيفة المرجعية ، وهي الوظيفة المؤسِّسة للإخبار ، باعتبار اللغة تشير ، وتحيل على أشياء نتحدّث عنها . فتقوم اللغة بوظيفة الرمز إليها .

ومع الصلة تولد الوظيفة الانتباهية ، حيث تضمن هذه الوظيفة إبقاء التواصل بين طرفي الجهاز أثناء التخاطب ، والحرص على نجاحه من خلال لفت الباث انتباه متلقيه.

ومع السنن تتولد الوظيفة المعجمية ، وتسمى وظيفة ما وراء اللغة . ومدارها أن يتأكد أحد طرفي جهاز التخاطب أنه يستعمل ، والطرف الآخر نمطاً لغوياً واحدا .

ومع الرسالة تتولد الوظيفة الإنشائية، وهي الوظيفة التي تكون فيها الرسالة غاية في حدّ ذاتها ، لأنها لا تعبّر إلا عن نفسها، حيث أن كل رسالة تتضمن وظيفتها الأدبية، ودرجة هذه الوظيفة تختلف من نص إلى آخر،سواء أكان النص أدبياً أم كلاماً عادياً[5].

 

4/ العنونة كدرس نقدي معاصر :

يتوسّع الدرس النقدي الذي خرج من المركزيات المهيمنة والتوجيه ، إلى "الماحول" أضحى يبحث عن امتدادات تعدّ روافد النص المركز ؛ تقدّم له ،تختزله ، وتنبئ عنه وتمثل رائدا دلاليا طافحاً . فتحرّكت الدراسة من المتن إلى المحيط . وبهذا التحوّل في استراتيجية القراءة النقدية ، وإيلاء الاهتمام لكائنات نصيّة غاية في الخطورة على مستوى فهم النص وتأويله ، والكشف عن أسراره . ففضح التمركز النصي باكتفائه بنصّه ، وأصبح النص لا يكتمل ، ولا يمارِس حضوره إلا من خلال حضور النصوص التي تحيط به .

فتمّ اقتحام العتبات ، والتي هي في حقيقتها عقبات مفتاحية ، ندلف من خلالها إلى النص الذي يحاول دائما أن يلتمّ على نفسه . فتكون العتبات محطّات للمسكوت عنه  واللامفكّر فيه ، يوظفها القارئ في تتبّع تطوّر الدلالة ، والقبض عليها .

ومن هذه العتبات ، عتبة العنوان ، التي أصبحت عِلماً قائما بذاته La titrologie  قد أسّس له مجموعة من الباحثين الغربيين ، نذكر منهم : Gérard Genette  ، Henry Mitterand   ، Lucien Goldman، Charles Grivel ، Roger Rofer ، Léo Hock . وعند الباحثين العرب ، نذكر : عبد الفتاح الجحمري : عتبات النص البنية والدلالة . جميل حمداوي : مقاربة النص الموازي . شعيب حليفي : النص الموازي في الرواية استراتيجية العنوان . جمال بوالطيب : العنوان في الرواية المغربية .

وإذا رجعنا إلى لسان العرب ، للبحث عن جذر مفردة "عنوان" ، نجد المعاني والدلالات الآتية :

عَنَّ الشيء ، يَعِنُ ويَعُنُّ عنناً وعنونا : ظهر أمامك .

عنَّ ، يعِنُّ ويَعُن عناً وعنوناً ، واعتنَّ : اعترض وعرض .

عنَنْتُ الكتاب وأعننْتُه لكذا : أي عرضتُه وصرفته إليه .

عنَّ الكتابَ يعنه عناً وعنْنَنَةً : كعنونه مشتق من المعنى .

وقال اللحياني : عنت الكتاب تعنيناً وعنَّيتُه تعنيةً : إذا عنونته . وأصله عنان ، فلما كثرت النونات ، قُلبت إحداهما واواً ، وكلما استدللتَ بشيء تظهره على غيره فهو عنوان له . وأضاف ابن منظور بأن العنوان مشتق من المعنى . فمعنى كل كلام ومعناته ومعنية قصده .

ومن قال علوان الكتاب جعل النون لاماً ، لأنه أخفّ وأظهر من النون. قال اللّيثُ: العلوان لغة في العنوان غير جيدة ، والعُنوان بالضمّ هي اللغة الفصيحة . وقد يُكسَرُ  فيُقال : عُنوانٌ ، عِنوانٌ ، وعُنيان[6] . وكل هذه المعاني مجتمعة تميل إلى دلالة العرض الظهور الاعتراض ، القصد والمعنى .

فالعنوان ليس زائدة يمكن الاستغناء عنها ، بل هو نواة مركّزة تمثّل وحدة دلالية تتصدّر جسد الرواية . فالعنوان هو الأثر الذي يُعرف به كل شيء[7] .

فعنوان الكتاب سمته و ديباجته ، وعنوان كل شيء ما دلّكَ ظاهرُه على باطنه[8] .

وهو ذلك التكشف الدلالي المختزل للنص ، حيث يحاول أن يكون رائداً يتقدّم  ويشير لحمولة الدلالة، والتأويل للنص الذي يتولّى قيادته والدعوة إليه ، فهو مجموعة العلامات اللسانية التي يمكن أن تُدرج على رأس نصٍّ ، لتحدّده ، وتدلّ على محتواه العام ، فتغري القارئ بالتواصل[9] .

فالعنوان عموماً ، والعنوان الروائي خصوصاً في بداية الأربعينيات ، مع ميلاد وتبلور الجنس الروائي كنموذج سردي ، تضبطه قواعد الحكي ؛ جاءت تلك العناوين بسيطة ، تحاول تحبيب الجنس الأدبي للقارئ ، مع محاولة استقطابه ، واكتسابه كمستهلك لهذا الجنس الجديد . وقد لجأ الروائيون كذلك إلى محاكاة عناوين قديمة في النثر العربي .كالمويلحي في حديث عيسى ابن هشام[10] . وعناوين أخرى تميّزت بالطول والسجع ، وأخرى اكتفت بعناوين اسمية مثل "إبراهيم" و "إبراهيم الثاني" للمازني ، و"أديب"[11] لطه حسين . وأخرى تميّزت بالإبهام والغموض مستدرجة القارئ إلى العالم المتخيّل ، وفكّ رموزه . وقد تتعدّد إشارية العنوان حين يقوم «بوظيفة جمالية محدّدة مع النص ، أو في مواجهة النص أحياناً ، وذلك مثل الإشارة إلى شخصية محورية (دون كيشوت) ، أو إلى مكان يشمل مساحة هامة محورية في فضاء النص (زقاق المدق) ، أو إلى حدث يمثل مؤشراً يحدّد الطابع الفكري والإيديولوجي للنص (موسم الهجرة إلى الشمال) ، أو يمثل رمزاً استعارياً مكتفيا لدلالة النص (ذاكرة الجسد) ، أو يشير إلى أسطورة موظّفة (رحلة السندباد) إلى غير ذلك من الوظائف الدلالية و الجمالية ، فإذا أشار العنوان إلى أمر غائب في النص فإن التقابل بينهما يمكن أن يصبح هو البنية المولدة للدلالة والجديرة بأولوية التحليل »[12] .

من هنا يتّضح أن عملية العنونة ليست عملية اعتباطية ، بل عملية تتوفّر فيها القصدية ، لأن العنوان ملتصق بكينونة النص . فهو قرينه و رديفه ، ويعتريه ما يعتري النص من الخضوع للفعل القرائي ، والمنهجيات المختلفة . ولقد تطورت تجربة العنوان في الممارسة الإبداعية المعاصرة إلى حدّ الخروج به إلى فيض دلالي يقيمه على خصوصية تعبيرية ، ربما آلت به إلى تكوينية دلالية وجمالية تفعمه بالتفرد والغرابة عن سياق نصّه ، وتضع له بلاغته المغايرة بما أوشك أن « يؤسس ثقافة نصوصية متميزة تحضر العناوين دون النصوص »[13] .

لذلك وجب التساؤل عن إمكانية استغناء النص عن عنوانه ، وهل يقفز إلى دائرة الحضور بذاته ، معربا عن نفسه ، وعن فخامته دون اللجوء إلى العنوان وملحقاته من النصوص الموازية ؟ . لذلك تأتي الإجابة نافية لحالة الاستغناء للنص بذاته ، فهو يكون خداجاً بدون ملحقاته ، وإنما يكتسب صفة النضج الكامل والوعي الكلي ، والبلوغ الأدبي باكتمال محيطه الذي وُجد لإكماله« إذ تفترض الزيادة المضافة إلى الشيء إكماله وإتمامه ، لكنها تكشف في الأوان ذاته عن نقص فيه وهوّة تأتي هي لتردمها»[14] ، على حسب رأي "جاك دريدا" .

فالعنوان يمثّل حالة برزخية يتقلّب من خلالها في حالة من التفاعل مع المتلقي فيملي إيحاءاته  ويفاوض لأجل إقناع المتلقي بنصّه فـ « سلطة النص وواجهته الإعلامية تمارس على المتلقي إكراها أدبياً ، كما أنه الجزء الدال من النص ، الذي يؤشّر على معنى ما ، فضلاً عن كونه وسيلة للكشف عن طبيعة النص والمساهمة في فكّ غموضه»[15] .

وتعدّدت التعريفات والتحديدات للعنوان على حسب الانتماء إلى المدرسة النقدية  فهو عند Roland Barthes « نظام سميولوجي يحمل في طياته قيماً أخلاقية واجتماعية وإيديولوجية»([16]) ، وهو رسالة يتبادلها المرسل والمرسل إليه ، بينما يرى Robert Choulz أن العنوان هو الذي يسمي القصيدة ، ويعيّنها ، ويخلق أجواءها النصية والتناصية[17] . ولدى محمد مفتاح أنه« يقدّم معرفة لضبط انسجام النصّ وفهم ما غمض منه  إذْ هو المحور الذي يتنامى ويتوالد، ويعيد إنتاج نفسه . وهو الذي يحدّد هوية الرواية ، فهو إن صحّت المشابهة بمثابة الرأس من الجسد ، والأساس الذي تُبنى عليه . غير أنه إما أن يكون طويلاً ، فيساعد على توقّع المضمون الذي يتلوه . وإما أن يكون قصيراً ، وحينئذ فإنه لا بدّ من قرائن فوق لغوية توحي بما يتبعه»[18].

وإذا كان العنوان خطاباً معنوناً وسمة للنص ، فإن قراءة العنوان « تحصر الإطار السوسيوثقافي والتناص الذي يندرج فيه التلقي ، بما أن العنوان يترجم البنية الكبرى للخطاب  فإنه يسهّل قراءة وفهم العنوان الفرعي أو النص التميزي المحدد للجنس الأدبي»([19]) .

وهوكذلك ينشئ علاقة جدلية بينه وبين نصّه، باعتباره نصا صغيرا(Micro texte)، يتقدّم ويصف نصاّ أكبر منه (Macro texte) . فكل نص وعمـل أدبي  مثلما يرى Michel Butour [20] ، يتكون من نصين : الجسد ، ويمثل العمل الأدبي  وعنوانه . فهما قطبان يمرّ عبرهما تيار كهربائي يولّد الطاقة الدلالية ويكثّفها .

والعنوان مثله مثل نصّه، له حياة اجتماعية في سياق اجتماعي أو إشهاري أو ثقافي وشأنه شأن الوجه البشري له وهج وسطوع خاص متقلب . فهو يظهر محايداً ثمّ يمر دون أن يثير الانتباه . وقد يحصل العكس ، إذ يحدث أن يأتي عنيفا ، مثيرا للانتباه  يشدّ بصر القارئ أو أذنه ؛ ومن هنا لا يتأثر إلى حدّ ما بتلك الأوجه الأنيقة التي هي مرآة روح الكتب[21]. فإذا كان هذا التعدد على مستوى الضبط والتعريف لتحديد العنوان ، فكذلك الوظائف تعددت واختلفت .

وظـــائـف العنــوان :

لقد تعددت وظائف العنوان وتنوعت بين ناقد وآخر؛ فمنهم من قصرها على وظيفة  ومنهم من عد  لها أكثر من وظيفة. أحصيت منها مجموعة وظائف لمجموعة من النقاد  حيث أن الجمع بين هذه الآراء يشكّل صورة مكتملة عن مجموع الوظائف :

<TD style="BORDER-RIGHT: windowtext 1.5pt solid; PADDING-RIGHT: 5.4pt; BORDER-TOP: #ece9d8; PADDING-LEFT: 5.4pt; PADDING-BOTTOM: 0cm; BORDER-LEFT: windowtext 1.5pt solid; WIDTH: 120.25pt; PADDING-TOP: 0cm; BORDER-BOTT

حماس وفتح حوار ضل الطريق

التفاصيل
كتب بواسطة: محمد السروجي
نشر بتاريخ: 12 يوليو 2007
انشأ بتاريخ: 12 يوليو 2007
الزيارات: 4

حماس وفتح ... حوار ضل الطريق!!

تؤكد التجربة التاريخية للحوار بين فتح وحماس" منذ 1988 وحتى دعوة الرئيس عباس للحوار في يونيو 2008 " أن قيادة فتح لا تلجأ عادة إلى الحوار إلا عندما تكون مضطرة لذلك، إما للظهور أمام إسرائيل والمجتمع الدولي بأنها تمثل كل الفلسطينيين، أو لتوفير الغطاء لتمرير صفقات سياسية، أو لتهدئة الأوضاع بانتظار اجتياز مرحلة أو استحقاق منشود، ومع ضيق الوقت وندرة الفرص المتاحة ووعي الطرفان بأهمية الوحدة الوطنية وخطورة المشروع الصهيوني،" فلديهما من القيادات من يستطيع المحاضرة في هذا الموضوع لعدة ساعات متواصلة" ثم إن كلا الطرفين قدم من التضحيات والشهداء والقيادات والأسرى ما يثبت به إخلاصه للقضية وحبه للوطن ، فلماذا فُرض التحريض و الصدام ؟! ولماذا تاه الحوار ؟!وأين المشكلة؟!

أسباب المشكلة

** المرجعية الفكرية و العقدية

لا توجد مرجعية فكرية وأيدلوجية واحدة مشتركة تحدد ما هو ثابت لا يقبل المساومة، وما هو متغير خاضع للتكتيك والتقدير السياسي

وبالتالي، فإن هذا ينعكس على البرنامج الوطني والسياسي لكلا الطرفين، وعلى تحديد الأولويات، وعلى ما يمكن تقديمه من تنازلات، وعلى رؤية الطرفين الإستراتيجية والتكتيكية لمشروعي المقاومة والتسوية

وأحد أبرز النماذج على هذه الإشكالية موضوع الاعتراف بالكيان الإسرائيلي، وما ينبني على ذلك من تنازل عن الأرض المحتلة عام 1948 والتي تبلغ 77% من مجمل أرض فلسطين التاريخية

** المرجعية المؤسسية

حيث عدم وجود مرجعية مؤسسية يحتكم إليها الطرفان، وتضبط آليات اتخاذ القرار الوطني، كما تضبط آليات التداول السلمي للسلطة، وشرعية تمثيل الشعب الفلسطيني وتشكل منظمة التحرير الفلسطينية التي تسيطر عليها فتح منذ نحو 40 عاماً مظلة مقبولة للطرفين إلا أنها تعاني العديد من المشكلات وتحتاج لإجراء إصلاحات هيكلية بحيث تفسح المجال لمشاركة فاعلة وعادلة للفصائل الأخرى

** فقدان الثقة

وهو موقف متبادل بين الطرفين حيث ترى حماس أن فتح قدمت الكثير من التنازلات ولم تحصد شيئاً بل أنها تتهم كثير من نشطاء فتح بالعمل وفق أجندة شخصية وفي المقابل ترى فتح بعدم واقعية حماس في الممارسة السياسية وأنها سبب الحصار بل والشقاق القائم كما يرى هؤلاء في طريقة المقاومة التي تقوم بها حماس تعطيلاً لمسار التسوية وحلم الدولة الفلسطينية، وتوفيراً للفرصة لإسرائيل كي تتحجج بالذرائع الأمنية للهروب من استحقاقات السلام، واستمرار قمع الشعب الفلسطيني وبناء الجدار العازل والمستوطنات

الموقف الإقليمي والدولي

والمتمثل في حالة الانحياز الدائم للطرف الفتحاوي ضد الطرف الحمساوي بهدف إضعاف حماس و تهميشها منذ تسعينيات القرن الماضي،حيث كانت تتمّ بمباركة وضغط دولي. وكان التدخل الإسرائيلي والأميركي فظّاً ومكشوفاً طوال الانتفاضة، وفي المرحلة التي تلت فوز حماس، في محاولة للتأثير على صناعة القرار الفلسطيني وتقوية طرف ضد آخر ولدعم الانفلات الأمني وإسقاط حكومة حماس وحكومة الوحدة الوطنية، ثم بتهديد الرئيس عباس بوقف المفاوضات وحصار الضفة إن هو عاد للحوار مع حماس والاتفاق معها

وأخيراً

من الواضح أن فتح لن تدخل في حوار فعلي وجاد مع حماس إلا إذا تأكدت من وصول مسار التسوية إلى طريق مسدود كما قد تضطر لحوار جاد مع حماس إذا ما استمرت الحركة في السيطرة على قطاع غزة وخصوصاً حتى انتهاء ولاية الرئيس عباس في نهاية العام 2008 وحتى هذا الحوار مشكوك في مقصده لأنه لن يكون سوى حوار عابر بهدف اجتياز مرحلة جديدة

قد يرى البعض أنه لا أمل! ويرى البعض الآخر أن الحسم العسكري للضفة رغم صعوبته وآلامه بل واستحالته إلا أنه قد يضع العصا في العجلة ليقف الجميع ويجد حلاً ! عموماً يبقى الأمل ما بقيت الحياة.

محمد السروجي

مدير مركز الفجر للدراسات والتنمية

 

 

المتفلسفة المعاصرون حول النص القرآني

التفاصيل
كتب بواسطة: محمد بنيعيش
نشر بتاريخ: 11 يوليو 2007
انشأ بتاريخ: 11 يوليو 2007
الزيارات: 4

 

             
        

                    " المتفسلفة المعاصرون حول  النص القرآني"

                                                            الدكتور محمد بنيعيش

                                                                       كلية أصول الدين

                                                                         جامعة القرويين


     عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.                                                                                  

 

من مظاهر التناقض والخلل المعبر عن البطالة الفكرية لفلاسفة عصرنا والباحثين في مجال الفكر والحضارة، نجد الإسراع كما يذكر الغزالي إلى دحرجة الحصيات في الطريق قصد التزليق والانسياق بدعاوي التأثير والاقتباس غير الواعي من الآخر واستصغار واستهجان معطيات الماضي لتحقيق القفز الخروفي مع زعماء الحاضر، فنواجه تعابير مثل الثورة على التراث والثورة على القيم والتجديد من غير تقييد ولا تحديد، ونقد العقل العربي الإسلامي وتفتيت بنيانه دون تقديم بديل لتأسيسه من جديد، وتحريف معاني دينية صريحة وصحيحة وذات تعابير واضحة من قبيل قطعية الدلالة والثبوت إلى معاني ذاتية وهمية وسخيفة لا صلة لها بالوضع الحقيقي للكلمات في أصلها ومفهومها لدى الجمهور العادي والعالم على حد سواء، وفي سائر الأزمنة والأمكنة، كما قد يذهب البعض بهوسهم الفكري إلى التمييز بين النص المكتوب والمسموع تمييزا جوهريا، وكأن الكتابة في واد والسماع في واد آخر. كل هذا جريا وراء هوس التطور وانزلاقا خروفيا في التقليد الأعمى للفلسفات الغربية الحديثة ودراساتها الألسنية والبنيوية المتكلفة التي ليست بفلسفة أصلا وكأن النظرية التطورية الداروينية لم تقتصر على القرد نحو الإنسان وإنما انقلبت من الإنسان نحو القرد، سواء على مستوى السلوك أو على مستوى الفكر والتعريف، حتى بدأنا نسمع بأن تعريف الإنسان المعاصر ليس هو نفسه تعريفه في الماضي سواء على قاعدة أرسطو وهو أنه حيوان ناطق أو على قاعدة ابن خلدون بأنه اجتماعي بطبعه، فلربما سيصبح في زمن من التطور تعريفه أنه حيوان ناهق أو أنه دجاجة لأن كل من يمشي على رجلين حسب السفسطائيين فهو دجاجة، إذ من هذا الهوس أي التجديد بغير تقييد ورفض التقليد الديني الصحيح يكون الواقع غير الواقع والإنسان غير الإنسان لأن الذي يتحدث غير الذي يكتب والذي يكتب غير الذي يسمع، إذن فلنميز بين المتحدث والكاتب والمتكلم والسامع في الخاصية والجوهر والجنس والنوع ولنقل هذه هي فلسفة العصر وإلا فلا!

والأدهى من هذا هو السعي بقصد أو بغيره إلى التشكيك في كمال النصوص الدينية المتواترة وخاصة القرآن الكريم المقروء والمكتوب والمجموع في مصحف عثمان تواترا، وذلك بزعم أن هناك قراءات أخرى لم تدرج فيه تعسفا كقراءة عبد الله بن مسعود وغيره وذلك ما يتخذه الكثير من المبتدعين والمنحرفين مطية من أجل الهروب من النص الموجود بالفعل والقوة الدلالية في متناول الأيدي، ناسين أن هذا الجمع كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأن الصحابة كلهم كانوا يمثلون سلطة دينية بحكم قربهم وتفانيهم في الإيمان بالله وبرسوله، ومن ثم فعدالتهم نفسيا وخلقيا تمنعهم أن يغضوا الطرف عما هو واجب عليهم تجاه الدين الذي تكفل الله بحفظه كما هو وفي صورته الكاملة حتى ولو لم يجمعه جدلا الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه في مصحف واحد وذلك من خلال قول الله تعالى: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون".

وفي هذه النقطة قد يتقارب بعض المتفلسفة العلمانيين وكثير من الشيعة، وهو ما يفسر أيضا وجه التقارب بينهم وبين المعتزلة فيما مضى، كما يقول ابن حزم عن مذهبهم: "ومن قول الأمامية كلها قديما وحديثا أن القرآن مبدل زيد فيه ما ليس منه ونقص منه كثير، حاشا علي بن الحسن بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان إماميا فيهم يظاهر بالاعتزال، ومع ذلك كان ينكر هذا القول، ويكفر من قاله، وكذلك صاحباه أبو يعلى ميلاد الطوسي، وأبو القاسم الرازي,

قال أبو محمد: القول بأن بين اللوحين تبديلا كفر صريح وتكذيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم"[1].

2- وحينما لا يستطيع متفلسفة عصرنا التصريح بالتشكيك في نصوص القرآن الكريم كمداراة وتقنع حتى لا يثيروا عليهم الجمهور من العلماء والعامة، فإنهم يلجأون بأسلوب ماكر إلى الطعن في نصوص الحديث فيما يتعلق بمسائل الحكم والعدالة والاقتصاد والحقوق بصفة عامة وبالأخص حقوق المرأة، ومن أهم الكتب الحديثية التي يركز عليها صحيح البخاري بالدرجة الأولى، وعند هذه النقطة يلتقي المعتزلة والشيعة والمتلفة والمتسلفة في خط واحد، إذ أن المتسلفة بدورهم بدأت تبدر منهم محاولات للطعن في بعض الأحاديث الواردة في الصحيح بدعاوي مختلفة منها ما يتعلق بزعم العلل في المتن ومنها الرواية، وهذه كلها مقدمات للتشكيك فيما هو أعلى واثبت، لكن سواء تعلق الأمر بالقرآن الكريم نصوصا ومصحفا كاملا، أو وقف الحد عند صحيح البخاري ومعه مسلم حديثا مخرجا، فإن التشكيك لا يعود بوباله إلا على الذي ابتدعه، لأن كلام الله تعالى حق يبقى صامدا "لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه" وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم صادق لأنه لا ينطق عن الهوى. وقد أوتي القرآن ومثله معه وهو سنته وحديثه كجوامع للكلم.

ومن هنا فلا مجال للمقارنة كما يفعل بعض المتفلسفة في عصرنا بين القرآن والتوراة والأناجيل الموجودة الآن على مستوى الثبوت وصدق النسبة لأنه قد ثبت بالتواتر نصا سواء كتابة أو سماعا، كما أنه لا مجال للتجديد في كتاب الله القرآن على نمط وأسلوب التجديد الذي أحدثه اليهود أو النصارى في توراتهم وأناجيلهم، لأن هذه الأخيرة قد طال التحريف والبتر نصوصها، وأدرجت فيها الأكاذيب والألاعيب، ومن ثم فإن السعي إلى تجديدها قد يكون مقبولا بالنسبة إليهم، لأنهم مقتنعون بأن النصوص التي بين أيديهم ليست بنصوص مقدسة صرفة، وبهذا التحريف والتغيير في غير محله ومقتضاه وقعوا في الضلال وحل عليهم الغضب كما وصفهم القرآن الكريم، بحيث أن عملية التجديد المستمر في بنية النصوص والأحكام سيؤدي بالضرورة إلى إهدار النص الأصلي وإقباره وبالتالي لم تعد حينئذ لديهم سوى الأكاذيب والمختلقات والمضللات التي لا صلة لها بالدين الأصلي بأي وجه. وهذا ما يؤكده ابن حزم باعتباره مفكرا مسلما وناقدا حصيفا في باب علم الملل والنحل حيث يقول عن النصارى وأناجيلهم:

"وأما فساد دينهم فلا إشكال فيه على من له مسكة عقل، ولسنا نحتاج إلى تكلف برهان في أن الأناجيل وسائر كتب النصارى ليست من عند الله عز وجل، ولا من عند المسيح عليه السلام كما احتجنا إلى ذلك في التوراة والكتب المنسوبة إلى الأنبياء عند اليهود، لأن جمهور اليهود يزعمون أن التوراة التي بأيديهم منزلة من عند الله عز وجل على موسى عليه السلام فاحتجنا إلى إقامة البرهان على بطلان دعواهم في ذلك، وأما النصارى فقد كفونا هذه المؤنة كلها لأنهم لا يدعون أن الأناجيل منزلة من عند الله تعالى على المسيح، ولا أن المسيح عليه السلام أتاهم بها، بل كلهم أولهم عن آخرهم آريوسيهم وملكيهم ونسطوريهم ويعقوبيهم ومارونيهم وبولقانيهم لا يختلفون في أنها أربعة تواريخ ألفها أربعة رجال معروفون في أزمان مختلفة..."[2].

وعلى عكس ما يذهب إليه متفلسفة عصرنا من تقليد خروفي لمتفلسفة الغرب ومفكريهم الذين وجدوا الكنيسة في وضعية غير وضعية المسجد عند المسلمين، كما أن واقع المسيحية وأناجيلها غير واقع القرآن الكريم ومعه الأحاديث الصحيحة يرى ابن حزم أن غياب السلطة الحامية للدين كانت سبب اندثاره وانهياره وبالتالي تحريفه وإدخال الأكاذيب عليه، سواء تعلق الأمر بالمسيحية أو اليهودية، مع العلم أن الدين عند الله في كل الأزمان والعصور لم يكن ولن يكون سوى الإسلام.

فيقول ابن حزم في هذا الصدد: واعلموا أن أمر النصارى أضعف من أمر اليهود بكثير، لأن اليهود كانت لهم مملكة وجمع عظيم مع موسى عليه السلام وبعده وكان فيهم أنبياء كثير ظاهرون آمرون مطاعون، كموسى وهارون ويوشع وشموال وداود وسليمان عليهم السلام، وإنما دخلت الداخلة في التوراة بعد سليمان عليه السلام، إذ ظهر فيهم الكفر وعبادة الأوثان وقتل الأنبياء وحرق التوراة ونهب البيت مرة بعد مرة، واتصل كفر جميعهم إلى أن تلفت دولتهم على ذلك.

وأما النصارى فلا خلاف بين أحد منهم ولا من غيرهم في أنه لم يؤمن بالمسيح في حياته إلا مائة وعشرون رجلا فقط، هذا في الأفركسيس، ونسوة منهم امرأة وكيل هردوس وغيرها كن ينفقن عليه أموالهن، هكذا في نص إنجيلهم، وأن كل من آمن به فإنهم كانوا مستترين مخافين في حياته وبعده، يدعون إلى دينهم سرا، لا يكشف منهم أحد وجهه إلى الدعاء إلى ملته ولا يظهر دينه، وكل من ظفر به منهم فإنه قتل بالحجارة... وإما صلب.. أو قتلوا بالسيف... أو بالسم. وبقوا على هذه الحال لا يظهرون البتة، ولا لهم مكان يأمنون فيه مدة ثلاثمائة سنة بعد رفع المسيح عليه السلام، وفي خلال ذلك ذهب الإنجيل المنزل من عند الله تعالى إلا فصولا يسيرة أبقاها الله حجة عليهم..."[3].

ويعلق ابن حزم كتحليل علمي لواقع النصرانية فيقول: "وكل دين كان هكذا فمحال أن يصح فيه نقل متصل لكثرة الدواخل الواقعة فيما لا يوجد إلا سرا تحت السيف لا يقدر أهله على حمايته ولا على المنع من تبديله"[4]. "...ثم لما ظهر دينهم بتنصر قسطنطين كما ذكرنا فشا فيهم دخول المنانية تقية ولم يكن فيهم غير منانية مدلسون عليهم، فأمكنهم بهذا أن يدخلوا من الضلال ما أحبوا ولا يمكن البتة أن ينقل أحد عن شمعون باطرة ولا عن يوحنا، ولا عن متى ولا مارقش ولا لوقا ولا بولش آية ظاهرة، ولا معجزة فاشية لما ذكرنا أنهم كانوا مختفين مستترين مظاهرين بدين اليهود من التزام السبت وغيره طول حياتهم إلى أن ظفر بهم فقتلوا"[5].

وهذا التحليل عند ابن حزم يتوافق مع تحليلات متفلسفة عصرنا في تناول قضايا الدين والمجتمع من حيث الأسلوب والطريقة المبدئية لكنه يختلف عنها بأنه موضوعي وواقعي وليس بإسقاطي ولا تقليدي، وإنما هو نابع من معطيات الحس والمشاهدة واستنتاجات العقل والنظر السليم، إذ واقع النص الديني الإسلامي ليس هو واقع المسيحية أو اليهودية، وذلك لعدة اعتبارات ومعطيات على رأسها انقطاع السند عند المسيحية وطول الأمد المنسي عند اليهودية، هذا مع غياب الرقابة العلمية والسلطوية للمسار الديني في المجتمع الذي تشرف عليه. وهذا ما نص عليه القرآن الكريم نفسه من خلال قوله تعالى: "ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون، اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون".[6]

ولهذا فبالنسبة إلى (اليهودية) كما ذكر ابن حزم أنها كانت في بداية أمرها، قبل أن يحرف الإسلام الأصلي وهو ملة إبراهيم عليه السلام المحمية بسلطة الأنبياء والحكام والرسل إلى مصطلح يهودية منحرفة، بمعنى أن السلطة التي أشرفت على حماية الدين من التلف والضياع هي ذات مصداقية وعدالة تقتضي التصديق والتسليم بما تحميه من أجل الجماعة، لكن بعد عهد سليمان عليه السلام وانقطاع هذه المراقبة دخل التلاعب في التوراة، وانبثقت تلك الكمائن المكبوتة لليهود منذ عهد سيدنا موسى عليه السلام والمتميزة بالتعنت واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير ومن ثم وقع الانحراف والانجراف.

أما بالنسبة إلى النصارى فإن الأمر يختلف لأنه عرف انقطاع السند وغياب الحماية منذ البداية، فطال الأمد في هذا الانقطاع إلى أن أتت السلطة لحماية النصرانية ولكن على أساس مزيف ومقهور ومشتت. فكان بذلك الضلال عن الحقيقة وتسرب الدخائل والخرافات إلى جانب الكلام الحق ولكن بصورة جد مكثفة أتلفته حتى لم يعد يميز عن الباطل في صياغته وسماعه أو في عبارته ومعناه.

أما عندنا نحن المسلمين فهذه الدواخل والفجوات لم تحدث فيه أبدا ولم تصل النص القرآني أيدي التزييف، ولم يعرف انقطاع السند كما لم يخضع للسرية بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما كان النص وما يزال مرتفعا صوته مجهورا به قراءة وتلاوة ومتواترا كتابة ورسما، إضافة إلى أن السلطة التي تولت حفظه هي عينها التي ناصرت النبي في حياته وبعد مماته، وهي التي خضعت له في سرها وعلانيتها وعلى يديه تربت وتكونت أفكارها وعقيدتها وأخلاقها، وتصفت سرائرها ونواياها، ومن ثم بقي الدين صحيحا وسليما نصا وصيغة عبارة ومعنى، مكتملا في سوره وآياته وأحرفه وكلماته: "لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه"

3- ومن هذه المعطيات فلا يجوز لمتفلسفة عصرنا أن يسقطوا مفهوم السلطة عند الغرب على مفهومه عند المسلمين وخاصة في عهد الخلافة الراشدية لأن الفرق شاسع بين هذه وتلك كما أن حماية الدين في السلطة الإسلامية لا تقابل استغلاله في المجتمع الغربي وفي عهد الاكليروس والاستبداد الكنسي من خلال رفع شعار "ما لله لله وما لقيصر لقيصر" بل إن الامارات الكنسية أصبحت مع تحريفها للدين واستغلالها لعقول وقلوب المعتقدين فيها ذات قوة في الحكم بدون حاجة إلى كثرة العساكر أو الجنود بحيث قد استبدت حتى بعقول رواد الخداع السياسي أمثال مكيافللي الذي يسلم لها عقديا ويعتبرها فوق المناقشة أو التحليل كما نجده يقول عنها: "ولكن لما كانت دعائمها أسباب رفيعة لا يستطيع العقل البشري الوصول إليها فسأتجنب الحديث عنها، إذ أن كون الله هو الذي يمجدها ويحافظ عليها، يجعل من السخف والحماقة البحث فيها!

ومع ذلك فقد يسألني سائل كيف تمكنت الكنيسة من الوصول إلى مثل هذه القوة الزمنية العظيمة، بينما لم يكن الزعماء إلا بطاليون قبل عهد البابا أليكساندر السادس، سواء الأقوياء منهم أو الضعفاء، الذين يشتملون على كل سيد أو نبيل مهما ضؤل شأنه، لا ينظرون إليها بعين الاعتبار من ناحية السلطان الزمني، واضحت الآن قادرة على إرهاب ملك فرنسا وإرغامه على الخروج من إيطاليا، وكذلك على تحطيم البنادقة وتدميرهم، وعلى الرغم من أن الرد على هذا السؤال، معروف جيدا للجميع، إلا أنني أعتقد أن ليس من نافلة القول تكراره والتذكير به"[7].

فإذا جاز للمسيحيين أو اليهود بحسب واقعهم المنحل دينيا وسياسيا إعادة قراءة التوراة والإنجيل، وحذف ما بدا لهم حذفه أو إضافة ما يحلو لهم إضافته، فإنه لا يجوز بتاتا اتخاذ مثل هذه الإجراءات بالنسبة إلى النص القرآني أو حتى الحديثي الصحيح والثابت بشروط الرواية، إذ النص القرآني لم تدخله الشوائب والتحريفات كما بينا وذلك من خلال صموده بالتحدي والاعجاز العلمي والمعرفي من جهة، ومن أخرى حمايته من طرف السلطة المعتقدة به ابتداء وجزما وكذلك من طرف العلماء الصادقين الذين كانوا يمثلون عين السلطة، وفي المراحل الأولى من الدولة الإسلامية ثم بعدها أصبحوا ذوي سلطة على السلطة نفسها وعلى المجتمع ككل، وبدون أن يخضعوا إلى هيئة رسمية أو مجمع إلزامي يقيد فتاواهم أو استنباطاتهم، إذ عددهم لا يكاد يحصى، واندماجهم في المجتمع قائم بغير وسائط ولا حواجز. ومن ثم فإن النص الديني كان متداولا بينهم على امتداد الأزمان واتساع الأمكنة التي دخلها الإسلام نصا وشخصا.

ونقطة أخرى أضيفها في هذا المجال وهي أن مفهوم رجال الدين عند المسيحيين أو اليهود لا يمكن إسقاطه على علماء الدين عند المسلمين، لأن هؤلاء الأخيرين ليسوا سوى مبينين أو معلمين للجمهور أحكام دينهم. فإذا أخذوا منهم أصبحوا في حكمهم ضرورة، ومن ثم فلا يستقلون بشيء من دونهم، فلربما يكون المتعلم أحسن حالا من العالم حينما يأخذ عنه علمه ويلتزم بمبادئه، فيجمع حينئذ بين فضيلة العلم والعمل "من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم"الحديث.

ولهذا فالعلماء المسلمون لا يتخوفون من العلوم المادية مهما تسامت وتطورت أو خالفت فهمهم الديني الذي فهموه من نصوص ظنية الدلالة وذات أبعاد إشارية، لأنهم واثقون بأن النص الديني الذي يأخذون به وعنه كله في أصله من الله تعالى، وهو بهذا كله حق، والحق لا يضاد الحق، على عكس ما هو الحال عليه عند رجال الدين المسيحيين أو اليهود، فإنهم يحاربون العلم إذا اصطدم مع النصوص التي بين أيديهم ذات الدلالة القطعية في تفصيل ظاهرة ما أو حدث ما، إما لأنهم يعلمون أن تلك النصوص غير صحيحة ويخشون أن يصرحوا بذلك فيطال الإبطال باقي النصوص كلها، وإما أنهم يعتقدون صحتها في زعمهم ولكنهم لا يسلمون بالدلائل التاريخية والعلمية والتوثيقية المؤكدة لفسادها فيقعون في المعارضة والصراع مع معطيات النظر الصحيح ونتائج التجارب الحسية الملموسة، فيلجأون إلى قبر كل ما يخالف اعتقادهم بالقوة والإقصاء، كما فعلوا مع جاليلو ورأيه حول دوران الأرض...إلخ.

فكان من واجب متفلسفة زماننا أن يريحوا أنفسهم من هذا التقليد الذي لا مستند له في التشبيه أو المقارنة، وأن يتفادوا الاسقاطات التي تنم في الحقيقة عن بطالة فكرية لا تؤدي إلى مصلحة علمية ولا حضارية وعقدية، وإنما هي عبارة عن تشويش فكري الغاية منه في الغالب إما خدمة مصالح أجنبية ضدا على المصلحة العامة للأمة أو محاولة استقطاب الاهتمام والنظر بهذه الهيستيريا الفكرية لتحقيق غاية شاذة وهي خالف تعرف!

 



[1]  ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل، دار الكتب العلمية، ط2 ج3 ص 115.

[2]  ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج1 ص 251.

[3]  ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج1 ص253.

[4]  ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج1 ص254.

[5]  ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج1 ص254.

[6]  سورة الحديد، آية 16

[7]  نيقولو مكيافللي: الأمير، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت ط 23، ص 114.

العربية محور اللغات والحضارات

التفاصيل
كتب بواسطة: محمد بنيعيش
نشر بتاريخ: 11 يوليو 2007
انشأ بتاريخ: 11 يوليو 2007
الزيارات: 4

بسم الله الرحمن الرحيم            والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه

 

 

                              "العربية محور اللغات والحضارات"

                                                  الدكتور محمد بنيعيش

                                           
      
   جامعة القرويين

                                                    كلية أصول الدين

                                                         المغرب

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. 

    أولا:إشكالية اللغة والهوية أية محددات

 

      بعيدا عن كل مظاهر التعصب والعنصرية سأحاول أن اطرح باختصار مسألة العروبة وصلتها بالتاريخ واللغة والدين وذلك من منطلق تحليل علمي نفسي وعقدي وملاحظة ميدانية استقرائية.

      فمن حيث المبدأ يمكن لنا أن نقول بأنه لا ينبغي التمييز بين شعب وآخر ولا لغة ونظيرتها ولا لون عن مغايره أو بلد عن مجاوره طالما أن الجميع قد يخضع بالأصالة إلى هوية الإنسانية والأرض والحياة.

   إذن فالأصل في الإنسان أنه حيوان ناطق وكائن شعوري بوعيه واجتماعي ومدني بطبعه.وقبل هذا أو ذاك "كلكم لآدم وآدم من تراب لا فضل  لعربي على عجمي ولا ابيض على اسود إلا بالتقوى"

      وحينما يصبح هذا الإنسان في صورة مجتمع متعدد الأفراد والأنماط فقد يتفاضل بسلوكه ونوعية تواصله قبل لغته ومصطلحاته،وبعدها بأنماط عيشه ومدنيته وحضارته .

    من هان فقد يبدأ العد التصاعدي للتفاضل والمنافسة بين الشعوب والأمم وإبراز خصائص الهوية ،التي قد تبقى مجرد حلقة ظرفية لا غير ودعوى زئبقية غير ثابتة أو مستقرة تمام الاستقرار ،طالما أنها قابلة لأن تندس بداخلها عناصر وتصورات أبعد ما تكون عن مفهوم الهوية المقابلة للماهية والجوهر المميز للعناصر بعضها عن بعض كما هو الشأن في عالم الذرات والجواهر المادية .

     من هنا وباختصار شديد فقد يطرح موضوع اللغات والخطاب الإنساني المتداول :هل هو يدخل في حكم الهوية الثابتة والمحددة لتموضع الإنسان في الوجود أم لا؟وإذا كان الجواب بالإيجاب فهل اللغة وحدها كفيلة بأن تفضل هذا الشعب أو العرق على الآخر أم لا ،وهل هذا التفضيل يبقى مطلقا أم أنه مجرد حركة تخضع للمد والجزر التاريخيين ليس إلا...

     وإذا كان الجواب بالنفي فأين يكمن إذن سر الهوية ومزاعم الأصالة والسكان الأصليين باسم اللغة واللهجات والعادات والرموز والتقاليد؟.

    هل الهوية تختص بالاعتقاد ودقته وعمقه على اعتبار أن الإنسان وليد عقيدته وعقيدته محور تصوره،أم بالحرف وسمو رسمه وشكله أم باللباس وطريقة تناغمه وتناسقه....؟

     لاشك أن في كلا السؤالين إشكال معرفي وفكري يصعب تخليصه بالسهولة المتوخاة والمزاعم المفتعلة والأحكام الجاهزة التي سرعان ما ينكشف زيفها وسخافة قناعها منذ النفخة الأولى! .

      فإذا كانت اللغة  كمجرد  اصطلاح هي المحدد للهوية فأين سنضع ذلك الإنسان الأبكم الذي لا ينطق بأية لغة أو مصطلح متداول لدى هذا الشعب أو ذاك، رغم قدرته على التواصل بالإشارة وفهم مقاصده ومطالبه؟فهل نعتبره بغير هوية وأصالة ،وهذا ظلم لإنسانيته وكرامته ؟أم أننا نهبه حقه في الهوية بنسبته إلى لغة من اللغات التي يكون موجودا بمحيطها في بلد ما ،وهذا إسقاط وتزوير لمفهوم الهوية لا غير،أم أننا نعود به إلى المعنى الأصلي للغة وهو اعتبارها مجرد وسيلة للتواصل قد كان الأصل فيها هو الإشارة قبل المصطلح والحروف والرسوم وما إلى ذلك؟ .

   يرى ابن حزم الأندلسي أن اللغة مسألة ضرورية لدى الإنسان وليست مكتسبة، فهي تلقين من الله تعالى ابتداء ،ويستند في هذا الرأي إلى قول الله تعالى :"وعلم آدم الأسماء كلها".

   فهذه هي اللغة الضرورية غير الاصطلاحية ،إذ كل إنسان قد كان في حالة الصغر ممتنع الفهم ومحتاجا إلى كافل ،والاصطلاح يقتضي وقتا لم يكن موجودا قبله لأنه من عمل المصطلحين على وضع اللغة قبل اصطلاحهم،فهذا من الممتنع المحال ضرورة".

      بعد هذه التحليلات التي اختصرناها بشكل مجحف سيلخص لنا الموضوع قائلا :بأن هذه الحقائق المذكورة دليل برهاني وضروري من أدلة حدوث النوع الإنساني ومن أدلة وجود الواحد الخالق الأول تبارك وتعالى ومن أدلة وجود النبوة والرسالة، لأنه لا سبيل إلى بقاء أحد من الناس ووجوده دون كلام"(الإحكام في أصول الأحكام ج1ص30).

    هذا الرأي قد نجد له مطابقا عند علماء السيكولوجيا اللغوية في العصر الحديث ،بحيث قد استنتجوا أن القدرة اللغوية واحدة في النوع وذلك من خلال ملاحظة الجماعات البشرية التي لا تخلو أية منها عن لغة ،بالإضافة إلى هذا فقد لوحظ أن الفوارق طفيفة في تعقد الأوصاف لمختلف اللغات فيما يخص مجموعة القواعد اللغوية المجردة ،وهذه الملاحظات قادت الكثيرين من دارسي العمليات اللغوية إلى الاعتقاد بأن الكثير من وجوه قدرتنا اللغوية فطرية ...

    فيما قد ذهب ابن حزم أيضا إلى تناول نقطة مهمة جدا وهي ربط اللغة بالمجتمع والسياسة والحضارة وأثر كل ذلك عليها.بحيث يرى أن الاضطهاد والظلم والحاجة والمذلة والسخرة تميت الخواطر ،وهذا فيه تأثر نفسي بالغ وشعور بالإحباط قوي بسببه قد تموت الخواطر ويتقلص مستوى الإبداع اللغوي الذي هو عنوان القوة الفكرية والقدرة الفنية والجمالية لدى الشعوب.

   وفي حالة هذا الإحباط فلن تبق قوة لربط المعلومات ببعضها البعض أو إحداث تشكيلة مناسبة للعصر ومتطلباته التعبيرية فتندثر حينئذ العلوم وتبيد...

     هذا الموضوع قد يجرنا بالضرورة إلى تناول إشكالية الفكر واللغة وأيهما أسبق في وعي الإنسان وحساباته ،قد لا نستطيع تناوله بتفصيل في هذه العجالة،وهو ما قد تناولناه بتفصيل في كتابنا القريب من الصدور عن دار غراب تحت عنوان "الفكر السلوكي عند ابن حزم الأندلسي" فترقبوه.

     لكن المستخلص السريع من هذه المقدمة اللغوية هو أن اللغات الفطرية، والمقصود منها مجرد التواصل والتعبير، هي لغات موحدة في الأصل بحكم فطريتها رغم اختلاف لهجاتها وذلك باعتبارها مسألة ضرورية لبقاء النوع الإنساني وتأسيس الشعوب والحضارات.

    أما كاصطلاحية فهي تبقى دائما ظرفية ومتنامية أو متراجعة بحسب حظها من العانية والتوظيف ،وخاصة على مستوى البيان والأدب والتأليف،وبحسب أيضا المجال الذي وظفت فيه للتعبير عنه بتركيز وإلحاح وحضور رسمي ،فترقى برقيه وتسفل بسفوله وانحطاطه.

 

      ثانيا:محورية العربية والمفاضلة بالإضافة

 

      من هنا وبحسب هذه المقاييس الموضوعية والعلمية المختصرة نطرح بالضرورة مسألة اللغة العربية المتعرضة حاليا من طرف الصديق والعدو والجار والجِرْو إلى حملة مسعورة للتقليل من شأنها ودورها الحضاري والإنساني على مر العصور ،وخاصة بعد ارتباطها بالنص الديني المقدس والمعجز لكل الأنام ألا وهو: القرآن الكريم وبعده الحديث النبوي الشريف الذي أوتي مجامع الكلم وأحلاها.

     هذا الطرح سنتناوله من باب تبيين موجز لقيمتها بين اللغات وقوتها وتساميها واتساع فضائها باتساع خواطر مستعمليها وبنوع إضافتها ورقي مضافها كما سئل خالد بن الوليد رضي الله عنه عن قيمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفضله على كل البشر بقولهم:صف لنا محمدا ،فقال :بإيجاز أم بإطناب ؟قالوا :بإيجاز .قال محمد رسول الله ،والرسول على قدر المرسل!

    على هذا المقياس فاللغة العربية هي لغة القرآن والقرآن كلام الله المعجز للإنس والجن ، المعتقد فيه وغير المعتقد على حد سواء وللعربي والعجمي من كل الأرجاء،وقيمتها على قدر إضافتها وارتباطها حرفا ونسقا وترتيبا بهذا الكلام المقدس،ورهينة أيضا بمدى استعمالها في تفسيره وتأويله واستغراق الزمن والجهود في توظيفها لكشف أسراره ومعانيه وتبليغها إلى العالمين من عرب وعجم ،مما يعني وجود حياة وحركية دائمة للخواطر لدى الأشخاص المتكلمين بها والمتناولين لها في خدمة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.

     ولا توجد لغة في العالم وظفت وما زالت بهذه الكثافة والتفريع الاصطلاحي واستعمال المجازات والأقيسة في تخليص المجرد من المجسد والمحمول من الموضوع والصورة من الماهية والارتقاء من عالم الشهادة إلى عالم الغيب مثلما هو عليه حال اللغة العربية !شهد لها بهذا العرب والعجم معا ،بل العجم من ذوي النيات الصافية والقلوب الطاهرة وخاصة في دول آسيا ،كإندونيسيا وماليزيا مثلا، قد يتشرفون بتعلمهم اللغة العربية ويتسامون بها ويفضلونها بطيب خاطر على لغتهم الأصلية لهذه الإضافة القدسية التي حظيت بها عن سائر اللغات في العالم وهي: ارتباطها بالقرآن الكريم اصطلاحا وإيقاعا موسيقيا وفنيا يحرك القلوب ويلهب المشاعر ويهذب الطباع والأخلاق التي لا يرفض التحلي بها إلا ملحد أو زنديق أو وبش غجري متسخ ومن يدخل في حكمه من رواد الشعوبية العفنة.

   يقول حجة الإسلام  أبو حامد الغزالي  الطوسي  النيسابوري الفارسي رحمه الله تعالى حول موضوع الألفاظ وخصوصية اللغة العربية في توسيع دائرة معانيها،أذكر على سبيل المثال:لفظة الأصبع،بأنه"يستعار في لسان العرب للنعمة،يقال لفلان عندي أصبع أي نعمة ،ومعناها بالفارسية (انكشفت)وما جرت عادة العجم بهذه الاستعارة ،وتوسع العرب في التجوز والاستعارة أكثر من توسع العجم،بل لا نسبة لتوسع العرب إلى جمود العجم ،فإذا أحسن إرادة المعنى المستعار له في العرب وسمج ذلك في العجم نفر القلب عما  مجه السمع ولم يل إليه ،فإذا تفاوتا لم يكن التفسير تبديلا بالمثل بل بالخلاف ولا يجوز التبديل إلا بالمثل "إلجام العوام عن علم الكلام  ص65 دار الكتاب العربي بيروت.

     فإذا كان هذا القصور من طرف الفارسية التي هي لغة حضارية وتاريخية فما بالك باللغات البدائية ومن هي قريبة منها وليس لها رصيدها الحضاري كالتي سبقت ،سواء كان ماديا مدنيا أو ثقافيا لغويا وأدبيا مواكبا لحضارات العالم ولغاتها بالتنقيح والتطوير والتدوين والصيانة؟

   لاشك أن تلك اللغات أو اللهجات ستكون أقل من الأقل وأضعف في التعبير والإيقاع وأكثر إماتة للخواطر، بدل العمل على إحيائها، وهدرا للأخلاق والقيم عوض ترسيخها كما سبق وأشرنا من خلال رأي ابن حزم الأندلسي رحمه الله تعالى.

    فمها تقدمت الحضارات والمدنيات وتطورت لدى الدول الأعجمية التقنيات والمعلوميات وقويت لديها الجيوش والأسلحة إلا أنها مع ذلك تبقى قاصرة حضاريا وبيانيا عن ملاحقة اللغة العربية ومنافستها في اتساع معانيها وتسامي تعبيرها وإيقاعاتها الموسيقية والفنية وفصاحتها المرتبطة بمخارج الحروف وشموليتها لها ،لأنها لغة الضاد والاستثناء ،والتي تجسدت على أعلى مستوياتها الفنية في تجويد القرآن الكريم ووظفت في الأشعار الصوفية بمعانيها وموسيقاها الروحية في أبهى حلل الجمال والذوق الذي يطرب له كل كائن حي بقلبه وشعوره ،قد ينال منه العجمي من الأوروبيين والأسيويين وغيرهم قبل العربي في كثير من الأحيان.

       بل لقد كان لهذه الأشعار وإيقاعاتها الإنشادية آثار قوية على الغربيين وخاصة في أوروبا كما يقول الدكتور علي سامي النشار:"ولدى الباحثين ما يثبت أن التروبادور اللاتينيين قد حملوا الموسيقى العربية من الأندلس إلى البروفانس في فرنسا خلال صوفية الإسلام ،بل وجدنا أيضا كيف نفذت الأغنية الصوفية العربية خلال سان خوان دي لاكروا ودخلت إلى أناشيد الكنيسة..."الفكر الفلسفي في الإسلامي ج3ص22 .

   باختصار شديد أقول بأن كل محاولة للنيل من اللغة العربية أو العرب أنفسهم  كعرب هي تعبير عن شعوبية مقيتة ونزعة ذات خلفيات حاقدة على الجمال والكمال في البيان الإنساني الذي خص الله به العرب دون غيرهم.

         فالتمنع الإنساني الذي يحظى به العرب بلغتهم هو مما يفسر لنا هذا التكالب الدولي على الحط من قيمتهم والتنكيل برجالهم أشد تنكيل علهم يستنقصون من قدرهم ،كما فعلت أمريكا مع الشهداء في العراق وفلسطين ولبنان...- الذين لم يزدادوا بفعلتهم الشنيعة تلك في حقهم وحق كل العرب ومعهم المسلمين قاطبة إلا عزة وكرامة واستشهادا بطوليا وثباتا على الشهادة، كما لم يحصل لأعدائهم إلا الذل والهوان والخزي في التاريخ ويوم يحاسب الأنام.

    ولقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال:"ويل للعرب من شر قد اقترب"رواه البخاري ،فالحديث جاء على وصف وبيان خصوصية لغوية لكل الناطقين بالعربية،لأنهم مستهدفون بالعداء كعرب قبل أن يكونوا مسلمين،واستهدافهم هذا مرتبط بالانتماء اللغوي الذي يمثله رسول الله صلى الله عليه وسلم العربي الهاشمي المرسل رحمة إلى العالمين .

    من هنا فحيثما وجد عربي فهو مستهدف بالعداء والتحقير والشتم من طرف أعداء الأمة الإسلامية والملاحدة وعملاء المستعمر الغاشم ،بالرغم من أن بعض العرب قد يكون فيهم الملحد والنصراني واليهودي والمجوسي وغيره ،ولكن بما أنه عربي فهو مستهدف ولن يؤمن جانبه من طرف أعداء الأمة،إذ العرق دساس والعصبية ماثلة بين بني القوم،فلا بد من غيرة تتحرك لنصرة العربي ولو كان ظالما،حسب ما كانت عليه قاعدة العرب في الماضي.

     من هنا فقد جاءت القاعدة النبوية كما يروى:"من أحب العرب فبحبي أحبهم ومن كره العرب فبكرهي كرههم"وبهذا فقد كانت العربية محور اللغة والحضارة والتاريخ وبؤرة الصراع الدولي إلى أن تقوم الساعة .

    يقول ابن قتيبة فيما نقله عنه أحمد أمين في كتابه ضحى الإسلام ج1ص56:"ولم أر في هذه الشعوبية أرسخ عداوة ولا أشد نصبا للعرب من السفلة والحشوة وأوباش النبط وأبناء أكرة القرى،فأما أشراف العجم وذوو الأخطار منهم وأهل الديانة فيعرفون ما لهم وما عليهم،ويرون الشرف نسبا ثابتا"،والله هو العليم الخبير بالنوايا والمقاصد.

 

                                          الدكتور محمد بنيعيش

                           
                    
جامعة القرويين

                                           كلية أصول الدين

                                                 المغرب   

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. 

الشباب كنز لا يفنى

التفاصيل
كتب بواسطة: ميثم عامر
نشر بتاريخ: 10 يوليو 2007
انشأ بتاريخ: 10 يوليو 2007
الزيارات: 4

الشباب كنز لا يفنى

                        ميثم عامر

 

يعتبر الشباب ذخيرة الأمم والأمة التي لها عدد كبير من هذه الذخيرة فهي من أغنى الأمم حتى ولو كانت فقيرة بمواردها وأموالها فالشباب هم قادرون على صنع كل شيء من لا شيء فلماذا أهملت الوزارات والمؤسسات الحكومية هذه الثروة وبدأت بإتلافها وتركت الشباب يدورون في الشوارع باحثين عن عمل لسد حاجتهم المادية فقط تاركين كل أمالهم وطموحاتهم خلف ظهورهم لأنه لم تسنح لهم الفرصة للعمل في مجال الدراسة التي اقضوا فيها سنين عدة ، الم تتنبه القيادات المسؤولة إلى هذه الفئة ماذا تستطيع إن تفعل ؟ هل أصبحت الأموال والمصالح الشخصية أهم من الالتفات إلى ثروات البلد وتسخيرها لصالحه ؟ لماذا نهدر هذا الكنز الذي لا يعوض وينفع المجتمع بصورة عامة بأفكاره وتطلعاته وهو في متناول اليد وسهل المنال فلماذا نتركه يضيع في إغراض لا تنفع المجتمع ، ولكن لو تنبهنا إلى هذه الثروة وعرفنا كيفية استخدامها ووضعنا هؤلاء الشباب كل في عملة واختصاصه حتماً سنرى التطور السريع الذي سيحصل في المجتمع فلماذا نضع أناسا في أماكن ليست من اختصاصهم حتى ولو كانوا ذوي خبرة لأن خبرتهم هذه مقيده وغير قابلة للتجديد على عكس الشاب الذي درس في اختصاصه دراسة علمية وعملية فيستطيع إن يجد أفكارا جديدة في الاختصاص الذي يعمل فيه .

هذا لايعني الاعتماد على الشباب إغفال دور الرجال والكهول أو غبن حقهم أو الإقلال من شأنهم كما كان حال الشيوعية حين طالب احد زعمائها بعد الثورة بإبادة جميع المسنين حتى لا يكونوا حملاً على الدولة..في منطق الإسلام كل إنسان له دوره, وكل دور ينبغي إن يعطى حقه, من غير حساسيات, وبدون منازعات...
وإذا كان التركيز في نطاق المهمات التغيرية على الشباب فهو من قبيل التناسب والتناسق بين الطاقات والمهمات..فالإنسان في كل طور من أطوار حياته تكون لديه من الإمكانيات والطاقات ما تتناسب مع مهمة معينة وقد لا تتناسب مع كل المهمات..فهو في سن الطفولة غيره في سن الشباب, غيره في سن الرجولة, غيره في سن الكهولة ثم (يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم من بعد علم شيئاً(
فلماذا الشباب هنا ؟؟
في الحقيقة إن الشباب هو سن الهمم المتوثبة والدماء الفاترة, والآمال العريضة... سن العطاء والبذل والفداء..سن التلقي والتأثر والانفعال..
من هنا كان سن الشباب في منطق الإسلام ذا مسؤولية وقيمة خاصة لطالما حرص رسول الإسلام على إشعار الشباب بها منها قوله (ص) (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك,وصحتك قبل سقمك ,وغناك قبل فقرك, وحياتك قبل موتك, وفراغك قبل شغلك(.
الكائن البشري – في طبيعة تركيبه وتكوينه – يبلغ في سن معينة قمة العطاء الحسي ثم يبدأ المؤشر بالتراجع والانحدارمن هنا كان الحرص على الاستفادة من سن الشباب ومن الشباب في تحقيق المهمات الصعبة وتذليل العقبات ومواجهة التحديات التي يفرضها منطق التغيير الحضاري...

عنصرية إسرائيل ونفاق العالم بين جرافة القدس وحافلة شفا عمرو

التفاصيل
كتب بواسطة: رشيد شاهين
نشر بتاريخ: 09 يوليو 2007
انشأ بتاريخ: 09 يوليو 2007
الزيارات: 4

عنصرية إسرائيل ونفاق العالم بين جرافة القدس وحافلة شفا عمرو

 

رشيد شاهين

 

لم تتردد أي من دول العالم ولا أي من قادة تلك الدول عن استخدام أقسى عبارات الإدانة والشجب والاستنكار للعملية التي نفذها الشاب المقدسي حسام تيسير دويات 30 عاما عندما قام باستخدام جرافة ليصدم بها الحافلات والسيارات الإسرائيلية في شارع يافا المكتظ وسط القدس والتي نتج عنها مقتل أربعة وجرح العشرات من الإسرائيليين، وقد تسابق المسؤولين الأجانب على التنديد بالعملية ووصفوها بكل النعوت والأوصاف التي تنم عن الكثير من الانحياز لدولة الاحتلال لا بل وعن الكم الهائل من النفاق الذي يتمتع به هؤلاء ومدى التملق في كل ما يتعلق بإسرائيل.

 

عملية الجرافة إذا جاز لنا أن نسميها كذلك أتت بشكل أذهل الساسة والقادة والمسؤولين الأمنيين الإسرائيليين بشكل خاص، ذلك انه لم يكن لدى أي منهم أدنى فكرة عن أن حدثا مثل ذلك قد يحدث، وهي شكلت صدمة لا تقل قوة عن تلك التي تسببت بها عملية قام بها شاب من عائلة أبو دهيم من جبل المكبر قبل نحو شهرين عندما قتل ثمانية من غلاة المتطرفين في احد المعاهد الدينية في القدس الغربية.

 

"العملية" التي يعتقد على نطاق واسع أنها "عملية" مدبرة ومخططة إلا أنها غير مرتبطة بتنظيم بعينه بغض النظر عن البيان الذي تم إصداره من قبل أحرار الجليل وعلى أي حال وسواء كانت مرتبطة بهذا التنظيم أم لم تكن فهي تم تنفيذها وقتلت من قتلت وجرحت من جرحت، وعلى أي حال أيضا فليس هذا ما أريد نقاشه هنا بقدر ما أريد أن أناقش الطريقة التي تم قيها الإجهاز على الشاب منفذ العملية، تلك الطريقة التي كانت على مرأى ومشهد من العالم والتي كانت عملية إعدام لا تقبل الشك أو النقاش، وهذا بحد ذاته يتنافى مع كل القوانين المعروفة إلا إذا كانت إسرائيل لا تخضع لما يخضع له العالم.

 

 لقد أقدم مسلحين إسرائيليين صعدا إلى الجرافة على قتل الشاب منفذ العملية بطريقة رآها العالم ولا تحتاج إلى تعليق، وقد أشاد الإعلام العبري ببطولة هؤلاء وقد حاول هذا الإعلام القول وعلى لسان الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أن الشاب كان مسلحا بمسدس وهذا ما لا نعتقد بأنه صحيح، حيث انه لو كان فعلا كذلك فلا بد من انه كان سيستخدم ذلك المسدس المزعوم خاصة وانه مقدم على عمل يعلم انه لن يخرج من بعده حيا بحسب كل التجارب السابقة على مدى سنوات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

 

سلطات الاحتلال لم تكتف بقتل الشاب دويات - بغض النظر عمن قتله سواء كان من رجال الأمن أو مدني فكل مواطن إسرائيلي مسلح وجندي- بل سمحت اليوم الأحد للجماعات اليهودية المتطرفة بتنظيم مسيرة إلى مشارف بلدة صور باهر للمطالبة بهدم منزله وهذا ما دفع بعشرات المتطرفين للزحف إلى محيط البلدة، وكذلك اتجه هؤلاء إلى حي جبل المكبر القريب للمطالبة بهدم منزل عائلة أبو دهيم.

 

من المعروف كذلك بان سلطات الاحتلال كانت قد سمحت لغلاة المتطرفين للهجوم على جبل المكبر على إثر عملية ابو دهيم وسمحت لهم باستباحة الحي وقام هؤلاء بتحطيم السيارات والبيوت وكل ما وجدوه في طريقهم بالإضافة إلى الاعتداءات على المواطنين في حينه.

 

لم ينته الأمر عند هذا الحد فلقد تعالت الأصوات في إسرائيل وعلى اعلى المستويات مطالبة بنسف بيت منفذ العملية وأي عملية " تخريبية أو إرهابية" يقوم بها أي فلسطيني.

 

قبل حوالي ثلاثة أعوام وفي الرابع من آب 2005 قام احد المتطرفين الإسرائيليين بالصعود إلى حافلة في مدينة شفا عمرو حيث بدا يطلق النار في كل اتجاه داخل الحافلة وخارجها وقتل سبعة من الفلسطينيين من بينهم طفلان وثلاثة فتيات ورجلين وجرح حوالي عشرة، وقد استطاع الفلسطينيين بعد ذلك من الصعود إلى الحافلة وقتل الجاني فماذا فعلت إسرائيل.

 

بداية فلقد كان هذا المأفون معروفا لدى أجهزة الأمن الإسرائيلي ومعلوم لديها بأنه من الممكن أن يقدم على عمل كهذا ولم تقم بعمل أي شيء لمنعه ولم تحل دون قيامه بجريمته، هذه واحدة وأما الثانية فهي أن إسرائيل لاحقت الذين قاموا بقتل المجرم ولا زالت قضيتهم أمام القضاء على اعتبار أنهم قتلة وأنهم لا يجوز لهم أن يأخذوا القانون بأيديهم ولا نعتقد بأنهم سوف تتم تبرئتهم أمام القضاء الإسرائيلي. وأما الثالثة فان أحدا من قادة الكيان طالب بان يتم نسف بيت القاتل، كما ولن يتم منح أوسمة أو نياشين لمن قاموا بقتله كما هو مرجح لقتلة الشاب دويات، ولم يتم تنظيم مظاهرات أو حشود ضد المنطقة التي يسكنها هذا القاتل، وحتى لو طالب الفلسطينيين بذلك فلا نعتقد بأنه كان يمكن لهكذا مظاهرة احتجاجية أن تمر بدون وقوع قتلى وجرحى في صفوف الفلسطينيين الذين قد يشاركون فيها.

 

وأما الرابعة والتي تكشف زيف وتملق ونفاق قادة العالم وكيلهم بمكيالين في التعامل مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي فهي أن أحدا لم يسمع ولو كلمة إدانة واحدة ولم يسمع تنديدا ولا بأي شكل من قبل هؤلاء القادة، ترى هل لا زال يعتقد هؤلاء بان إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، إنها الديمقراطية العرجاء التي تقيس بأكثر من مكيال والتي لا تتعامل مع الفلسطيني إلا على أساس انه قاتل ومجرم  وان الدم اليهودي غال وما تبقى فبلا قيمة أبدا فعن أية ديمقراطية يتحدثون؟

 

بيت لحم

 

7-7-008

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفرار نحو الجسد

التفاصيل
كتب بواسطة: فاطمة الزهراء مجبير
نشر بتاريخ: 09 يوليو 2007
انشأ بتاريخ: 09 يوليو 2007
الزيارات: 5

 

من خلف الشقوق، وراء المرايا الفاخرة، على حافة الرصيف، فوق القمر حتى ، إنه ذلك البعث الجديد لأشلاء، لبقايا إنسانية لم تدهسها فقط قاطرات الزمن، بل عاثت بها رياح بيروس اللعينة..، إنهم هنا بقايا أجساد لم تعرف إلا أن تكون عارية و لم تجد لغة غير الفناء.

 

لغة ممسوخة ألفاظها ليست عقود العشرة ، و لا أبجديات مصنعة في قوالب نحوية ، إنما هي تستر مفضوح خلف العوز و الفاقة و الدهشة المفقوءة في عيون الأجنة الوليدة بدون جينات آدمية. لأنه ببساطة صنع فوق فراش الباغية.

 

إنه البغاء الذي اجتاح البيضاء و لم يكتف بتسويد خبائها بل انه رمى بها إلى حيرة الرمادي. ليصير الأخضر بها عبارة عن تأويل باهت و ممسوخ  للصبايا و الشباب الذين تنهشهم الدولارات من جهة  و الجنيهات  الفاقدة للهوية المعتقدة بالعقيدة الإسلامية ، المؤمنة بمواسم الحج و التي الفت أن تداعبها أنامل عاثت بجدائل الصبية.

 

لكم منعوتة تلك الحواري الضيقات بهن، لكم جميلة تلك المليحات و هن يسقن بالجملة نحو السوق و لكن الشاري أعمى و البائع  كذلك، من القواد المسئول عن هذا  الفساد الحاصل... في التعليم، الاقتصاد، السياسة .. إلى أن نصل إلى ذلك الانهيار  الإنساني المعهود بمدينتي التي نفت عن نفسها كل شيء سوى العهر.

 

و ما بالي أجالسها و هي تلفظ أنفاس مخمرة  تحكي ملامحها عن لياليها أسنانها نصف مدكوكة خلف شفتيها تعبر عن هلاويسها ، تسب و تلعن الزمن بين معطي و آخذ في نفس الوقت.

 و هو قائد الطاكسي إلى جانبها صيد جديد ، يلوح له في الأفق، و ذراعه التي تكدست ويلات الزمن عليها تتدحرج من خلفها و هي تستل أجزاءها الأنثوية الباقية من فنائها.

فمه المفتوح و هو يعبر عن بطولاته الملحمية و مآسيه  فوق  الجواد الذي نزغ عنه في صحراء اختارها لنفسه و سراب ابتدعه له القدر حتى يغوص فيه... كانت نظراته الموجهة إليها تزن كل قطعة منها ...

 

يا ترى كم يساوي هذا الشعر المتدلج خلف رأسها النابت بين كتفيها فصار بضع من قريشات فانية ، اقتربتُ منها لأجدها من عهود السلاطين الفاتحين رحمهم الرحمان و أدخلهم فسيح جناته.

 

و لم يتوانى هو ، فألقى النظرة الثانية إلى عينيها الشبه متهدلتين لتنفلت منهما نظرة شقاء حزين لا يحمل معه زاد الرحلة فتوقف أخيرا  ليجد نفسه سجين الرصيف ، فبدت لي نقود ورقية من فئة العشرات أو العشرينات و... تدلت فلم تكن سوى بطاقات التحرير لسنة 56،  فتذكرت الشوارع الكبيرة التي كُتبت على هاماتها أسماء  رجال حملوا القضية فتحولت أسماؤهم إلى ميسيجات تحملها هواتف نقالة تبارك العام الجديد و هديته جسد مترامي على رصيف الهامات الشهام من رجال الوطن.

 

تدلت شهواته من رقبتها فصار الفولاذ أكثر فأكثر يصب و تنقع فيه صرخات المعتقلين بدرب مولاي الشريف و تازمامارت و الأماميون... أهذا جزاء من كانت له ذمة؟؟؟، فتراخى و أعاد أنفاسه القميئة  لصدره ليستعيد من الشيطان الرجيم،  الحمد لله أنني لم أكن مثلهم لفقدت قدرتي كرجل على ممارسة النظر الحقير إلى هذا الجسد الذي أمامي ، و زاد الصراخ على كتفيها و هي تتهدج لترمي غمزاتها الملمة بحِرف اللمز و ضرب الأزلام إلى حد الكفر بسوق النخاسة و تعلمنا أنها هي السيدة حينئذ بأمر الشهوة  و أن الصراخ لم يكن إلا طيشا معهودا من رجال تبخروا أمام حُسنها و هي تتحول إلى فولاذ نقذي أمام عينيه .

 

نهديها... لكم جارت علينا عشتار حين منحتنا هبة الخصوبة، و الآن جعلت منه الناظر و ما المنظور إليه و هي تتحول إلى دولارات من آبار نفط كوت هذه النهود، كُويت فتجمدت إلى تحفة بالمزاد من يدفع أكثر، و نحن لا ننكر إبداع الخالق لها، فحتى سرطناتها وظفت بحملات اشهارية، الرحمة يا رب، كل بالمزاد سواء ما دام سُجل بلائحة الإغراء نهد...

 

جلست تقذف من بعيد بنظراته عرقه المتصبب من جسده و هي أصبحت أمامي الآن متصلبة، لا تعرف للحركة وجها بعدما حُول هذا الجسد بأكمله إلى فولاذ متناثر على أطرافها لا اقصد السُفلية فالرحلة انتهت عند سينما الريف و هي تحاول النزول، فنزغها بهمس سمج لا تدفعيننا لان نبحث عنك سيدتي  ببرنامجنا الشهير مختفون فما تحملينه من أساور لا  يهمني، و كل بقايا فنائك تجعل مني صانعا جيدا للفلوس أو النقود، خذي ما شئتِ و دعيني أعلق على ما تبقى منك نقودا حتى نجعل البيضاء رمادية بلون مياه المجاري الطافحة بشوارعها  نخضب اكفها التي زرعت فيها كفنا لكل زائر لها، و لنقرع الكؤوس و نرحب بفتحنا الجديد على خارطة أجساد وجدت لتتحول إلى أجساد فولاذية .

 

 اقرعوا الطبول هاهي العولمة حققت المراد فأصبح من الداخل سليكونا يحمل صورة العم سام، و خارجه تحقيق للوحدة العربية من الشرق الأوسط و الأراضي المقدسة حتى مدينتي الحبلى  ببنات الليل و مخاضها الدائم في صنع دائم لصيغة البغاء الجديدة لنرفع الشعار دائما:  لنتحدى للملل.   

 

 

 

 

 

 

أبو الغيط عندما يهدد أبناء غزة من جديد

التفاصيل
كتب بواسطة: رشيد شاهين
نشر بتاريخ: 07 يوليو 2007
انشأ بتاريخ: 07 يوليو 2007
الزيارات: 4

أبو الغيط عندما يهدد أبناء غزة من جديد

رشيد شاهين

 

ليست المرة الأولى التي يخرج رأس الدبلوماسية المصرية الوزير أحمد أبو الغيط على شاشات التلفزة والفضائيات متوعدا ومهددا بالويل والثبور لكل من تسول له نفسه من أبناء قطاع غزة باختراق الحدود المصرية الفلسطينية تحت أي ذريعة ولأي سبب كان، وكان السيد أبو الغيط قد هدد سابقا وفي "طلعة بهية " أخرى بأن من يحاول أن يجتاز الحدود مع مصر فلا بد من تكسر رجليه أو عظامه على الطريقة المصرية.

 

الحقيقة أن السيد ابو الغيط عندما يصرح بمثل هذه التصريحات التي لا تمت إلى الدبلوماسية التي من المفروض انه يمثلها من خلال هذا المنصب الذي يتقلد بصلة، يعتقد بأنه بذلك قد يخيف الفلسطيني الذي يحاول اجتياز الحدود مع مصر باحثا عن "أي شيء" في الديار المصرية، وعندما نقول "أي شيء" فان ذلك لأن لا شيء موجود في قطاع غزة، ولأن إسرائيل التي تدعي بأنها تريد العيش بسلام، وأنها ترغب في أن تكون واحدة أو جزءا طبيعيا في المنطقة، فهي تكذب، وتمنع عن القطاع كل شيء، وهي لو استطاعت لمنعت الهواء عنه، ولا يمكن أن ينسى الفلسطيني ما تمناه رابين وما قاله " النازي الجديد" فلنائي-هذا الاسم الذي على الفلسطينيين ألا ينسوه - صاحب فكرة المحرقة للقطاع، ومن هنا فقد لاحظ العالم بان غزة عن بكرة أبيها خرجت باتجاه مصر عندما اجتاحت الجماهير الفلسطينية الحدود مع مصر في المرة السابقة.

 

كن نتمنى لو أن الوزير المصري قال شيئا مختلفا هذه المرة، وكنا نتمنى أن يقول شيئا فيه شيء من الدبلوماسية وان يوجه ولو كلمة لوم واحدة أو عتاب لدولة الاحتلال التي لم تقم بالالتزام باتفاق التهدئة الذي كان برعاية مصرية، وان يقول على سبيل الماثل إننا نحمل دولة الاحتلال كل التداعيات التي تنتج عن عدم التزامها باتفاق التهدئة، لان عدم التزامها يعني بأننا في مصر سوف نتأثر بذلك، وان لا يستكين وألا يشعر بالحرج أو الخشية من أن يعلن ذلك.

 

السيد أبو الغيط ربما لا يعلم أن لا احد في الداخل الفلسطيني يتلهف على مغادرة القطاع بهذا الشكل، وانه لو كانت الأمور على طبيعتها في قطاع غزة لما هجم الناس على الحدود بقضهم وقضيضهم، وأنهم عندما فعلوا ذلك فإنما فعلوه من اجل أن يدخلوا المواد الأساسية إلى القطاع، بعيدا عن الفئة القليلة التي لا شك كانت ولا زالت تنوي المتاجرة في ما قد تجلبه من الأراضي المصرية وهذا على أي حال حق لها.

 

كن نرغب ونود أن نسمع السيد أبو الغيط وهو يقول بان مصر تقف مع الأشقاء في فلسطين، وانه يتفهم هذه المحاولات باختراق الحدود، وان مصر تعمل بلا توقف على إنهاء هذا الوضع الشاذ، وانه يتمنى على هؤلاء الأشقاء أن يصبروا قليلا خاصة وأنهم صبروا كل هذه الأعوام حتى تستطيع "دبلوماسيته" الفذة أن تضع حدا لغطرسة إسرائيل التي يحملها مسؤولية كل هذا الذي يحدث، وان لا يشعر بالخشية من ردود فعل إسرائيل التي لا ولم تتردد عن اتهام مصر بكل الأشياء السيئة وأنها تتساهل في كذا وكذا وكذا، ولا يتردد أي مسئول من قادة الكيان بان يقول في اليوم التالي لزيارة مصر ما هي أباطيل واتهامات غير دقيقة أو صحيحة ضد مصر، ونحن لا نطالبه بان يكذب مثل ما يفعلون ولا نطالبه بشن الحرب على إسرائيل ولا بقطع العلاقات معها لأنه لا ينوي وهو لن يستطيع هذا على افتراض توفرت النية لفعل ذلك، كنا نتمنى على أبو الغيط ألا يخرج متحدثا إلى الشعب الفلسطيني مثل جنرالات الحرب أو قادة الأمن أو وزراء الداخلية أو ضباط البوليس والمباحث وان يتسم ويتماها مع منصبه كوزير للخارجية لا أن يشبعنا تهديدات في كل مرة يخرج  فيها علينا.

 

أن تظل "الحيطة" الفلسطينية "مايلة" والكل "ينط عليها" فهذا مرفوض، وكان على احدهم أن يقول لمصر أن هذا لا يجوز سواء من أركان السلطة في رام الله أو في حكومة  إسماعيل هنية وانه عيب ولا نقبله، خاصة وان الكلام عن الشقيق الأكبر أو الشقيقة الكبرى أصبح مجرد كلام "فارغ ودبلوماسي وممجوج" لا يفيد ولا يسمن ولا يغني من جوع، ولا بد من تذكير السيد أبو الغيط بان غزة وعندما تم احتلالها من قبل دولة الكيان في حرب العام 1967 لم تكن تحت سلطة دولة بروناي ولا حكومة مدغشقر مع احترامنا للدولتين، وإنما  كانت تحت السيطرة المصرية ونعتقد بان اللياقة واللباقة والمفروض والواجب هو أن تعمل مصر على استعادة هذه الأرض وإعادة الحرية إليها، وان أي كلام خارج عن هذه السياق يعتبر كلاما بلا معنى و "دبلوماسي" غير مقبول، وإذا كانت الحالة الفلسطينية تنوء بالهزال والضعف والتشظي فلأن من كان وراء ذلك ليس حالة الانقسام الفلسطيني التي صار الجميع يحاول التلطي خلفها أو أخذها ذريعة للتنصل من مسؤولياته بقدر ما كان سببه التخاذل والتآمر العربي على فلسطين والقصية الفلسطينية والشعب الفلسطيني.

 

القفز عن التاريخ ومحاولات تغييبه وتحميل الآخرين المسؤولية لم يعد فيه أي فائدة، وطالما أن السيد أبو الغيط يبتعد في كل مرة يتحدث فيها عن غزة عن الدبلوماسية فليس عيبا ولا حراما أن نتحدث معه بلغة مباشرة تبتعد عن اللياقة واللباقة والدبلوماسية.

 

الكلام الذي نسمعه عن اتفاقيات الحدود من بعض المرتبطين بالنظام المصري ومن يدعون بأنهم أساتذة في القانون الدولي وخبراء في حل النزاعات بين الدول وما إلى ذلك من عناوين ومسميات صار كله بالنسبة لنا كلام في الهواء ومحاولات للهروب من المسؤولية الملقاة على عاتق الدولة المصرية ولم يعد يقنع أحدا خاصة وان إسرائيل هي من اغتال القانون الدولي وتجاوز كل الأعراف والاتفاقيات الدولية وغير الدولية، وهي التي لا ولم تطبق أي من الاتفاقيات الدولية فيما يتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني، رفح معبر مصري فلسطيني خالص وأي محاولة للعب على الموضوع لا يمكن أن تكون سوى محاولة للخداع والتنصل من الالتزامات  المصرية تجاه قطاع غزة الذي لا زال من ناحية قانونية جزء من الأراضي التي احتلتها إسرائيل  وهي تحت السيطرة المصرية، ولا يمكن أن يفهم أي فلسطيني غير ذلك بغض النظر عما قد يسمعه السيد أبو الغيط من المسئولين الفلسطينيين.

 

ما أرغب في النهاية أن أقوله للسيد احمد أبو الغيط إنني التقيت بمئات الفلسطينيين الذين يعملون في الخارج إن لم يكن بالآلاف منهم، والذين وبرغم ما كان ولا زال يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلا أنهم يصرون على القدوم إلى الوطن خلال إجازات الصيف، وان نسبة عالية منهم لا تتوقف في أي عاصمة من العواصم، بل وبمجرد أن يحصلوا على الإجازة السنوية يأتون إلى الضفة الغربية ولا يمكثوا  في الأردن على سبيل المثال  ولو ساعة واحدة، وإنما يتوجهون مباشرة من المطار إلى الجسور، وبإمكان السيد أبو الغيط أن يسال هؤلاء لماذا يفعلون ذلك، وسوف يجد الإجابة الشافية التي من خلالها يستطيع أن  يفهم ما يشاء وهو بالتأكيد سوف يفهم الكثير إذا خلصت نيته.

 

بيت لحم

5-7-008

       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

الصفحة 32 من 108

  • 27
  • 28
  • 29
  • 30
  • 31
  • 32
  • 33
  • 34
  • 35
  • 36

المتواجدون الآن

69 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

البحث

اشترك في نشرتنا البريدية

انضم إلى مجموعتنا على Google لتصلك آخر الأخبار عبر بريدك الإلكتروني.

اشترك في نشرتنا البريدية

منطقة الأعضاء

  • تسجيل الدخول
  • كاتب جديد؟
  • نسيت كلمة المرور؟
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • أرسل مشاركة

مهارات حياتية

  • الثقة بحكمك الخاص حين يكون الدليل غير مكتمل
  • لماذا لا يعني الأمان النفسي أن تكون مرتاحاً
  • طرح قلق حول نبرة شخص دون أن يصبح الأمر شخصياً
  • تطوير وعي ذاتي حول كيفية تأثير مزاجك على فريقك
  • التعرف على متى تُسقِط مشاعرك الخاصة على الآخرين
  • حين تشعر مبادرة الرفاهية بأنها استعراضية لا حقيقية
  • حين يتشابه الإنجاز العالي والإرهاق
  • إعادة بناء الثقافة بعد فترة نمو سريع ومربك
  • حين يبالغ عضو فريق في الوعود ويقصّر في التنفيذ باستمرار
  • إدارة الطاقة، لا الوقت فقط

مواقع شقيقة

  • منتديات مجلة أقلام
  • المرشد في الإداراة
  • الشاعر سامر سكيك

الناقد

الوظيفة

ليو هوك Léo Hock[22]

الإخبارية،الاشتراطية،التسموية،التعاقدية،الإقناعية،الإشارية.

جيرار جينات[23]

الإغرائية،الإيحائية،الوصفية،التعيينية .

هنري ميتران[24]

التعيينية،التحريضية،الإيديولوجية .

شارل قريفال[25]

التسموية،الإشارية،الإشهارية .

ترانس هوكس[26]

البصرية،الإيقونية .

صلاح فضل[27]

عنصر بنوي،يقوم بوظيفة جمالية محددة مع النص،أو في مواجهته أحيانا.