- التفاصيل
- كتب بواسطة: رشيد شاهين
- الزيارات: 3
عبثية المفاوضات مع إسرائيل
رشيد شاهين
يعتقد البعض بأن ما تمت إثارته من قضايا الفساد ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت سوف يشكل عقبة أمام استمرار المفاوضات وامكانية تقدمها أو الوصول بها الى مرحلة نهائية يتم بعدها توقيع اتفاقية بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، والحقيقة أن هذا الفهم أو هذه الفرضيات أو المحاولة ليست سوى واحدة من الأوهام التي يتم الترويج لها من قبل بعض الأطراف الفلسطينية – حتى لا نتهم بالتجني على أحد أو على أي طرف سوف نقول بأن ذلك يتم بحسن نية- التي لا زالت تراهن أو تعتقد بان هنالك إمكانية للتوصل الى شيء ما "يشبه السلام" مع دولة الاحتلال.
الحقيقة التي يمكن ملاحظتها أن هنالك ميلا لدى الفلسطينيين بشكل خاص والعربان بشكل عام على المراهنة على هذا الطرف الإسرائيلي أو على هذا القائد الإسرائيلي أو ذاك، وهذا الحال يمكن أن ينطبق على الولايات المتحدة الأميركية، حيث أنه بالنسبة للإسرائيليين يتم الرهان على أن هذا الحزب أو هذا الطرف وفي حالة استلامه للسلطة في دولة الاحتلال لا بد من أن يجلب السلام الى المنطقة، أو أنه سوف يقوم بالتوقيع على اتفاقية للسلام مع الطرف الفلسطيني أو السوري أو اللبناني.
في الواقع إن هذا الرهان على هذا الطرف الإسرائيلي أو ذاك بدأ يتزايد منذ توقيع مصر على اتفاقية كامب ديفد، ونحن نعتقد بان هذا الرهان إنما هو محاولة لخداع الذات ومحاولة لإخفاء حالة الضعف والتردي والعجز عن إمكانية الفعل التي وصلت إليها الأطراف العربية بدون استثناء بما فيها الطرف الفلسطيني أكثر منه أي شيء آخر، الشيء ذاته يمكن أن يقاس أو أن يقال عن أميركا وخاصة في الفترة التي تكون فيها السنة سنة انتخابات رئاسية، فتتم المراهنة على أن الرئيس القادم سوف يعمل كل جهده من اجل وضع حد لهذا النزاع الذي طال لعقود، فترى العربان يراهنون على هذا المرشح أو ذاك أو على الحزب الجمهوري تارة وعلى الحزب الديمقراطي تارة أخرى.
الرهان على هذا الطرف أو ذاك في أي نزاع أو صراع قد يكون صحيحا عندما يكون هنالك إمكانية للوصول معه إلى سلام، كذلك عندما يكون لديه النية لذلك، وهذا ينطبق ليس فقط على الصراع الفلسطيني أو العربي الإسرائيلي، بل على أي صراع مهما كان بسيطا أو معقدا، صغيرا أو كبيرا ، يمتد لعقود أو لم يحدث سوى قبل فترة بسيطة من الزمن، إلا انه في الحالة الفلسطينية لا يمكن إخضاع ذلك لهذه القاعدة، لان في ذلك تغييب للدور الذي قامت من اجله الدولة العبرية، وكذلك فيه تغييب للأهداف الإستراتيجية التي تم عليها إقامة هذه الدولة مستندة الى دعم قوى الاستكبار والهيمنة والطغيان في العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية.
هذا الأمر ينطبق كذلك على الرهان على الولايات المتحدة وعلى رؤسائها الذين تعاقبوا على البيت الأبيض، وكذلك على كلا الحزبين الرئيسيين حيث أن هذه الدولة تعتبر نفسها أنها كما إسرائيل فوق القانون الدولي والإنساني والأخلاقي وفوق كل الشرائع الأرضية منها والسماوية، وهي لا تخفي أهدافها بالسيطرة على العالم وإعادة تشكيله بالطريقة التي تتلاءم مع سياستها في الهيمنة والسيطرة والتبعية.
إن وجود ايهود اولمرت في رئاسة الحكومة الإسرائيلية سواء كان ضعيفا أو قويا لا يعني بالضرورة الوصول معه الى اتفاقية للسلام، ولا يمكن لاولمرت ولا لغيره أن يقر بأية اتفاقية للسلام مع العرب أو الفلسطينيين إلا إذا كانت الدولة العبرية قد حققت أغراضها وخططها فيما يتعلق بالأراضي المحتلة، وأي محاولة للرهان على اولمرت أو سواه ليس سوى خدمة لإسرائيل التي يتم تصويرها على أنها دولة محبة للسلام وأنها مستمرة في المفاوضات مع الطرف الفلسطيني وهذا ما يتناقض تماما مع كل شيء تمارسه دولة الاحتلال على الأرض وضد الإنسان الفلسطيني.
الطرف الفلسطيني يتفاوض مع الطرف الإسرائيلي منذ حوالي العشرين سنة فما الذي تحقق خلال تلك السنوات وهل هنالك إمكانية لتحقيق أي نوع من أنواع السلام أو ما يشبه السلام مع إسرائيل التي لم تتوقف للحظة واحدة عن تغيير كل شيء في الأراضي المحتلة بما في ذلك الإنسان الفلسطيني وطموحاته التي يمكننا أن نقول أن إسرائيل حاولت تقزيمها الى الحد الأدنى الممكن والذي وصل في بعض الأحيان الى إزالة حاجز هنا أو تصريح هناك أو في الحصول على إذن للمغادرة من اجل التعليم أو العلاج أو العمل.
اولمرت الذي استطاع إن يتسلق إلى سدة الحكم بطريقة يصفها الكثير من الكتاب في إسرائيل بأنها طريقة شيطانية في النفاق والتزلف لا يمكن إن يقدم أكثر من غيره كما أن غيره لن يقدم للفلسطينيين أكثر مما قد يقدم اولمرت، الموضوع ليس اولمرت أو سواه بقدر ما هي سياسة إسرائيلية ممنهجة ومبنية على خطط إستراتيجية تمت حياكتها ليس منذ تم احتلال الضفة الغربية وبقية الأراضي الفلسطينية والعربية في حزيران 1967 ولكن منذ أن أصبحت الأرض الفلسطينية هدفا للحركة الصهيونية منذ تأسست.
المشكلة هي في أن العربان يتعلقون بأي شيء كما الغريق الذي يتعلق بالقشة من اجل النجاة، وهذا دليل ضعف وليس دليل قوة، والعربان بتقديرنا لا يملكون أسباب القوة طالما هم قد رهنوا أنفسهم للأميركي وقبلوا بالتبعية له أي طالما هم رهنوا تلك الأسباب لأعداء الأمة، هنا لا بد من الابتعاد عن الهرطقة ومحاولات إقناع الذات بأننا لدينا من العوامل التي تجعلنا أمة قادرة ومؤثرة أو أنها تستطيع الفعل، نحن امة تعيش على هامش العالم وسنبقى وسيظل ما نسميه أسبابا للقوة ليست سوى أسبابا للضعف والفرقة إلا إذا تم تفعيلها وأما ما عدا ذلك فهو كلام في الهواء.
في سياق الضعف الذي تتمتع به امة العربان انه وما أن قال سيد العالم بأنه سوف يقيم الدولة الفلسطينية خلال هذا العام حتى صدقناه وصرنا نركض وراء سرابه، هذا السراب الذي صنعه بوش خلال لحظة من لحظات تألقه أو نشوته وهوسه اللاهوتي، ونحن ندرك تماما أن هذا الوهم لن يتحقق، لان من غير الممكن تحقيق ذلك في ظل عدم توفر النية أو الإرادة سواء لبوش أو لإسرائيل. فهو قد فعل ذلك من اجل أن يجلب العربان الى حظيرة التطبيع والمزيد من التطبيع غير المبرر مع إسرائيل سواء في انابوليس أو في غير ذلك من المؤتمرات التي كثرت تحت شعارات ويافطات مختلفة، أو أن يجلبهم إلى معسكر العداء لإيران - كما فعل في المسالة العراقية ومن قبله والده- ومن أجل تصوير الخطر الإيراني الداهم، وعلى أن هذا الخطر يستهدف المنطقة العربية قبل أي شيء آخر، ونعتقد بأنه أراد بذلك صرف الأنظار عن كل ما تشكله دولة الاحتلال من خطر ليس على فلسطين فقط بل وعلى الأمة العربية والأمم الإسلامية.
مع شديد الأسف لقد صدق بعض العربان تلك الكذبة أو على الأقل هكذا بدت الصورة من خلال كل هذا الذي نسمعه عن إثارة للنعرات الدينية والطائفية وإصدار الفتاوى وشهادات التكفير والإيمان، وتعامل معها على أنها عين الحقيقة وصار ينظر الى إسرائيل على أنها قد تكون دولة مسالمة أو ربما مرشحة لأن تكون دولة شقيقة في المستقبل تدافع عن حياض الأمة وتحمي المذهب السني من الخطر الإيراني أو الشيعي كما يحاول البعض تصويره، وان كل هذا الخطر الذي تشكله يبقى اقل من الخطر الإيراني، والسؤال هنا لماذا تخشى دولة مثل مصر من إيران ولماذا تعتقد بان إيران قد تكون أكثر خطرا عليها من إسرائيل.
الرهان على المفاوضات والتحسر على غياب اولمرت أو سواه من قادة الدولة العبرية ليس سوى رهان فاشل وخاسر، لأن هؤلاء نذروا أنفسهم من اجل المشروع الأساسي للحركة الصهيونية الذي يهدف فيما يهدف الى قيام كيان استعماري عنصري مبني على فكرة السيطرة والهيمنة على الآخر، ولا يمكن النظر الى الاستمرار في الرهان على هذا الطرف أو ذاك من قادة هذا الكيان إلا أنها محاولة للخداع والدجل.
وعلى هذا الأساس فإننا نفترض بان أصحاب القرار السياسي في فلسطين يدركون هذه الحقائق وبناء على ذلك فإننا نفترض بأنهم يحرصون على المسالة الوطنية الفلسطينية، وأنهم يجمعون على أن حالة الانقسام الفلسطيني تضر بالقضية الفلسطينية كما أنهم يجمعون على أن الإرادة الإسرائيلية غير متوفرة من اجل تحقيق سلام حقيقي، وهذا واضح من خلال كل الأعمال العدوانية التي تتم ممارستها على الأرض، ويمكننا هنا أن نؤكد أنه ومن خلال كل الاتصالات التي نجريها مع هذا المسؤول الفلسطيني أو ذاك سواء كان في فتح أو في حماس أو في أي فصيل أو حزب سياسي نجدهم يجمعون على أن ما يجري مع إسرائيل ليس سوى اتصالات عبثية وان ليس لدى إسرائيل النية في تحقيق السلام.
من هنا فإننا نعتقد بان الفرصة لم تفت بعد من اجل إن تتم مراجعة للذات وان تتم مصالحة فلسطينية تستند الى المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني، كما أننا نعتقد بان الفرصة مواتية في ظل اقتراب نهاية فترة ولاية الرئيس الأميركي بوش وفي ظل هذا الحال المتردي للواقع السياسي الإسرائيلي وعدم وجود جهة سياسية محددة تتمتع بقوة رئيسية في الشارع الإسرائيلي من اجل القيام بحملة دبلوماسية ودعائية وحملة من العلاقات العامة المركزة والمكثفة والتي يتم من خلالها التركيز على أن من يرفض العملية السلمية والوصول الى اتفاق إنما هي إسرائيل من خلال كل ما تقوم به لتغيير الواقع على الأرض، إلا إن هذه الحملة لن يكتب لها النجاح على أي مستوى طالما أن هنالك راسين وحكومتين "وكيانين متنازعين" في كل من غزة ورام الله.
الحقيقة أننا عندما نقول هذا فليس لأننا مع ما يجري من اتصالات عبثية ومفاوضات لم تثمر عن شيء منذ فترة كما اشرنا طويلة، حيث نعتقد بان الحل للموضوع الفلسطيني لن يكون سوى بإقامة دولة واحدة على ارض فلسطين التاريخية تكون جزءا من المنطقة تعيش بسلام وبدون أطماع استعمارية أو رغبة في السيطرة على الآخر، ولكن الذي يدفعنا لقول ما قلناه هو هذا المشهد المتردي بين أبناء الشعب الواحد وهذا الانقسام بين شطري الأرض المحتلة في الضفة والقطاع مما أدى إلى حالة من الضعف والهوان لم تصلها القضية الفلسطينية من قبل.
وفي الذكرى أل 41 لاحتلال بقية الأراضي الفلسطينية والهزيمة العربية المقززة وبعد ما قاله الرئيس الفلسطيني محمود عباس في هذه المناسبة فإننا نعتقد بأنه حان الوقت لتحقيق المصالحة الوطنية من اجل انطلاقة فلسطينية حقيقية لعلها تكون بداية لتعميق الانتماء للأرض والوطن والقضية أكثر من الانتماء الى الفصيل أو الحزب السياسي أو المصالح الخاصة. كما أننا نعتقد بان على أحد طرفي الانقسام أن يقوم بالمبادرة بشكل عملي وليس الاكتفاء بخطاب هنا وكلمة أو مؤتمر صحفي هناك.
رشيد شاهين
بيت لحم 6-6-008
- التفاصيل
- كتب بواسطة: يسري عبد الغني عبد الله
- الزيارات: 4
الأدب المقارن
بين
الأهمية والشروط
بقلم
يسري عبد الغني عبد الله
باحث ومحاضر في الدراسات العربية
والإسلامية والمقارنية
Email:
عنوان المراسلات :
14 شارع محمد شاكر / الحلمية الجديدة / بريد القلعة (11411) / القاهرة / مصر .
هاتف : 3176705 022 أو 3959261 022
جوال : 0114656533
أهمية دراسة الأدب المقارن :
1 – يكشف الأدب المقارن عن مصادر الأصالة في الأدب القومي ، كما أنه يستطيع أن يحدد الأصول الأساسية فيه ، وما دخل عليه نتيجة لقائه بالآداب الأخرى في عصور نهضاته ، فهو يكشف لنا جوانب تأثر المبدعين في الأدب القومي بالآداب العالمية المختلفة ، ولا شك أن جوانب التأثر كثيرة ومتعددة ، فالأدب كائن حي ، يؤثر ويتأثر ، يأخذ ويعطي ، وهذه سنة العطاء الإنساني .
2 – يوضح الأدب المقارن خط سير الآداب في علاقاتها بالآداب الأخرى ، ومدى تقاربها في الأفكار ، كما أنه يبين لنا أهمية التأثير والتأثر في تقوية الأدب القومي ، في نفس الوقت الذي يساعد فيه على فهم تقارب الشعوب فضلاً عن خروجها من عزلتها .
وعليه فالأدب المقارن ينظر إلى الآداب بوصفها جزءاً من بناء كلي متكامل تتضح أجزاؤه إذا قورنت بالأخرى ، وبذلك يكون لهذا الأدب أهمية عظمى في دراسة المجتمعات وتفهمها .
3 – للأدب المقارن من المكانة ما للاقتصاد السياسي والتاريخ بأنواعه ، فهو يدرس مثلهما العلاقات الخارجية والمشروعات التي تبدأ بها دولة ما ، وأنواع النفوذ التي قد تخضع له ، وما يتعرض له إن طوعاً وإن كرهاً من وراء حدودها ، وكل هذا ما تتوثق به نواحي النشاط الإنساني وتتنوع مظاهره . [غنيمي هلال ، ص 77 ، بتصرف ] .
الشروط الواجب توافرها في الباحث المقارني :
هناك مجموعة من الشروط يجب توافرها في من يبحث في الأدب المقارن ، نحاول أن نذكر بعضها فيما يلي : ـ
1 – أن تتسع معارف الباحث المقارني فيكون عارفاً بالتأريخ وحقائقه ، ومطلع على جوانب عديدة من الثقافات في هذه الناحية التاريخية التي تتصل بالأدب ، أو ما يعالجه منها .
فعلى سبيل المثال : لا سبيل إلى معرفة الأدباء الفلاسفة المسلمين إن لم يكن الباحث المقارني مزوداً بثقافة تاريخية كافية حول عصر هؤلاء الأدباء الفلاسفة ، وبمعرفة كافية وافية عن الثقافات الأجنبية غير الإسلامية التي صاحبت عصره .[السامرائي ، ص 186 ]
2 – معرفة عدة لغات أجنبية غير لغته الأصلية ، إذ أنه لا يستطيع أن يعرف مسألة التأثير والتأثر في الجوانب الأدبية التي يبحثها أو يدرسها إلا بالإطلاع على النصوص والآثار الأدبية في لغاتها الأصلية ، عن طريق قراءتها وفهمها .
وكثيراً ما يؤدي الاعتماد على الترجمات دون الرجوع إلى الأصول إلى أخطاء في النتائج نتيجة سوء الترجمة أو قصورها أو تحويرها أو تركها لأشياء مهمة في اللغات المنقول عنها .
فمن صفات الباحث المقارني أن يكون قادراً على القراءة الواعية لأدب من الآداب في لغته الأصلية ، وهذا يعني أن من يريد معرفة تأثير الشاعر الألماني جوته في الأدباء الرومانسيين لابد له أن يقرأ جوته الألماني في اللغة الألمانية ، وليس له أن يلجأ إلى المترجم من أدبه ، وذلك ليتمكن من معرفة انتقال التأثير ، مع مراعاة أن هناك نوع من الترجمة يطلق عليه الترجمة غير الأمينة أو غير المباشرة أو المحورة .
وعلى هذا فيلزم الباحث المقارن المعرفة بلغات عدة ، ليقرأ بها أيضاً البحوث الأجنبية اللازمة لبحثه واختصاصه . [السامرائي , ص 86 ، بتصرف]
3 – معرفة الباحث المقارني بالمصادر والأصول الخاصة بموضوع البحث ، وكذلك المراجع العامة المتصلة به ، ليستطيع معرفة عملية التأثير والتأثر سواء كانت بلغاتها الأصلية أو المترجمة ، وعليه أن يقارن بين الترجمة والأصل ، أو الترجمات المتنوعة بعضها ببعض .
أمور يجب أن تراعى عند الدراسة المقارنية :-
1 – ما يختص بدراسة الأجناس أو الأنواع الأدبية ، كنشأة قصص الرعاة ومسرحية الرعاة في الأدب الأوربي ، وانتشار القصة التاريخية في أوربا مع أوائل القرن التاسع عشر ، وكيف نشأت القصة والمسرحية في الأدب العربي ، ثم الحكايات التي كتبت على ألسنة الطير والحيوان أو ما يسمى بالخرافة على لسان الحيوان ، وكيف أدخلها إلى الأدب العربي الكاتب العباسي ، الفارسي الأصل / عبد الله بن المقفع ، وكيف أثر الأدب العربي في الأدب الفارسي ، أو كيف أثر الأدب الفارسي في الأدب العربي ؟ .
يجب على الباحث المقارني أن يتتبع كل نوع وتطوره في لغتين أو أكثر ، ويبحث العوامل التي أثرت في كل الآداب التي يراد دراستها .
2 – قد يحاول الباحث المقارني دراسة جنس أدبي في أدبين فقط ، وذلك كدراسة القصة الرومانسية الفرنسية وتأثيرها في القصة العربية ، أو يحاول دراسة جنس أدبي في أكثر من أدبين ، كدراسة القصة الرومانسية في الآداب الأوربية ، ثم تأثيرها في القصة العربية خلال العصر الحديث ، وعند ذلك يجب أن يراعي الباحث المقارني تحديد الجنس الأدبي الذي يريد أن يقوم بدراسته ، قصة مثلاً أو مسرحية ، وعليه أن يأتي بالدليل على تأثر الكاتب أو الكتاب بالجنس الأدبي موضوع الدراسة ، وقد يصرح الكاتب نفسه بهذا التأثير ، وعليه تكون مهمة التدليل والبرهنة يسيرة على الباحث المقارني .
وذلك كما فعل الفرنسي / فيكتور هوجو عندما صرح بمحاكاة مسرح شكسبير الإنجليزي ، هنا تكون مهمة الباحث سهلة ، أما إذا لم يصرح الكاتب بذلك كما في محاكاة أحمد شوقي لشكسبير في مسرحية شوقي (مصرع كليوباترا) ، نفس الأمر فعله شوقي عندما نفى تأثره بكتاب كليلة ودمنة الذي عربه عبد الله بن المقفع ، وذلك عندما كتب شوقي أشعاره على ألسنة الطير والحيوان ، وفي مثل هذه الحالات تكون مهمة الباحث المقارني صعبة .
بعد ذلك على الباحث المقارني أن يحدد مدى تأثر الكاتب بالجنس الأدبي ، وهل تأثر به تأثراً شاملاً ، أم تأثراً جزئياً ؟ ، ثم عليه ببحث الأسباب التي جعلته لا يتأثر تأثراً شاملاً ، ومن هنا يجب على المقارني دراسة حياة الكاتب ، وظروفه الاجتماعية والنفسية ، وكذلك مكوناته الفكرية والثقافية .
وبالنسبة لدراسة الموضوعات الأدبية كدراسة شخصية الملكة كليوباترا في الأدب الإنجليزي والأدب الفرنسي والأدب العربي ، فهذه الدراسة تحتاج من الباحث المقارني إلى جهد كبير يتطلب سعة في العلم ، ومعرفة بخصائص الشعوب ونفسياتها .
ومن أكثر فروع الأدب المقارن انتشاراً : دراسة تأثير كاتب معين في أدب أمة أخرى ، والتأثير قد يكون شخصي أو فني أو فكري .
ولا مانع من دراسة أثر كاتب أو عمل معين في أمة من الأمم على كاتب أو أعمال إبداعية معينة من أمة أخرى ، مثال على ذلك : يمكن دراسة أثر إبسن أو برنارد شو أو بيراندللو أو بريخت أو يوجين يونسكو أو الكتاب الأسبان في مسرح توفيق الحكيم .
وقد ندرس رواية مثل : (الرباط المقدس) لتوفيق الحكيم ، وعلاقتها برواية (تاييس) للكاتب الفرنسي / أناتول فرانس ..
وقد ندرس التأثير الفرنسي في أدب الدكتور / طه حسين ، وبالذات في رواياته ، مثل : (المعذبون في الأرض) و( شجرة البؤس) ... وغيرهما.
أو ندرس تأثير الكاتب الفرنسي / موباسان في قصص محمود تيمور ومسرحه .. إلى آخر هذه الموضوعات التي يمكن للباحث المقارني أن يقوم بدراستها وبحثها .
******************************
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عباس محمود
- الزيارات: 3
قصائد نوفل أبو رغيف في مدح صدام حسين
عباس محمود
كثيرٌ من الشعراء المعاصرين قادرين على أن يتحولوا من موقف مُتَطرّفٍ في طرف ما من الصراع إلى موقف متطرف مع الطرف الآخر، وهذا التحوّلُ لا ينبعُ من موقفٍ فكريٍّ أو ما شابهَ إنما ينبعُ من سلوكٍ مُشينٍ في السعي وراء الطرفِ الغالبِ بغية تحقيق المَكاسِبِ الماديةِ والمَناصِبِ الرفيعة.
فمن الشعراء الذين مَدَحوا صدام حسين ونالوا مَكارِمَهُ المالية السخية، الشاعر نَوفل أبو رغيف الموسوي، الذي كانَ يركضُ وراءَ محرري الصفحات الثقافية في الصحف اليومية لينشرَ قصائدهُ التي تُمَجِّدُ أم لمعارك و تُمَجِّدُ مَسيرةَ ( القائد ) وتثني على عزمهِ وأفكارهِ وخطاباته.
لقد كسبَ نوفل أبو رغيف أمولاً كثيرةً من مدحهِ، وملأ جَيبَهُ بالصكوك التي كان يَستَلِمها من وزارة الإعلام وديوان الرئاسة في السابق.
ومما يثيرُ الفزع أنَّ نوفلاً كانَ يمارسُ مدحَ صدام حسين على الرغم من أن صدام أعدمَ والدهُ ( هلال أبو رغيف ضمن ما أعدم من ضباط في الجيش العراقي ) فبأي شيءٍ يمكنُ أن نصف سلوكهَ المُشين هذا.
بعد سقوطِ صدام حسين تحوّلَ شاعرنا المَدَّاح الذي كانَ يُقَبِّلُ كفَّ قاتلِ أبيهِ إلى إعلامي مُنتَسِب إلى المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، فلماذا تحوّل هذا المَدَّاح إلى الطرف الآخر؟ لأنهم هُم الحكام الآن وهم من يمكن أن يَمنَحونه المالَ والشهرة والمناصِب، وكان لهُ ذلك فعلاً فقد أصبحَ إعلامياً ومقدماً للبرامجِ يُطلُّ من شاشةِ قناةِ الفرات ويُتحدثُ عن ظُلمِ النظام السابق وعن جَرائم صدام وأتباعهِ، بل زادَ الطينَ بله إنه في قصيدة عنوانها ( سلام على بغداد نحن ضفافها ) يَسب ويهجو فيها الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد وَيَرِدُ علي قصيدته المُعنونة ( سلام على بغداد أني أعافها ) يَسبّهُ لأنهُ كانَ يَمدح صدام حسين، فوا عجباً من سلوكهِ الوقح يُعَيِّرُ الناس بِعارِهِ, وأنا على يقينٍ من أن عبد الرزاق عبد الواحد لو كان أبوه قد أعدِمَ على يدِ صدام لما مَدحهُ، بل لهجاهُ أيضاً.
وبعد هذا نصادفُ اليوم ونحنُ ندخلُ دارَ الشؤون الثقافيةِ أن نوفل أبو رغيف صار مديرها العام.
وحين يواجههُ أي شخصٍ بحقيقتهِ يُنكِرُ أنهُ مدحَ وأنه وقفَ يُكَدِّي العطاء أمام ديوان الرئاسةِ السابق، ويصرُّ على أنهُ لم يمدح، وأنهُ من الذين ظُلِموا وأن والدهُ أُعدِمَ وغيرها من البكائياتِ التي يَخدع بها الساسة الجدد، وينطبقُ عليه شعرهُ في هذا السلوك من قولهِ:
وقد كانَ مَن أسرَجتَ صوتكَ صَهوةً لآثامه، يَحلو لديه انكسافُها
فيا ذابحاً طعمَ القوافي بمدحهِ ويا كلما امتَدَّت فأنتَ انحرافُها
ونقدمُ للقراءِ بعض ما وجدناهُ من قصائدهِ التي يمدحُ بها المَقبور صدام حسين.
إنَّ كلَّ العراقيون يتذكرون يومَ خَرجَ صدام حسين في شاشاتِ التلفزيون يَضرِب الطاولة في إحدى اجتماعاتهِ ويقول: (( أشوكت تهتز الشوارب .. لو يعطوني قطعَة أرض محاذية لفلسطين لكنتُ فعلتُ ما فعلت)). فسارعَ شاعر المدح الصدامي نوفل أبو رغيف للترويج لفكرةِ القائد المُباركة وكتبَ قصيدتهُ ونشرها فوراً في الصحيفة وهي بعنوان ( ولو يَمْنَحونكَ بعض الحدود ) ( وهي مرفقةٌ مع هذه المقالة صورة من الجريدة ) وجاء فيها:
حسينٌ جديد وطفٌ جديدْ وأرض وزيتونها وشهيدْ
وقدسٌ محملةٌ بالعتاب وصمتٌ وقيثارة وبريدْ
وما زلتَ تفتح باب الصباح ومن ذا يسواكَ وأنتَ الوحيدْ
وعلَّمت نَخلكَ أن يستجيب إلى ما تريدُ وما لا تريدْ
وهم نائمونَ خلفَ الكراسي تفوح الخيانات واللا وجودْ
ووحدكَ يا سيد الانتظار على عَرشِها والبقايا عَبيدْ
ولو يَمنَحونكَ بعض الحدود وهم خلفها والمنايا شهودْ
...........إلى آخر القصيدة))
لقد كان صدام حسين في كلمته يخاطبُ الحكام العرب (( أشوكت تهتز الشوارب .. لو يعطوني قطعَة أرض محاذية لفلسطين لكنتُ فعلتُ ما فعلت)) فيطلب منهم قطعة أرض محاذية لفلسطين ليعلن الحرب على إسرائيل، لننظر كيف جَسَّدَ نوفل أبو أرغيف بقصيدتهِ طموحَ قائدهِ ( قاتل أبيه ) يقول في أول القصيدة:
( حسينٌ جديد وطفٌ جديدْ وأرض وزيتونها وشهيدْ )
أصبحَ صدام في القصيدة ( حسينٌ جديد ) وجعلَ معركتهُ ( طفٌّ جديد ) فكيف رضيت نفس نوفل أن يجعل من شخص الإمام الحسين مقارباً لشخص الظالم صدام حسين؟ فشبهه بالحسين. هذا الفعل لا تفعله إلا النفس العاهرة.
ثم يقول:
وهم نائمونَ خلفَ الكراسي تفوح الخيانات واللا وجودْ
ويقصد بـ ( وهم نائمونَ خلفَ الكراسي .. ) الحكام العرب الذين خاطبهم صدام أن يمنحونهُ بعض الحدود مع فلسطين وجعلهم نوفل خَوَنَة. ثم يقول:
ووحدكَ يا سيد الانتظار على عَرشِها والبقايا عَبيدْ
يصف صدام أنه سيد الانتظار ويعني انتظار النصر على إسرائيل ووضعهُ على عَرش فلسطين وجعلَ الحكام العرب عَبيداً. ثم يقول:
ولو يَمنَحونكَ بعض الحدود وهم خلفها والمنايا شهودْ
وهنا يضمن قول قاتلِ أبيهِ ويخاطبهُ مؤيداً لقولهِ السابق: (.. لو يعطوني قطعَة أرض محاذية لفلسطين) فينظمها شعراً : ( ولو يمنحونكَ بعض الحدود ).
إن قصائد نوفل أبو رغيف في مدح صدام لا تُعَدُّ ولا تُحصى وهي مُتناثرةً بين صُحفٍ عدية منها الثورة والجمهورية والقادسية والعراق وغيرها، وأرفقُ مع هذه المقالة صورةً من الجريدِ التي نشرَ فيها قصيدة أخرى بعنوان ( أم لمعارك وفلسطين ظِلاّنِ لنخلةٍ واحدة ) .
أبعدَ هذا ينكرُ نوفل أبو رغيف أنهُ مدحَ صدام حسين وأن نالَ الأموال منه؟
أليس هو ممن كانوا يتقاضونَ رواتبَ شهرية لأنهم من الذين أبلوا بلاءاً حسناً في المدح والترويج للطاغية؟
وها هو اليوم يُبلي البلاء نفسه والترويج نفسه للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق كي يرفعوهُ ويضعوهُ في مناصبِ طالما طمحَ لها ولا تعنيهِ الوسيلة والطريقة للوصول إليها.
فعلى المجلس الأعلى أن ينتبه لهذا المندس بينهم.
ملاحظة مهمة: مرفقٌ مع المقالة صور من الجرائد التي نشر فيها قصائده المذكورة في المقالة.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: ميلود قناني
- الزيارات: 5
تحليل نقدي لقصيدة محي الدين بن عربي
ألا يــا حــمـامــات الأراكـة والـبـــان ترفقن لا تضعـفن بالـشجو أشجاني
تـرفـقـن لا تـظـهـرن بالـنـوح والـبـكـا خـفي صبابـاتي ومكـنـون أحزاني
أطارحها عـنـد الأصيل وبالـضحـى بحنـة مـشـتــاق وأنة هـيـمـان
تـنـاوحت الأرواح في غيـظـة الغـضا فـــمـالـت بأفنان عــلي فأفناني
وجاءت من الشـوق المبـرح والجـوى ومـن طــرف الـبــلـوى إلي بأفنان
فـمن لي بجـمع والمحـصب من مـنى ومن لي بذات الأثل من لي بنعمان
تطـوف بـقـلبــي ســاعة بـعــد ساعـة لــوجـد وتـبـريـح وتـلثـــم أركـاني
كما طاف خير الرسل بالكـعبة الـتـي يـقـول دلـيـل العـقـل فـيها بـنقصان
وقـبــل أحجارا بـهــا وهــو نـاطــق وأين مـقام البـيـت مـن قدر إنسان
فكم عـهدت أن لا تـحـول وأقسمت وليـس لـمخـضوب وفـاء بإيمان
ومـن عـجـب الأشياء ظــبي مـبـرقـع يـشـيـر بعـنـاب ويـومـي بـأجـفـان
ومـرعــاة ما بـيـن التـرائـب والحـــشا ويا عـجـبا من روضة وسط نيران
لقد صار قلبي قابلا كل صورة فمرعى لـــغـــزلان وديــــر لـــرهـــبــان
وبــيــت لأوثان وكـعــبــة طــائـــف وألواح تـــوراة ومـصحف قرآن
أ ديـن بــديــن الـحــب أنــى توجــهــت ركائبه فالـحـب ديـنـي وإيماني
لــنــا أســوة في بـشــر هـنــد وأخــتها وقـيـس ولـيـلى ثــم مــي وغــيلان
تلخيص مضمون القصيدة :
- يستفتح الشاعر قصيدته بالأداة الاستفتاحية ألا مناديا حمامات اعتلت أغصان شجرة الأراكة و شجرة البان ثم يطلب منهن أن يرفقن به مما يلقين في خطابهن من ثمرات التعشق و المحبة المهلكة ثم يكرر دعوته معللا ذلك بأنه يكشف صبابته و مكنون أحزانه ثم يبادلها الحديث بحنين الاشتياق و ألم الهيام و تتقابل الأرواح فوق شجرة تتمايل أغصانها فتحدث بالشاعر أثرا تتحرق له أكباده فتنوع له من الشوق المبرح و الجوى و تذيقه ألوانا من البلوى .
-
ثم يكشف الشاعر عن أمله الذي يهيم به قائلا من لي بلقاء الأحبة بمزدلفة و من لي بالأصل مشيرا إلى عين الحبيب و ذاته و النعيم الإلهي القدسي ، فتتكرر لديه حالات الوجد و التبريح تطوف به و تقبله كطواف و تقبيل الرسول للكعبة و قد عاهدته هذه الخواطر بان لا تحول ولكنها لاتفي بعهودها ثم يشير إلى ومض إلهي شع سناه في شكل ظبي أومأ بأجفانه يرعى في صدره بروضة وسط لاعج من الشوق فحال قلبه إلى مرعى لغزلان ودير لرهبان وكذلك به حاجات دنيوية دينية رمز لها بالأوثان وهيامات روحانية رمز لها بالكعبة
- وينتهي الى أن دينه الحب وهو تمام الدين أسوته من هام بالعشق البشري كمجنون ليلى وأمثاله إلا أن شاعرنا عشقه إلهي
إن كان للرمزية وطن أو هوية فموطنها وهويتها الشعر الصوفي فيه تتجلى أسمى وظائف الرمزية وقد إختار بن عربي كعنوان دال لقصيدته هاته هو تناوح الأرواح . والتناوح من التفاعل وهو تبادل فعل البكاء تبادل زفرات حرى تصدر من الأرواح هامت بالعشق الإلهي وقد جعل جمع الأرواح فاعلا لفعل التناوح وهي حالة اعترت تلك الأرواح وهنا يطرح سؤال مهم ما مصدر التناوح وماسر التناوح ذلك ما تكشف عنه تضاعيف القصيدة وقد أضفى على الروح وهي أمر معنوي صفة عالقة بعالم المادة ألا وهي التناوح وهذه الاستعارة يستسيغها الذوق ويتقبلها العرف لما في وحي التناوح من معنى عالق بالعواطف والأحاسيس والفعلية في العنوان إيحاء للحدث المعبر عن الحزن ،أما زمنه فكان الماضي وما يدل عليه من وقوع ثابت للحدث الذي انتهت حركيته بتفاعل وتجاذب لفعل البكاء بين جمع من الأرواح.
التشاكل :
التشاكل الصوتي :
لا يمكن أن نغفل ما للأصوات من قيمة تعبيرية تأتيها من مظهرها الفيزيائي أو الأكوستيكي ومن التداعيات المشابهة وقد كان لهذه الظاهرة حيزا جليا في قصيدة تناوحت الأرواح ويتجلى ذلك في حرف النون ففي قــــوله : ترفقن لاتظهرن بالنوح والبكا خفي صباباتي ومكنون أحزاني
أطاردها عند الأصيل وبالضحى بــحــنـة مـشـتـاق وأنـه هـيـمــان
فمن لي بجمع من المحصب من مني ومن لي بذات الأثل من لي بنعمان
لم يكن إختيار الشاعر لحرف الروي النون أمرا اعتباطيا غير مؤسس ولكن كانت له دواعيه وأغراضه فحرف النون شفوي أغن حينما ننطقه يحدث رتابة وإطلاقا غير متناهي تذوب ترجيعاته في تموجات الصوت ولهذا الحدث الصوتي تلازم بالمعنى فالنوح أنين وللأنين رتابة أي مونوتونية أي تكرار صوت واحد داخل حيز زماني مفتوح وهذا الفضاء الصوتي الرحب أشبه بالفضاءات الصوفية الرحيبة فالجوى يسمى معجميا كذلك لإطلاقه في الجو . وأما قرين النون في التكرار فكان حرف الميم و ان كان أقل حظا من النون فنجده منتشرا عبر مختلف المجموعات الدلالية للقصيدة و هو حرف شفهي ينتج من انطباق الشفاه ثم يصدر الصوت ليلقى في الفضاء الأكوستيكي محدثا أثرا يتوسط بين الليونة و الرخوة و الشدة و لهذا التوسط إيحاء و علائقية متينة السبك بالمعنى و هذه بعض الكلمات التي ورد بها حرف الميم. 02-
( حمامات – مكنون – مشتاق هيمان – مالت ـ المبرح – حمع – منى – نعمان )
فاذا تدبرنا إيحاءات هذا التشاكل الصوتي نجده يولد انسيابية مزدوجة على مستوى المبنى الصوتي و على مستوى مبنى المعنى ، هذه الانسيابية المزدوجة التى لحمت الصوت بالمعنى و لحمت المعنى بالحرف و هذا التشاكل الصوتي يسهل فهم القصيدة و يقرب المعاني للأذهان فتنال بيسر
تشاكل المعنى :
إن المضمون هو المركز الذي تدور حوله التراكمات الصوتية و الصيغ النحوية و لذا نجد تشاكل المعنى أساسا يفهم من خلاله خطاب بن عربي فحينما هم بكشف ما يعتريه من هيامات و نبض خواطر اضطر إلى توظيف تشاكل معنوي أساسي انبنى عليه مقوم سياقي فقوله
ترفقن لا تظهرن بالنوح و البكا خفي صباباتي و مكنون أحزاني
فدعوته للحمامات بالترفق الذي يحدث بالشاعر كشفا لما خفى وما الكشف إلا إظهار لخفاء الصبابة و خفاء لمكنون جوى قد تحرقت به جوانح الشاعر
فنون النسوة فاعل لفعل الرفق و موضوع الرفق هو الشاعر فالموضوع و المحمول ينتهيان إلى رسم معنى " تهييج خواطر الشاعر و كشف صبابته و مكنون جواه " و هذا المعنى مقوم أساسي انبنت عليه القصيدة الصوفية
و هناك تشاكلا آخرا تمثل في البيان الموظف ففي قوله: « تلثم أركاني – أقسمت » ففي هذه الصورة يشبه الشاعر خواطره بالمرأة التي تلثم و تقسم و هذه الصور تدور في فلك الهوى الإلهي و قد ولدت تشاكلا في الصورة و الخيال
تشاكل الكلمات :
نلاحظ تجانس بعض الكلمات واختلافها في المعنى كقوله :
- مالت بأفنان على فأفناني .
وكذلك – لقد صار قلبي قابلا
هذا التجانس الذي عرفه إبن جني بأنه " أن يتفق اللفظان ويختلف أو يتقارب المعنيان " له دور في تقريب المعنى وإيصاله فهو يحدث أثرا بالنفس فتستأنس لهذا التشاكل الذي ينبلج من تحت طياته معنى مختلف .
القافية :
مما تكونت القافية في قصيدة تناوحت الأرواح ؟.
تكونت من روي وهو النون وقد نال هذا الحرف عند الصوفية القداسة وهو من الأحرف النورانية إذ قال تعالى " ن والقلم وما يسطرون " ولهذا الروي وصل تمثل في حرف المد الياء وأما الردف فكان ألف المد إذا تدبرنا إيحاءات القافية فنجد أهم صفة تميزها المد والانفتاح ويظهر ذلك في الردف والوصل : أشجاني .
وهذا المد والانفتاح ليس وليد الاعتباطية إنما له مسبباته فالشاعر الصوفي غير منغلق إنما يسبح في فضاءات مركبة ففضاء الكون الفسيح وهو مجلي التجليات الربانية وفضاء الخيال الصوفي والهيام الروحاني وهو تعبير عن امتداد الروح إلى الله امتداد حاجة وعبدانية وامتداد الضعف لمصدر القوة وامتداد من لا حول له إلا السر السرمدي والحقيقة الأبدية .
البنى الإيقاعية :
المقطع: أكثر بن عربي من استخدامه المقاطع فالواو وارد بكثرة وإن كان له مسوغ فتسويغه ان الشاعر الصوفي يجتهد في ربط الروح بخالقها وإن تقطعت الأوصال وكان الوصل وميضا أوسنا كمثال لذلك " وجاءت من الشوق " .
فهذا المقطع المنفتح تناسب والحالة النفسية للشاعر أما قوله " من لي بذات الأثل – من لي بنعمان " فهذا المقطع مكون من صوت ساكن وصوت لين قصير وصوت ساكن وهو مقطع منغلق :(( من الشوق – من قدر ـ من عجب ))
أما المقاطع المتوسطة فقليلة وكثرت المقاطع الطويلة (( كما ألا – عند على – مال – جوى .))
تراوحت نسب توظيف المقاطع القصيرة والمتوسطة ولم تتجاوز الثلث من مجمل المقاطع وهذا يكشف أن هذه المقاطع ليست أساسا في كلام العرب بل وسيلة ربط ووشائح تسبك بها المقاطع الطويلة التي كانت لها الغلبة فهي منتشرة في القصيدة بنسبة عالية ولا غرومن ذلك فالأفعال الدالة على الحدث والصفات والحركة عبر الزمن كلها يعبر عنها بمقاطع طويلة وهذا غالب في القصائد الصوفية وما تناوح الأرواح إلا عينة دالة على ذلك (( ـترفقن ـ المبرح ـ هيمان )).
النبر : تنوع وقع النبر وقد ولد تراوحا أكسب القصيدة نفساً شعرياً زاوج بين مسار المعنى وإنسياب الموسيقى الشعرية .
إلا يا حمامات الأركة والبان ترفقن لا تضعفن بالشجوأشجاني
0/0/0//0/0//0/0/0//0/0// 0/0/0///0//0/0/0//0/0//
ألا/ يا/حما/ما/تل/أرا/كة/ول/با/ني تــــرف/فــــق/نــــا/ولا/تــــض/عــــف/نــــبـــــش/شــجـــو/أش/جــــا/نــــي
فـعولن/مـفاعيلن/فعـول/مـفاعـيـلن فعولن/مفاعيلن/فعولن/مفاعيلن
لا نجد توازنا بين النبر الخفيف والقوي لكن يظهر طغيان النبر الخفيف على البيت وهذه الخفة تتوازى والرقة والخفة والرقة من صفات الشاعر الصوفي فمعانيه رقيقة وفعله يلامس في خفة ورقة ألا ترى قول الشاعر :
صاح خفف الوطء فما أرى أديم الأرض إلا من رفات هؤلاء .
التشاكل والتباين على مستوى المعجم :
إذا قمنا بقراءة مسحية لمعجمية شعراء الصوفية نجد تشاكلا واضحا في قاموسهم اللغوي فموجودات الطبيعة من شجر وطيور تتعالق بعالم مسرى الأرواح
وحركية الصوفية إنما تتجسد في العالم المادي ليس إلا للقبض عن شواردها فتوظيف إبن عربي لشجرة الأراك وشجرة ألبان وأغصانها والغزلان والحمائم وكذلك ثقافتهم الدينية فالألواح والتوراة والمصحف والكعبة والحجر إنما تدور تلك الرموز في فلك الشاعر الصوفي يوظف إيحاءاتها ويصنع لها مدلولات جديدة يستقيها من عوالمه الصوفية جاهدا أن ينقل مدلولات هيامه الصوفي المجردة كوسائط وكلغة وسيطة بين عالمين عالم الروح وعالم المادة .
إن سيطرة بني معينة على معجم القصيدة تحيلنا على حقل دلالي صوفي محض وهذا ما يتجسد من خلال قصيدة تناوحت الأرواح فعوالم صبابة الصوفي وجوى العابد تخيم منذ البداية على القصيدة وتشكل الحقل الدلالي حتى صارت وسيلة تميز الخطاب الشعري الصوفي ومن لبانته : خفي صباباتي –حنة المشتاق –أنة الهيمان – فأفناني – الحب ديني .
فهذه اللبنات تشكل النواة التي ينبثق منها المعنى الصوفي وقد تميز المعجم الشعري للقصيدة بالتنوع والتجديد فإبن عربي لا يرزأ تحت قيد التقليد بل نلقيه مجددا للخطاب الشعري يسبح باللفظ في عوالم لم تعهد من قبل وكدليل على ذلك .
ومن عجب الأشياء ظبي مبرقع يشير بعناب ويومي بأجفان
فإن ألف الشعر العربي إيماءة الجفن فإن التجديد في إيحاء الظبي للروح المتجلية في سنا و إيماض .
تتسع مضان التشاكل إلى مستويات متلونة في الخطاب الشعري الصوفي وقد تميزت تراكيبه عن الأنماط الخطابية الأخرى ويتجلى ذلك على مستوى البيت :
أطارحها عند الأصيل وبالضحى بحنه مشتاق وأنة هـيـمان .
فبالصدر قدم ملفوظا يحوي فعل ترجيع الصدى بقوله أطارحها وربطه بالزمن عـند الأصيل وقابله بالضحى وما يوحيه الزمن من دلالة جمالية للأصيل ومن صبوة كابدها الشاعر بالضحى وهو زمن منفتح تطوي أطرافه أشجان وأسى الشاعر
وقابل هذا في الشطر الثاني بملفوظ يقابل الزمن الا وهو الحالية فيصور حنة المشتاق ويلونها بأنة الهيمان فالنعت بالإضافة حيث نعت الحنين بالاشتياق ونعت الأنين بالهيام وهو جدف في بحر اضطربت جوانبه لا يجدف فيه إلا من امتلك ناصية اللغة وانقادت له صهوة أوابد المخيال الصوفي .
-
- التقديم : جري بن عربي في قصيدته هذه مجرى العرف فلم يخرق عرف الجملة العربية ويشوش ترتيبها إلا في نزر قليل جدا وذلك في قوله .
- وليس لمخضوب وفاء بايمان
- ولهذا التقديم دواعي منها أن المعنى المحوري يسقط عن المقدم ولاستقامة الوزن والنسج الموسيقى دور في الإخلال بالترتيب المتداول .
بنية التعدي:
إن بنية التعدي بالقصيدة أنتجت تمددا مركبا,’ تمدد الشكل وتمدد المعنى وأما تمدد الشكل فتركيب الجملة لم يكتف بالفعل والفاعل بل تجاوزه إلى مفعول به : وقبّل أحجارا فهذا التمدد يحقق التساوي بين المعنى والمبنى وهو تطبيق جلي لفكرة :[كل زيادة في المعنى زيادة في المبنى ] [more of form is more of content ]
وأما تمديد المعنى فهوتحصيل حاصل فيبقى الفعل غيرمكتمل فيفتح المجال لربط الحدث بما يليه من مكملات تكون وتشكل المعنى فقول بن عربي : قبل يبقى المعنى متبورا يمد وشيجة تبحث عن وصل لا يتم المعنى إلا به ومعه ان بنية التعدي نماء أفقى وإنسياب معنوي وتركيب صلبت لحمته فأعطت البنية شكلا مميزا .
فصل التركيب البلاغي :
تعتمد الدراسات البلاغية أساسا على دراسة مستويات الخطاب وقد ترتكز على مستويين أساسين يمكن تجزئتهما فيما بعد إلى فصول أدق وأكثر توغلا في التحليلات وأما المستويان فهما الحقيقة و المجاز .
وقد يعتمد مستوى الحقيقة كقاعدة ينبني عليها الخطاب ثم سرعان ما يلبث أن يتطور في سياق تركيبي إلى مستوى المجار فقوله تناوحت الأرواح .
فإن الاستعارة تتعلق بكلمة تناوحت والسياق المجازي هو الأرواح فالمعنى الحقيقي المتعارف عليه لكلمة تناوحت هو تبادل البكاء وهو صفة تميز الإنسان دون سائر المخلوقات .وأما المعنى المجازي هو حال الحزن والأسى الذي اعترى الأرواح هذا مجال تطبيق النظرية الإبدالية التي صاغها مولينو وهي لا تناقض ما ذهب إليه البلاغيون العرب .
أما النظرية التفاعلية وهي حصيلة جهد البلاغيين المحدثين ومسلماتها هي أن الاستعارة لا تقتصر على كلمة واحدة بل تتجاوز ذلك وهي تركيب ممتد فقول ابن عربي تتناوح الأرواح إنما الاستعارة في امتداد المعنى بين الكلمتين .
· و لا تقتصر الاستعارة عند الصوفية عند البعد الجمالي بل تتعداه إلى بعد وصفي و بعد عاطفي بل أحيانا إلى بعد معرفي فابن عربي همّ بوصف حالة اعترته و جوى محرق بل موقف إيماني ,فهمّ أن يبلّغ هذه الأبعاد بتوظيفه الاستعاري الذي يحمل شحنه لا تنطفئ جذوتها بامتداد أطراف الوظائف النفسية و المعرفية للملفوظ و هناك اتجاه آخر بنيوي تعاضدت فيه جهود يالمسليف و جاكبسون و كريماص و بوتي ، يعتمد على التحليل الاستعاري بواسطة المقومات و إذا طبقنا هذه النظرية فنجدها تتجلى في المقابلة بين الإنسان كملموس والروح كمجرد
|
الإنسان |
الروح |
|
ملموس مادي عرض مرئي ظاهر يحده المكان و الزمان مفرد مذكر فاني |
مجرد محسوس جوهر غير مرئي غيبي تسبح في المكان و الزمان مفرد مؤنث خالدة |
ويرى هؤلاء أن الاستعارة تجود كلما كان التوافق في المقومات العرضية و الاختلاف في المقومات الجوهرية و هذا يتجلى بوضوح في الاستعارة التي اتخذناها مجالا للتطبيق فالمقومات الجوهرية كثيرة التباين بين الانسان و الروح و هناك مقومات مشتركة كثيرة إلا أنها عرضية
إن موقف الشاعر يدفعه إلى انتهاج الخيال كوسيلة لكشف مكنوناته و تباريحه لذا استخدم ابن عربي الصور في قسط و اعتدال و من ذلك قوله : «لا تظهرن بالنوح ــ فأفضى على الحمائم صفة البكاء و استعارة منها تصدره من صوت و قد سبق بهذا المعنى فقد جرى على ألسنة العرب أن هديل الحمام هو بكاء و مثال ذلك قول أبي العلاء المعري »
غير مجد في ملّتي واعتقادي نوح باك ولا ترنم شادي
- التفاصيل
- كتب بواسطة: رشيد شاهين
- الزيارات: 4
أطفال العراق في إسرائيل عار على العرب
رشيد شاهين
أثيرت قبل فترة وجيزة قضية إرسال أطفال عراقيين من مرضى القلب من أجل علاجهم في إسرائيل، والقضية مثلها مثل كل القضايا التي تتم إثارتها بين الحين والآخر، فهي ما أن يمر عليها فترة بسيطة من الزمن حتى يتم نسيانها أو تناسيها، ذلك أن النسيان أو التناسي للقضايا المعيبة هو السمة العامة عند العربان، ويبدو أن ذلك هو أسهل الأمور، وقد يتعمدون أحيانا فعل ذلك في محاولة للتغطية على التقصير، وهم بذلك إنما يضعون رؤوسهم في الرمل معتقدين بان لا أحد يستطيع أن يرى مؤخراتهم المكشوفة بافتضاح مهين ومذل.
عندما نكتب في هذا الموضوع سوف يخرج علينا من يخرج محاولا كما جرت العادة منذ سقوط بغداد في قبضة الاحتلال الأميركي تحميل النظام العراقي السابق هذه المسألة، في محاولة للتغطية على كل الفشل الذي مرت به أميركا وأعوانها وحلفاؤها خلال سنوات الاحتلال الخمسة التي خضع فيها العراق لكل أنواع التدمير والخراب والفساد والإفساد، ونحن عندما نقول هذا فإننا نعلم بأن الذين يحاولون تحميل النظام السابق كل أخطاء الماضي والحاضر لن يعجبهم ما نقول، ويبدو بأنهم على أي حال استساغوا قصة تحميل النظام السابق كل مصائب العراق واعتقد أنهم سوف يستمروا في هذا إلى سنوات كثيرة قادمة من أجل التغطية على عجزهم.
لا أحد ينكر بأن النظام الصحي في العراق تراجع إلى حد كبير خلال سنوات الحصار التي فرضتها أميركا على العراق منذ عام 1990 وحتى سقوط بغداد وقد ازداد الأمر سوءا خلال الفترة الأخيرة التي سبقت الاحتلال، والجميع يعلم بأن العراق كان يعاني من شح كبير في كل ما يتعلق بهذا المجال، ونحن هنا لسنا بصدد نقاش أسباب ذلك وما هي الأهداف التي كانت وراء ذلك بقدر ما نريد أن نناقش موضوع الأطفال العراقيين الذين يتم إرسالهم إلى إسرائيل من اجل ما يقال بأنه العلاج.
القضية التي أرادت الحكومة العراقية التنصل منها أو إنكارها أصبحت قضية مفضوحة مثلها مثل كل القضايا الأخرى في العراق وفي العالم العربي والثالث، حيث يتم في البداية الإنكار وبشكل عال وبضجيج وصخب ما يلبث أن يهدأ بعد أن "يذوب الثلج ويبان المرج"، وهذا ما حصل في قضية الأطفال حيث أنكرت الحكومة العراقية الموضوع الذي ثبت فيما بعد بأنه حقيقي ومؤلم ويبعث على الغثيان والتقزز.
مجلس النواب العراقي أكد الخبر وقال بان جمعية أو منظمة ادعى بأنها أميركية تعمل في المنطقة الخضراء تقوم بإرسال الأطفال العراقيين إلى إسرائيل من اجل العلاج، وقد اعتبر البرلمان أن هذه القضية مسيئة للعراقيين كما ودان الخطوة وطالب الحكومة بان تحقق في الأمر واتخاذ الإجراءات المناسبة.
هذا الذي صدر عن مجلس النواب العراقي بيان هزيل مخجل أكثر من قضية إرسال الأطفال نفسها، لأنه كان يجري تحت سمع وبصر هذا المجلس، لا بل قيل بان بعض النواب أنفسهم متورط فيه، وهو – أي مجلس النواب – على أي حال لم يكن أكثر من بوق آخر من أبواق الحكومة وساترا في كثيرا من الأحيان لعورتها حتى لا نتمادى في التوصيف وبالتالي يعتبرنا البعض أننا نتجاوز حدود اللياقة، وهذا الموقف هو ذاته الذي اتخذه المجلس في العشرات والمئات إن لم يكن الآلاف من القضايا التي لم يتم التحقيق فيها، ونعرف كما يعرف العالم بان تلك القضايا لم تفتح ولم يقدم أحد من بعدها إلى المحاكمة، وهذا ما جعل البلد عرضة لكل أنواع السلب والنهب بحيث أصبحت من أكثر الدول فسادا في العالم.
الأطفال العراقيين الذين يتم جلبهم إلى إسرائيل من اجل العلاج يتم استقدامهم بعد أن يكونوا قد تم استحضارهم وفحصهم وترتيب كل ما يتعلق بهم في المنطقة الخضراء التي يوجد فيها مجلس النواب العراقي، أي أنهم لا يتم التعامل معهم في المريخ، والقضية ليست قضية مفاعل ديمونا النوويي بحيث تكون محاطة بكل هذه السرية بحيث لا احد من النواب يعلم بها، ومن المعيب أن يكون هنالك العشرات من النواب الذين استوطنوا المنطقة الخضراء لخوفهم من مغادرتها ولا يعلمون بان هنالك أطفال يتم "شحنهم" إلى إسرائيل من اجل العلاج، وهذا لا يمكن أن ينطلي على عقولنا ولا يجب أن يقال من الأساس لأن فيه إساءة للنواب انفسهم قبل ان يكون مسيئا لأي كان.
أن يذهب أطفال من العراق أو من غير العراق إلى خارج بلادهم للعلاج فهذا أمر طبيعي وهو يحدث في كل الدنيا، أما أن تضيق الدنيا على هؤلاء الأطفال فلا يجدون إلا إسرائيل للتوجه إليها، فهذا في الحقيقة أمر في غاية الابتذال والمهانة، وهذه المهانة "تلطخ" بداية القائمين على الشأن العراقي وعلى وزارة الصحة العراقية قبل أي طرف آخر ،عدا عن أن هذه المهانة تمتد لتصل كل طرف تورط في هذا الأمر بغض النظر عمن يكون.
إن توجيه الاتهام إلى منظمة أميركية بأنها وراء هذا العمل، وأنها أتت إلى العراق وأنها تقيم في المنطقة الخضراء إنما يدلل على أن الحكومة العراقية والبرلمان العراقي لا يعلم ما الذي يجري في العراق في أبسط المسائل وهذا ما يتنافى مع كل ما يقال عن أن الحكومة العراقية هي صاحبة قرار مستقل وان البلد ذات سيادة وإرادة حرة ليس سوى جعجعة فارغة.
إن ما قيل عن دوافع إنسانية في الموضوع يمكن تفهمها ونحن هنا نحاول أن نجد الأعذار التي يمكن أن تدفع الأهل لفعل ذلك والموافقة على إرسال أطفالهم إلى إسرائيل من اجل العلاج، برغم عدم توفر القناعة الكاملة لدينا حول ذلك، ونحن لا نريد أن نخوض في مجال المشاعر الإنسانية هنا بقدر ما نحاول أن نتساءل عمن يقف وراء ما يحدث، وما هي الأبعاد الحقيقية لذلك، خاصة وأننا لا يمكن ولا بأي حال من الأحوال أن نجد أي بعد أنساني وراء الموضوع بالنسبة إلى إسرائيل التي لا تتردد في قتل وجرح وإعاقة وسجن عشرات الأطفال الفلسطينيين في كل شهر، وهي التي لم تتوان عن قتل عائلات بأكملها، وتنفيذ مجازر منظمة بحق أبناء الشعب الفلسطيني واللبناني، وهي التي ارتكبت المذابح بحق الأسرى المصريين ومدرسة بحر البقر وغيرها، وهي التي تقف وراء عشرات حالات الإجهاض للنساء الفلسطينيات على الحواجز العسكرية الإسرائيلية من خلال منعهن من التوجه إلى المستشفيات، ولا يمكن أن يكون لذلك أي بعد إنساني بالنسبة لدولة الاحتلال التي تغلق المعابر حول القطاع وهذا ما تسبب بموت ما يزيد على 170 فلسطينيا بسبب هذا الإغلاق حتى كتابة هذا المقال.
الموضوع لا علاقة له بالإنسانية أو البعد الإنساني لا من الناحية الإسرائيلية أو الأميركية، فلا يمكن أن تكون أميركا التي تسببت بمقتل أكثر من مليون طفل عراقي خلال سنوات الحصار، وهل من الممكن أن تكون أميركا تبحث عن تخفيف آلام الأطفال العراقيين بعد ان ساهمت بتدمير كل المستشفيات العراقية وتسببت بهجرة الكفاءات العراقية في كل المجالات، وهي التي تسببت بكل الدمار للعراق.
أما عربيا وإسلاميا وهذا هو المهم، فان من العار أن يكون هنالك كل هذا العدد من الدول التي تقول بأنها عربية أو إسلامية ولا تتدخل في مثل هذه القضية " ونسال هنا عن قصة المرأة التي صرخت وامعتصماه إذا ما كان العربان سمعوا بها أم لا، وأخشى أن نسال مستقبلا عما إذا كانت فعلا حصلت أم لا" ونتساءل هنا عن كل هذه المليارات التي تدخل ميزانيات الدول العربية المنتجة للنفط بشكل خاص، والتي تضاعف دخلها خلال أقل من خمسة سنوات إلى أربعة مرات بسبب ارتفاع أسعار النفط، هل هنالك مشكلة في تخصيص ولو 1% من الزيادة التي طرأت على أسعار النفط من اجل علاج ليس أطفال العراق فحسب بل وأطفال العالم، خاصة وان هذه النسبة لن تؤثر على مدخولاتهم، عدا عن أنها تشكل مليارات من الدولارات التي من الممكن أن تكون كافية لعدم تعرض هذا الطفل العراقي وأهله إلى هذه المهانة بالتوجه إلى حيث لم يكن ليعتقد ولو للحظة بأنه سيكون مضطرا لذلك في ظل هذا الواقع العربي "الرذيل".
أما أن يتحول العراقي أو الرأي العام العراقي كما أشارت بعض التعليقات "ضد العرب" التي أثيرت حول الموضوع، فهذا متوقع في ظل التآمر الذي مارسه العربان على العراق، وفي ظل فرض الحصار عليه بأيد عربية، وفي ظل إدارة الظهر له بعد أن وقع فريسة للاحتلال الأميركي وفي ظل فتح الأجواء والمياه والأرض العربية من اجل ذبح العراق، ثم لماذا يجب أن نتوقع من الإنسان العراقي أن لا يدير الظهر للعربان وهو الذي وقف إلى جانبهم في كل ملماتهم ودافع عن بلادهم بينما قاموا هم بذبحه من الوريد إلى الوريد.
ذهاب الأطفال العراقيين للعلاج في دولة إسرائيل ليس سوى حلقة من حلقات الضعف العربي في هذا الزمن البائس، كما انه مهانة من المهانات الجديدة تلحق بأمة العرب قبل أي جهة أخرى، وهو عار كذلك في هذه الحالة يلحق ليس فقط بالمؤسسات الرسمية العربية متمثلة بالأنظمة والحكومات، لا بل هو يمتد ليصل إلى المنظمات العربية غير الرسمية والى المنظمات الإنسانية العربية والحقوقية ونقابات الأطباء وكل من له علاقة بهذا المجال، وبدلا من كل هذا الضجيج والصراخ، على هذه المنظمات أن تتعامل مع الموضوع بشكل جدي وان تبادر إلى الفعل والعمل بدلا من التباكي على استباحة أطفال العراق بهذا الشكل المهين.
بيت لحم
30-5-2008
- التفاصيل
- كتب بواسطة: رشيد شاهين
- الزيارات: 4
حزب الله مشروع مقاوم ضد الهيمنة الأميركية
رشيد شاهين
لا أعتقد أن كثيرا من الزعماء في المنطقة وخاصة العرب منهم يتمتعون بما يتمتع به الزعيم اللبناني السيد حسن نصر الله من جماهيرية وشعبية إلى درجة يمكن معها القول بأنه ما أن يظهر السيد أو سيد المقاومة كما يسميه البعض على شاشات التلفزة إلا وتجد الجماهير العربية والإسلامية مشدودة الى تلك الشاشات ترغب في سماع ما سوف يقوله الرجل.
ولا اعتقد كذلك بأن هذه الشخصية وهذا الحضور الذي يتمتع به الرجل جاء هكذا بشكل عبثي أو رغبة من الجماهير في صناعة قائد أو زعيم، بقدر ما كان لذلك أسبابا نعرفها جميعا ومنها أنه الرجل المقاوم قولا وفعلا وأنه المخلص لقضيته وشعبه كما وما عرف عن الرجل صدقه في التعاطي مع كل ما يطرحه من مواضيع وقضايا تتعامل مع وجع الإنسان العربي الذي يشعر بان قادته وحكامه أداروا الظهر له، وصار ليس من هم لهم سوى قمعه وخداعه "والضحك على ذقنه" من خلال شعارات زائفة ظلت مطية يمتطونها لحماية عروشهم في كثير من الحالات ولزيادة أرصدتهم في البنوك الأجنبية في حالات أخرى وعلى مدى سنوات حكمهم في هذا البلد أو ذاك.
حسن نصر الله لم يتمكن فقط من استقطاب الجماهير العربية على امتداد الوطن العربي، لا بل أصبح كذلك محل تقدير واحترام الجماهير الإسلامية والكثير من أحرار العالم الذين وجدوا فيه قائدا فذا يذود عن كرامة الوطن والإنسان، لا بل وبرغم انه قد يكون العدو اللدود للإسرائيليين إلا انه وبرغم ذلك وبرغم عداوتهم له، إلا أنه يعتبر بنظرهم قائدا صادقا في كل ما يقول ولا نبالغ لو قلنا أن كثيرا منهم يعتبره أكثر صدقا من بعض إن لم يكن من كثير أو كل قادتهم.
عندما تحدث السيد نصر الله بمناسبة انتصار المقاومة ودحر قوات الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان في العام 2000 أظهر واقعية وتواضعا جما، كما وأظهر كيف يخشى على لبنان من الانزلاق الى هاوية الحرب الأهلية، وكم من الالتزام يمكن إن يظهر برغم الانتصار الذي حققه في ذلك العام وبرغم الانتصار الآخر الذي حققه في حرب تموز عندما تصدى حزب الله ومن معه من أنصار وموالين لأضخم وأقوى قوة في المنطقة عجزت عن مواجهتها جيوش دول عربية عدة مجتمعة في معارك وحروب لم تكن بحجم ولا بشراسة تلك الحرب.
لا بل هو وبرغم أنه يتمتع بدعم غير محدود من كافة اللبنانيين وبرغم حجم الطائفة الشيعية الكبير التي ينتمي إليها لم يحاول أن يزاحم الآخرين وأن يفرض تمثيلا يساوي الحجم والثقل الحقيقي لهذه الطائفة، وهذا ربما كان أحد الانتقادات التي وجهت إليه من محبيه والمتعاطفين معه ومريديه الذين قالوا بأنه كان عليه ان يرفع سقف مطالبه وان يتمترس في مطالبته المتعلقة بهذا الموضوع من أجل زيادة التمثيل الشيعي في المؤسسات المختلفة للدولة بالذات، إلا أن السيد نصر الله قفز عن ذلك رغبة منه في الوصول بلبنان الى بر الأمان.
السيد لم يتردد عن مد يده إلى الأطراف الأخرى التي حاولت ان تجره الى شرك الحرب الأهلية والتي استقوت بالأجنبي والإسرائيلي وهو اظهر من الالتزام ما لا يمكن لأحد ان ينكره، وهو عندما قال بان من غير الممكن أن يجمع الكل اللبناني على موضوع معين مثله مثل باقي شعوب الأرض فإنما أراد ان يقول بان هذه سنة لبنان وهذه سنة الحياة فليس بالضرورة ان يكون هنالك إجماع وطني على كل المسائل ولا بالضرورة على أي من المسائل، وهو يدرك بان هذا الاختلاف موجود ولكن على الآخرين ان يدركوا هذه الحقيقة، فلا شيء مطلق لا في لبنان ولا في غير لبنان. والسيد عندما يقول بأنه اختار المقاومة خيارا استراتيجيا فلأنه يدرك بأن هذه هي اللغة التي يفهمها الأعداء وقوى الاحتلال وهذه هي اللغة التي تبعث الرعب في أوصال الذين يراهنون على قوى الاستعمار، وهو لا يحاول أن يفرض أجندته على الآخر فمن يرغب في القتال حدد اتجاهه وبوصلته منذ زمن بعيد ومن أراد الارتباط بالأجنبي أيضا حدد اتجاهه وبوصلته منذ زمن بعيد.
المقولات التي يرددها البعض عن ارتباط حزب الله بدولة إيران أصبحت مقولات غير منطقية ولا مقبولة. والسؤال هو لماذا هذا التركيز على علاقات حزب الله فقط، وهل أصبحت العلاقة مع إيران شبهة، والسؤال هو هل لو كان الشاه هو الذي لا يزال يحكم إيران وهل لو لا زالت السفارة الإسرائيلية تقوم بوسط طهران هل كان أحد ممن يهاجمون إيران يجرؤ على قول كلمة واحدة بحقها، الجواب موجود لديكم ، لماذا لا نرى أو نسمع كل هذا الضجيج حول علاقات من يسمون بالموالاة أو الأطراف الأخرى في لبنان، تلك العلاقات التي ارتبطت بأميركا وإسرائيل وكل الذين لا يريدون سوى الشر ليس للبنان فقط لا بل ولهذه الأمة، ولماذا لا يرتبط حزب الله بإيران إذا كانت هذه الأخيرة تدعم القوى المقاومة والتصدي لأعداء لبنان. ثم لماذا اللوم إذا كانت أمة العرب لم تقدم شيئا للمقاومة ما عدا الشعارات والمؤامرات، أين هي مليارات العربان من تعمير لبنان، أو ليس حزب الله هو الذي تحمل جل مسؤولية الإعمار والتعمير بينما تم "شفط ونهب" ما تم تقديمه من مبالغ قليلة للدولة اللبنانية من قبل كل من هب ودب.
بعض مما يقال عن حزب الله بأنه لا يجوز أن يكون لديه جيش أو "ميليشيات" أو سلاح، لكن لماذا يكون لدى الآخرين ذلك ولماذا هو حلال عليهم وحرام على حزب الله، ومن المعروف أن سلاح حزب الله موجه باتجاه جهة نعلمها جميعا، ولكن لماذا تحتفظ تلك المليشيات التي نراها مشبوهة بكل تفاصيلها، خاصة وأنها تعلن ليل نهار بأنها لا تريد ولا ترغب وليس لديها النية في المقاومة، إذا لمن سوف يتم توجيه هذا السلاح الذي تحتفظ به وضد من سيستخدم، الإجابة هنا أيضا موجودة في بقية ضمائر الذين يكتبون عن سلاح حزب الله.
إننا لا يمكن أن نكون إلا مع الدولة اللبنانية في حالة وجود هذه الدولة ذات السيادة والقانون، وإن وقوفنا مع قوى المقاومة اللبنانية لا يأتي إلا على أرضية التصدي للمشروع الأميركي في المنطقة، ولن نكون إلا مع كل من يتصدى للمخطط الأميركي. وسوف نبقى مع القوى التي تتصدى لسياسة البلطجة الأميركية التي ذبحت الأمة ودمرت العراق وأفغانستان وفلسطين وهي الآن تستهدف دولة إيران وسوريا وحتى مصر والسعودية لن تسلم من مخططات التآمر والتقسيم وما يمنع أميركا وربيبتها عن فعل ذلك هي الورطة الأميركية في العراق وأفغانستان، ووقفت- أميركا- إلى جانب إسرائيل بدون تردد على مدى سنوات قيامها على أشلاء ودماء أبناء فلسطين وبقية العرب، وعندما تنتفي أسباب وجود السلاح في يد حزب الله فسوف نكون أول من يدعوا إلى أن على الحزب أن يتخلص من هذا السلاح، وسوف لن نتردد في الإعلان عن ذلك بكل تجرد وبدون مواربة أو مجاملة.
علاقات حزب الله مع إيران علاقات لها علاقة بالتصدي للمشروع الأميركي والإسرائيلي والتي نعرف جميعا الى أين تقود والى أين تهدف، عدا عن هذا فان السؤال هو إذا كانت العلاقة بين حزب الله وإيران هي مأخذ الذين لا ينفكون عن العويل، إذا لماذا لا يثيرون الضجة ذاتها ضد من يرتبطون بعلاقاتهم المشبوهة مع أعداء لبنان والأمة. على أية حال فانه أصبح معروفا "لمن يريد أن يعرف" بان القضية ليست حزب الله أو سلاحه أو علاقاته بإيران أو سوريا أو حركات وقوى المقاومة في قطاع غزة وفلسطين بشكل عام بقدر ما هو ذات علاقة بالقوى التي تقاوم هذا التوجه الاستعماري الأميركي للسيطرة على العالم وأن القضية لا علاقة لها بكل ما يقال عن لبنان الدولة والدستور والحرية والديمقراطية، لأننا نعرف بان أميركا تتحالف مع أكثر القوى والدول التي لا علاقة لها بحقوق الإنسان أو الديمقراطية أو غير ذلك من الشعارات الكاذبة.
وبرغم كل هذا الذي يقال إلا أننا نعتقد بأن كل ما يحصل في لبنان ليس سوى الضريبة أو الانتقام للهزيمة التي ذاقتها قوى العدوان والعملاء، فهؤلاء أرادوا للبنان العودة إلى الحرب الأهلية، لان مرارة الهزيمة لا زالت تؤرقهم، وجاءت حرب تموز لتزيد من طعم مرارتهم، ولهدا قاموا بكل ما هو ممكن وما هو غير ممكن، واتبعوا كل الوسائل والطرق من اجل تحقيق ولو سراب انتصار على قوى المقاومة، فافتعلوا الأزمة تلو الأزمة في محاولة لتشويه المقاومة، إلا أنهم خاب فألهم وارتدت مؤامراتهم إلى نحورهم وصدورهم وقلوبهم، ولسوف تبقى المقاومة في لبنان شوكة في حلق كل الذين يريدون لهذه الأمة أن تعيش في ظل الهيمنة والاستعمار.
بيت لحم
28-5-2008
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د. رضا عامر
- الزيارات: 3
1.مدخــــل:
يعدّ علم النفس من العلوم الحديثة التي استفاد منها الأدب إلى حد كبير، واستخدمها في إضافة الكثير من المعايير النقدية الإبداعية إلى حيثياته، ولا تعود علاقة التداخل بينهما إلى عهد "سيجموند فرويد " فحسب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بل لها جذور تاريخية حيث نجد "أرسطو" يشير صراحة إلى دور التطهير من الأحاسيس المظطربة والمشوشة الذي » تحدثه التراجيديا في نفوسنا«(1) .
وهذا يؤكد أنّ علم النفس كان موجودا بطريقة أو بأخرى من خلال الفلسفة والأدب الذين اهتما أساسا بدراسة النفس البشرية منذ فجر المعرفة الإنسانية، وما فعله "سيجموند فرويد" وتلاميذه من بعده كان عملا تقنينيا لهذا الفرع من العلوم التجريبية، ووضع الأسس والمناهج العلمية له.
كما يعود التداخل بين علم النفس والأدب في بعض الأحيان إلى وجود أعمال أدبية قائمة على المنهج التحليلي النفسي» حيث ينظر تلاميذ المدرسة السلوكية إلى العمل الأدبي على أساس أنه تعبير مباشر عن شخصية الكاتب وتكوينه النفسي«(2) ، فالمبدع عندما يؤلف عملا فنيّا ما فإنّ عمله هذا محمّل بالكثير من العناصر النفسية الشعورية ، واللاشعورية والأزمات والعقد المخزنة في عقله الباطن وذكرياته ، والتي تطفو إلى السطح بطريق غير مباشرة من خلال أعماله الإبداعية، ولهذا » فإنّ الأعمال الأدبية كلها تتحول إلى نسخ باهتة وصور مكررة لنفسية كاتبها« (3)
وعليه نجد أنّ علم النفس التحليلي يساهم بطريقة عير مباشرة في تفسير دلالات التأثير السيكولوجي الذي يمارسه العمل الأدبي على نفسية القاريء( المتلقي) فنفسيته لايمكن أن تبقى على حالها بعد عملية التذوق الفني لرسالة المبدع الفنّان ،فهي تتأثر بشكل تلقائي بما يريد التوصل إليه الكاتب من خلال نفسيته المشفرة داخل العمل الأدبي خاصة عبر قناة الكتابة، وهذا ما فعلته الشاعرة "هدى ميقاتي" في ديوانها الموسوم بـ"سنابل النيل" حيث استطاعت أن تنفس عن كل أزماتها النفسية شعريا، وعندما يحوّل » الشاعر مثلا تجربته النفسية إلى قصيدة فإنه لا يعزل عنها الجوانب الفكرية ويبقي على الجوانب الانفعالية الجامحة لكي يعبر عنها وحدها« (4)
2.علاقة الأدب العربي بعلم النفس:
يهتم التحليل النفسي بالصراعات النفسية الدفينة من خلال الإنتاج الأدبي، وهو ما يعطي للعمل الفني طابعه المتميز، وانطلاقا من هذه الزاوية فإن عمل الناقد النفسي هو إزالة كل التراكمات التي من شأنها طمس هذه المعالم النفسية ومحاولة تبيانها وربما تفسيرها، على أساس أنّ العمل الفني هو شكل من أشكال السلوك الإنساني المبني أصلا على فكرة الإلهام الخارق، ولعل الناقد هنا ينظر إلى الكتابات التي استقى منها "فرويد" أهمّ العقد النفسية والتي تنتمي أغلبها إلى أساطير قديمة، وثقت بوضوح لثقافات ورغبات مكبوتة في الإنسان.
وهكذا أمكن للناقد أن يخلص إلى أن التحليل النفسي كان الهدف منه هو تحليل الجوانب العبقرية في الشخصية الإنسانية ومحاولة وضع معايير دقيقة لهذا التميز الإنساني لهذا نجد أنّ » هناك قدر مشترك من المسائل توحد نقاد هذا الاتجاه أبرزها الاعتماد على أسس علم النفس في تفسير الظاهرة الأدبية، وإنّ استثمار نتائج أبحاث علم النفس في حقل النقد الأدبي، بدأه رواد هم : العقاد والمازني وشكري واستمر على يد أكاديميين منهم مهدي علاّم وخلف الله والنويهي وعز الدين إسماعيل وغيرهم« (5) .
إنّ العلاقة بين المبدع وإبداعه علاقة معقدة جدا و خاصة فهي» تؤدي افتراض قيام علاقة بين الحالة النفسية اللاواعية للمبدع وإبداعه ،فكثيرا ما ينظر إلى هذه العلاقة نظرة مرضية، بمعنى أنّ أعراض الأمراض النفسية أو العقلية أو العضوية أحيانا التي يحملها الشاعر أو الكاتب في عالمه الداخلي هي التي تفرض المادة التي يخرجها في قالب فني(...) ومن ثم يصبح النص الأدبي ثمرة من ثمرات مزاج الشاعر أو الكاتب المريض«(6).
ونتيجة لمثاقفة نقادنا مع الغرب، أُثير الاهتمام بالمنهج النفسي في تفسير الأدب، فتبناه أمين الخولي، وحامد عبد القادر في كتابه (دراسات في علم النفس الأدبي)، ومحمد خلف الله في كتابه (من الوجهة النفسية في دراسة الأدب ونقده)1947م، ومحمد النويهي في كتابه (ثقافة الناقد الأدبي) 1949م الذي حلل فيه شخصية "ابن الرومي" اعتماداً على بيولوجيته، وأرجع تشاؤمه إلى اختلال وظائفه العصبية والجسدية، ثم وضع كتابه (نفسية أبي نواس)1953م حيث حلل فيه شخصية "أبي نواس" اعتماداً على (عقدة أوديب)، التي اكتشفها (فرويد)، وعلى اللاشعور الجمعي الذي اكتشفه (يونغ)، وعلّل إدمانه الخمرة بكونها تعويضاً عن مكبوتاته النفسية، وعن حنان أمه التي حرم منها منذ وقت مبكر من طفولته، حين تزوجت بعد وفاة أبيه، فأورثه هذا شذوذاً جنسياً يتمثل في النفور من النساء، بوصفهن ـ كأمه ـ خائنات.
وقد دفع به نفوره من النساء إلى البحث عن (تعويض) فوجده في الغلمان حيناً، وفي الخمرة حيناً آخر، فتخيّل الخمرة أنثى، وخلع عليها صفات الأنوثة المغرية المثيرة التي يجدها الرجال العاديين في المرأة، ووصفها بالبكارة والعذرية، وسماها فتاة وبنتاً وجارية وعواناً.
كما اهتم "عباس محمود العقاد" بشخصيات الشعراء، فتتّبع سيرهم الذاتية، ورصد شخصياتهم، من أجل النفاذ إلى أسرار إبداعهم، فحلّل شخصية "ابن الرومي" في كتابه (ابن الرومي:حياته من شعره) 1963م ، درس فيه أصله، ونشأته، ومزاجه، وتكوينه النفسي والجسدي، وأرجع تشاؤمه إلى اختلال في أعصابه، وسخريته إلى خصائصه الجسدية، كما ردَّ عبقريته إلى أصوله اليونانية، وإلى الطيرة التي استحكمت به.
ثم وضع كتابه (أبو نواس: دراسة في التحليل النفساني والنقد التاريخي) حلل فيه شخصية "أبي نواس"، وأظهر (عقده النرجسية) لديه، وعلى ضوئها فسّر مجونه، معتمداً على (فرويد) و(أدلر)، و(يونغ)، وغيرهم حيث ورأى أنه كان جميلاً مفتوناً بمحاسنه، بسبب نقص غدد رجولته، وأنه لقي من أمه دلالاً زائداً بسبب شيخوختها، فاتخذها قدوة، مما وطّد له سبيل الانحراف عن الولع بالنساء إلى الولع بالرجال.
وتناول "طه حسين" شخصية (المتنبي) في نشأته، فرأى أنه كان يتستّر على معرفة أبيه وأمه ويتجاهلهما في الوقت الذي كان الناس فيه يتفاخرون بالأنساب، وأنه اتصل بالقرامطة لأنه كان مثلهم ثائراً على الأوضاع في بغداد ، ثم تتبع حياته في بلاد سيف الدولة، فرأى أنه شغل نفسه بحركة الحياة الخصبة التي كان يحياها سيف الدولة، وأنه أظهر نفحة الحزن عند كافور عندما وجد نفسه سجين العناء والمرارة.
كما درس "طه حسين" شخصية (المعري) فردّ ولعه بالتلاعب بالألفاظ إلى أنه عاش نصف قرن (رهين المحبسين): محبس البيت، ومحبس العمى، فطال عليه الزمن حتى ملَّه، فلجأ إلى قتل الوقت بالتلاعب بالألفاظ.
ودرس "شوقي ضيف" شخصية (عمر بن أبي ربيعة) فاستفاد من علم النفس، ووقف عند ظاهرة جديدة في الشعر العربي جاء بها عمر هي تحويل الغزل من المرأة إلى الرجل؛ فالمعهود هو أن يتغزل الرجل بالمرأة، لا العكس كما حدث مع عمر الذي أصبح هو المعشوق لا العاشق، وفسّر الناقد هذا التحول بأن عمر كفلته أمه بعد موت أبيه، فقامت على تربيته، وتعلقت به بوصفه وحيداً وجميلاً، وأغدقت عليه من فيض حنانها ودلالها، فانعكس ذلك إعجاباً بنفسه في شعره: فالنساء هن اللواتي يطلبنه، ويعشقنه، ويرغبن في وصله، بينما يختال هو عليهن، ويتأبى ويتمنّع إعجاباً بنفسه، وهذا الإعجاب الزائد بالنفس هو ما سماه علماء النفس بـ(النرجسية).
ثم أصدر "عز الدين إسماعيل" كتابه (التفسير النفسي للأدب) عام 1963م عالج فيه عملية الإبداع الأدبي، فرآها وليدة اللاشعور، وأنها كالحلم، تتخذ من الرموز أو الصور النفسية ما ينفّس عن الرغبات، كما حلل نفسية المبدع، ورأى أنه قد يكون عصابياً، ولكنه ليس مجنوناً، وعصابه لا دخل له في قدرته على الإبداع، لأنه حين يبدع يكون في حالة جيدة من الصحة النفسية، كما أنه ليس نرجسياً، لأنه حين يبدع يعوّض بإبداعه الأدبي عن نرجسيته.
ثم نشر "خريستو نجم" كتاب (النرجسية في أدب نزار قباني) عام 1983م قرأ فيه شعر نزار على ضوء (عقدة النرجسية) في التحليل النفسي، وهي عقدة مرضية تبتدئ في طفولة كل طفل، حيث يمر بمجموعة من المراحل النفسية، والتغيرات الفيزيولوجية ،وقد تتبع الباحث تطور هذه المراحل في حياة "نزارقباني"، واعتبر انتحار أخته إسهاماً في تسامي مشاعر الشاعر السلبية، فغدا الشاعر أنثويّ الإحساس، يعبّر عن مشاعر المرأة الرقيـقة.
ولكن عقدة (النرجسية) تنزاح عند الباحث ليجعل من الشاعر" انطوائياً، سادياً ، مازوشياً وأوديبيا ودون جواناً مسلّطاً" ويسقطها على شخصية "نزارقباني" ، كما تجاوز الناقد الأخذ من فرويد ليأخذ من معظم المدارس النفسية.
كما اعترف (يونغ) بذلك فقال:» إن المنهج الذي يمكن الوصول عن طريقه إلى حقيقة الفن لابد أن يكون منهجاً فنياً«(7) ، و عليه » فالتوغل في أعماق المريض - في علم نفس الأدب- ومساعدته على التداعي الحر لأفكاره، مسألة لا يقدر عليها إلاّ أديب، لأنّ المريض ههنا نص منثور أو قصيدة شعرية أو رواية مسرحية.ومعروف أنّ المختص في التحليل النفسي يتوخى اكتشاف العقدة لمعالجتها، بينما الأديب المحلّل يتوقف ملياً عند هذه العقدة، فيقارن أثرها الفنّي لدى شاعر معيِّن، بسائر الآثار لدى شعراء آخرين«(8)، ولعلّ هذا التمازج الفنّي بين "علم النفس والأدب" يشكل نقطة تحول وترابط عضوي يستدعي منا التأسيس لقاعدة ممنهجة أكاديميا في هذا الميدان العلمي الذي يحترم تفسير الظواهر الأدبية في ضوء التفسير النفسي لها.
3. المقاربة النفسية في ديوان سنابل النيل:
يعدّ الأدب صورة نفسية لشخصية الشاعر أو الأديب فالتّنفيس والتّوصل، عنده، دافعان متلازمان وشرطان ضروريان لبروز الفنّ ، ولا يغني أولهما عن ثانيهما،و هما: رغبة الفنّان في أن ينفّس عن عاطفته، ورغبته في أن يضع هذا التنفيس في صورةٍ تثير في كل من يتلقّاها نظير عاطفته ، والتنّفيس والتّوصيل مسألتان واردتان في النقد النفسي والأدبي؛ فأيّ عمل يبدعه أديبٌ صادقٌ أصيلٌ، إنما يريد منه التنفيس عن همومه ورغباته وعواطفه، وهو لا يكتفي بهذا، بل يريد أن يوصل عمله إلى غيره ليعيش معه تجربته فقد قيل، مثلاً إنّ "غوته" حرّر نفسه من آلام العالم بتأليف "آلام فرتر"، وأنّ الشاعر دي موسيه كان يلجأ إلى الشعر لإنقاذ نفسه من الانتحار ، وقد حلّل "ريتشاردز" عملية التوصيل، فرآها ضرباً من الموهبة، على استرجاع تجارب الماضي، وهذه القدرة هي التي تميّز الرجل الماهر في التوصيل، شاعراً كان أو مصوّراً، فالنص الأدبي له قيمته الجمالية والإنسانية المؤثرة في تدوين الأعمال الفنية» على أنّها تمثل وثائق أو أعراض مرضية« (9) خاصة في حالة الاستمتاع بقراءة قصيدة ما سواء كشفت لنا الحالة النفسية لصاحبها أم لم تكشفها عن ذلك.
الحقيقة أن المنهج النفسي حين أقحم في دراسة الظاهرة الأدبية، لم يكن يدرس الأدب باعتباره نسيجا لغويا، وإنما انكب على دراسة الظواهر الإنسانية التي تحفل بها المؤلفات الأدبية،لأن التجربة الأدبية لا تمثل إلاّ» حالة من حالات النفس«(10) .
و على هذا تتحرك المقاربات والإشارات اللفظية عبر مساحة المجموعة الشعرية "سنابل النيل" للشاعرة "هدى ميقاتي" بماديات جمالية لتتبلور داخلها نفسيتها عبر مستويات عديدة من العلاقات الثنائية التي تؤسس لمشهد الشاعرة الشخصي، وتماهيات الآخر عبر انكشافات الجهاز اللغوي من خلال تشكيلات الصورة وجمالياتها الرؤيوية ومرجعية الأثر النفسي، والجرأة الهائلة عندها، حيث تحيل الشاعرة لغة المدونة إلى خطاب تقرير حاد تؤكد فيه حضورها اللامتناهي عبر العديد من الثنائيات النفسية التي تصب كلها في ثنائية كبرى هي ثنائية: "الحزن والخوف"حيث تنضوي تحتها بقية الثنائيات الفرعية الأخرى.
و بهذا تصل بنا الشاعرة إلى درجة عليا من المزج و المعانقة بين ما هو حسي، و ما هو مادي فذلك هو نمطها التأويلي الذي جعل نقل الصفات بعضها إلى بعض يساعد، على نقل الأثر النفسي كما هو قريب، ممّا هو، و بذا تكمل أداة التعبير بنفوذها إلى نقل الأحاسيس الدقيقة، حيث يرى "عز الدين إسماعيل" أنّ » المنهج النفسي يسير مع الظاهرة الأدبية بشكل مواز «(11).
1.3.ثنائية العطف والخوف:
تشير الشاعرة – هدى ميقاتي- صراحة إلى » أن الإحساس بالعطف، والخوف من شأنه أن يخلّص من العواطف المشوشة والتافهة، ويجعلنا أكثر قرباً من الوجدان الإنساني العام البعيد عن الأنانية وتضخم الذات وضيق الأفق« (12)، وهذا ما تؤكدّه المدونة الشعرية حيث ينتقل فيها التوتر النفسي تدريجيا عبر الأصوات المهموسة التي تعكس رؤية الشاعرة للواقع ، ونظرتها الثاقبة التي تشخص خصوصيتها الأنثوية التي تعاني من وكزات الدّهر وصروفه، ومن هنا فالمبدع له علاقة وطيدة بنصه الأدبي الذي يعد علامة نفسية لحالاته وعليه» الإنسان المبدع لغز« (13) لم تسقط من قلمه حالات الحزن أو الخوف أو الفرح أو الطيش أو السكوت أو حدّة التصور أو البلادة إلى غير ذلك من آثار الأحداث النفسانية إلا وكان لها مرجعيتها في اللاشعور .
و فيما يبدو أن عنوان (ماذا جرى) المحذوف منه علامة الاستفهام قد وضع الشاعرة في حيرة ، وتعجب شديدين مما حدث في وطنها لبنان من حرب طائفية طاحنة أحرقت الأخضر ، واليابس فراحت تتذكر الأمسيات الجملية ، والصور الشادية في ربى وطنها .هذا الذي ضاع فجأة ، فراحت تلعن مرارة الشتات ، والتمزق ، والموت ، والدمار فتقول:
» أَيْنَ الجَمَالُ؟.. وَأَيْنَ نَجَمْاتُ المُنَى؟ فِي كُلِّ رَابَيَةٍ لَهَا مُتَسَكِعُ«(14)
حيث أصبحت البلاد ممزقة بين فصائل ، وألوية متناحرة على مناصب، وألقاب زائلة فتقول:» لَهْفيِ عَلَى الأَحْلاَمِ تَنْدُبُ حَظَّهَا * لَهْفِي عَلَى قِمَمٍ تُدَاسُ وَتُصْفَعُ«(15)
ثم تقول في قصيدة أخرى بعنوان (دمى متحركة):
» وَيَشُدّنِي خَيْطٌ.. يُذَكِرُّنِي بِأَنِّي دُمْيَةٌ
فِي جِسْمِهَا رَأْسٌ وَسَاقٌ..
وَبِأَنَّنَا فِي مَسْرَحِ.. وَسَنَلْتَقِي
فِي ضَمَةٍ« (16)
وعليه نجد أنّ » مهمة الفنان هي التعبير عن الانفعالات ، إنها انفعالاته على أية صُورة من الصور ولن يستطيع أحدُ أن يحكم هل عبرَ عنها سوى من شعر بها، ولو كانت هذه الانفعالات خاصة به ولا تخص أحداً غيره ، فلن يُوجد أحدٌ سواه قادرٌ على الحكم بأنه قد عبّر عنها أولاً« (17).
فالفجوة التي كانت تنخر في أديم ذاتها تبلورت في مجموعتها الشعرية سرية تكتمت عليها الشاعرة لتعطي انطباعا يوحي بالألم ، والآه الأنثوية عبر زفرات الصراعات السياسية، والأهوال
- التفاصيل
- كتب بواسطة: نعمان عبد الغني
- الزيارات: 3
بيع وشراء المباريات الكروية هل يخدم الرياضة
بقلم الأستاذ نعمان عبد الغني
مع اقتراب نهاية كل موسم كروي يكثر الحديث عن ظاهرة خطيرة استفحلت بحدة في السنوات القليلة الماضية في الملاعب العربية ، متمثلة في بيع وشراء المقابلات الكروية ويطلق العنان للشائعات التي تتداولها الجماهير، حيث أصبح من السهولة بما كان التعرف مسبقا على هوية الفرق البطلة والمتوجة بمختلف الألقاب وحتى الأندية النازلة إلى الأقسام الدنيا، الأمر الذي يجعلنا نطرح أكثر من نقطة استفهام.. كيف نمت هذه الظاهرة في ملاعبنا ومن يقف وراءها ومن يغذيها؟لماذا تتآمر فرق على حساب أخرى.. من المتهم ومن المستفيد؟ لماذا عجزت اتحادات الكرة بمعية الجهات المسيرة للمنافسة عن إيجاد حلول ناجعة لردع ومعاقبة المتسببين؟ هل فعلا تحولت الكرة إلى بزنس وتجارة وفقدت نكهتها وميزتها ؟
هذه بعض الأسئلة التي صرنا نسمعها في المدرجات وفي الشارع الرياضي ويطرحها العام قبل الخاص دون الوصول إلى إجابة مقنعة أو الاهتداء إلى حجج قوية تزيل اللبس أو قليلا منه.
لم يعد يخف على أحد من هواة ومتتبعي المنافسة الكروية بوطننا العربي أن تحقيق الانتصارات وحصد أكبر عدد ممكن من النقاط لا يكفي في غالب الأحيان للبقاء في المقدمة أو مراقبة السباق عن قرب,
أن الكرة العربية فقدت طعمها بسبب هذه العادات الموروثة في الأعوام الأخيرة والتي شوهت صورة الرياضة, لقد أصبحت الكرة بزنس وتجارة وصرنا نوقن أن الفرق المتوجة في آخر الموسم لا تستحق ذلك، لا لشيء إلا لأنها توجت على حساب المعايير الرياضية المتعارف عليها وخضعت لمنطق المادة الذي لا ينم بصلة إلى النزاهة وأخلاق اللعبة السامية.
أن المكالمات الهاتفية قد تفي بالغرض في أغلب الأحيان لتحديد نتائج المقابلات مسبقا, خاصة وأن عددا من الأندية يملك مصير فرق أخرى سواء في تحديد المتوج أو معرفة هوية الفرق النازلة.
وأمام هذا الوضع الذي آلت إليه كرتنا, فلا مانع من نشوب حساسيات بين الأندية هي بمثابة الأرض الخصبة لزراعة بذرة العنف وهي آفة لا تقل خطورة عن سابقتها.
والحد الأساسي في المعادلة والرقم المهم هم الحكام الذين مستهم ذات الاتهامات، وتشير مصادر غير رسمية أن عدد من الحكام حددوا نتائج عدة لقاءات بتواطئهم مع فرق على حساب أخرى مقابل عدد من الملايين, وأكد لنا عدد من الصحفيين أن موجة العنف التي تعيشها الملاعب العربية تعود بالدرجة الأولى إلى التحكيم السيئ والمنحاز في غالب الأحيان للفرق المحلية, الأمر الذي يثير سخط وغضب اللاعبين وينفجر الوضع ونعيش نهاية مأساوية في كل لقاء كما ألفنا ذلك.
إن سمعة أصحاب البذلة السوداء شوهت حتى على المستوى الدولي وما غياب الحكام العرب عن أكبر المحافل القارية والإقليمية لأكبر دليل على ذلك.
مع استفحال هذا الداء، فقدت الجماهير الرياضية متعة متابعة مقابلات الدوري لأنها تعلم مسبقا أنها لن تشاهد عروضا ونسوج كروية, حتى أن أنصار الفرق المتوجة بالألقاب فقدت طعم الفرحة بصنيع أنديتها وأصبح المناصر العربي يخشى على نفسه من أحداث العنف وما خلو المدرجات من الجماهير إلا دليل قاطع على فقد نكهة المتابعة وأصبحت اللقاءات الرسمية كأنها حصص تدريبية.
و أمام هذا الوضع الذي يزداد خطورة كل موسم فإن القائمين على شؤون اللعبة ببلادنا العربية عاجزون عن إيجاد حلول ناجعة وسن قوانين وعقوبات صارمة لردع المتسببين وإقصاءهم من الساحة الرياضية، وإن كنا نجزم بصعوبة المأمورية.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عمار نعمة جابر
- الزيارات: 2
( قاع ) للمؤلف العراقي عمار نعمة جابر
تحصد جوائز مهرجان فيلادلفيا الثامن للمسرح الجامعي العربي في الأردن
الناقد المسرحي جمال عياد / عمان
فازت مناصفة بجائزة أفضل إخراج مسرحي، مسرحية الكاتب العراقي عمار نعمة جابر ( قاع ) وهي من إخراج ثامر خوالده من الجامعة الأردنية، و ( لما النوم يغادر جفونك ) من إخراج جنى الحسن من الجامعة اللبنانية، في مهرجان فيلادلفيا الثامن للمسرح الجامعي العربي ، الذي نظمت فعالياته عمادة شؤون الطلبة في جامعة فيلادلفيا ( مقر أمانة المسرح الجامعي العربي)، في الفترة من (5) وإلى (10) من الشهر الجاري على مسارح الجامعة الأردنية وأسامة المشيني، ومسرح عمون، بدعم من مديرية الثقافة والفنون في أمانة عمان الكبرى وبالتعاون مع مديرية الفنون والمسرح في وزارة الثقافة ، وجاء ذلك أول من أمس في فندق باليميرا، بإعلان لجنة التحكيم الخاصة بالمهرجان المتألفة من د.أشرف أباظة والمخرج حكيم حرب والناقد المسرحي جمال عياد وباسم دلقموني ود.رامي حداد، تقريرها والمسرحيات الفائزة في حفل الختام الذي رعاه رئيس جامعة فيلادلفيا د. مروان كمال تحت شعار (العودة إلى اللويبدة)، وبمشاركة (250) طالبا ومخرجا وإعلاميا متخصصا، ينتمون إلى عشر جامعات ويتوزعون على خمسة أقطار عربية هي : العراق، سوريا، لبنان، سلطنة عمان، والأردن.
ومنحت لجنة التحكيم جائزة أفضل ممثل أول لعبده شاهين عن مسرحية لما النوم يغادر جفونك من الجامعة اللبنانية وعطية المحاميد عن مسرحية قاع من الجامعة الأردنية ، وجائزة أفضل ممثل دور ثاني مناصفة بين سليم علاء الدين عن مسرحية لما النوم يغادر جفونك من الجامعة اللبنانية، وهشام رضا عن مسرحية قاع من الجامعة الأردنية، كما وفازت بجائزة أفضل ممثلة أولى مناصفة بين مينا العوالي ونورا حسن عن مسرحية قاع ، وجائزة أفضل ممثلة دور ثاني مناصفة بين رولا تقي الدين ولما كوثراني عن مسرحية لما النوم يغادر جفونك من الجامعة اللبنانية. ومنحت جائزة أفضل سينوغرافيا مناصفة بين مسرحية لما النوم يغادر جفونك من الجامعة اللبنانية، ومسرحية قاع من الجامعة الأردنية.
وحاز على جائزة أفضل نص المسرحي مناصفة بين مؤلف مسرحية قاع الكاتب العراقي عمار نعمة جابر ، ومعدة مسرحية لما النوم يغادر جفونك من الجامعة اللبنانية، وجائزة أفضل موسيقى بين محمد الزيتاوي عن مسرحية قاع من الجامعة الأردنية، و لما النوم يغادر جفونك من الجامعة اللبنانية.
ومنحت لجنة التحكيم جائزة العمل الجماعي لمسرحية رياح الحريق من إخراج هشام غزال من جامعة تشرين، فيما فاز بجائزة أفضل عرض متكامل مناصفة بين مسرحية قاع تأليف الكاتب العراقي عمار نعمة جابر إخراج ثامر خوالده من الجامعة الأردنية، ومسرحية لما النوم يغادر جفونك من الجامعة اللبنانية.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: احمد عصفور ابواياد
- الزيارات: 4
بسم الله الرحمن الرحيم
عنوان المقال افول نجم اسرائيل والاحتياج الاميركي لها فهي الي زوال
بقلم الكاتب احمدعصفور ابو اياد
ليس هذا تنجيما للغيب او قراءة الكف ، لانني والحمد لله اؤمن بكذب المنجمون ولو صدقوا لقناعاتي الدينيه وايماني الشديد بانتصار الاسلام وزوال دولة العدوان ، وهذا نص قراني توراتي انجيلي لايختلف عليه احد من الديانات التي لم تحرف او تزور لمصالح ذاتيه ، وجود اسرائيل كان بقرار استعماري وزوالها سيكون بابتعاد البعد الاستعماري عنها كدوله وظيفيه لخدمة قوي الشر والاستعمار لجعلها مخلب قط بمنطقة الشرق الاوسط وقطع التواصل بين أي قوي دوليه متحالفه .
اول من رعي وجود دولة الكيان واعطاها صك الوجود كانت بريطانيا من خلال وعد بلفور المشؤم الذي اعطي ارض لمن لايملكها ضد ارادة شعب يسكن عليها ويملكها تحت مقولة شعب بلا ارض لارض بلا شعب ، أي يجب ان يطرد الشعب الفلسطيني من ارضه لاستجلاب الرعاع القادمون من خلف البحار لاحتلال تلك الارض، لم ياتي وعد بلفور من فراغ فنظر الساسة البريطانيون وبمقدمتهم ونستون تشرشل لايجاد امبراطورية الشرق الاوسط تحت الهيمنه العسكريه البريطانيه او مايعرف ببريطانيا العظمي ، وتضم هذه الامبراطوريه فلسطين والعراق والاردن ودول الخليج ومصر والسودان وتركيا وايران و شبه الجزيره الهنديه وافغانستان ودول اسيا الوسطي والتي احتلت من قبل الاتحاد السوفييتي لاحقا وعليه رات بريطانيا دورا محوريا واساسيا بايجاد كيان مسخ يقطع البر الاسيوي عن الافريقي لتشرذم حلم العرب بدوله عربيه واحده تكون مهابة الجانب بما تملكه من احتياطيات وموارد طبيعيه وبشريه هائله فكان الاختيار للصهيونيه لتنفيذ حلم قديم متجدد بارادة استعماريه ، فكان قرار اصدار وعد بلفور لهذا الغرض ، فرعت بريطانيا العظمي انشاء الكيان ومده بكل مستلزمات البقاء ، من دعم عسكري ولوجستي وحمايه دوليه ، بعد الحرب العالميه الثانيه وبروز اميركا كقطب موازي للاتحاد السوفييتي وانقسام العالم الي معسكرين متناقضين ودخولهما صراع الحرب البارده انتقل الارث الاستعماري لاميركا ومن هنا برزت حاجة اسرائيل الوظيفيه لاميركا بشكل اكبر وخاصه بظهور المد القومي العربي وارتباطه بالمصالح الاشتراكيه والاتحاد السوفييتي ، مما ادي الي الحاجة الوظيفيه لقطع اواصر الارتباط العربي والقومي والاسلامي ودخول التناقضات بين الزعماء العرب وما اشتراك اسرائيل باكثر من حرب بالمنطقه لتعزيز هذا الدور الا مؤشر علي ذلك ، لجعل المنطقه اكثر اضطرابا وحاجه للارتماء بالحضن الاميركي ، ولكن بعد زوال الاتحاد السوفييتي وانتهاء المنظومه الاشتراكيه ودخول دول اوروبا الشرقيه بالفلك الاميركي واندماجها باوروبا وحلف الاطلسي ادي الي تقهقر الدور الوظيفي الاسرائيلي بالاجنده الاميركيه ، كذلك اختلال معادلة الشرق الاوسط ودخول اغلب التناقضات العربيه السابقه بالفلك الاميركي ادي الي زوال الجانب الوظيفي للحاجة الي دولة الكيان ، وما حرب حزيران الماضيه ضد حزب الله الا لتبيان ذلك وبينت تضائل حجم الوظيفه المؤداه اسرائيليا وخسارة اسرائيل الحرب وتضعضها وبروز ايران كقوه اقليميه ادي الي ان دولة الكيان تكون عبء علي اميركا والتزاماتها بالمنطقه ، وعليه انني اري زوال الصفه الوظيفيه لدولة الكيان بالمنظور القادم ، وما نراه من التزام اميركي لها الا نتيجة لوبي صهيوني ديني واقتصادي يبتز اميركا بهذا المجال ، فهل ستصمد اميركا طويلا امام الابتزاز الصهيوني ، هذا ماستجيب عنه السنوات القادمه ، وعليه لن يطول الظلم لان دولة الظلم ساعه اما دولة العدل فتدوم لقيام الساعه ، والايام حبلي بالمفاجات وهذا ماوعدنا الله ورسوله وهو اصدق الواعدين دمتم ودام الوطن بالف خير .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: إبراهيم مشارة
- الزيارات: 2
وبداية فقد كان من حسن حظنا أومن سوئه - وللقارئ الكريم تقدير ذلك بعد قراءة المقال- أن نستدعى إلى أبو ظبي لمقابلة اللجنة بعد أن وقع علينا الإختيار من بين سبعة آلاف شاعر- كما قيل- إذ تلقينا مكالمة هاتفية يوم الإثنين05مايو تفيد أن موعد السفر غدا الثلاثاء 06 مايو مساء إلى الدوحة ثم إلى أبو ظبي لنصلها فجرا ولم نعلم لا بضرورة إحضار نص شعري أو انتقائه وفي أبو ظبي التي وصلناهها عند الثالثة فجرا بعد أكثر من ثماني ساعات طيران هتفنا إلى مندوب هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث الذي حضر ونقلنا - وكنا ثلاثة من الجزائر فتى وفتاة إضافة إلى كاتب المقال- إلى فندق ساندز الفخم في قلب مدينة أبو ظبي و كان التعب قد نال منا ويكاد الضحي أن يرتفع في المدينة بدون نوم ونفاجئ بمندوب الهيئة يخبرنا بضرورة التوجه إلى بهو الفندق استعدادا للذهاب إلى أحد الأستوديوهات لمقابلة اللجنة وأعلمنا بضرورة إحضار النص فقلت له أن لا نص بحوزتي لأنني لم أحط علما بذلك حين اتصلتم بي من أبوظبي،لولا أني استعنت بجهاز كمبيوتر موصول بشبكة الأنترنت وطبعت قصيدة "نهج الرسالة" التي شاركت بها أول الأمر من ديواني الإلكتروني، وحين وصلنا أحد الأستديوهات حيث تقبع اللجنة التي سنقابلها نصبت خيمة غصت بالشعراء أحدهم يراجع نصه والآخر يسأل عن كيفية كتابة الهمزة في كلمة والآخر حكم العدد والمعدود وأحددهم يتمتم بالدعوات لتجيزه اللجنة وآخر يقرأ كلاما على مسامع البعض بلا وزن ولا قافية ويسألهم في إلحاح رأيهم في شعره، ومال علي رفيقي الجزائري يقرأعلي نصه فسألته من أي بحر هذه القصيدة؟،فأخبرني أنه شعر بلا وزن ولا قافية وموسيقاه الداخلية وحدها تكفي فأخبرته أن الشعر لا يسمى شعرا إلا إذا خضع للوزن وأدركت أنه لايعرفه ! وتساءلت في نفسي كيف اختير من بين السبعة آلاف شاعر ؟
وتطلب منك الفتاة أن تقدم القصيدة وتملأ الاستمارة ، تذكر فيها اسمك وسنك وبلدك ووظيفتك ووثيقة أخري تلتزم فيها بعدم إفشاء أي سر أوالإدلاء بأي حديث بعد مقابلة اللجنة وتوقع على ذلك التعهد ،ومن حين لآخر يدخل شاب ينادي على ثلاثة ويذهب بهم إلى الأستديو وحين تدخله لابد أن تدخل غرفة تقابل فيها الكاميرا تعرف فيها بنفسك وتجيب عن سؤال هل تتوقع أن تكون أمير الشعراء؟
وتجلس في قاعة أخرى لتتلقى من يرشدك إلى كيفية الاستعداد لمقابلة اللجنة حتى إذا أتممت تدريب المشي تم تصويرك ثم إذا أشرفت على اللجنة وجدت شابا يرشدك إلى طرقة الدخول عليها وينبهك إلى عدم المصافحة والاكتفاء بالسلام والجلوس بعد الإذن لك وينبهك في إلحاح شديد إلى عدم الاعتراض أو المناقشة أو المكابرة بل الاستماع فقط !
وتقرأعلى مسامع أعضائها الدكتور المرتاض والدكتور الفضل والنايف الرشدان وآخر لا يحضرني اسمه ،أما الدكتوربن التميم فهو في سفر إلى لندن .
قرأت قصيدة " نهج الرسالة "وهي من الكامل ومطلعها:
ذكرى النبي سنا أضاء بطاحا
فأحال ليل الكائنات صباحـــــا
وكنت نشرتها في كثير من المجلات والمواقع الشعرية واستحسنها الكثيرون
فقد استحسن الناقد الكتور مصطفى عطية جمعة قولي عن سنوات العمر:
ويلاه ماخبري وتلك سفائني
غيلت صواريها نوا ورياحا ؟
وأشاد بها الشاعر الدكتور جمال مرسي في ملتقى الأدباء والمبدعين العرب والدكتور عمر هزاع في تجمع شعراء بلا حدود وغيرهم كثيرون وآراؤهم في القصيدة مبثوثة في عشرات المواقع التي نشرت فيها والقارئ الكريم يمكنه أن يطلع عليها في مواطنها وفوجئت بأول رد عنيف من أحدهم أن في القصيدة فقرا فنيا ومن الأخر عدم الرضا عن قولي :
ضمخت أنفاس الليالي بالهوى
وملأت أبيات القصيد ملاحـــا
وشدوت في أذن الزمان مسرة
وسكبت في جيب النديم الراحا
حتى إذا راجعت أمسا سالفـــا
أبصرت آثار السنين قباحـــــا
فالمقام –وهو مدح المصطفى عليه الصلاة والسلام- لايجوزفيه ذكر الخمر والملاح ولأنه ليس لي حق الرد سكت مع أن صاحب البردة يقول في نفس السياق وشتان بيننا !
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا
إلا أغن غضيض الطرف مكحول
وشوقي يقول أيضا:
ريم على القاع بين البان والعلم
أحل سفك دمي في الأشهرالحرم
لما رنا حدثتني النفس قائلــــــة
ياويح جنبك بالسهم المصيب رمي
جحدتها وكتمت السهم في كبدي
جرح الأحبة عندي غير ذي ألــــم
وكنت أحفظ القصيدتين ولكن اللجنة تمنع المناقشة !
كان شعوري أني أمام محكمة تفتيش وأن ذلك الجو المشبع بالقهر والوقار المصطنع والحركات البروتوكولية الجوفاء من قبل أعضاء اللحنة الموقرة ماهو إلا ديكور لتزكية الرداءة ومباركة ثقافة الكليبات وإجازة الكلام الملئ بالعثرات اللغوية أوالمفتقد إلى الوزن مادام يرضي أذواق الجمهور حين التصويت تماما شأن التصويت على المغنين وملكات الجمال واللجنة لا يهمها شئ مادامت تزكيتها اشتريت بالملايين!
وتخرج من محكمة التفتيش لتدخل غرفة تقابلك كاميرا وتجيب عن سؤال سبب عدم إجازة قصيدتك وإذا انتقدت اللجنة الموقرة فمقص الرقابة سيعمل عمله !
وحين العودة إلى الفندق وكنت في زهو شديد لأني أقصيت وحمدت الله أن تم ذلك حتى لاتستمر المهزلة المتلفزة لأجد نفسي في مواجهة مع من لايفرق بين خبل أو خبن. تذييل أوتسبيغ علة أوزحاف وربما لا يحسن كتابة عروضية، وهو نفس الشعور وجدته عند لفيف من المبدعين الذين تم إقصاؤهم، هذا شاعر سوري يدعى منير خلف له ديوان وأكثر من جائزة حكموا بعدم شاعريته ،وتلك شاعرة سورية تدعى قمر لها أربعة دواوين لم ترق للجنة الموقرة، وهذا الجراح المصري في مستشفي الملك عبد العزيز بجدة الدكتور محمد أيوب نشأ على حب القريض وصوغه ندم على المشاركة ورأى أنه أهان نفسه حين قبل المثول بين يدي هذه اللجنة ينافسه- عيال- دونه شاعرية ومركزا، ومال علي ليخبرني أن الناس وربما أعضاء هذه اللجنة ينتظرون منه موعدا للفحص بعد ستة أشهر ،كيف قبل أن يهين نفسي إلى هذا الحد؟
وذاك شاعر مغربي من الحائزين على جائزة ناجي نعمان الأدبية -عبد اللطيف الوراري -صاحب ديوان مطبوع لم تجزه اللجنة هو الآخر وذلك شاعر من السودان الشقيق هو محمد حسن السيد وقد أهداني ديوانه لم يرق للجنة هو الآخر وأما المأساة فتمثلت في شاعر كفيف من ليبيا يحضر لأطروحة الماجستير عن البلاغة القرآنية فقد بقي مرميا ينتظر الدخول على اللجنة دون أن يقدر المنظمون عاهته ويأخذوا بيده فيقدمونه على غيره ليقابل اللجنة ولكنه شاعر جيد لذا كان ينبغي إقصاؤه فهو لا يصلح لسوبر ستار الشعر العربي !
إن هذه الحصة المتلفزة تسعى إلى جلب أنظار الملايين من المشاهدين ومن ثمة النزول إلى مستواههم وأذواقهم المتآكلة وتقديم برنامج فج تماما كأكاديمي ستار أوغيرها من الحصص الترفيهية الهزيلة المستوى والذوق ودغدغة مشاعرهم بكلام بعيد عن الشعر قريب من الغريزة يناسب القطاع العريض من تلك الجماهير،
وشركات الاتصالات لها دور في هذا البرنامج فرسائل التصويت أس .أم . أس تدر عليها أرباحا خيالية والمتسابقون الخمسة والثلاثون لبعض الدول لهم التمثيل الأكبر بسبب تصويت مشاهدي تلك الدول الكثيف.
إن هذا البرنامج في صيغته الشعبوية يحقق لقناة أبو ظبي الفضائية سمعة ورواجا وغني عن البيان أن الشعر الجاد والمنظوم حسب الأصول وفي لغته الفصيحة الشعرية تنصرف عنه تلك الجماهير بسب ضحالة تشكيلها الثقافي والجمالي.
إن كثيرا من الشعراء الموهوبين من الذين انطلت عليهم الحيلة العام المنصرم رفضوا المشاركة هذه السنة وإن كثيرا من النوابغ لم يشاركوا أصلا لأنهم يعرفون مسبقا بفضل ذكائهم الفطري أن مثل هذه البرامج ربما تسبب لهم صدمة أو تطيح من أقدارهم حين تجمع الغث إلى جانب السمين واللاشعر إلى جنب الشعر ويفضلون المشاركة في مسابقات جادة كجائزة البابطين وسعاد الصباح وجوائز مجامع اللغة العربية والشارقة وجائزة البردة وغيرها حيث المنافسة الحقيقية والأحكام الجادة النزيهة.
كيف تدرس اللجنة الموقرة سبعة آلاف قصيدة في أيام معدودة وتختار ثلاثمئة شاعرا، هل هي تقيم شعرا، لغة وجماليات وصورا شعرية أم تقرأ رسائل أس. أم . أس
وسؤالي إلى اللجنة الموقرة كيف اجازتني بقصيدة نهج الرسالة أول مرة ثم أقصتني بنفس القصيدة؟
وقد شاهد المتفرجون الأكارم يوم الخميس المنصرم كيف أهانت اللجنة شاعرا سودانيا دخل بالعصا فتهكمت منه اللجنة واستشهد أحدهم بالآية الكريمة عن عصا موسى واللجنة لا تعرف ماذا تمثل العصا لشاعر من سند نفسي ولو كان هناك ناقد غربي لما اعترض على الشاعر دخوله بالعصا ،وأم كلثوم كانت تغني ةهي تمسك بالمنديل لأنها تعودت على ذلك.
وأخيرا نوجه الشكر إلى هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث على الكرم الحاتمي فقد استضافتنا في فندق فخم
وتحملت مصاريف التنقل الباهضة وأتاحت لنا أن نتعرف على بعض الموهوبين من أصحاب المواهب الشعرية الحقيقية والمنتجة والتي تم إقصاؤها فتبادل الأصدقاء الدواوين والعناوين ورب ضارة نافعة!
ونقول للجنة الموقرة ماقال بصير المعرة لعميانها ذات يوم :
تشابه النجر فالرومي منطقه
كمنطق العرب والطائي مرطان
وننصح هيئة الثقافة في أبو ظبي بضرورة تغيير اللجنة لأن الاحتكار حرام في الشرع الحنيف وهناك نقاد وشعراء أكفاء وأصحاب مؤلفات كثيرة يحسن إعطاؤهم الفرصة لمقابلة الشعراء المتنافسين وهذه اللجنة أخذت حقها وزيادة فالديموقراطية تنشد التغيير لأنه سنة الله في كونه وأن لا تنزل بالشعر المصون عن الإسفاف إلى مستويات دنيا والتردي به في دركات النقص بتلبية أذواق معطوبة شوهاء قاصرة عن الارتقاء إلى رفعته وأن الشعر ليس ككليبالت الغناء أو مسابقات الطبخ أوتصميم الأزيا ءأو مسابقات ملكات الجمال،وأن إجازة العي والفهاهة تكريس للراهن الردئ والحمد لله أن إماة الشعر في أبو ظبي ليست شهادة يعتد بها فهي كموجة الغناء الشبابي يبزغ في الفجر ويأفل في الضحى وستبقى الإمارات رغم هذاالبرنامج الضحل قبلة المثقفين ففيها من الجوائز الجادة الشارقة للإبداع الأدبي والبردة وغيرهما ولكل جواد كبوة !
وهنيئا بإمارة الشعر ل.............وأكاد اكتب اسمه فليعذرني القراء الأكارم.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: رشيد شاهين
- الزيارات: 4
أميركا وبوش والعرب
رشيد شاهين
عندما كنا نقول بأن الولايات المتحدة الأميركية بإداراتها ورؤسائها السابقين واللاحقين تقف بشكل منحاز وسافر إلى جانب القوى الامبريالية والاستعمارية في العالم، وأنها تقف إلى جانب الكيان العبري منذ تفجر الصراع العربي الإسرائيلي عندما تأسست دولة الاحتلال بقرار مجحف فيه الكثير من التآمر الدولي والعربي على فلسطين الأرض والشعب، كان البعض يقول بان هذا إنما يأتي ضمن الاصطفافات الحاصلة حينذاك مع احد القطبين الرئيسيين في العالم – الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة- وانه محاولة لتعميم الفكر الإلحادي المعادي للحرية والديمقراطية التي تبشر بها أميركا والغرب بعامة.
أما وقد غاب وأفل نجم الاتحاد السوفييتي الذي كان يشكل في فترة من التاريخ عاملا مهما في كبح جماح مطامح ومطامع أميركا، فانه لم يعد من الممكن توجيه مثل هذا الاتهام لمن وقف ولا زال يحافظ على هذا الموقف في رؤيته لما هي عليه الولايات المتحدة الأميركية من عدوانية ورغبة في التسلط والسيطرة على شعوب وبلدان العالم، بغض النظر عن الطريقة التي قد تمارسها سواء كانت عن طريق الهيمنة العسكرية أو الاقتصادية أو فرض الحصار أو أي من الطرق التي لا تتردد أميركا باستعمالها من اجل تحقيق أهدافها، حيث أن لا محرمات أو ممنوعات يمكن أن تمنع هذه الدولة عن تحقيق ما تريد وهناك من التجارب معها الكثير- نعتقد بأن نظرة بسيطة الى الطريقة التي تشكلت بها الولايات المتحدة من خلال القضاء على جنس بشري بأكمله واستعمال الأسلحة الذرية في اليابان تكفي للتدليل على العقلية الأميركية- .
أميركا ومن يسير في ركبها يحاولون نفي هذا الاتهام ويعتقدون أن الولايات المتحدة لا تستحق أن تقابل من قبل الآخر بمشاعر الكراهية أو عدم الود، لكن ما الذي قدمته أميركا منذ أصبحت القطب الأوحد والمسيطر لا بل سيدة العالم، وهل تغيرت الذهنية الاستعمارية والاستعلائية وسياسة الاستكبار والتسلط التي تحكم من يقومون على هذه الدولة، هل تغيرت السياسات الأميركية خاصة وانه لم يعد هنالك ما يبرر هذه السياسة التي كانت الإدارات الأميركية تحاول ربطها بوجود الاتحاد السوفييتي.
نعتقد بأن بإمكان أي مراقب أن يرى بدون أدنى عناء أنه منذ العام 1990 لم تقم الولايات المتحدة الأميركية سوى بكل ما ينم عن العقلية الاستعمارية التي تتحكم بالساسة الأميركيين، وان وجود أو عدم قوة أخرى منافسة لأميركا ليس سوى حجة تتلطى خلفها أميركا من أجل تنفيذ مخططاتها التي كانت دائما موجودة من حيث الرغبة في السيطرة على العالم.
وفيما يتعلق بالأمة العربية والإسلامية و بفلسطين -في الفترة ذاتها-، فإننا لم نسمع من الإدارات الأميركية التي تعاقبت على البيت الأبيض - والتي كانت عبارة عن حكم آل بوش عمليا حيث سيطر الأب والابن على مقاليد الحكم هناك لو استبعدنا فترة كلينتون – سوى جعجعة ولم نر طحينا ولا حتى شيئا يشبه الطحين، فلقد استطاع الأب أن يخدع الأمة العربية حينما قال بأنه سوف يقوم بحل المسالة الفلسطينية وعمل " هليلة" مدريد بعد أن جرجر القادة والجيوش العربية الى حفر الباطن وحصل الذي حصل للعراق في حينه، وقد اتبع الابن – فرخ البط- الشيء ذاته حينما قال بأنه سوف يحل المسالة الفلسطينية في فترة أقصاها العام 2005، ثم غير ذلك ليصبح 2009، ومن ثم عاد ليقول بأنه سيفعل ذلك في العام 2008، وهو عندما قال ذلك في البداية فإنما كان يحضر لغزو العراق واحتلاله وتحويله الى احدى المشيخات التابعة للسيد الأميركي وقد نجح في ما أراد وها نحن لا نزال نرى ما الذي جرى ويجري في العراق.
وها هو يأتي إلى المنطقة ويقول كل هذا الذي سمعه من أراد سماعه، ويحاول إن يستقطب من المؤيدين والحلفاء من يستطيع بحجة الخطر الإيراني والخطر اللبناني ممثلا بحزب الله والخطر الفلسطيني ممثلا في حركات الجهاد وحماس والقوى المقاومة الأخرى في فلسطين، ويربط كل ما هو إسلامي مقاوم بالإرهاب، وصار السيد بوش حريصا على السنة وأهل السنة وكأنه واحدا منهم، لا بل أكثر جزعا من كثيرين منهم على المذهب، خاصة الذين لا يصدقون كلمة مما يقول حول الخطر الشيعي المزعوم الذي صار ينظر ويروج له من ربط نفسه بأميركا ومن معها من شيوخ الإفتاء الجاهزين لإصدار الفتاوى حسب الطلب.
الرئيس الأميركي جورج بوش الذي كذب وأركان ادارته مئات المرات في القصة العراقية بحسب الإحصاءات الأميركية كرر الكذب ذاته فيما يتعلق بفلسطين، إلا أن أحدا لم يرصد عدد المرات التي كذب فيها بوش في هذه المسألة على ما يبدو، بوش ظل يكذب حتى اللحظة الأخيرة وعندما أراد إن " يبق الحصوة" لم يتردد في أن يأتي إلى المنطقة ويعلن للأمة ومن على منبر الكنيست بأنه كذاب أشر، لا بل هو وبفعلته تلك إنما كشف عن وجه فيه من القبح أكثر من فيلنائي الذي وعد أهل غزة بهولوكوست جديد لا بل ما هو اشد من الهولوكوست، خاصة عندما ذهب بعيدا في تصوير دولة الاحتلال بأنها دولة الحرية والديمقراطية في المنطقة - وربما في العالم بحسب بوش- وهو لم يكتف بذلك، لا بل لم يشر حتى ولو بإشارة عابرة عن معاناة أبناء فلسطين الذين يقبعون في مخيمات الشقاء منذ النكبة وعلى بعد كيلومترات فقط من المكان الذي كان يقف فيه بوش ملقيا خطابه.
بوش لم يكتف بذلك بل هو زج الشعوب الأميركية في الصراع الدائر عندما قال بان إسرائيل يجب أن تعرف بأنها إذا ما واجهت الأخطار فان هذا يعني بان عليها أن تعلم بان شعب الولايات المتحدة بكامله يقف الى جانبها. كما وانه وجه لطمة لكل الحالمين والمراهنين على الولايات المتحدة الأميركية بأنها قد تكون وسيطا نزيها في حل المسالة الفلسطينية، وهو لم يكتف بهذا بل ذهب أبعد منه عندما تدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية التي تعتبر حليفا استراتيجيا لأميركا عندما أشار إليها فيما يتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان في صفعة ربما لم تكن تتوقعها.
الزيارة التي قام بها بوش الى إسرائيل محتفلا بذكرى تأسيسها على أنقاض الشعب الفلسطيني وما تخللها من مواقف جلية واضحة عن دعم غير محدود لدولة الاحتلال، كان يجب إن تكون مناسبة للقادة العرب أن يعتبروا، وان تكون فرصة لهم للاحتجاج بصوت واحد مدو ضد أميركا وسياستها واستهتارها واستعلائها، وكان يجب إن تكون هذه الزيارة هي " الحجر" الذي يدق جدران عقولهم ليدركوا بان رهانهم كان دوما رهان خاسر، وان الولايات المتحدة الأميركية التي اصطفوا الى جانبها لا تصطف الى جانبهم، وان لها حساباتها التي تختلف عن حساباتهم، هذا إن كان لديهم ما "يحسبون" سوى عدد المليارات التي جمعوا من خلف ظهور وعلى حساب شعوبهم.
بيت لحم 21-5-2008