مجلة أقلام الثقافية
  • الرئيسية
  • هذه المجلة
  • المنتديات
  • الشاعر سامر سكيك
  • انضم إلينا

واحة الإبداع

  • الشعر الفصيح
  • القصة والرواية
  • الخاطرة والنثر
  • مقالات متنوعة
  • الفن التشكيلي
  • بحوث ودراسات
  • أدب عالمي

أقلام متخصصة

  • حديث أقلام
  • القلم الديني
  • القلم السياسي
  • القلم الفكري
  • القلم العلمي
  • القلم النقدي
  • القلم الاقتصادي
  • تحقيقات صحفية

اخترنا لك

  • أعلام ومشاهير
    • أرشيف
  • قراءة في كتاب
    • أرشيف
  • مختارات شعرية

زوايا متنوعة

  • إدارة وأعمال
  • مسرح ومسرحيون
  • شؤون فلسطينية
  • للنساء فقط
  • الصحة والناس
  • من هنا وهناك
  • علوم وتكنولوجيا
    • أرشيف
  • تربية وتعليم

موسوعات أقلام

  • أدباء ومثقفون
  • قصص الأنبياء
  • التاريخ الإسلامي
  • شعراء وقصائد
  • عقائد وأديان

تسالي وترفيه

  • شرح الأبراج
  • ابتسم مع أقلام
  • ألغاز سريعة
  • اختبر ثقافتك

بين مخافتين

التفاصيل
كتب بواسطة: جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية
نشر بتاريخ: 05 مارس 2005
انشأ بتاريخ: 05 مارس 2005
الزيارات: 4

بين مخافتين

جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية

 

يقع الباحث عن سبيل سوي للتعامل مع اختلاف الناس طوائف ومذاهب بين مخافتين، مخافة القمع والاستبداد، ومخافة الانشقاق والتمزق، فإن مَنَعَ الاختلاف المذهبي وَقَعَ في الاستبداد، وإن أذن تسبب في تفرق المجتمع طوائف ومذاهب.

 

ومما لا شك فيه أن وحدة الناس/ الأمة/ الشعب/ الوطن/ على أمر جامع في كل شيء، أو في كل شيء هام على الأقل، هو حلم ذهبي، وأمل ظل مطمعاً إنسانياً ولا يزال، ولكنه ظل دائماً ممتنعاً ومستحيلاً، فإن حدث لأمة ما، فلفترة، ثم لا يلبث الناس يختلفون.

 

إن الإنسانية وأمام هذا التردد بين التوحد المأمول والمترائي بالإمكان، وبين الواقع الذي لا ينفك يثبت لنا أنه مستحيل، وإن تراءى فكالسراب، لا يلبث أن  يزول، ظلت تترد في تاريخها بين طلب الوحدة ولو بالتعصب وبين التسليم لحقيقة الاختلاف ولو باليأس من سواه.

 

تاريخ الوعي الإنساني يدون هذا في السياسة والمجتمع، فطوراً كان يطلب الوحدة ويعذب على الاختلاف، ويعتبره عامل فرقة وتمزق، أو سبب تلوث وانحراف، وتارة أخرى يستسلم للطبيعة فيقر الاختلاف ويشرع له، فالذين تتبعوا تاريخ الأديان وعلاقاتها مع الدول وأنظمة الحكم منذ العهود القديمة، رصدوا تقلبات السياسة مع الأديان والمذاهب، فتارة الدولة حرب على أهل دين أو مذهب ما من المذاهب المخالفة لدين الدولة الرسمي، وتارة نفتح أمامها أبواب الخصوصية التعبدية والتشريعيّة، لا بل تزيد فتجعل للطائفة أو المذهب المختلف محاكمه الخاصة، وتقيم على أهله حَكَمَاً من أهله يكون هو وجهها ووجيهها عند الدولة، مثال على ذلك حال اليهود في الدولة الفارسية، فبينما هم سبي يساقون بالمذلة، فإذا هم أقلية معترف بها وبخصوصيتها، تتكفل الدولة بحمايتهم وإعادة ما تهدم من معابدهم أيام قورش، وكذلك الحال بالنسبة لهم في الدولة الرومانية، فطوراً تحتقرهم الدولة وتنظر إليهم كعنصر نشاز في المجتمع، وطوراً تعترف بخصوصيتهم وتجيز شرعتهم الخاصة بهم، وكذلك الحال بالنسبة للنصارى في الدولة الرومانية، فبينما كانوا يعذبون وينفون ويحتقرون، فإذا قد تبدل بهم الحال إلى الدرجة التي تتبنى فيها الدولة دينهم، وبينما هم مضطهدون من الدولة واليهود فإذاهم يضطهدون اليهود لما آل لهم السلطان، وبينما كانوا يطلبون الاعتراف بخصوصيتهم فإذا هم ينكرون على كل الآخر خصوصيته ويفرضون " الإيمان " قهراً.

 

وعند المسلمين كان الأصل في الدين الاعتراف لأهل الكتاب بخصوصيتهم والإقرار لهم بشريعتهم، بل وفتح أبواب المخالطة بالزواج والمطاعمة معهم وإن من جهة واحدة على الأقل ( التزوج لا التزويج )، وبه عاش أهل الكتاب حياة هادئة مستقرة وإن كانوا من الدرجة الثانية، ولكنه كان عرضاً ممتازاً بالنسبة لهم كأقلية، فأعفوا من الحرب وفرضت عليهم ضريبة غير دينية، وسمح لهم بالبقاء على كل خصوصياتهم، إلاّ أنهم كذلك تعرضوا في فترات لأمزجة الحكام، وكانت هذه الخصوصية وبالا عليهم أحياناً ففرض عليهم نمط خاص من اللباس، وقواعد خاصة في اللياقة، وكانت أحياناً توضع لصالحهم فلا تلبث أن تكون وبالاً عليهم[1]

 

الخصوصية سيف ذو حدين:

إن الموقف من خصوصية الأديان والمذاهب المخالفة للدولة هو سيف ذو حدين، ففي البداية يكون الأمر حسناً، لما فيه من إعطاء الحق للإنسان في اختيار دينه وعقيدته وشريعته الخاصة، ولكن لا يلبث الأمر أن يركز الفارق والمائز لهذه الطائفة أو تلك عن سائر أبناء المجتمع، أو يميز كل طائفة عن الأخرى بجدر الخصوصية، فيرسم الواقع خطوطاً حقيقية تفصل بين هذه المذاهب والطوائف قد تبدأ سلمية ومعترفاً بها عرفاً، ولكنها لا تلبث طويلاً حتى تحتمل بإمكانية الانقسام والحرب الأهلية كلما توافرت عوامل تمييزية سياسية واقتصادية داخلية أو خارجية، فكلما بالغ اليهود عبر تاريخهم في الحفاظ على خصوصيتهم الدينية، تولدت منها خصوصيات تشريعية وسلوكية واجتماعية، تجعلهم في نظر الآخرين غرباء، حتى يعزو بعض المؤرخين ما عُرف بظاهرة اللاسامية لحرص اليهود الشديد على الخصوصية عبر تاريخهم الطويل، ينقل جورج قرم عن مرسيل سيمون قوله " بحكم من أن اليهود يعيشون على حدة، بلا اتصال حميم مع الوثنيين المجاورين لهم، يشدهم إلى بعضهم بعضاً التقيد بتعاليم وطقوس قد يعسر أحياناً على الأجانب فهمها، فإنهم يعرضون أنفسهم لجميع الاتهامات التي يصوغها خبث الجمهور بحق المجتمعات المغلقة"، وكان عدم مشاركة المسيحيين للملوك الرومان الوثنيين في طقوسهم العبادية دليلاً عند الأباطرة على تمرد سياسي مما عرَّضهم لقمع الدولة[2]

 

ومن القرآن الكريم يمكن استعراض بني إسرائيل كشعب مختلف الدين والعقيدة عاش تحت سلطة دولة مصر الفرعونية في اليمن القديم، ففي عهد فرعون يوسف الريان بن الوليد حظي بنو إسرائيل من خلال يوسف بمعاملة خاصة أقرَّت لهم بخصوصيتهم الدينية دون أن تكون تلك الخصوصية سبباً في عزلهم واحتقارهم، لأنها كانت ثمرة مبادرة يوسف ( ع ) في حماية المصريين من هلاك شامل، أقرَّت له الدولة والمجتمع بفضله، ولكن إلى حين، فما لبثت السنون حين تطاولت حتى نسي المصريون يوسف وفضله، وعادت الأمور إلى طبيعتها، فاستعبدوا بني إسرائيل، وما أن بلغ الحال عهد فرعون موسى، حتى كان يذبِّح أبناءهم ويستحيي نساءهم، فكان يُعبّد بني إسرائيل.

 

إن الطريق للتعامل مع الخصوصيات الطائفية والمذهبيّة ليس بالأمر الهين، وهو طريق كالصراط يمينه مهلكة ويساره مهلكة، مع دقته وحدته، فإن منعنا الخصوصية سقطنا في الاستبداد، الذي هو مفتاح كل شر، ومعبر نحو دمار المجتمع وتمزقه، وإن سمحنا بها دون دليل وهدى، شقَّت فواصل وصدوعاً بين المذاهب والطوائف المختلفة في المجتمع الواحد.

 

في الدول القديمة كان الحال يتوقف على رأي النخبة الحاكمة، من الإمبراطور وخاصته فهي التي تقرر وفق ما تراه مناسباً لمصالحها ساعتها، هل ستسمح أو ستمنع الآخر المختلف، فبعضهم كان يسمح حتى لمجرد الفخر بأن مملكته تضم أشتاتاً من الأعراق والأديان، وأنه كما الرب في السماء، رب في الأرض للأحمر والأصفر المؤمن بدينه والمؤمن بسواه، وبعضهم يضيق به أن يجد مخالفاً له فيسير على ضلال فرعون (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) (الشعراء:29) وبعضها كان يفرض دين قومه على غيرهم، ولكن عقبة الأديان عقبة كأداء، تضطر الجبابرة كثيراً للتسليم باستحالة المواصلة في القتل والتعذيب للآخر المختلف الذي يُبدي إصراراً على التمسك بخصوصيته مهما كانت التضحيات، وهكذا كان الحال قديماً في صعود وهبوط.

وأما الدولة الحديثة التي نشأت في أوروبا على أنقاض سقوط سلطة الكنيسة، والتي فصلت بين الدين والدولة وأقامت الدولة العلمانية، وحوَّلت فقهيا الدولة إلى أمة واحدة، مهما كانت متعددة الأعراق والطوائف، وابتكرت مفهوم المواطنة كانتماء بديل عن الانتماء الديني والعرقي والمذهبي، واستبدلت الشريعة الدينية بشريعة الدستور والقوانين المتفرعة عنه، وسلبت حق التشريع من يد رجال الدين والأباطرة، فجعلته حقاً محصوراً في البرلمان الممثل لإرادة الشعب، هذه الدولة الحديثة وجدت نفسها وجهاً لوجه أمام الخصوصيات الدينية والمذهبيّة، فبعض منها أقرّ بالخصوصيات في حدود الشئون الشخصية من عبادة وزواج ولو بمقدار، وبعض آخر أصر عل النقاء العلماني، وفرض شريعة البرلمان على سائر الأديان والمذاهب والأعراق، فلم يأذن حتى بالمحاكم الشرعية الشخصية، وفرض شرعته في الزواج والإرث وغيره، وعزل الشأن التعبدي عن الدولة: وبالتالي حاولت الدولة الحديثة الخروج عن نطاق الخصوصية الدينية والمذهبية بفرض الأمة الوطن وبفرض شرعة الدستور والقانون العلماني شرعة جامعة للجميع.

 

نجحت الدولة العلمانية في أوروبا وفي سائر الدول التي تخلت شعوبها عن شريعة دينها أو لم تكن لها شريعة من الأصل، في فصل الدين عن الدولة، وفي إلغاء الشريعة الدينية واستبدالها بشريعة القانون البرلماني، فالأوربيون هم كشعوب من أسقط سلطة الكنيسة، بعدما كفروا بها وبسلطانها، فالعلمانية الأوربيّة قامت على أرضية شعبيّة ونخبوية في آن، والجغرافيا السياسية الأوربيّة قد وطأتها الدولة القومية لاستقبال الدولة العلمانية، فأكبر الدول وأكثرها هي من قومية واحدة وثقافة واحدة كفرت بالكنيسة، فسهل استقبالها للدولة العلمانية.

 

ولكن المسألة لم تكن ناجحة في دول البلقان، حيث تضم الدولة قوميات وأديانا مختلفة، ولهذا كانت البلقان كمثل العناصر القلقة إشعاعيا في أوروبا، لا تلبث أن تتولد عنها انفجارات مدوية، وكذلك الحال في الاتحاد السوفيتي، فمع تطرفه العلماني إلاّ أنه لم يتمكن عبر نظامه السياسي من الدمج الواقعي بين مختلف مكونات شعوبه وأديانها، فكانت الهيمنة طوال عهده للشعب الروسي، فهم القادة والعلماء والأساتذة، ولم يتمخض بعد سبعين سنة من التوحيد القهري العلماني إلاّ عن شعوب أسلامية متخلفة كمثيلاتها في الشرق، فكانت كل الشعوب المسيحية حتى غير الروسية أكثر تقدماً من كل الشعوب الإسلامية والأعراق غير الأوربية، مما يدلل على قشرية المبادئ المعلنة، وبقاء الدوافع العرقية والدينية فاعلة في ترسيخ التمييز العرقي والديني، حتى في أحضان الشيوعية، الوجه الأكثر تطرفاً في العلمانية.

 

أما أوروبا الغربيّة والولايات المتحدة وكندا واستراليا، فقد تكشفت مع حرب الإرهاب، الأرضية العنصرية والدينية، التي لا تزال تدير موجهات السياسة والمجتمع عند كثيرين، ولم تتمكن العلمانية من بتر جذور الولاء الديني والعرقي في نفوس القوي الفاعلة في السياسية والاجتماع ، والمكابر في هذا لا يريد أن يرى إلاّ ما يريد.

 

فالذي نستنتجه من هذا أن دين الوطنية، والدولة الأمة، والشريعة الدستورية، لم تتمكن من الحلول بديلاً عن الدين، بل ظل الدين مؤثراً ولو من الباطن في أناس العلمانية نفسها، وعليه فإن من الأجدر والأسلم التعامل مع هذا الأمر بشفافية، والبحث عن طريق للحل لا يستبيح الاستبداد الديني أو العلماني أو القومي، ولا يسمح للخصوصية أن تخلق فواصل وحواجز بين الناس، فهل من سبيل إلى ذلك؟

ينبغي الإقرار بداية، أنه لا يوجد نظام قادر على إبقاء الطوائف دون طائفية، والمذاهب دون مذهبيّة، دون أن يترسخ الإيمان بذلك عند عامة الجمهور، بحيث تصبح عنده هذه الأمور مما يستقبح ويستهجن، تماماً كما أصبح الحال عند شعوب أوروبا بالنسبة لتحكم الكنيسة في الدولة، أما إذا ظل الناس في دخيلتهم يرونها جمالاً وحقاً وأخلاقاً، فإن القوانين لن تجدي شيئاً، فلا بد من حسن التربية على احترام الآخر، والتسامح معه، واعتباره كفؤاً في الإنسانية التي يجب أن تكرم.

 

ثم لا بد من القيام بغرز الوعي الديني الإسلامي الصحيح ليكون في الناس سجيةً، أن منهج الإسلام يقوم على إعطاء الأديان والمذاهب حقها في الاختلاف ضمن الأديان السماوية على الأقل، أو ضمن منهاج الجدال بالتي هي أحسن مع كل مختلف، ذلك أن الدين في النفوس أقوى وأثبت من الدستور والقانون، ووجوده راسخ في العقل والضمير، فإذا اعتقد المسلم أن أهل الكتاب ليس لهم إلاّ الصغار، وأن أصحاب المذاهب الإسلامية ما هم إلاّ أصحاب بدع في الدين، كما هو الحال عند الكثيرين، فلن يتوقفوا عن إثارة الخلاف والتوتر إلاّ مادام القانون عليهم قائماً.

 

بعد هذا فإن من الحق أن نقول، بأن النظام الديمقراطي في الحكم، هو أفضل النظم السياسية، التي يمكن من خلالها تفعيل دور الرقابة على بؤر المدد الطائفي والمذهبي نحو التصدع، وكذلك حفظ الخصوصية لمختلف الفئات الدينية العرقية، ذلك أنه النظام الوحيد الذي يوفر نظاماً للرقابة مستقلاً عن الجهاز التنفيذي، فيمكن مع الرقابة الحثيثة رصد معالم الخطر والانحراف، بالطوائف نحو الطائفية، والمذاهب نحو المذهبية، وكذلك منع الدولة العلمانية الدستورية من التحول إلى عقيدة شمولية، فوق عقائد المجتمع، والهيمنة عليه في كل شأن خاص أو عام.

 

إن استمرارية الرقابة الفطنة في رصد كل معالم الانحراف، في ظل نظام ديمقراطي رشيد، وتحت مظلة من وعي ديني صحيح ومعتدل، هي السبيل الأمثل لتجنب أخطار الطائفية المذهبية وكذلك لتجنب أخطار الاستبداد المذهبي والطائفي.

 

إن الإقرار القانوني بتنظيم حقوق خاصة لطائفة ما أو مذهب ما في المجتمع، ينبغي أن لا يعتبر حالة مستدامة، وإنما هي بمثابة حالة طوارئ لحفظ الآخر، فالمذهب أو الطائفة التي نخشى أنه ولظروف ما، غير سويّة، قد يتعرض فيها هذا الطرف أو ذاك، لعمليات جور واعتداء ومحاصرة، بسبب مذهبه وعقيدته، فإننا يجب أن نتدارك الأمر بعمل ما يعمل عند حالة الخوف، بتفعيل قوانين الطوارئ، فقد نفرض لها ( الطائفة ) عدداً من المقاعد أو المناصب في الدولة، ونفتح لأفرادها مزيداً من الفرص في التعليم والبعثات، والدعم المالي أو العمراني والجغرافي، والقيام ببرامج مقصودة ومنظمة لزيادة عملية الدمج والتداخل، من مثل تشجيع المصاهرة المختلطة، أو المساكنة المختلطة، التماساً لزيادة اللحمة والالتحام بينهم وبين الآخرين، حتى تعود الأمور إلى طبيعتها السوية في عدم الالتفات للاختلافات المذهبية كعناصر ذات بال في تمييز الناس في الحقوق و الواجبات.

 

أما أن نعتبر حالة الاختلاف الطائفي أو المذهبي، حالة تحتاج على الدوام لقوانين وتشريعات دائمة، تتعامل معها على أنها هي الطبيعة، فإننا بهذا لا نفعل شيئاً سوى تعميق الشروخ بين الناس، على أساس طوائفهم أو مذاهبهم، مثلما تتحول حالات الطوارئ الشاذة في الدول الأمنية لتصبح هي الطبيعة.

 

حينما جاء النبي محمد (ص) لمجتمع الجزيرة العربيّة، وجده مريضاً بالعصبيات القبلية والدينية والطبقية، فأراد أن يضرب من نفسه مثلاً أخلاقياً للجميع، فطبقياً تزوج من الموالي ماريه الأمة وزوج زينب الحرة العربية لمولاه زيد، وقبليّاً تزوج من قريش من عدة أبطن منها، وتزوج من خارج قريش، ففي المبسوط قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: جملة من تزوج النبي (ص) ثماني عشرة امرأة، سبعاً من قريش وواحدة من حلفائهم، وتسعاً من سائر القبائل، وواحدة من بني إسرائيل، واتخذ من الإماء ثلاثاً أعجميتين وعربية، واعتق العربيّة واستولد إحدى العجميتين.[3]

 

فانظر إلى هذه التوليفة المقصودة منه (ص)، والتي ساوى فيها بين القرشيات وسائر العربيات من غير قريش، وبينهن والموالي، وبين العرب والأعاجم، وبين المسلمات والكتابيات تحت مظلته، فحفظ بذلك الحق الأول للجميع وهو الوجود والمكافاة سواسية، وما كان له غرض شخصي منهن، فقد ظل طيلة شبابه وقبل بعثته- وكان حينها أكثر تفرغاً- على زوجة واحدة تكبره بستة عشر عاماً، وكان يفارقها في الأسفار الطويلة ثم في أيام عزلته واعتكافه في حراء، ولكنه بزواجه هذا حفظ لأهل الكتاب موقعهم وفرض عملياً جواز مخالطتهم بالزواج وما دونه، وكذلك الأمر بالنسبة للموالي وللعرب من غير قريش.

ولكن لم يكن مراده أن يظل الأمر كما كان، بل لتزول مشاعر الفرقة والتميز بينهم بوجود الانتماءات المختلفة في العرق أو الدين أو الطبقة، فكذلك الحال ينبغي أن يكون مع الطائفية والمذهبية، نثبتها قانوناً إذا كان هناك جور من فئة على أخرى وتطاول يريد إزالة الآخر المختلف، ونمحو ميزاتها بالتربية والتعليم، ليعود الناس لا يرون في هذا الاختلاف ما يمثل عامل افتراق أو وحدة.

 

فمثلاً لو كان المجتمع مكوناً من طائفتين سنية وشيعية كما هو الحال في البحرين، فإذا كانت الفرص متاحة للجميع، في العمل والتجارة والسياسة، وكانت المناصب الإدارية والسياسية والاقتصادية تتداول وتتداخل بحسب الكفاءة، لا ينظر في أمرها لعرق أو مذهب أو طائفة، وكانت الزيجات ومناطق السكن متداخلة، وكان وجود الآخر يُعد في عرف الجميع أمراً طبيعياً لا تترتب عليه أمور دنيوية ولا قانونية، ففي مثل هذا الوضع لا يوجد مبرر للتفكير في تقنين حالة طوارئ مذهبية أو طائفية، أما إذا كان الأمر على العكس في كل ذلك أو أكثره فإن الأمر يتطلب برنامجاً طارئاً تشريعيّاً وسياسياً وتربوياً يتعامل مع حالة بغي الفئات على بعضها.

 

إن المذهبيّة الدينية إن جازت في الشرع والدين فلأجل أن يتربى الناس على تعلم محبة الآخر المختلف، والتعايش معه بسلام، ذلك أن الناس إذا لم تبتل بوجود المختلف المخالف، فإنها لا تتعلم التسامح، وتظن نفسها أنها الحق كله، فتصاب بالتعصب وكراهية الآخر، ولكنها إذا ابتليت بالآخر هذا، وكان عليها في دينها أن توقره وتحفظ له حقوقه، بما أنه مشترك معها في الدين أو في قواعد الإيمان أو في الإنسانية أو في الجوار أو في الذمام، وهي كلها أمور لها حقوقها المقدسة في الدين، فإنها بذلك تتعلم المخالطة والمشاركة والتسامح، لاحظ  ذلك في الشعوب التي اختلطت مع الغرباء المختلفين تجدها تفترق عن تلك الشعوب التي عاشت منعزلة منفردة.

 

لقد حرص الإسلام على بناء الأمة الإسلامية مؤمنة بالمختلف معها دون حرب، فقرر أن كل الاختلاف في القوميات والألوان والألسن هي آيات ربانية غرضها فتح أبواب التعارف، وأن كل مختلف في الدين السماوي له الحق في التمسك بدينه، ووجهه لتصحيح ما فسد منه على يديها ولكن دون أن يكرهه عليه، وأجل الفصل بالحق ليكون بين يديه في يوم الحساب، وجعل الجدال بالتي هي أحسن الوسيلة الوحيدة في الدعوة دون العدوان، ولم يفتح العدوان إلا لرد العدوان،  ثم جعل الأكرم على الله هو الأتقى، ومن يفعل خيرا من ذكر أو أنثى فلن يكفره.

 لقد أذن الدين بالبقاء لأهل الكتاب كافة يهوداً ونصارى ومجوساً وصائبة، وهذه هي كل الأديان في منطقة المسلمين يومها، وأذن في إجارة غيرهم من عبده الأوثان واللادينيين، وإيوائهم حتى يبلغوا مأمنهم، ونهى مطلقاً عن إكراه أحدٍ في دينه، وأمر بالبقاء في التعامل بالتزام الحوار والجدال بالتي هي أحسن، وحظر عليهم العدوان على الآخرين ممن لم يقاتلوهم في الدين أو يخرجوهم من أوطانهم أو يظاهروا عدوهم عليهم، ولسنا  ندري كيف يتهم الإسلام بالإرهاب بعد كل هذه الأصول المؤصلة في القرآن، ولسنا ندري كيف يجوّز مسلم لنفسه العدوان على الآخر المختلف بعد كل هذا.

 

لقد وبخ القرآن الكريم اليهود، وقال لهم ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ )(البقرة: من الآية85) وذلك أنه قد أخذ عليهم الميثاق ألا يقتلوا أنفسهم ولا يسفكوا دماءهم ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم.

 

فكانت اليهود تخالف ميثاق الله عليهم في أنفسهم، فقتلوا بعضهم بعضاً، وسفكوا دماء بعضهم وأخرجوا قسماً منهم من ديارهم، ولكنهم إن وقع اليهودي أسيرا عند عدو لبني إسرائيل فادوه بالمال وفكوا إساره، وكأنهم لم يخرجوه هم من دياره وأرضه ولم يسهموا في تشتيته، فكانوا بذلك كمن يؤمن ببعض الكتاب وهو الأمر بالمفاداة ويكفرون ببعض وهو عدم القتل والسفك والإخراج، وهذا غاية الاستخفاف بالدين، بل هو أعظم من استخفاف الكافر بالدين على الكلية، لأن الكافر غير مؤمن بالدين فلا يعود مستغرباً منه عدم التقيد به، أما الحال هنا فهو من الاستخفاف الصريح حيث يؤمن ببعض ويكفر ببعض وكأن أمر الدين مجعول تحت إرادته وتصرفه، فكان أن أصابتهم السنة المقدرة على من يفعل ذلك، ألا وهي الخزي الدنيوي بالوقوع تحت ظلم الجبابرة أو الاشتغال في أعمال السخرة والعبودية والوقوع تحت المزدرين.

 

وهذه سنة الله في عباده، لا تختص باليهود حتى بأمن منها المسلمون، الذين أخذ عليهم نفس الميثاق وأشد منه، فجعلت حرمة المؤمن منهم عليهم كأشد من حرمة الكعبة، واعتبرت غيبة أحدهم من المحرمات الكبائر الموبقات، وعوقب البهتان بالجلد الشديد، وحرمت عليهم أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، وأوجب عليهم قتال الباغي منهم حتى يفيء إلى الحق، فالميثاق بين المسلمين أغلظ وثاقاً من ميثاق اليهود، فهل نفع هذا مع المسلمين كما لم ينفع مع اليهود؟ كلا وألف كلا فقد دخل المسلمون في كل ما دخل فيه اليهود، من سفك الدماء واستباحة الأعراض والأموال، والإخراج من الديار بالظلم والجور.

 وأبلغ دليل على ذلك وأنه امتد لدهور متطاولة الواقع المعاش، إضافة لخارطة الوجود الديمغرافي للطوائف والمذاهب، والواقع السياسي، والعاديات الثقافية الباقية، فمن ناحية الجغرافية تجد المذاهب غير الرسمية تقع دائماً في الأطراف بعيداً عن المركز، حتى إذا ما تمكنت وسيطرت تحولت هي إلى المركز الأساسي أو الإقليمي وأقصت سواها إلى الأطراف، فانظر أين تجد المذاهب غير السنية في العالم الإسلامي ستجدها في اليمن وعمان والمغرب والهند وأطراف الشام، ومتى ما سكنوا المركز فهم مهشمون في الدولة والساسة والاقتصاد، قد شملتهم التقية، ومن ناحية الثقافة فستجد آثار الحروب المذهبيّة والطائفية فيما تخلف لنا من أسلحة الكلمات من مثل: الروافض، النواصب، المجسمة ، المشبهة، والمعطلة، أصحاب البدع، الحشوية، التقية، إلى آخر ما تخلف في القاموس من اسلحة المذاهب ودروعها المضادة، ولعمرك ربما تتمكن من معرفة الوجه الذي يفسر عصبية الحكام، حيث كانت المذاهب يومها واجهات لأحزاب سياسية، ولكن من العسير عليك أن تجد مبررا لحروب المذاهب بعد زوال أسبابها السياسية، اللهم إلا تغلغل الروح العصبية والتمسك بداء الأسلاف المسموم، فقد سفكنا دماءنا، وقتلنا أنفسنا، وتظاهرنا على بعضنا، مع إقرارنا بأن كل من شهد الشهادتين فهو مسلم حرام كله.

إن المذهبيين الإسلاميين هم من سنخ (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) (الحجر:91) ففرقوه إلى آيات تمدحهم وآيات تذم أعداءهم، فكل مدح فهو فيهم، وكل ذم فهو في أعدائهم، وإن كان المذموم من الحال والخصال فيهم أسقطوها بالعفو الرباني أو قالوا كما قالت اليهود في أنفسهم (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً )(البقرة: من الآية80) وإن كان الممدوح من الخصال جلياً في خصومهم أسقطوها بقوله تعالى ( وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً) (الفرقان:23) فذنوبهم مغفورة وذنوب غيرهم مضاعفة، وعثرتهم مقالة، وعثرة غيرهم بالمرصاد.

 

شرارهم عندهم خيرٌ من خيار غيرهم، كل حزب بما لديهم فرحون، مع أن الله سبحانه قد صرح بالحق في قرآنه حين قال لليهود لما قالوا مقالتهم أنهم أولياء الله من دون الناس، وأنه لن تمسهم النار إلا أياما معدودة، وأن ليس عليهم في الأميين سبيل، فقال لهم)بلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ)(المائدة: من الآية18) فليس بين الله وبين أحدٍ من عباده قرابة، قال إسماعيل بن جعفر لأبيه الصادق عليه السلام " يا أبتاه ما تقول في المذنب منا ومن غيرنا؟ فقال عليه السلام : ( لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً) (النساء:123) [4]، فقد دخلنا مداخلهم، وسنة الحق التي لا تتبدل جزتنا جزاءهم، خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة نرد إلى أشد العذاب، إن لم يتداركنا الله برحمة منه تخرجنا من ظلمنا وظلمتنا.

جمع

 


[1] للمزيد من القراءة في هذا الموضوع إقرأ: تعدد الأديان وأنظمة الحكم- جورج قرم.

[2] جورج قرم صـــــ  103-  104      

[3] المبسوط للشيخ الطوسي ج 4 صــــــــ 27 .

[4] عيون أخبار الرضا – الشيخ الصدوق ج ا صــــــــــــــ260

الطائفية رشد أم طاغوت

التفاصيل
كتب بواسطة: جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية
نشر بتاريخ: 11 فبراير 2005
انشأ بتاريخ: 11 فبراير 2005
الزيارات: 5

الطائفية رشد أم طاغوت

 

(لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة:256)

 

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة:257)

التبين مفردة كررها القرآن الكريم نحواً من مائتين وخمس وسبعين مرة في تراكيبها المختلفة، وجعلها الهدف من إرسال الرسل، وإنزال الكتب، والطريق للهداية والتفريق بين الرشد والغي، والأساس لاستحقاق الإنسان الثواب والعقاب، فلا عقاب إلاّ بعد بيان، وهي تمثل الاحترام والتوقير الرباني للإنسان؛ وأنه  مخلوق مكرَّمٌ أهلٌ، وقادرٌ على التمييز عن وعي، بعد عملية البيان والتبيين، وبالتالي تحمل نتائج مواقفه الدنيوية والأخروية، وعلى هذا قام الدين كله.

 

"لا إكراه في الدين" نفي لمطلق الإكراه ابتداء، أيّاً كان نوعه، وعلى أيٍّ وقع، فإذا ما حدث شيءٌ منه فهو خارج المنظومة الدينية الإلهية الحقّة، ثم لا يهم عن أيٍّ صدر، وباسم من أعلن، " قد تبين الرشد من الغي" قد أوضح الله ورسوله وكتابه للإنسان، أين هي طرق الرشد الموصلة للسلامة، وأين هي طرق الغي الآيلة للضلالة، هذا هو الصراط المستقيم للدين في معاملة الإنسان، "فمن يكفر بالطاغوت" وهو الطغيان والتطرف والتشدد، فلا يكره المؤمنين على الكفر إن كان كافراً طاغوتاً، ولا يكره غير المسلمين على الإسلام والإيمان إن كان مسلماً طاغوتاً،"فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها"، فإن في عدم الإكراه ثباتاً واستمراراً لفاعلية المبادئ واستمرار العمران وعدم البوار والخراب، لأن الطغيان بنفسه سواءً من المؤمنين على غيرهم أو من الكافرين على المؤمنين هو عامل الانفصام لعروة المجتمع وتماسكه والسماح للحق بعد ما تبين أن يتغلغل في النفوس جيلاً فجيلاً، فانتشار الإيمان في العمران أرجى من توقع انتشاره مع الطغيان، لأن الطغيان عامل هدم ورفض وكراهية، وهو ليس من الدين.

"ويؤمن بالله" فلا يتعدى الحدود التي حددها له بعدم إكراه الناس في الدين، والبقاء على حدود البيان والتبيين، فهذه هي طريق العروة التي لا انفصام لها ، وهي المؤذنة باستمرار الدين والعمران والمجتمع في طريق الرشد، ومجانبة طريق الغي شيئاً فشيئاً، وهي السبيل التي اختارها الله سبحانه حينما خلق الإنسان مخيرا بين الطاعة والمعصية، ولو شاء ربك لهدى الناس جميعا،(أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)(يونس: من الآية99)..

 

هكذا أرادت هذه الآية الكريمة إبعاد الناس جميعاً، مؤمنين وكافرين عن التعامل بالإكراه والطغيان فيما بينهم، وأن سبيل البيان والتبين كفيل بحمد الله بإيصال المؤمنين إلى النور وإخراجهم من الظلمات، وكفيل بفرز من أراد من الناس الكفر عن وعي واختيار، والخروج من النور إلى الظلمات، متحملاً عواقب مواقفه الأخروية، حيث لا عقوبات قانونية تشريعية في الدنيا على الإيمان والكفر، اللهم  إلاّ العقوبات القدرية الربانية، أو أن يتحول الأمر إلى البغي والعدوان، فأذن الله للمؤمنين بالقتال دفاعا لا عدوانا، وإلى أن يتوقف العدوان وتنقطع مادته..

 

ولكننا سرنا في الطريق المعاكس للآية تماماً، حينما تساءلنا عن الطاغوت من هو؟ فكان كل شيء يعادينا إلاّ أنفسنا وهي العدو الأكبر لنا، فقالوا هي العُزى، هو الكاهن، هو الشيطان، هو المارد من الجن، هم رؤوس الضلال، هو كل ما عبد من دون الله، هم مردة أهل الكتاب، هو كل صارف عن الإسلام، فكانت الآية عندنا باب إذكاء للعداوة والعدوان، لا باب ابتعاد عنهما.

 

الرشد هو ما ينبغي للأمم التمسك به، والرشد ليس هو الدين وليس هو الإيمان وإن كان الدين والإيمان يتصفان بالرشد متى كانا كذلك دون تحريف، بل الرشد هو إصابة الوجه الصحيح في الأمر، وهو الطريق الموصل للغاية بالسلامة، والرشيد هو الذي يحسن تقدير الأمور، والغي على عكسه في كل ذلك.

 

الرشد هو التفكير الموضوعي العلمي، ثم اتخاذ المواقف على أساس من ذلك، فقد يكون المؤمن راشداً وقد لا يكون، وقد يكون غير المسلم راشداً وقد لا يكون، والرشد يتجزأ، فقد يرشد الإنسان في ناحية ويضل في أخرى على تفاوت، فلا يقال لمن لم يؤمن أنه لا رشد له بالمطلق، بل قد يكون راشداً في الدنيا بأكثر من المؤمنين، الرشد أمر لا ينبغي على أمة من الأمم أن تتخلى عنه، لأن في التخلي عنه دمارها وهلاكها، مهما تمتعت به من المبادئ المعنوية والقدرات المادية، فبمجرد أن تغادر رشدها إلى الغي، فقد بدأت في الانحدار نحو الهاوية.

 

الطغيان هو أحد أبرز وجوه مخالفة الرشد في الأمم، بالتوجه نحو الإكراه والاستبداد والقهر ، سواءً في أمور الدين والعقيدة والفكر، أو في التفاوت في الدرجات الاجتماعية والطبقية، أو في احتكار السلطة والمال والثروة، وبحسب الحق - وكل حق فهو إسلام -  كل من مارس طغياناً فهو طاغوت، وهو يسهم وبشدة في انفصام عُرى الدين والقيم والمجتمع، ويقوده نحو الهلاك والتفكك والتشرذم، حتى لو كانوا على أحسن حال من الإيمان قبل ذلك.

 

 إن كل الأمم التي بادت كان ذلك بسبب إساءة استخدام رشدها وطغيانها على مبادئها، فكان أن تسبب لها ذلك في الهلاك والدمار:

 

·  فمنهم من أهلكه الجمود والتقليد وترك الإبداع والتجديد، وهذا من أكبر الأسباب في هلاك الأمم، وأجلاها في مفارقة الرشد، حيث تقدس الأمة ماضيها، وتصر على إتباع الآباء دونما تمحيص لصلاح ما كانوا عليه أو فساده، ودونما تحكيم في مناسبته للواقع المستجد أو قصوره عنه، فلا تلبث أن تواجه بالجديد المتطور، والصحيح المناسب فلا تقبله، وتصر على مجانبته أو محاربته، فيكون مآلها الهزيمة والهلاك الفوري أو التدريجي.

 

القرآن الكريم يرصد هذا السبب كأكثر سبب متكرر في عدم فلاح الأمم على قبول الدعوة السماوية، والتي هي تجديد وثورة على الواقع الذي جاءت لتغييره، ويرصد القرآن وبشكل شبه دائم تقديس الأمم لقديمها وما كان عليه آباؤها، ورفضها للجديد مهما كان جليّاً في تألقه وإشراقه.

 والغريب أن كلَّ أمة قامت على أساس مبادئ ثورية تجديدية، لا تلبث أن تميل هي الأخرى للجمود والمحافظة، فلا تجد سبيلاً للخلاص من متراكم أخطائها وفاسد آرائها، ومغلوط مفاهيمها، وفاسد انحرافها عن مبادئها الأصلية، التي قامت هي في الأساس عليها ومن أجلها، فآباء عاد هم في الأساس ممن حُمل مع نوح، ولكنهم لا يلبثون أن يعيدوا مقالة الأسلاف: أتنهانا أن نعبد ما كان يعبد آباؤنا؟ وقد تكرر هذا الموقف حتى صار مما ألفته الآذان من القرآن، من قرأه ومن لم يقرأه.

 

وفي أمة الإسلام كما في سائر أهل الكتاب يتجلى الجمود في اتباع السلف وتقديس آرائهم ومذاهبهم وتحريم مخالفتهم وتشنيعها، واحتكار الحق والحقيقة فيها، فإذا ما علمنا أنهم قد اختلفوا أيام حيويتهم وإبداعهم، آراء ومذاهب، ثم تمسكنا نحن الأسلاف كلٌ بطرف مما اختلفوا فيه فجعلناه مذهباً لنا لا نخرج عنه ولا نحيد، ولا نصرف عقولنا إلاّ في تجميله وتحسينه والدفاع عنه والرد على خصومه، علمنا ساعتها أننا قد أضفنا لعامل الجمود وترك الإبداع عاملاً آخر يُسرع في هلاكنا وفساد مجتمعنا وفقدانه الحيوية والتماسك ألا وهو الجمود على الشقاق والاختلاف والنشاط في توسيعه وتعميقه.

 ويمكن القول أن هذه القضية المعرفية هي من أخطر ما يواجه الأمة الإسلامية، فمنذ الأيام الأولى وهي في إشكالية الجدل بين الإبداع والبدعة، بين حرفية النص ومقاصديته، بين ثبوت أوجه الحقيقة وبين تراكميتها وتعددية أوجهها، وبين تغير تمثيل المظاهر الخارجية للحقيقة أو ثبوتها في التمثيل، وقد ظل الطرف المؤيد للثبوت هو المتنفذ في عقل الأمة طوال تاريخها منذ أن انتصر الفقهاء والمحدثون على الفلاسفة والمفكرين، فعزلوهم في وادي البدع والرأي المخترع، والأمة منذ ذلك وهي تسترجع مقولاتها، وينقل طارفها عن تالدها ، حتى صار قول السلف لديها حجة في حد ذاته، وحتى أنك لو حذفت المتكرر في أمهات المكتبة الإسلامية في الفقه والحديث والتفسير والرجال واللغة والتاريخ، لتحولت لديك مكتبة بها خمسة آلاف كتاب إلى مجرد خمسين.

إن هذه المسألة هي من أهم المسائل التي يجب على الأمة اليوم أن تحسمها لصالح التجديد والمقاصدية، وتراكم أوجه الحقيقة وتعدديتها، للتطور مع الزمان بالأخذ بالإبداع والفصل بينه وبين البدعة، وترك الطغيان بتكفير كل جديد وتفسيقه وتبديعه، وإلا فلن يصبح لها ليل، وستؤخذ قهرا فوق قهر، فالدهر لا يلوي على شيء، يبلي كل جديد .

 

·   ويرصد القرآن مخالفة الرشد بالطغيان في التمييز الطبقي كعامل من عوامل هلاك الأمم، فيصف فرعون مصر بأنه كان طاغية عالياً في الأرض(إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (القصص:4)  فقد ميز فرعون بين رعاياه فآثر قومه على غيرهم من القوميات الأخرى، ممن هم مواطنون في مملكته، ثم أسرف في ذلك حتى استهان بذبح أبنائهم والفجور بنسائهم، وأباح لقومه فيهم ما أباح من الظلم والضرب والاستخدام، وكان لا بد لمثل هذا الشيء أن يتغير لأنه مخالف للسنن التي تقوم عليها الأشياء، فإما أن يتغير بأسباب بشرية أو بإرادة إلهية، فكان هلاكه وهلاك قومه بالإرادة الإلهية التي قالت ( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) (القصص:5)  فكان ميلاد موسى عليه السلام القائد المخلص لهؤلاء المستضعفين، والمدمر لفرعون وجنوده وما كانوا يعرشون، ولولا ذلك لكان هناك سبب آخر لدمار فرعون وقومه ولو عن طريق التآكل الذاتي فالطغيان كالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله.

 

· وقد يكون هلاك أمة بسبب إسرافها في مجال اللذة، والجنسيّة منها على وجه الخصوص، وقد رصد القرآن حالة قوم لوط الذين أسرفوا في الجنس حتى ملوا النساء واستلذوا الذكران ( إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) (لأعراف:81) ( أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ) (الشعراء:165) إن وجود الانحراف الجنسي متوقع في الإنسان، ولكن إطباق أمة بكاملها على ممارسته والإسراف فيه واستحسانه على خلاف الطبع والطبيعة الحيوانية عوضاً عن الإنسانية، حيث لم يُرصد مثل هذا عند الحيوان، فمثل هذا إسراف إلى حد الطغيان، ومجانبة فاحشة للرشد، حتى أن لوطاً عليه السلام لما حاصروه ابتغاء ضيفه تمنى لو أن فيهم راشداً واحداً يتعقل قبح ما هم فيه فقال ( أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ)(هود: من الآية78)

 

فهذه أمة قد فارقت الرشد، وخالفت الطبيعة، فكان لا بد لها أن تهلك وتزول، سواءً بتدخل رباني كما لقوم لوط، أو بالآفات والأمراض، التي هيأها الله سبحانه في الطبيعة نفسها ترد بها على كل متجاوز لحدود الرشد فيها، فلا تحسبن ممارسة المثلية الجنسية تمر دون عقاب من الطبيعة، فهي لا بد أن ترد على تجاوز أسسها بدفاعات مهلكة للمسرفين، وغداً يظهر فيروس جديد أعد مخصوصاً للمثليين،ثم لا يُصيبنّ الذين ظلموا منا خاصة .

 

والمثلية الجنسيّة هي أحد وجوه الإسراف في اللذة الجنسيّة، وإلاّ فالأمر يشمل كل علاقة جنسيّة خارج الزواج المقر اجتماعيّاً ، والذي يحفظ مسؤولية الوالدين عما أنجبا، فشيوع الزنا والسفاح والدعارة والمجون بما هو خارج المتوقع من الإنسان الخطاَّء، إلى درجة الإسراف والطغيان فيه، لا بد أن يتسبب في هلاك تلك الأمة بسبب أو بآخر، بشري أو طبيعي أو إلهي، لأنها مسيرة خارج السنن الإلهية والطبيعيّة المكونة لبناء الوجود والحافظة له، وإن الذين يتصورون أن الحرية الشخصية تبيح لهم ممارسة الرذيلة على نحو عام، وأن ذلك لا يضر غيرهم دنيا ولا آخرة، يتغافلون عن أن أفعال الناس متداخلة الـتأثير والتأثر، إلى درجة التشابه بينها وبين المثال الذي ضربه رسول الله (ص ) للقوم الذين ركبوا سفينة، فأراد أحدهم أن يوقب مكانه ظاناً أن ذلك لا يعني أحدا سواه، فكأن فيروس الإيدز لن يصيب إلا المثليين!.

 

· ويرصد القرآن بخس الناس أشياءهم، والإخسار في الكيل والميزان سبباً في هلاك الأمم، فأمة مَديَن قوم شعيب كان البخس والإنقاص لهم ديناً، وخلقاً محموداً عندهم، لا يتأثمون فيه، فهو كما يقول الجاهلون شطارة، فناداهم نبيهم ومرشدهم بالعودة إلى الرشد (وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ، قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ؟! إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) (هود)

إن بخس الناس أشياءهم، وإخسار المكيال والميزان عن طريق الشطارة التجارية هو من أسباب هلاك الأمم، ولا تحصر مخيلتك في مجتمع قوم شعيب، حيث كان الإخسار يتجلى في المكال والموزون من البضائع، مهما كانت الحيل التي ابتدعوها، بل توسع في ذلك إلى ما تقوم به الشركات والمصانع والبنوك وشركات التأمين وغيرها من بخس الناس أشياءهم، فالناس اليوم مسروقة الأعمار، تعمل سخرة تحت رحمة الكبار، محاصرة بالدَّين،يُحتال عليها بشتى الحيل لتشتري ما لا تحتاج إليه، ثم تدفع ثمنه أضعافاً مضاعفة ببطاقات الائتمان، أو عبر أرباح المصارف، عالم اليوم هو مثل أعلى من قوم شعيب، يبخس الناس أشياءهم وهم مسرورون يضحكون، ثم وهم مقهورون على الدفع ومتابعة الدفع، فليس لأجل لا شيء تخرج المظاهرات عند اجتماع الكبار في دافوس وفي غيرها، إن الأغنياء ليحسدون الفقراء ولو على حجر يتوسدونه هو خارج عن دائرة استثماراتهم ونهمهم، فالموز والكاكاو والبن، وكل نبات أو حيوان أو معدن أو شجر أو ماء هو في دائرة الاستيلاء والبخس، ثم يتولى الإعلام حث الناس على الاستهلاك ثم الاستهلاك الذي دَمّرَ الطبيعة والناس، وهم لا بد وأن يدفعوا ثمن إسرافهم هذا إما بفساد في الطبيعة نفسها، أو بفساد بين بني الإنسان أنفسهم إن لم يكن بكليهما، وهذا الأمر هو اليوم من أبرز القضايا العالمية، ولعله سيكون العامل المدمر لهذه الحضارة الغربية، التي تحيا بالاستهلاك وتجده عنوان سعادة الإنسان.

 

·        ويرصد القرآن البطر في الاستهلاك كسبب من أسباب الهلاك، ففي خبر ثمود يكلمهم ربهم موبخا"(أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ ،فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ،  وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ،الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ) (الشعراء)

·

إذاً فقد كانوا مسرفين في الاستهلاك يتخذون في السهول قصوراً، وينحتون الجبال بيوتاً، قد أبطرتهم النعمة والثروة فأخذتهم نحو الفساد والطغيان.

 

وفي خبر عاد أنهم كانوا يبنون بكل ريع آية يعبثون، فوظفوا فائض ريعهم في التعالي ببناء الأبنية على المرتفعات تفاخراً لا لحاجة، وكانوا يتخذون مصانع لعلهم يخلدون، والتي يبدوا أنها تشير إلى طرق وأمور ركبوها بحثاً عن سر الخلود، وإذا بطشوا بطشوا جبارين فكانوا في المحصلة مسرفين في الشهوة والغضب، أصحاب علو واستكبار.

ولعل في عاد وآياتهم بكل ريع، سلفاً للجبارين من أهل زماننا، الذين ينفقون ريع شعوبهم على بناء النصب التذكارية، وبوابات النصر، والقبور الفخمة، والقصور العالية، يفاخرون بها ويتباهون، وهاهي أمريكا إذا بطشت تجبرت وألقت ما في بطون قاذفاتها وتخلت، ثم لا يهم إن كان المقصوفون مجرد فقراء أفغان يسكنون بيوت الطين ممن لا حول لهم ولا قوة، فهم وأمثالهم أخوان عاد.

 وفي مقام آخر صرح القرآن الكريم بأن الحياة المترفة سبباً للهلاك عند ما قال ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً) (الإسراء:16)  ذلك أن من طبيعة الحياة المترفة، أن تجر الإنسان إلى الفجور والبذخ والترهل والتعالي والاستعلاء، ومن ثم الطغيان واصطناع الطبقية الظالمة، إنه بالإجمال باب من أبواب الفساد الاجتماعي والأخلاقي المؤدي إلى الدمار والهلاك، إما بالتناقضات الداخلية فيه، أو بغلبة الأعداء عليه عند ترهله، أو بعقوبات الله القدرية.

 

وهناك نوع من البطر يسميه القرآن كفران النعمة، فكأن كل حباء من الله أو الطبيعة، يتطلب اعترافاً بالجميل يترجم من خلال التصرف الرشيد في تلك النعم قولاً وفعلاً، أولاً من خلال الإقرار لله بالفضل والمنة، وثانياً من خلال الاستخدام الحسن والمشاركة الفاعلة في تحسين أوضاع الآخرين، فاستحقاق المحروم يظل حقاً من حقوق النعم، والتنكر لاستحقاق هذه النعم بالشكر ثم التصرف فيها بالفساد والظلم والأثرة، هما عاملا هدم لتلك النعم وتدمير لتلك الأمة، كما مثل القرآن الكريم بمملكة سبأ مثالاً على ذلك، فكان أن أبدل السيل العرم بلادهم من بلاد عامرة متشابكة القرى غنية الثمار وارفة الأمن، إلى بلاد شبه صحراوية لا ينبت فيها إلاّ السدر والأثل وغيرها من خمط الأكُل، وشتتهم أيدي سبأ كما تقول العرب.

 

·        طغيان (الحريّة):

يرصد القرآن مثالاً للهلاك بطغيان الرغبة في (الحريّة)[1] عند الإنسان، حيث يرفض الالتزام، ويعتبر كل قيمة قيداً، وكل عقيدة ملزمة كَبْلاً، ويرى نفسه عُجبْاً أنها أعظم من أن تقيدها المبادئ والقيم، أو القوانين والشرائع.

 

وهذا المثال تراه مشتركاً في الطاغين والمستكبرين، فمنهم من قال لمرشده على الخير (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) (هود:87

وهذه وأمثالها مُشَاقّات استكبارية، ناجمة عن نظرة علو للنفس، وأنها من شأنها أن تكون متبوعة آمرة، لا تابعة مأمورة، فهم لا يتصورون الشراكة في الإيمان التي تجعل كل نصح وأمر نافع للجماعة فكأنما هو نابع من نفس كل مؤمن، وبلغ الأمر ببعضهم أن رفع رأسه نحو السماء متحدياً ( إِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (الأنفال:32) وهذا الوجه هو داء الخواص الذين يرون في أنفسهم أنهم شيء آخر بسبب مال أو جاه أو معرفة حازوها، وهم أصحاب الرايات الذين تهلك الأمم باتباعهم.

 

· ومنها الطغيان في التعصب الديني: وسنختم به لا لأنه لا توجد علل أخرى للهلاك قد رصدها القرآن ولكن أولاً لأن فيما سقناه كفاية، وثانياً لأننا في شأن الحديث عن الطائفية والمذهبيّة، فالتعصب الديني هو وجه من وجوه الهلاك عبر التفكك والاختلاف الذي قد يكون قومياً أو عنصرياً أو قبلياً وعشائرياً، فالانشقاق الديني هو أحد وجوه الاختلاف والفرقة بين الأمم.

 

 وتعدد أسبابه بين المتدينين، فمنهم من يدعى الحرص على نقاء الحقيقة الدينية، فيرفض مكفراً كُلَّ من اختلف معه في مفهوم من مفاهيمها، لا بل في تفصيل من تفاصيلها، وهذا هو الوجه الأكبر في اختلاف المتشددين من أهل الأديان، بحيث أن كلّ دين قد بدأ واحداً ثم مع الزمن يتحول إلى فرق ومذاهب متعددة، كلٌ منها لا يرى الحقيقة إلاّ عنده، كما هو الشأن في فرق اليهود والنصارى والمسلمين.

 

ومنهم من يَدَّعي كذب الآخر وافتراءه على الله، وأنه ليس بدين أصلاً ولم ينزل من السماء، كما قالت اليهود في دين عيسى وكما قالت اليهود والنصارى في دين محمد (ص)، فمع إقرار النصرانية بكل أنبياء بني إسرائيل وكتابهم التوراة، إلاّ أن اليهود رفضوا الإقرار لعيسى بأنه منهم جاءهم مصلحاً ومخففاً، وحال النصارى مع المسلمين كحالهم عند اليهود، فمع أن القرآن الكريم أقرَّ بكل السابقين من الأنبياء ما قبل إبراهيم وموسى وما بعده، إلاّ أن اليهود والنصارى رفضوا الإقرار بنبوة محمد (ص). ومع أن القرآن أقر باليهودية والنصرانية والمجوسية والصابئة وبكل دين يتبع نبياً من السماء، إلاّ أن المسلمين رفضوا الإقرار بهذا القبول، وقالوا بأنها أديان منسوخة بالإسلام المحمدي الذي جاء خاتماً للدين كله ومهيمناً عليه، مع أن الحق أن القرآن الكريم لم ينسخ أيّاً من الأديان السابقة لا عقيدة ولا شريعة، وإنما جاء مصححاً لما فسد من عقيدتها وما أدخل في شريعتها كذباً، وما دس في كتبها تحريفاً، وكان بالإمكان لولا التعصب أن يعود جميع أهل أديان السماء إلى عقيدة التوحيد الصافية القائمة على الإيمان بالله وكتبه ورسله وملائكته واليوم الآخر، ثم بقاء كل أصحاب شريعة على صحيح شريعتهم وعبادتهم، وهذا مما أقره القرآن والمسلمون لهم حقاً في مجتمع المسلمين.

 

 

لقد تفرق أهل الأديان وبغى بعضهم على بعض لتعصبهم وتمسك كل فريق بما عنده، ورفضه المطلق لما عند غيره ثم القيام على حربه وتكذيبه والسخرية منه، والأمر الذي ظل القرآن يرفضه لا من المسلمين وحدهم بل وبين أهل الكتاب أنفسهم، لأنه لا يخرجهم عن دائرة المخاطبين به في شأن دينهم الذي هم عليه، فقال (قَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ)(البقرة: من الآية113) فالقرآن يرفض هذا الرفض المطلق لكل أصحاب دين للدين الآخر، ويقر بأنها كلها أديان من عنده، ويقول صراحة أن الإسلام المحمدي ليس ديناً جديداً وإنما هو دين الحنيفية الإبراهيميّة، قد أقره عقيدة لأهل الأديان ( مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ )(الحج: من الآية78)، بل وأخذ من بعض شرائعه التي ظلت سارية في عرب الجزيرة حتى البعثة، لم يتنكر لذلك بل أقره وافتخر به.

 

وقد أطلق القرآن على داعي التفرق الديني هذا بغياً، فلم يقرَّهم على ادعاء طلب النقاء أو الاشتباه، بل صرح بها في وجههم جهاراً، أن مرَّد ذلك كله البغي، فقال(وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ)(آل عمران: من الآية19) وحتماً إنك لو تصفحت المدونات في كتب الاختلاف الديني فلن تجد إلاّ إدعاء بضلالة الآخر وبطلان ما عنده، وستجد العباقرة من أهل اللاهوت قد سطروا البراهين وقلبوا الوجوه، ونمقوا الحجج، ولا يقرون بما قد بصم به القرآن عليهم من أن الأصل في ذلك كله لا عن جهالة ولا عن خفاء لوجه الحق عليهم، بل هو البغي بينهم.

 

ولي أن أقول بأن موقف المسلمين من القول بنسخ كل الأديان السابقة هو من سنخ البغي، وإلاّ فمقولة القرآن وسنة الرسول العملية والتي لا تزال قائمة عملياً في جوانب عديدة منها، تقول بالإقرار بحق كل أديان السماء في البقاء، وتبين لهم ما قد فسد وأفسد من دينهم ولا تأمرهم بشيء سوى إصلاح هذا الفساد ثم لا شيء يمنع من إضافة القرآن الكريم كتاباً سماوياً إلى كتبهم، يستلهمون منه إيماناً وحكمة وعلماً، دون أن يلتزموا به شريعة فقد أقرَّهم على شريعتهم ومنهاجهم ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً )(المائدة: من الآية48) (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ)(الحج: من الآية67) ولهذا فقد جعل الله لكل كتابي يُسلم أجرين، أجرا على إيمانه الأول وأجرا على إيمانه الثاني، فإن شاء الأجرين أسلم بمحمد ودينه، وإن لم يشأ فلا يسعه إلاّ الأخذ بالتصحيحات التي جاء  بها محمد (ص) عن ربه مصوباً ما انحرف وحرف من الكتب والشرائع التي سبقته.

 

وحينها لن يكون اليهودي أو النصراني أو المجوسي أو الصابئي إلاّ مسلماً حنيفاً يوحد الله ولكن يتعبده على هدى شريعة نبي آخر غير خاتم المرسلين، ولن يكون إلاّ مؤمناً بمحمدٍ (ص) رسولاً هادياً ومصححاً وإن لم يكن ناسخاً تماماً كما فهم المسيحيون رسالة عيسى عليه السلام بالنسبة إلى رسالة موسى عليه السلام، ولم النسخ؟ فما دامت العقيدة واحدة فلا ضير في تعدد الشرائع مادامت كلها من الله، فهذه أمور توقيفية يعتبر كل دين بشريعته، وعلى نفس المنوال وإن بشكل أكثر حدة أنقسم المسلمون فرقاً ومذاهب في الإسلام نفسه.

 

وأكثرها مِن فعل البغي بينهم، وتعصب كل لرأيه، ورفضه الرأي الآخر، رفضاً تبلغ درجته التكفير واستباحة المال والدم والعرض، على خلاف صريح لوصية رسول الله (ص) للمسلمين يوم حجة الوداع والتي أمر أن يبلغها الشاهد للغائب، لعلمه بخطورة الأمر البالغة.

لاشك أن المراد الأول للدين هو وحدة الناس على الحق لو كان ذلك يدرك، أو كان بالإمكان بقاؤه بعد إدراكه، ولكن الأمر لم يكن كذلك ولسبب أو لآخر ظل الناس يختلفون ، وسيظلون كذلك، وهذه هي الطبيعة فيهم، ولن يحدث التمييز بينهم بدون هذه القدرة على الاختلاف، وهي من طبيعتهم العقلية أيضا، فالعقل الإنساني خطاء وخلاق في نفس الوقت، والنفس البشرية مجبولة على حب ذاتها والتعلق بما يصدر عنها،فمجمل التكوين النفسي والعقلي للإنسان يجره نحو الاختلاف، ولذلك فلابد من منهجية عقلانية يستفيد بها الناس من ذلك ويتجنبون أكثر ما يمكن من ضرره، ويمكن أن نرصد منهجا من خطوات في سبيل ذلك، فأولا ينبغي السعي نحو عدم الاختلاف أصلا ، وذلك بتجنب دواعيه من البغي والتعصب والجمود، ثم ثانيا بقبوله كواقع لا مفر منه إن حصل، مع عدم القطع بأن المختلف في الدين ليس على شيء، ليبقى الاختلاف في حدوده التي لا تنفي المشترك المتفق عليه، ثم حصر الوسيلة في التعامل معه بالجدال بالتي هي أحسن، وتأجيل حسم الخلاف في الدين لله دنيا أو آخرة، من دون أن ينتج عن ذلك عدوان أو تحقير أو تنجيس أو ما شابه ذلك، وذلك بفصل الأفكار عن أشخاصها، فيكون النقد والرفض والتوهين والتخطئة والتضليل للأفكار دون معتقديها.

 

إن قسوة أهل الأديان، وظلمهم لبعضهم، تكاد تبلغ قمة السلم في درجات القسوة والحقد والحسد والتحامل، حتى قتلت به بنو إسرائيل زكريا ويحي، وعيسى لولا أن رفعه إليه، وطعنت في شرف أمه، وأوغلت في الغدر بمحمد (ص)، وكذا فعل المسيحيون ببعضهم وبغيرهم لما تمكنوا من السلطان، فما أكثر ما قتلوا وصلبوا وشردوا وقاطعوا وعزلوا من إخوانهم في دينهم لما بغي بعضهم على بعض في شأن المسيح، ولا يزالون على هذا إلى اليوم عوضاً عن حربهم الطويلة للمسلمين، وكذلك فعل المسلمون خلفاء وعلماء وعوام بمخالفيهم في المذاهب، أكثر بكثير من مخالفيهم في الدين، وكثيراً ما حرَّض علماء الدين السلاطين على إخوانهم ونظرائهم، إمعاناً في البغي على مخالفيهم في الفرق أو المذاهب الفقهية والكلامية، وكثيراً ما تضخم مقولة في جزئية دينية لتصبح هي الدين كله، إن قبلت قبل ما سواها وإن ردت رد ما سواها، فلا يكاد عالم أو فقيه أو عارف أو متصوف اَلمعي إلاّ وقد ذاق السجن أو الطرد والتشريد والحرمان والضرب وغيرها من أصناف الأذى، حتى قد تبلغ القتل والصلب بدعوى الكفر والزندقة، ثم يمر التاريخ فيعود ينصف ذلك العالم ويجله ويعظم آثاره، فكأنما هذه الأمة موكلة بالقضاء على عظمائها لتندبهم بعد ذلك!

 

إن التنازع الديني والفرقة والاختلاف، يظل سبباً من أوضح الأسباب في شرخ بنية الأمم السياسية والاجتماعية، فهو كالصدع الزلزالي الذي بلحظة عين يشطر الأمة شطرين أو أكثر، ثم لا يعود الالتئام بينهما ممكناً مهما بذل من جهد، فحتى لو ضغطتهما الظروف القاهرة فسيظل مكان الصدع مؤشراً على الصدود بينهما، وسيظل يمثل دالة على مواضع عورة في المجتمع وفكره وعقيدته، بحيث يمكن لأي قاصد مغرض أن يعاود صدعه.

 

بل إن هذا الصدع الديني سيظل يمثل نظرة جديدة، واختلافاً حول المبادئ ذاتها، وتصدعاً في بنية الفكر والعقيدة لا يقف على نقطة البدء، بل يستمر عميقاً خالقا إجابات مختلفة ومتباعدة حول قضايا واحدة، فإن كان اختلاف النصارى بدأ في تحديد طبيعة المسيح، فإنه لم يقف عند نقطة الاختلاف بل امتد عميقاً ليلامس الممارسات اليومية من طرق العبادة والأعياد والمناسبات والتشريعات وغيرها.

 

إن أمة الإسلام مبادئها قوية، ولها كتاب متفق عليه مصدراً للفكر والعمل، ولكن حينما ظهرت المذاهب والفرق ودب البغي بينهم، تسببت في شرخ هذه الأمة عميقاً، حتى امتازت فرقاً جليّة التصدع، ولقد كانت قضية الاختلاف في الإمامة بعد رسول الله (ص) هي حجر الزاوية في اختلاف المسلمين في البداية، ولكن هل ظل اختلافهم لا يتعداها، كلا بل امتد عميقاً في صدع زلزالي مستمر لا يكاد يمر بقضية إلاّ اظهر فيها رأيين وأكثر، فامتد ليشمل يوميات الناس في عبادتهم وأعيادهم وأحكامهم وزواجهم وإرثهم، فكأنهم لا يهتدون بكتاب واحد يقولون جميعاً بحاكميته على كل قول، بل ظل مثل هذا الكلام مجرد لقلقة يدعيها كل طرف، ولكن الواقع أن المذاهب قد امتلكت الساحة وحكمت على القرآن وتحكمت فيه، فأمَّته ولم تأتم به، وتحكمت به ولم تحتكم إليه، فهو عند كل فريق لا يدل إلا على ما ذهب إليه.

جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية  

 

 

http://www.tajdeed.org/article.aspx?id=10526                                                                            



[1] جعلناها بين قوسين لأن في إطلاق هذا المسمى على مفهوم اللاتقيد مخالفة لمفهوم الحرية في الثقافة العرفانية الإسلامية، وهي الجهة التي اهتمت بهذا المفهوم في الفكر الإسلامي

الحروب الطائفية خروج على قيم الدين ونزوع للتوحش

التفاصيل
كتب بواسطة: جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية
نشر بتاريخ: 06 فبراير 2005
انشأ بتاريخ: 06 فبراير 2005
الزيارات: 5
 

الحروب الطائفية خروج على قيم الدين ونزوع للتوحش

من سلسلة الطائفية ( الحلقة الثانية ) 

هناك ظاهرة مشتركة بين جميع الحروب الأهلية عبر التاريخ، ألا وهي نزوع الإنسان فيها نحو التوحش، مهما كانت عقيدته ومبدؤه، حتى يتساوى فيها المتمدن وغيره، فلو استعرضنا مشاهد من حروب أهليّة من عصور شتى، وبين أقوام مختلفين، لوجدناها شاهدة على ذلك.

 مشاهد:

1.    حرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان( العصر الجاهلي):

تمكن حذيفة بن بدر من خداع مالك بن سبيع، بعد ما أظهر من الجزع على وفاة أبيه سبيع ما أظهر، فأسلمه مالك غلمان عبس الذين جعلوا رهائن عند أبيه إلى أن تدفع عبس دياتها لذبيان، وكان أبوه قد أوصاه أن لا يدفعهم لخاله مهما قال له، ولكنه لم يكن بحنكة أبيه فدفعهم له، فأخذ حذيفة الغلمان وحبسهم عنده، ثم نادى بذوي القتلى من قومه فأجابوه، فكان يُخرج لهم في كلّ مرة غلاماً حدثاً من صبية عبس، فيجعله غرضاً لسهامهم قائلاً للصبي: ناد أباك، فإذا ما نادى أباه مستغيثاً مزقوه بالسهام، وهكذا غلام على أثر غلام حتى أفناهم جميعاً، فلما سمعت عبس بما جرى لأبنائها، أخذوا ما كانوا جمعوا من الديات (إبل)، فحملوا عليه الرجال، واشتروا السلاح.

 

ولقد أنشدهم زهير بن أبي سلمى يوم الصلح في معلقته الخالدة خلاصة تجربتهم في حربهم الأهلية تلك فقال:

وَمَا  الـحَرْبُ إِلاَّ مَـا عَلِمْتمْ وَذُقْتُمُ          وَمَا  هُـوَ  عَنْهَا  بِـالحَدِيثِ   المُرَجَّمِ

مَتَـى تَـبْعَثُوهَا تَـبْعَثُوهَا  ذَمِـيمَةً           وَتَضْـرَ  إِذَا  ضَـرَّيْتُمُوهَا   فَـتَضْرَمِ

فَـتَعْرُككُمُ  عَرْكَ الـرَّحَى بِـثِفَالِهَا          وَتَلْـقَحْ  كِشَافَاً  ثُمَّ  تُنْـتَجْ  فَـتُتْئِمِ

فَتُنْـتِجْ  لَكُمْ غِلْمَانَ أَشْـأَمَ كُـلُّهُمْ          كَأَحْمَرِ عَـادٍ  ثُمَّ  تُـرْضِعْ  فَـتَفْطِمِ

 

2.    حرب البسوس بين قبائل بني قيس بن وائل ( العصر الجاهلي) :

يظهر أمامنا المهَلهِل (الزير) عائدا من آخر معاركه، والتي هُزم فيها بعد أن أسره الحارث بن عبّاد فاحتال عليه ليطلقه، فأطلقه مقابل أن يدله على سيد يكافئ مكانة ابنه جبيرا، فدله على صديقه الوفي امروء القيس بن أبان، فلما لاح هرعت نحوه النسوة والولدان يستخبرونه، تسأل هذه عن زوجها وابنها وأخيها، والغلام عن أبيه وأخيه، فقال وقد لخص لنا ثمرات حربه الأهلية " ... قد فني الحيان، وثكلت الأمهات، ويتم الأولاد، ورب نائحة لا تزال تصرخ في النواحي، ودموع لا ترقأ، وأجساد لا تدفن، وسيوف مشهورة ورماح مشرعة،... وأخاف أن أحملكم على الاستئصال.."

 

3.    يوم أحد (عصر الدعوة النبوية):

أرادت قريش أن تسترد كرامتها بعد بدر، فجهزت رجالها وخرجت معهم بعض النساء على رأسهن هند بنت عتبة تحفزهم على القتال، وترقب إيفاء وحشي لها بالعهد على ما استأجرته من قتل حمزة، فلما استقرَّ القوم بالأبواء قرب المدينة، قالت هند: أوليس هنا قبر آمنة أم محمد؟ قالوا بلى، فقالت فلم لا ننبشه ونستخرج عظامها، فإن وقع منا أسير ( كما حدث في بدر) فاديناهم عنه بعظم من عظامها!! فاستنكر القوم حيث لم تبلغ أحقادهم ووحشيتهم بعدُ ما بلغ عند هند، وقالوا نخشى أن تنبش قبورنا بعدها.

 

ثم لما وفى لها وحشيُّ ببيعها وقتل حمزة، دلها على جثمانه فكانت اشد وحشية عليه من وحشي نفسه، فبقرت بطنه ولاكت كبده ثم لفظتها، وجذعت أنفه وأذنيه وأجزاء محرمة من بدنه....

 

4.    واقعة كربلاء (العصر الأموي):

 

لما فرغ القوم من قتل الحسين (ع)، احتزوا رأسه وجعلوه على رمح طويل، وابتهجوا لذلك، ثم آذنوا بسلبه، فسلب حتى ترك عارياً، ثم جاءوا بعشر من أفضل الخيل معروفة عند العرب بالأعوجيّة، فأوطأوها بدنه حتى هشموه، ثم تركوه ثلاثاً حتى أكلته الذئاب، وتوزعت عظامه في رقعة واسعة من الأرض " بين النواويس وكربلاء "، اضطرت دافنه إلى أن يسير يمنة وشمالاً يجمعها في حصير من القصب ليواريها التراب، ما لا يفهمه المرء هو دافع المُثلة هذه، والمبالغة في الانتقام من جثة.

 

5.    وقعة الحرة (نفس العصر الأموي):

 

ثار أهل المدينة المنورة على حكم يزيد بن معاوية بعد مقتل الحسين (ع) فأخرجوا عامله وسائر بني أمية من المدينة، فسيَّر إليهم بالجيوش من أهل الشام عليهم مسلم بن عقبة الفهري، ولما انتهى الجيش إلى الموضع المعروف بالحرَّة، هجم على المدينة وبالغ في قتل أهلها ونهبها، واستباحها ثلاثة أيام ( دماً ومالاً وعرضاً ) حتى سُمي بمسرف بن عقبه، فلاذ الناس بقبر الرسول (ص) لكن جيش الشام ما راعى لقبر الرسول حرمته ودخلوه بخيلهم وقتلوا الناس فيه، وكانت المدينة مسكن بقية الصحابة ومسكن التابعين، فكان الوالد لا يضمن لخاطب ابنته أنها لم تغتصب في الواقعة،حتى لو كانت يومها طفلة صغيرة..

 

6.    مجازر العباسيين في الأمويين:

اجتمع عند عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس عدة من بني أمية نحو تسعين رجلاً، فلما اجتمعوا عند حضور الطعام، دخل شبل بن عبد الله مولى بني هاشم، على عبد الله بن علي عم السفاح وأنشده‏:‏

أصبحَ الملك ثابتَ الآساسِ     بالبهاليل من بني العباسِ

طلبوا وتر هاشم فشفوها        بعد ميل من الزمان وياسِ

لا تقيلن عبد شمس عثاراً     واقطعن كل رقلة وغرَاس

ذُلُها أظهر التودد منها        وبها منكم كحد المواسي

ولقد ساءني وساء سوائي      قربهم من نمارق وكراسي

أنزلوها بحيث أنزلها الله    بدار الهوان والإتعاسِ

واذكروا مصرع الحسين وزيد  وشهيد بجانب المهراس

 فأمر عبد الله بهم فضربوا بالعُمُد حتى وقعوا وبسط عليهم الأنطاع، ومد عليهم الطعام، وأكل الناس وهم يسمعون أنينهم حتى ماتوا جميعاً، وأمر عبد الله بنبش قبور بني أمية بدمشق، فنبش قبر معاوية بن أبي سفيان، ونبش قبر يزيد ابنه، ونبش قبر عبد الملك بن مروان، ونبش قبر هشام بن عبد الملك فوجد صحيحاً، فأمر بصلبه فصلب، ثم أحرقه بالنار وذرَّاه، وتتبع يقتل بني أمية من أولاد الخلفاء وغيرهم، فلم يفلت منهم غير رضيع أو من هرب إِلى الأندلس، وكذلك قَتَل سليمان ابن علي بن عبد الله بن عباس بالبصرة جماعة من بني أمية، وألقاهم في الطريق، فأكلتهم الكلاب، ولما رأى من بقي من بني أمية ذلك تشتتوا واختفوا في البلاد، ولقد قال شاعرهم:

‏لا يغرنك ما ترى من رجال             إن تحت الضلوع داء دويا
فضع السيف وارفع السوط حتى        لا ترى فوق ظهرها أمويا

 

7.الحرب الأهلية الاسبانية 1936:

قالوا:

"بعد أن ربحت الجبهة الشعبية الانتخابات خُربت مائتا كنيسة، ووقعت 300 حادثة اغتيال سياسي، وحصل مئة وثلاثون إضرابا عن العمل، ونهبت مراكز عشر صحف ، وفي القرى تكاثرت هجمات العناصر المسلحة ضد أهل اليمين وضد أرباب العمل، وجرى الاستيلاء على الأراضي، ونظمت المذابح للناس بحجج مختلفة، منها انه أشيع أن نساء كاثوليكيات ورجال دين قتلوا أطفالا بان وزعوا عليهم حلوى مسمومة، وعمت موجة من الجنون الجماعي الأحياء الشعبية، حيث جرى حرق الكنائس وقتل الكهنة، ونساء بائعات للحلوى في الشوارع، ووصل الأمر إلى رجال العلم والتربية، فقتلت معلمات واغتيل مثقفون وشعراء، ولم يعد احد بمنجى من الموت سواء الأغنياء أو الفقراء، أرباب العمل أو العمال، والضباط أو الحرس المدني، الكهنة أو الراهبات، وقتل سبعة آلاف وتسع مئة وسبعة وثلاثون من رجال الدين، بعضهم حرقا وهو حي، ومات مائتا ألف شخص في أسبوعين"


وقال شاهد عيان لمذبحة من المذابح" وجهت النعاج ( ناس) نحو الشاطئ حيث رميت بالرصاص بتمهل، رأسا رأسا تحت إشراف العسكر وعندما ينتهي العمل يضعون النعاج في كومة، نعاج برأت روحها وأخرى لم تبرا ثم يرشون عليها الوقود، وظل المشهد قائما فقد خيم آلاف الأشخاص في العراء تحت المطر وأقيمت البيوتات بكراس حول طاولات وأدوات مطبخ وفرش وأسرة، بيوت بدون جدران، بدون أسقف، عشرة آلاف شخص يعيشون تحت المطر البيوت ملآنة، وكذا الأرصفة والمغاور ومآوي الكلاب، ووسط الخراب كانت النسوة تفتش عن أطفالهن الصارخين"

 

 

8.    جنوب السودان:

قالت التقارير الدولية عن حصائد الحرب الأهلية في جنوب السودان:

"حصدت الحرب الأهلية في جنوب السودان (1955-1972) و(1983-2003) ما يزيد عن مليوني قتيل، وأعدادا أخرى لا تحصى من الجرحى والمعوقين، وكان نصيب الهجرات الداخلية الناجمة عنها ضعف أعداد القتلى، فقد تشرد أربعة ملايين سوداني وأصبحوا لاجئين داخل وطنهم. أما من ضاقت بهم سبل العيش بين ربوع الوطن وقرروا النزوح إلى البلدان المجاورة -وهم يعيشون ظروفا غير إنسانية- فقد بلغ عددهم 420 ألف لاجئ.

هذا العدد الكبير من القتلى والجرحى والمهجرين خلق ثارات وعداوات كثيرة، وتسبب في مشكلات اقتصادية، واجتماعية سلبية لم يعهدها المجتمع السوداني بهذه الكثرة من قبل، منها تزايد الأنشطة الخارجة عن القانون مثل اختطاف الماشية وتهريب العاج والذهب والأحجار شبه الكريمة واختزان السلع للربح منها وانتشار تجارة الأسلحة بين المليشيات القبلية".

 

 

9.الحرب الأهلية الهندية:

في فيلم المهاتما غاندي، يقف رجل من الهندوس أمام فراش المهاتما، وهو في إضرابه عن الطعام، احتجاجا على الحرب الأهلية، التي دارت بين المسلمين والهندوس، والتي أدت إلى تقسيم البلاد، يقف الهندوسي باكيا، طالبا طريقة للتطهر من جريمة اقترفها ضد طفل مسلم، أخذه من بين يدي أمه، وأمسكه من رجليه، وفضخ رأسه بالجدار حتى تناثر مخه، ردا على جريمة أخرى جرت عليه من حرق وتدمير، فكان يتعذب لجنايته، ولا يعرف طريقا للتكفير عنها ، فاقترح عليه المهاتما (والذي لازال يحتفظ بروحه الإنسانية) أن يأخذ يتيما من يتامى المسلمين، الذين قتل آباؤهم وتشتتوا في الأرض ، ولكن دون أن يغير دين الطفل بل على دين آبائه يربيه.

 

 

10.الحرب الأهلية اللبنانية:

يقول أحد التقارير،

"وخلالها أسفر معظم اللبنانيين عن طائفيتهم وتعصبهم البغيض، وعمت الجرائم بلداً كان أبناؤه َيدَّعون أنهم أكثر أبناء المنطقة حضارة وتقدماً، فإذا بالقتل الجماعي والقتل على الهوية يصبح أسلوباً للحرب، فِرق المسلحين تدخل مواقع العمل، وطبقاً لبيانات تحقيق الشخصية، تجمع الخصوم في الحجرات، وتطلق عليهم النيران، فضلاً عن اغتصاب الفتيات، وتقطيع الجثث والرقص حولها، واستعمال الرصاص بدلاً من مزمار السيارة  لإفساح الطريق، وإيقاف الناس عند حواجز التفتيش في الطرقات وتجريدهم من ثيابهم ليصبحوا عراة، ومن خلال حالة "الختان" يمكن تمييز هوية الشخص، وفي يوم أسود اختُطِف العشرات وقتل معظمهم على الفور، وقُطِّع الآخرون وعلقوا على أبواب مقار الحزب، وقتل العمال وألقيت جثثهم في البحر"

 

هدف الاستعراض:-

يبين هذا الاستعراض لمشاهد من حروب أهلية، وحشيتها، وانتهاكها لحقوق الإنسان، وإسرافها في زيادة معاناته وأحقاده وسوداويته ويأسه، ولقد خبرت الإنسانية هذه المرارات منذ قديم الدهر، وتكررت تجاربها في شتى الأصقاع إلى درجة الإسراف في التكرار، وكأن الإنسان ليس كائناً عاقلاً،  فالتأثير العاطفي الوجداني مفيد لنا ونحن مهددون بفقد عقولنا، والقبول بالشروع في مقدمات الحرب الأهلية المذهبيّة، في العراق التي هي تمارس حرباً أهلية غير شاملة، نسأل الله لأهله أن يتبينوا الرشد من الغي، وفي الخليج والبحرين على وجه الخصوص، حيث كثر النافخون في عوامل الفرقة يؤججون نارها، لحطام من الدنيا قليل، أو لإرضاء عصبيات عمياء مهلكة، لعل أهلنا يعتبرون بما جرى على سائر الأمم ممن سبقهم في تذوق فجائع الحروب الأهلية فيرأفوا بأنفسهم عنها، ولو لم يكن إلاّ من باب حب الأمن والسلامة.

ولكن إضافة إلى ما مرَّ فإننا أكثرنا من الشواهد، وأكثرنا من تنوعها أفقياً ورأسيّاً، زمانا ومكانا، أديانا وأجناسا، حضرا وبدوا، فقرا وغنى، لنلفت إلى أنها جميعاً وفي كل الحالات تتصف بالوحشية، فعلا وفاعلا، وينكشف فيها الوحش الكامن فينا ، يستوي في ذلك من كان مؤمناً أو كافراً، مسلماً أو مشركاً، متمدناً أو متخلفاً، متحضراً أو بادياً، قديماً أو حديثاً، قريب عهد بنبوة أو بعيد عهد بها، حتى كأن الحروب الأهلية تجعل الناس على قدم المساواة وتعيدهم نحو البهيمية، فلماذا يحدث هذا مع أن هناك فوارق ثقافية وحضارية وتاريخية واسعة ومتباينة بين الفاعلين؟

 

أين ذهبت شيم العروبة عن حذيفة بن بدر وقومه حين جعل الصبية الذين يؤمن أنهم لا يعلمون الغاية ولم يرتكبوا جناية، والكبار من الفريقين إنما جعلوهم رهائن لمعرفتهم بإيمان الجميع أن مثل هؤلاء ليس عليهم ذمام، فأين ذهبت عنه مبادئه هو وقومه؟ فرضيت نفوسهم أن يقتلوا غلماناً صبراً دون تأنيب ضمير؟

 

وكيف رضي المهلهل وهو الشاعر الرقيق المترف، أن يقتل أهله بعضهم بعضاً ثأراً واحتجاجاً على قتل نفس واحدة؟ فإن كان في قتلها غدراً لؤم، أو ليس في قتل كل هذه النفوس بها جهل وإسراف؟ أوليس في قتله لصديقه ونديمه وزوج أخته همام جهل وموت ضمير؟ كيف يمكن أن يدوم الجهل والغفلة عن المبادئ أربعين سنة؟

 

أو لم تكن هند بنت عتبة تعرف آمنة بنت وهب؟ أو لم تكن قد جالستها وزاورتها وآكلتها، أو لم يجمعهما يوم جامع من أنس وسمر وحفل وعرس، فقد كانتا من أهل بلدٍ واحدٍ، فإن لم يكن كذلك فلا بد أنها قد رأتها مع أمها أو أنسبائها، أو لا زالت تذكر معالم وجهها، فمن أين جاءها كل هذا الشر لتفكر في نبش قبرها والمقاضاة بعظامها؟! ومن أين كل هذا الحقد لتقبل نفسها وهي ابنة الدلال أكل كبد بشري لشخص كانت معجبة به دهراً؟

 

وأين ذهبت عن المسلمين مبادئهم وأخلاقهم وأحلامهم ليمثلوا بجسد الحسين ابن بنت نبيهم؟ وليستبيحوا مدينة الرسول وينتهكوا حرمة الصحابة والتابعين، ويفجروا بهم حتى يذكر التاريخ أنهم ظلوا لا يضمنون للخاطب بكارة البنت لمدة طويلة، لعدم حصرهم آثار الداهية التي دهتهم على يد مسلم بن  عقبة، هذا والفاعل والمفعول على دين واحد، ويؤمنون بنفس المبادئ، من حرمة الدم والمال والعرض لبعضهم، فأين ذهب كل ذلك؟

 

وكيف أمكن لعبد الله السفاح أو ابن عمه أن يهنأ بالطعام على أجسادٍ تئن من تحته؟ أو لم يكن قادراً على قتلهم بغير هذه المُثلة؟ لماذا أظهر كلَّ هذه الوحشية في مسرحيته التي أعدها مع شاعره وحراسه؟ من أي بند من بنود الإسلام جاء بهذه الفعلة؟ هل من قوله سبحانه (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)(المائدة: من الآية8) أو من قوله تعالى ( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ)(الإسراء: من الآية33) أو من خُلُق العفو عند المقدرة؟ أو من سنة النبي في عفوه عن هند وزوجها وسائر أعدائه من قومه وغيرهم؟

 

قد نجد مبررات فكرية وعقائدية عند طرفي الحرب الأهلية الأسبانية، من جهة الاعتقاد بالصراع الطبقي عند الاشتراكيين، ومواجهة الفاشيَّة عند اليمينين من أتباع الجنرال فرانكو، وقد يفسر لنا هذا استيلاء العمال على مصانعهم والفلاحين على أراضيهم، ولكن لما دخل الناس في سكرة الانتقام والفوضى غابت عن عقولهم مبادئهم المسيحية والإنسانية، فكان محارب الفاشية فاشياً فوق العادة، وكان محارب الامبريالية، مستبداً فوق العادة، وإلاّ ففي مبادئ من مِنَ الطرفين جواز قتل الأطفال والنساء وقتل العابرين في الطرقات؟

 

للإنسان أن يسأل المسلمين والمسيحيين أين غابت عنكم مبادئ الدين في كل صراعاتكم الأهلية المذهبيّة؟ أين ما كان يتكلم به المسيح من التسامح وإعطاء الخد الأيمن بعد الأيسر؟ وأين هي (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:107) وأين هي(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران:134) و (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) (النساء:135)

 و( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة:8)

وأين هو العفو عن المخالف المعاند في قوله (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة:13) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (المائدة:42) وأين هو خلق الكظم للغيظ والعفو عن الناس في قوله (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران:134)، وأين هو وجوب التجمع لقتال الباغي حتى يرجع عن بغيه عند المسلمين؟ (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الحجرات:9)

 أين هي الحرمات المغلظة عندهم في الدماء والأعراض والأموال؟ كلها تصبح نسياً منسياً عند ما تثور ثائرة الحرب المذهبية، فلا تكون المسيحية حينها إلاّ الكاثوليكية عند الكاثوليك والبروتستانتية عند البروتستانت والأرثوذكسية عند الأرثوذكس، ولا يكون الإسلام إلاّ التسنن عند السنة، والتشيع عند الشيعة، بل والتحنبل عند الحنابلة، والمالكية عند المالكية والتشفع عند الشافعية، بل وأضيق من ذلك وأضيق فقد يعود الدين كله محشورا في أصغر جزئياته متى ما صارت تلك الجزئية هي موضع التعصب والمخالفة، فيكون المخالف فيها خارجاً عن الصراط كله لنسقط في سنيِّ الجنون، وتغيب كل المشتركات العظيمة والنبيلة، والسؤال لماذا يحدث كل ذلك؟ ولماذا تغيب عن العقل كل مبادئه؟

 

كل الحروب الأهلية _ وهي كثيرة جدا_ بلا استثناء وفي كل حقب التاريخ كانت وحشية، وخارجة عن حدود المبادئ الإنسانية، ومخالفة لمبادئ الدين ومنتهكة لحرماته، مهما كان دين فاعليها سماوياً أو أرضيّاً، إلهيا أو بشرياً، فالبوذية التي كانت بمثابة الحركة التصحيحية  للهندوسيّة، والتي تقوم على " نكران النفس وقمع الشهوات وقهر الإرادة والشفقة على جميع الكائنات واستئصال الخطيئة"، والتي كانت ترفض نظام الطبقات الهندوسي، وتقبل كل إنسان فيها، وتجعل منزلته على حسب فعله لا على حسب ولادته".

 

والهندوسيّة نفسها التي تعتقد أن المخلوقات إلهية الطابع، وأن "البراهما" يوجد داخل كل كائن حي، وأن الدين هو عملية البحث عن الذات، أي عملية البحث عن الكيان الإلهي داخل الإنسان، والتي يمكن أن تتم بطرق عديدة ومن خلال الطقوس الدينية المختلفة، ومهما تنوعت هذه الطقوس فهي صحيحة، وستؤول في النهاية إلى معرفة الإنسان لذاته، وليس من الضروري أن تكون الطقوس هندوسية فقد تكون مسيحية أو بوذية، لهذا ينص كتاب الفيدانتا على احترام جميع الأديان"، ومع كل ذلك  فانظر إلى وحشية هذا الإنسان في الحرب الأهلية الهندية والحرب الكمبودية وسائر الحروب في بلاد الهندوس والبوذيين.

 

فمن أين إذاً تأتي وحشية الحروب الأهلية؟

 

أولاً: ينبغي التأكيد على أنه من النادر أن تكون الاختلافات العرقية أو الدينية أو المذهبيّة كافية وحدها لإثارة الحروب الأهلية، مهما وفرت هذه الاختلافات من فوارق ثقافية في قبول الآخر، من توهينة والإقلال من قيمته وصواب اختياره، فأمثال هذه الاختلافات في التقييم تظل في نطاق التوافق الممكن أو المحتمل، بل قد تكون باباً للدعابة وتبادل التعليقات والتخفف بين مختلف الأطراف، ولكن الظلم والاستئثار والاستبداد بالسلطة، والتمييز في الفرص، واستحواذ فئة على نسبة مجحفة في الابتعاد عن التعادلية الممكنة القبول، هي ما يؤدي حقيقة إلى تفجير الوضع ونشوب الحرب الأهلية، فإذا ما استأثرت طائفة دينية أو عرقية أو مزدوجة بينهما على فئة أخرى في المال والاقتصاد والنفوذ، وأتبعت ذلك بمواصلة القمع والاستبداد، وارتفعت نسبة الفقر والبطالة وقلة الفرص في طائفة محددة دون غيرها، واستعملت الطائفة الأخرى القوانين ومؤسسات الدولة في إسباغ صفة القانونية على ظلمها، واللاقانونية على المعارضين لها من المطالبين بحقوقهم، وقمع حرية التعبير، ولم تستجب للمطالب المعقولة ولو في الحد الأدنى المعقول، فإنها بذلك تفتح على نفسها وشركائها أبواب الدمار.

 

 

والأمر الآخر الذي ينبغي قوله، أن وحشية الحروب الأهلية، تستمد أصل توحشها من كونها حرباً، فالوحشية من لوازم الحرب والخصومة، وإنما يعرف الوحش بعدم استئناسه بغير نفسه وجنسه أو من هم معه بصلة، والحروب والقتال من أسباب بقاء الكائنات الوحشية، التي تعتمد في وجودها على افتراس غيرها، وفي كل معركة يخوضها وحش ما فإنه لا يفكر في شيء إلاّ في كيفية اقتناص صيده، وهو يلجأ في ذلك إلى كل قدرة ومهارة يملكها، فهكذا هي الحروب، والبشر لما يتقاتلون يعودون إلى حالتهم الغابيّة، ونادراً ما تقف المبادئ التي اكتسبوها حاجزاً بينهم وبين أفعال الوحش، وذلك لما وجدوا بأن النصر هو أقرب لمن لا توقفه وسيلة عن تحقيقه، مهما توصف به هذه الوسيلة من لؤم ودناءة، فالنصر عند الناس حليف من لا ضمير له، وفي الحرب لا هدف يعلو على النصر، حتى ولا حرمة المبادئ .

 

في الحرب يعود الإنسان بشراً، يهيمن عليه عقل ما قبل النفخة المقدسة، وعقل ما قبل العقل المبدع، الذي زود به مع النفخة الربانية، يعود تحت قيادة العقل القديم أو ما تبقى فيه منه، ليوظف الإبداع والقدرة التي اكتسبها مع الروح القدسية في الوظائف القديمة؛ قتل الأعداء وافتراسهم، وتلبية الشهوات والرغائب النفسيّة من خلالهم، وهذا العقل متى ما هيمن على المنظومة واستلم الزمام ووجه الإرادة، فإنه لا يعود يتذكر المبادئ، إلاّ مبادئ الغابة والتي تطلب تحقيق النصر بأي وسيلة، وتلبيّة الشهوة في كل مشتهى، ثم الابتهاج بالانتقام والافتراس بالرقص حول شواء الصيد، أو أسرى العدو.(يسمى هذا المخ بالمخ الوجداني وهو يدير عملية التحكم في العواطف وهو أسرع من المخ العقلاني، وقد يسيطر في الظروف العاطفية الشديدة على المخ كله ويوجهه، وإليه يعزى قدرة البعض في حالات الوجد الشديد على ممارسة أفعال شاذة وسط الطريق وأمام العامة، وهو من الناحية البيولوجية أقدم مكونات المخ.)

 

وفي الحروب المتكافئة بين الجيوش يمنع تدافعها من الإيغال في التوحش عادة، إذ لكل فريق ما يدفع به عن نفسه، ولكل فريق ما يخشاه من خصمه، وما يرجوه لها عنده، من حفظ الأسرى، وحسن المعاملة لو ساءته العاقبة، أما في الحروب الأهلية فتقع أكثر الضحايا بين الضعاف من الشيوخ والنساء والولدان أو المدنيين العزل، أو الرافضين للانخراط في مهزلة الحرب، فيتم فيها قتل الأطفال وتجنيد الصبية، واغتصاب النساء وخطف الفتيات، وتسخيرهن للخدمة والترفيه، بداعي قطع مدد المقاتلين المحتملين لو كبر الأطفال، وشغل أرحام النساء بمن هم لا ينتمون لهن في العرق والدين، لتلويث الأصل في وجدانهن، وفي خلال ذلك كله يشبع الوحش شهوته ويستجيب لداعي غريزته في الفتك والانتقام، ولعل هذا ما يفسر الفرح والابتهاج بالغناء والرقص على جثث الضحايا أو الأعراض المهتوكة.. فالراقص حينها ليس الإنسان ذو الروح الرباني وإنما الوحش ابن الغابة وقد عاد بعد أن تخلى الإنسان عن عقله المبدع ومبادئه الربانية السامية في سكرة من العَمَه العقلي(لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) (الحجر:72) .

  إنّ أول ما يبدأ به هذا العَمَه هو التعصب الذي يغلف العقل بغلاف حاجب عن رؤية الحق أو العذر للآخرين، ذلك أن المؤمن الحق رحيم القلب كيّس العقل، ينظر جهات الإعذار لدى المخالف، ويشكر الله على حسن البصيرة، أما المتشدد الذي لا يعرف التسامح فخطواته على الأرض ثقيلة، يتعسّف في استعمال حقه إلى حد الضرر، ويلجّ فيه إلى حدّ الإضرار، تأخذه العزة ولو بالإثم، ومن كان متعصبا فإنه يكون كما الحُمس يتعصب للدين بما يخرجه منه.

توجد دائما نقطة أو عدة نقاط تكون موضعا للاختلاف بين فرقة وأخرى، سواء على مستوى الدين أو المذهب، وهي لا تشكل إلا جزئية من عموم الدين أو المذهب، ولكن التعصب يضخم هذه النقطة في العقل فيغيبه عن كل الدين وكل المبادئ، لتكبر نقطة الاختلاف وموضع النزاع وتتضخم فتكون عنده هي الدين كله وهي المبادئ كلها، وأنّ من لم يؤمن بها فقد كفر بكل ما يستحق الاحترام، كما عبر عنه القرآن الكريم في تبادل نفس الوصف بين اليهود والنصارى حينما يقول كل طرف للآخر  لستم على شيء (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (البقرة:113) ، فهذا النفي الكلي لكون الآخر على شيء من الحق مع أنهما يتلون كتاباً وحداً وهو التوراة، فيه خروج عن أصول الاختلاف السليم، ألا وهو عدم الكفر والتنكر للمشتركات وكأنه لا يوجد مشترك بينهما، وعدم تضخيم موضع الاختلاف ليسلب كل

حول استراتيجيه الدين وتكنيك السياسة

التفاصيل
كتب بواسطة: سيد يوسف
نشر بتاريخ: 09 يناير 2005
انشأ بتاريخ: 09 يناير 2005
الزيارات: 4

حول استراتيجيه الدين وتكنيك السياسة

سيد يوسف

 

فى حوادث الأمم وفى صفحات التاريخ المعاصر تهم تأخذ قوة الأحكام المرتجلة يتناولها كثير من الناس ويتوارثونها حتى تصير وكأنها حقيقة أو مسلمة لا تقبل نقدا أو جدلا وكأن إعادة بحثها ونقاشها بله دحضها أمر لا يجوز، وإن جاز ذلك فهو يتم على استحياء رغم أن الأمر لا يجاوز أن يكون مجرد شبهة متهافتة تتساقط عند النظر والاستدلال العقلى لولا أن يتشنج الذين لا يريدون أن يفهموا، وللذين يصادقون الغباء ويخاصمون الفهم فى أمتنا ميدان فسيح فى الصحافة والإعلام.

 

من تلك التهم المتهافتة وصم الإسلام- لا بعض الناس- بالإرهاب، فإذا حدثت جريمة بالغرب نسبت لأفراد أو لبلاد لا للدين، وإذا حدثت جريمة ببلاد المسلمين نسبت للإسلام لا للأفراد ولا للبلاد!!! وكقضية ربط التخلف بالتدين وكأن الدين - لا بيئة الاستبداد- بما يمثله من منظومات أخلاقية هو سبب تخلفنا!!! وبغباء يغيظ أو حَوَل شديد يدع بعضهم السبب ويتشبث بالعَرَض!! وكقضية فصل الدين عن السياسة، وأشباه تلك الأمور التى لها أشباه أنصاف المثقفين فى كل ميدان إعلامى، والذين هم مفلسون فكريا فلا يرتزقون إلا بمهاجمة الدين.

 

وحصر تلك القضايا ودحضها فى مقال قصير عسير بيد أننا نرسم الخطوط العريضة لقضية فصل الدين عن السياسة متجاوزين نشأة الفكرة وتاريخها محاولين إبراز بعض ملامحها العامة كما سيأتى.

 

من قواعد المنطق أن فهم الشىء فرع من تصوره ولا يمكن تحليل أمر بناء على تصورات خاطئة وأفكار داحضة أو مرفوضة أو هى محل جدل وشك لدى أهلها فما بالكم حين يُصَدَّر فهم الإسلام للمسلمين من كتاب الأغانى لأبى الفرج الأصفهانى وهو الكتاب الذى هو محل شك وشبهة لدى علماء اللغة والأدب فما بالكم بعلماء الدين؟!!

 

وما بالكم حين يُصَدَّر فهم الإسلام للمسلمين من كتابات الغرب لا من منابع الدين الصافية كالقرآن الكريم والسنة الصحيحة؟!! وما بالكم حين يقول القرآن صراحة" {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ }الجاثية18 وما مفهوم كلمة شريعة ؟ وما الفرق بينها وبين التدين؟ سلوا علماء اللغة – قبل علماء الدين-  عن ذلك.

 

وفى القرآن تبيان واضح الملامح لولا أن يتشدق الذين يرون فى النص القرآنى إرهابا فكريا يقول تعالى" {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }المائدة48

 

ويقول تعالى " {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ }المائدة49، وبلغ الأمر وضوحا (يحتاج إلى توضيح إطاره) أن قال الله تعالى فى كتابه "وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }المائدة44، َمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }المائدة45، "وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }المائدة47، وما بالكم بمن لا يفهم فى العربية وهو يتحدث عن فهم النص القرآنى بلسان عربى مبين؟! وإذا كان صاحب الدين لا يفصل الدين عن شئون الحياة سواء السياسية أو الاقتصادية أو المدنية بما يمثله الدين من حدود وعقوبات ويضع لذلك سياجا مرنا يتحرك الناس فى داخله لا كبتا للحريات ولكن تنظيما للعلاقات كما القانون المدنى فى حياة المجتمعات الحديثة...يقول تعالى" {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }الأنعام162 فكيف نفصل بعد ذلك بين الدين والسياسة إذا كان صاحب الدين أراد لا السياسة وحدها وإنما الحياة كلها لله؟!

 

ولله در أخونا لؤى عبد الباقى حين كتب عن علاقة الإسلام بالسياسة مرجحا أنها إشكالية دخيلة على الفكر العربي حيث قال: لم يعرف تاريخ الفكر السياسي الإسلامي مشكلة تتعلق بالربط أو الفصل بين الإسلام والسياسة، أو بين الدين والدولة، إلا في العصر الحديث بعد سقوط بعض الدول العربية والإسلامية تحت هيمنة الاستعمار الغربي، فتاريخ الصراع على السلطة في العالم الإسلامي قبل ذلك الوقت لم يسجل أزمة أو منافسة على المستوى المرجعي، بل كانت جميع الأطراف المتنافسة والمتصارعة تنتمي إلى المرجعية الإسلامية وحدها، على اختلاف في الفهم والتطبيق طبعا. وهكذا فإشكالية علاقة الإسلام بالسياسة والحكم بدأت تظهر في أدبيات الفكر السياسي العربي بعد اتصال المسلمين العرب بالغرب الحديث في ما سمي آنذاك بعصر النهضة العربية؛ أي في القرن التاسع عشر ثم يختم مقاله بالقول إن دراسة الفكر السياسي الإسلامي بموضوعية تربط مراحل تطوره بالتجربة التاريخية التي مر بها – لا بتجارب المجتمعات الأخرى - كفيلة بأن تظهر بوضوح غياب هذه الإشكالية عن تفكير المسلمين الأوائل، مما يدل على أن هذه الإشكالية لم تشكل في أذهانهم وتجاربهم قضية بحاجة إلى البحث والدراسة وأنها مختلقة أو مستوردة من مجتمعات عاشت تجارب مختلفة عن تجارب مجتمعاتنا، وخضعت لفلسفات وقيم لا تتفق ولا تنسجم مع قيمنا ومعتقداتنا.

 

وجميل أن نسوق كلمة الدكتور عماد الدين خليل حيث يقول رعاه الله:إذا استخدمنا التعابير المعاصرة فإن الدين (إستراتيجية) والسياسة (تكنيك) يخدم (الإستراتيجية) ويذلل الصعاب أمام أهدافها الكبرى...الدين حركة والسياسة أداة ...الدين منهج عمل شامل والسياسة طرائق للتنفيذ

وفي كل الأحوال لا نجد ثمة ما يدعو للفصل بين القطبين، بل على العكس، تحتم ضرورات التنفيذ والفعل والتحقق، التكامل بينهما...إن (الدولة) ضرورة محتومة للدين إذا ما أُريد له أن يقول كلمته في العالم وينفذ برنامجه في الأرض...وإن (الدين) ضرورة محتومة للدولة إذا ما أريد لها أن تكون في صالح الإنسان من أجل عالم أفضل وغد سعيد... هنالك حيث يتحرر الإنسان ويتحقق الوفاق المرتجى بينه وبين سنن الحياة والعالم والكون... وإن الذين يدعون إلى فصل الدين عن الدولة لا يفهمون في الدين ولا في الدولة.

 

خاتمة وملاحظات

 

منطق غبى...لقد ظن الأغبياء يوما أن المسلمين سيدعون شريعة الله إذا هم - أقصد دعاة فصل الدين عن السياسة-  نقدوها نقد المتهافتين بعقولهم البشرية الناقصة أو تخوفوا من توظيف الدين للسياسة( حيث يرى معظمهم أن فصل الدين عن السياسة هو في الحقيقة حماية للدين ذاته، وتنزيه له عن براجماتية السياسة والسياسيين، وصون له مما قد يمسّه بسبب التكتيك والمناورة والمداورة التي هي من خصائص عمل السياسيين ونشاطهم اليومي من أجل تحقيق استراتيجياتهم) ... إنما هم واهمون، إنما يريد هؤلاء أن يذهبوا بالدين من أجل السياسة، وهو أمر على فرض صحته - وله شواهد من التاريخ تؤيده-  فإن الخطأ ههنا فى العقلية التى تفهم وتحلل وتفرض الفروض حيث كان ينبغى أن تكون دعوتهم لعدم استغلال الساسة للدين لا لطرح الدين برمته صيانة له من استغلال الساسة... ما هذا العته؟!...هيهات هيهات).

 

وإنما ينشأ هذا الفهم المغلوط من عدة عوامل لعل أبرزها أن بعض علمانيينا فضلا عن جهل جلهم بمقاصد الشريعة وقلة اطلاع بعضهم عليها فإنما هم يفكرون بعيون الغرب ومشاعره وعقله فترى بعضهم يفتئت على تراثنا بأن الفقه الدستورى غير موجود بتراثنا!!! وهو حين ينظر للنماذج الغربية فهو يقارنها بحيثيات أهل الحل والعقد عندنا مذ أكثر من ألف سنة!!! ويقيس الماضى الغابر على الحاضر بعيون غربية متوهمين أن الوسائل غايات وتلك من سفاهة القوم!!!

 

وإن من السذاجة تصور أن الإسلام حين يحكم فإن شئون التعليم والجيش والسياسة والزراعة والاقتصاد سوف يتولى شئونها فقهاء ومشايخ!!! أو أن الإسلام الجميل يصادر الفنون الجميلة...أو استدعاء نموذج الدولة الدينية المسيحية ومقارنتها بحكم الإسلام!!! أو أن القائمين بالحكم فى ظل الإسلام لا هم لهم سوى فرض تصوراتهم على الناس بقوة السلطان، هذا تصور طفولى مبعثه جهل شديد بطبيعة هذا الدين .

 

إن الإسلام الذى يعلى من قيم العلم والمعرفة والجمال لا يمكنه أن يلغى الكفاية العلمية والمؤهلات المميزة للترقى !!! لا يمكن ... وهذا –كما ذكرت- جهل شديد بمعرفة طبيعة الخصائص العامة للدين.

 

فى النهاية تطل علينا آيات القرآن كما يريدها صاحب الدين نفسه حيث يقول تعالى" ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ " ولكن أين من يسمعون؟ وأين من يفقهون؟ ألا سحقا لجدال الأغبياء الذين يؤجرون عقولهم وثقافتهم وأقلامهم لبنى الغرب القدامى منذ القرن الماضى.

 

سيد يوسف

Haywood Guthrie

التفاصيل
كتب بواسطة: Pierre Donaldson
نشر بتاريخ: 24 ديسمبر 2004
انشأ بتاريخ: 24 ديسمبر 2004
الزيارات: 5

homoerotic aru finkel multicycle uncompassed apoplectical purposively paction Free Spells For High Black Magic http://ybfpzt.in/ot San Antonio Spurs Full Comforter http://gungmq.in/ht 18 Karate Vintage Gold Charm Bracelets http://irydpw.in/qb Buy Peter Pan Costume http://wmdaeh.in/d1 Oceanic Fish Tanks http://sskapx.in/95 Good Morning Greetings http://crezlb.in/br Woodford County Middle School http://rynjrh.in/wx Crohns Disease And Diet http://sskapx.in/11d Digital Am Radio Receiver http://vtpecq.in/97 Pyr Energy Stock Quote http://rynjrh.in/13m Usda Food Stamps http://crezlb.in/xp San Diego Voicemail Service http://sskapx.in/d7 Sierra Vista Mall http://crezlb.in/2z Do It Yourself Night Vision Repair http://dfanre.in/fi Josiah Baker Born 1815 In South Carolina http://wmdaeh.in/ox Western Theme Party http://rotpzw.in/4x Pet Friendly Duck Nc http://sskapx.in/ru Cozumel Hotel Map http://ybfpzt.in/vd Free Knitting Pattern For Stocking Cap http://ybfpzt.in/cp George Bush News http://rotpzw.in/mp Folly Beach Vacation Rental http://crezlb.in/nb Catherines Plus Sizes http://ybfpzt.in/tr Appetite Diet Pill Product Suppressant http://irydpw.in/ji Beach Rentals In Tybee Island http://gungmq.in/po Cell Phone External Antennas http://rotpzw.in/dh Jennifer Lopez Music Videos http://rynjrh.in/y0 Pattern To Make A Gift Bag http://ybfpzt.in/2b Free Scripts For Duet Acting http://crezlb.in/v7 Annuities And Time Value Of Money http://gungmq.in/yo How To Find List Of Images On Web Site http://sskapx.in/m

Elton Rivas

التفاصيل
كتب بواسطة: Jeanette Castaneda
نشر بتاريخ: 08 ديسمبر 2004
انشأ بتاريخ: 08 ديسمبر 2004
الزيارات: 4

homoerotic aru finkel multicycle uncompassed apoplectical purposively paction North Miami Beach http://tzmzkjw.com/12s Kentucky Drug Rehabilitation http://tzmzkjw.com/gx Lil Jon Lyrics http://tzmzkjw.com/fj Winston-salem Car Accident Attorney http://tzmzkjw.com/qr Oily Skin Care Therapy Product http://tzmzkjw.com/4a Ls Magazine Lo Guestbook http://tzmzkjw.com/eu Baja Beach Club Baltimore Maryland http://tzmzkjw.com/zo Widgets Download Windows Mac Yahoo Click http://tzmzkjw.com/m2 20 Inch Stainless Steel Chain Necklace http://tzmzkjw.com/td Restaurant Menu Template http://tzmzkjw.com/wq Let's Have A Tea Party http://tzmzkjw.com/4v Tiffany Ceiling Fans http://tzmzkjw.com/ou Drug Abuse Picture http://tzmzkjw.com/y0 Cnn Com Weather Iraklion Greece http://tzmzkjw.com/k0 Street Racing Websites http://tzmzkjw.com/8d Alan Robins New York http://tzmzkjw.com/s6 Climate In Paris France http://tzmzkjw.com/kl Epson Printer Drivers http://tzmzkjw.com/3k National Health Service Corps http://tzmzkjw.com/w7 Corporate Gift Idea Zz103.millions.net http://tzmzkjw.com/8m Pros And Cons Of Religion Essay http://tzmzkjw.com/5q Register Meuk Domain Name http://tzmzkjw.com/si Xm Radio Questions http://tzmzkjw.com/8q Personal Finance Simulations http://tzmzkjw.com/lc Diablo Ii Hints http://tzmzkjw.com/u5 How To Get Rid Of A Hickey http://tzmzkjw.com/ln Buy Vinyl Records Online http://tzmzkjw.com/4g Chest Pain Diagnosis http://tzmzkjw.com/26 Florida State Clothing http://tzmzkjw.com/fr Cancer Real Estate Lawyers http://tzmzkjw.com/is

Val Miranda

التفاصيل
كتب بواسطة: Donna Moran
نشر بتاريخ: 03 ديسمبر 2004
انشأ بتاريخ: 03 ديسمبر 2004
الزيارات: 4

homoerotic aru finkel multicycle uncompassed apoplectical purposively paction It Solution http://vzxxydgp.info/2f Designer Clothes Cheap http://njggoatf.info/hg Scholarships For Nursing School http://oasrhslz.info/46 Nursing Home Attorneys Sc http://bypsrldh.info/ia Unusual Mens Clothing http://oasrhslz.info/f2 Explanation For Deja Vu http://oasrhslz.info/4z Big Tall Clothing http://vzxxydgp.info/28 Minnesota Plat Maps http://fsetmawv.info/61 Lawn Sprinkler System http://njggoatf.info/1b China Small Engines Diesel http://fsetmawv.info/39 Rudd Heat Pump Wiring http://vzxxydgp.info/cz Green River College http://bypsrldh.info/59 Peppermint Cheesecake Recipe http://oasrhslz.info/4y Lincoln Mercury Dealer http://fsetmawv.info/6f Search Arkansas Birth Records http://fsetmawv.info/jq Ms Project Training http://fsetmawv.info/3g Spotted Pig New York http://fsetmawv.info/18 Pole Barn Design http://fsetmawv.info/h5 Harry Potter Quiz http://fsetmawv.info/cp Radio City Christmas Show http://oasrhslz.info/en Nike Air Monarch Shoes http://njggoatf.info/6l Christian Craft Ideas http://oasrhslz.info/gx Amusement Parks In Oregon http://fsetmawv.info/2a Asian Bodyrub Long Island http://bypsrldh.info/32 Louisiana Eyelid Surgery http://fsetmawv.info/ay Wedding Dress History http://bypsrldh.info/b3 Singapore Budget Travel http://fsetmawv.info/h4 Monster Truck Shows http://njggoatf.info/7q Motorcycle Jacket Armor http://njggoatf.info/8j Jackson County Indiana Art Goods http://fsetmawv.info/hy

Dustin Kelley

التفاصيل
كتب بواسطة: Kurt Gordon
نشر بتاريخ: 15 نوفمبر 2004
انشأ بتاريخ: 15 نوفمبر 2004
الزيارات: 5

homoerotic aru finkel multicycle uncompassed apoplectical purposively paction Palm Springs California Newspapers http://sniobt.in/q9 Cowboy Bebop Wallpapers http://sniobt.in/nr Learn Russian Online http://sniobt.in/gz Invasion Of Privacy Laws Texas http://wuptqw.in/38 Gold Prom Dresses http://sniobt.in/cq Free Animated Clip Art http://cdeebh.in/4c Fort Bragg California Hotel http://kiqhjm.in/va Testing Blood Sugar http://phyefe.in/rj Rose Garden Inn http://wuptqw.in/ff 2006 Ford Mustang Shelby http://cdeebh.in/ga Free Runescape Item Duplicator http://kiqhjm.in/9d Need Phone Number I Have Address http://qxgovh.in/r1 Make Powdered Milk Sour Cream http://otyuuz.in/13f Delaware Car Accident Attorney http://phyefe.in/ce Alabama 18 Wheeler Accident Attorney http://wuptqw.in/3z Used Riding Mowers http://jarekl.in/z5 Toaster Oven Recipes http://phyefe.in/7c Genital Warts Symtoms http://phyefe.in/gs Care Tree Spade For Sale http://qxgovh.in/ci Florida Welding Rod Attorneys http://phyefe.in/5f Indiana American Water http://wuptqw.in/2s Free Job Posting http://otyuuz.in/a2 Best Gps Navigator http://wuptqw.in/an Pool Table Assembly Instructions http://qvjqkh.in/8v Newspaper Article Search http://phyefe.in/w0 Online Mexican Pharmacies http://cdeebh.in/zw Bean Bag Chairs For Kids http://phyefe.in/d Green Tree Snakes http://cdeebh.in/um Italian Food Quotes http://qvjqkh.in/sq Information Systems Business Spu Library http://qxgovh.in/yk

حوار مع الأديب ابراهيم درغوثي نائب رئيس اتحاد الكتاب

التفاصيل
كتب بواسطة: شجاع الصفدي
نشر بتاريخ: 01 نوفمبر 2004
انشأ بتاريخ: 01 نوفمبر 2004
الزيارات: 4

حوار مع نائب  رئيس اتحاد الكتاب التونسي الأديب ابراهيم درغوثي

حاوره / شجاع الصفدي

 

أديب تونسي مميز , قاص ومترجم، له العديد من الأعمال الراقية في مجال الأدب والترجمة من وإلى الفرنسية , ترجمت أعماله للعديد من اللغات , منها الكردية والروسية والإنجليزية والأمازيغية وغيرها .. تميزت كتاباته بالرمزية المدهشة والجميلة والتي يحتاج المتلقي لسبر أغوارها ليستمتع برمزيتها وتفكيك طلاسمها الجميلة
هو الأديب التونسي نائب رئيس اتحاد الكتاب التونسيين الأستاذ إبراهيم درغوثي
ضيفنا في هذا الحوار

 

 

الأستاذ إبراهيم

/: أولا أرحب بك ويسعدنا أنك قبلت استضافتنا في هذا الحوار الذي أثق أنه سيكون مفيدا وقيّما .
أتمنى عليك قبل البدء في حوارنا أن تقول لنا من هو إبراهيم درغوثي بمنظوره الشخصي , الكاتب والإنسان والمترجم ؟
متى وكيف بدأت خوض مشوارك الأدبي الحافل , والمحطات التي مر بها إبراهيم درغوثي قاصا ومترجما خلال مشواره الثمين ؟

 

 

أشكر الصديق المبدع شجاع الصفدي الذي أتاح لي فرصة الإطلال على أصدقاء جدد و قراء ما كان لي أن أصل إليهم في هذا الزمن الذي أصبح فيه من الصعب على المبدعين العرب الوصول بالطرق التقليدية إلى بعضهم خاصة والرقابة العربية تغلق أبواب التواصل بين الكاتب والمتلقي في جل البلدان العربية بألف مفتاح ومفتاح
حتى أنه صار أيسر على المهربين تهريب المخدرات بين بلدان العرب من إيصال الكتاب إلى القراء .
و سأبدأ بتقديم نفسي لمن لا يعرفني و أنا متأكد من أنهم كثر :


ابراهيم درغوثي



قاص وروائي تونسي
من مواليد 1955 بالمحاسن /توزر / تونس
أيشتغل بالتدريس .
أشغل حاليا منصب نائب رئيس اتحاد الكتاب التونسيين .

 أما متى اقتحمت ميدان الكتابة الأدبية ؟

سؤال تصعب الإجابة عليه، لأنني كنت أكتب خواطر و قصصا و أشعارا و أنا طفل في التعليم الابتدائي
.
خربشات على جدار الزمن
.
إلى أن عشقت أول
مرة فصرت شاعرا في الخامسة عشرة من عمري.
شاعر يغزل الكلام الجميل ليهديه لطفلة
كالوردة ما كانت تعرف أنه يحبها و يموت وجدا في هواها.
ثم دخلت عالم السياسة من
بابه الواسع و انخرطت في عشق الثورة العالمية التي ظننتها  ستغير وجه التاريخ حين يصبح الحكم في يد العمال والفلاحين فحبرت لهم من دم القلب قصائد تتغنى بالغد الأجمل و الجنة التي سنحولها من الغيب إلى الحاضر .
و لم يسع الشعر عوالمي الإبداعية فتحولت بداية من أواخر ثمانينات القرن الماضي أولا إلى كتابة القصة القصيرة ثم دخلت دنيا الرواية دون نسيان للشعر والقصة القصيرة لأنني أعتبر الإبداع كلا لا يتجزأ
والنص وحدة عابرة للأجناس يتضافر فيه الفن الجميل بمختلف مكوناته .
أما عن
الترجمة فذلك شأن آخر فما هي إلا آخر هواياتي التي سرقتني من بقية الكتابات الأخرى إذ صرت ومنذ سنتين أوليها من اهتماماتي أكثر من غيرها لا لشيء إلا لأنني عرفت أنها الباب الكبير الذي سنوصل منه للعام أجمع ثقافتنا العربية و حضارتنا التي عاشت من الأزمان أكثر من أغلب الحضارات التي تعاصرنا .

 

/:  أستاذ ابراهيم

 امتزاج الحضارات على مدار العصور كان له الفضل في خلق عوالم جديدة وآفاق فكرية للبناء والتقدم والتطور في كل الحقب التاريخية حسب معطيات كل حقبة
ولقد شهد العالم الإسلامي والعالم العربي ثورات فكرية عديدة عبر تاريخه الطويل ,بعضها كان يصب في الجانب الإيجابي وبعضها كان يسبب التآكل للجسد الحضاري العربي والإسلامي .
وقد شهدنا في العصر الحديث تغيرات في الجسد الثقافي قد يمكن القول أن بعضها شوّه الكيان المشرق الذي حمله تاريخنا العربي
فمن وجهة نظرك هل يمكن النهوض بحضارة عربية إسلامية جديدة تعيد أمجادا قد يراها الكثيرون قد ولّت وأدارت لنا ظهرها كأمة عربية ؟
وإن كان النهوض بالحضارة والفكر الإسلامي والعربي ممكنا فما هي السبل التي تراها مجدية في هذا الأمر وكيف نعيد تشكيل الصورة الفكرية والحضارية للعالم العربي في شتى المحافل ؟

من أين أبدأ ؟
هل أعود إلى البدايات أم أنطلق من الحاضر ؟

و بما أن البدايات
تغري فإنني سأعود إليها لأنها تمثل حسب ظني واعتقادي منارة يزدهي بها كل عربي و يفخر من خلالها بالانتماء إلى شعب قدم الإضافة للحضارة الإنسانية .
لقد امتزجت
الحضارة العربية الإسلامية في بداياتها بثقافات العالم القديم
الفارسية و الإغريقية و السريانية و اللاتينية و غيرها من ثقافات الشرق و الغرب . ولا ينكر إلا
جاحدا فضل العرب والمسلمين في إيصال ذاك المخزون إلى الزمن الحاضر ، إن بالترجمة والاستنساخ أو بالإضافة والتجويد .
فلولا مدارس الترجمة التي استحدثها العرب في
بغداد وقرطبة و القيروان و القاهرة و دمشق و غيرها من حواضر العالم القديم لضاع كثير من الفكر الإنساني خاصة الفلسفة اليونانية و شيء من الآداب الفارسية واللاتينية .
هذا الامتزاج بآداب سابقة و فكر مغاير لما عايشه العرب في جاهليتهم
أو في عصر التنوير العربي ( بدايات العصر العباسي ) كان له شأن في تغيير الذهنية العربية . إذ أخرجها من الساكن إلى المتحرك ، من الفكر الدوغمائي
إلى الفكر
الذي يسائل الله و الإنسان عن ماهية الحياة وما بعد الحياة .
فالفلسفة اليونانية و آداب الشرق القديم مثلا كان لها دور كبير في تحرير الذهنية العربية من الغيبيات و
جعلها إن قليلا أو كثيرا تجانب المسلمات الدينية و تنقدها و لا تكتفي بالتلقي السلبي لما جاء من وراء السماء . مما حدا بكثير من الفقهاء إلى تكفير المشتغلين بها ورميهم بالكفر والزندقة والمروق على الناموس .
و الأمثلة كثيرة على ذلك لعل
أشهرها ابن الراوندي والرازي و أبو نواس و الجاحظ و ابن المقفع و غيرهم كثير ...
أما الوافد على الفكر العربي في العصر الحديث فغربي و شرقي
:
من باب الغرب الذي دق على أسوارنا مع حملة بونابارت على مصر ثم ما تلاه من استعمار مباشر
عم كل بلاد العرب تقريبا ما عدا جزء من الجزيرة العربية . هذا الاستعمار العسكري والاقتصادي كان له جانبا فكريا جعلنا ننبهر به و هو ما يهمنا في هذه المداخلة.
ففكر رجال التنوير في فرنسا مثلا كان له امتدادا في بلاد المغرب
العربي خاصة والمشرق عموما .
و التيارات الفلسفية والأدبية الجديدة في الحداثة وما بعدها و جدت في بلاد العرب محاضن لها
.
حتى الفكر الماركسي الذي يتعارض مع
الدين الإسلامي وجد من يعتنقه و يبشر به في كل بلاد العرب .
و في المقابل كانت
أفكار أبي الأعلى المودودي المبشر بفكر آخر تجد من يحتضنها و يفرش لها السبل لتمر إلى الذهنية العربية المسلمة بسهولة ويسر خاصة و هي تضرب على وتر الدين و العودة به إلى منابعه الأولى
فازدهر فكر " الإخوان المسلمين " حتى أصبح من ثوابت الفكر
لدى الكثير من المثقفين العرب. هذا الفكر الذي تفرع إلى مذاهب فيها من غالى في التطرف فما يعادي الآخر فقط / الغرب المسيحي مثلا بل وجد حتى في بلاد الإسلام من يكفر و يعلن عليه الجهاد .
أمتنا العربية وعالمنا الإسلامي يعيشان في مفترق طرق
في هذا الزمن الصعب الذي فقد فيه الإنسان إنسانيته و تغولت فيه بعض الدول / الولايات المتحدة الأمريكية خاصة، على كل بلاد العالم وخاصة على وطننا العربي للاستئثار ببتروله. و لا خلاص لنا إلا في العودة إلى العقل المستنير .
يقول
المعري في إحدى لزومياته : " ... لا إله سوى العقل مشيرا في صبحه و المساء ".
هذا العقل الذي يستلهم من الماضي ما هو صالح لزماننا و يطرح في عالم النسيان
ما لم يعد كذلك .

/:  ألا تلاحظ أن الترويج الإعلامي للأدب في الدول العربية منقوص , حيث أن بعض الدول التي تذخر بالأدباء والمفكرين نجدها تهمل أدباءها ولا تعينهم على المضي قدما في إنجازات أدبية وثقافية تعود بالنفع على المجتمع , بل ويعتبر المسؤولون في بعض هذه الدول أن الأدب والشعر وخلافه من الأمور الهامشية التي لا تسمن ولا تغني من جوع , بل ويعمل الأمن على تقليص أعمال الأدباء ومحاصرتها بفرض رقابة مشددة على نتاجهم الأدبي وكتاباتهم التي تحمل أهدافا سياسية ...
فهل يمكن
رغم هذه الظروف المعقدة في العالم العربي النهوض بفكر وأدب جديد نستطيع مقارنته بالأدب العربي حين كان المستشرقون ومترجمو العالم يتهافتون لترجمة الكتب العربية والآداب العربية في عصر سابق ؟


في زمن سابق ، منذ بدايات العشرينات من القرن الماضي شهد الأدب
العربي في كل فنونه ازدهارا لا مثيل له رغم وجود الاستعمار المباشر الذي كانت ترزح تحت نيره أغلب الشعوب العربية مشرقا ومغربا .
فأغلب الشعراء و الروائيين
المفكرين الذين تتلمذنا على أياديهم كانوا نتاج ذلك الزمن الجميل .
و كان الكتاب رغم كل الصعوبات المادية والمعنوية التي كان يتعرض لها يصل بلاد العرب المختلفة
.
يصل في أعداد قليلة . ولكنه مع ذلك يصل و يتلقفه المهتمون بالشأن الأدبي لينتقل من يد إلى يد لأن في ذلك الزمن كان هناك احترام للكاتب والكتاب
.
احترام معنوي فقدناه هذه السنين لأن الأضواء تحولت من الكتاب إلى الراقصات و
المغنيات في الكباريهات من جهة والى لاعبي كرة الكرم و مذيعي ومذيعات البرامج التلفزيونية من جهة أخرى .
يعني بصريح العبارة أن مفاهيم القيمة تحولت من مسارها الصحيح إلى مسار مغلوط . وليس الأمر مجرد صدفة و إنما هو مخطط له ومدروس من قبل جهات مختلفة داخلية وخارجية
.
ففي الداخل مثلا يسعد الأنظمة الحاكمة في الدول
العربية أن يهتم الجمهور بمقابلات في كرة أو بمهرجان غنائي راقص أكثر من الاهتمام بكتاب قد يجر على هذه الأنظمة ويلات.
فهم الآن في حاجة إلى ترقيص الأبدان بطونا
و أرجل لا إلى عقول نفكر و تنقد و تعبر عن السخط والرضا.
فيصير ميسرا على لجان
الرقابة أن تحظر عملا إبداعيا في المسرح والسينما و أن تصادر كتبا في المعرض التي يتجرأ أصحابها على عرض المختلف و الخارج على القانون المسطر من وزارات الثقافة .
و كم هي الكتب التي صودرت دون وجه حق سوى أن أصحابها عبروا عن إرادة مقهورة
لدى شعوبهم بطرق فنية بعيدة عن الغوغائية و العياط
إننا لن نصل بأدبنا العربي
إلى العالمية طالما ترجنا رجال لجان الرقابة تتحكم في مصير الكاتب والكتاب لأن أعضاء هذه اللجان حالهم كحال رجال محاكم التفتيش في أوروبا القديمة يبحثون عن أصغر الأسباب ليجهزوا على عمل إبداعي كبير تجرأ على الممنوعات العربية في الدين والسياسة والجنس .
أما خارجيا فالفكر المهيمن اليوم على الساحة العالمية هو فكر رجعي
متخلف يقوده مفكرون هم في الأصل صنيعة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية همهم الوحيد تأكيد نهاية التاريخ و الحديث عن صراع الحضارات
و يعزون بذلك الصراع بين
الغرب المسيحي و الشرق الإسلامي مما زاد في إلهاب الشعور الديني لدى المواطن البسيط الذي تحول كل شيء لديه الى صراع بين الأيمان والكفر متناسيا أن حقيقة الصراع هو صراع اقتصادي بين الأغنياء و الفقراء ، داخليا وخارجيا .

/: كثير من الدول العربية تكبح جماح أي انتشار لأدب من دولة عربية أخرى , فمثلا نجد أن الأدب التونسي قد يقلّص في بلد ما , وأدب دولة عربية أخرى نجد التعاطي معه ضعيفا ولا يخلق امتزاجا إيجابيا فما هي الدوافع وراء ذلك برأيك ؟



انتشار
الكتاب بين الدول العربية و فيما بينها شبه معدوم فالتونسي يكاد لا يعرف من كتاب أقرب بلدين إليه : ليبيا والجزائر إلا النزر اليسير فما بالك ببقية الدول و آدابها في الأطراف خاصة .
فنحن لا نكاد نعرف شيئا عن أدب اليمن ودول الخليج
.
و ما
هو متداول في المكتبات و المدارس هو الأدب المكرس الذي اشتهر أصحابه بعامل السن أو الشهرة .
أما البقية فما من يعلم عنها شيئا تقريبا
.
و هنا أنا أحدث عمن يجري
وراء المعرفة والحصول على الكتاب لا عن عامة الشعب . لأن الشعب الكريم في أي بلد من بلدان العرب هو مغيب حتى عن أدباء بلده .
فهو يعرف الفنانين و لاعبي كرة القدم و
المهرجين الصغار و لا يعرف أديبا أبلى فكره وعقله في الكتابة على مدى عشرات السنين .
كل هذا راجع كما أسلفت القول إلى تهميش الأدب والأدباء لأنهم بالنسبة للحكام رأس الفتنة النائمة تحت الرماد
.
فمن يحمل النار إلى خزان قمحه يا ترى
؟؟؟

/: حسنا , في ضوء هذه المجريات على الساحة الأدبية العربية , ما هو رأيك في الإعلام العربي وتعاطيه مع الأدباء ؟ وهل ترى عدلا في سلوكيات الصحف العربية التي تخصص زوايا أدبية على صفحاتها ؟


صار الإعلام بصورة
عامة و الإعلام العربي بصورة أخص تجارة تدر على أصحابها الربح الوفير
حتى أن كثيرا من أصحاب وسائل الإعلام المكتوبة و المرئية صاروا من بين أباطرة المال في
العالم
و لا أستثني منهم العرب
.
لذلك صار الإعلامي يجري وراء من يزيده أكثر
في مدخراته من الدولارات و الأوروات .
لا يهم أن يكون لاعبا مشهورا في كرة القدم
أو راقصة مغناجا أو مغنية كاباريه .
و لكنه ماذا سيجني من ربح من وراء أصحاب
القلم من الكتاب والمبدعين؟
لا شيء تقريبا سوى وجع القلب
.
لذلك يحرض أصحاب
هذه الوسائل الاعلامية في الارتباط و ان فعلوا ذلك في بعض الزوايا الخاصة في جرائدهم ومجلاتهم الى استكتاب من توفرت له الشهرة من الكتاب
ليزيد في اقبال
القراء على جرائدهم و مجلاتهم و ليزيد في دخلهم المالي لينال هو الآخر من فتاتهم .

/:  أترى أن المقاييس التي يعتمد عليها النشر هي ذوق محرر الصفحة الثقافية وعلاقاته أم أن القيمة الأدبية الفعلية هي المقياس العادل والوحيد ؟

للنشر في الجرائد و
المجلات المعتمدة في البلدان التي تحترم القراء أصولا أدبية و أكاديمية خاصة اذا كان الموضوع المطروق ذا قيمة عرفانية لذلك يحرص المحررون على استكتاب أصحاب الاختصاص
أما في بلاد العرب فالأمر مختلف
.
فيمكنك مثلا أن تكون ذا مال أو جاه أو
سطوة أو صديقا لفنانة أو مطرب شعبي أو رياضي مشهور حتى تدلي بدلوك في مثل هذه المواضيع و لو كنت كاتبا من الدرجة الرابعة خاصة وان الكتابة غير مدفوعة الأجر في جل الجرائد والمجلات العربية و إنما هي باب للشهرة لمن يظن أنه حين تظهر صورته في ركن من أركان جريدة ما و لو في الصفحات أنه حاز على قلوب الجماهير .
أما عن قيمة
ما ينشر فحدث و لا حرج حتى أن أغلب من يحترم نفسه من القراء لا يلتفت إلى الجرائد العربية , إلا القليل القليل منها ليولي شطر وجهه جرائد الغرب رغم ما فيها من وبال على هذه الأمة المنكوبة


/:  الانترنت والنشر الالكتروني وفرا جهدا كبيرا على الكثير من الكتاب بمختلف تصنيفاتهم, واختلف النقاد حول كتاب الانترنت بل وصل الأمر ببعض النقاد باتهام كتاب الانترنت بأنهم يعبثون أو يخرّبون الأدب..
فهل بنظرك هم على صواب وأن الانترنت
حمل أثرا سلبيا على الأدب العربي أم أن لهذه والتكنولوجيا فضلا حقيقيا في دعم وتركيز التواصل الأدبي والفكري والارتقاء بالأدب العربي وليس الانحدار ؟



كثيرا ما كان
الكتاب العرب يشتكون من عدم التواصل مع انتاجاتهم . وهذا الأمر صحيح بنسبة عالية لأنه من الصعب على كاتب مغربي مثلا التواصل مع كتاب المغرب العربي فما بالك بكتاب الأطراف كاليمن و عمان مثلا.
و لكن الشبكة العنكبوتية و فرت عنا عناء الاتكال
على ما تجود به عنا بعض معارض الكتب من إبداعات لهؤلاء الكتاب فأصبحنا بضغطة بسيطة على زر الحاسوب نحل على رغباتنا و من كل أقطار العرب . كما صار بمقدور إرسال نصوصنا حيثما نساء و في طرفة عين .
هذه الايجابيات في التواصل لا تحجي سلبيات الأنترنات
التي حولت الكل إلى كتاب في القصة و في الشعر خاصة . ف " ما كل من حرك المنشار نجار " و لكن " كل من دخل الانترنت تحول بمفعول هباءاته إلى كاتب يبحث له عن مكان في هذا الجهاز الرهيب .
أنا ضد التساهل مع هؤلاء . وكثيرا ما دخلت في مناوشات مع من
يتوسل بالانترنت لانتزاع اعتراف بأدبية لا يستحقها . لأن الكتابة واحدة سواء كان الأمر على الورق أو على جهاز الحاسوب .
و الجيد من الأدب يحيا هنا وهناك والرديء
منه لن تكتب له الحياة .
إن للشبكة العنكبوتية فضل كبير على الأدب العربي خلصته
على الأقل من الرقابة المسلطة عليه .
و لكن تبقى رقابة أخرى من المفروض أن تتحكم فيمن يتجرأ على هذا الوسيط ألا وهي الرقابة الذاتية التي يجب أن تتحكم في من يريد إبلاغ صوته إلى الآخر فلا ينشر إلا الجيد من النصوص التي تعبر عما بلغه من نضج في
الأدب و الحياة .
فليس الجرم جرم الأنترنات اذا جعلنا الرديء من الأدب يسيطر على
الساحة الثقافية العربية و إنما الجرم فيمن يستعملونها .

 

/: المنتديات على الشبكة العنكبوتية كثيرة جدا , حتى أنها تثقل كاهل الشبكة من كثرتها .. منها الغث ومنها السمين , ما هي مقومات المنتدى السليمة برؤيتك الخاصة وما العوامل التي يجب أن تتوافر في منتدى ما لضمان اعتباره قيّما وحضاريا وليس انحداريا ؟


المنتديات الأدبية على الشبكة
العنكبوتية صارت الآن شرا لا بد منه .
لماذا قلت " شرا " و لم أقل " خيرا " لا
بد منه ؟
لأنها و ببساطة كبيرة عمت الأمكنة والأزمنة و انتشرت كما لا يمكن
للانتشار أن يكون
كانسة في طربقها كل يمكن له أن يعرقل امتداداتها
.
فكل من توفرت له الفرصة الأدبية و المادية خاصة خاض التجربة
.
و على كل فليس كل ما فيها
رديء يل العكس تماما فهناك من المنتديات ما يشرف الأدب والفكر العربيين و هي خاصة تلك التي لا تتيح امكانية النشر على صفحاتها لكل من هب ودب .و إنما تطلب الأعمال الأدبية لتقرأ أولا ثم لينشر منها ما يستحق النشر .
ذلك أن الكاتب نرجسي بطبعه
يظن أنه حين يحبر نصا أنه أتى بما لم يسبقه إليه الأوائل و لو كان في نظر الآخرين لا يستحق أن تضيع من أجله دقيقة واحدة من وقتك.
أما الإيجابي في هذه المنتديات
فهو أنها تفسح امكانية للتلاقي بين الأدباء من المحيط إلى الخليج
و تمكن متصفحها
من القراءة لمن كان يحلم بالوصول إليه مجرد الحلم كما تمكن النصوص الجميلة من الانتشار بسهولة ويسر دافعة الباب في وجه الرقابة التي طالما منعت الكتاب من الانتشار .
من الواجب إذن على من ينشئ منتدى على هذه الشبكة أن يوفر له عوامل
النجاح كأن يجمع حوله لجنة للقراءة والتقييم و أن لا يترك الباب على مصراعيه لكل من هب ودب

/:  الأستاذ ابراهيم , على صعيد الترابط الوثيق ما بين الدراما  السينيمائية والتلفزيونية والأدب  نلاحظ في الآونة الأخيرة مثلا  تنافسا حادا ما بين الدراما المصرية والدراما السورية مما خلق أجواءاً رائعة وأعمالا  مميزة تركت أثرا في ذهن المشاهد , فهل يمكن خلق تنافس إيجابي مماثل في الأدب ما بين دولة عربية وأخرى يسوده النقاء الفكري والتنافس النزيه في طور الارتقاء بالأدب العربي عامة , أم أن الأجواء السياسية والتناحرات والتجاذبات ستكون هي العامل المسيطر حتى على هذا المجال وتخرب المضي والنجاح فيه ؟

ما هو
ممكن في الدراما قد يكون صعب التحقق في المكتوب .
لأن الدراما تمس الجميع فهي موجهة إلى الجمهور العريض من بشر هذه الأمة
.
يشاهدها الكل لأنها سهلة  العبور
إلى وجدان المتلقي مثقفا كان أو أميا .
و لا أدل على ذلك من أن المسلسلات
السورية الآن كما كان حال سابقاتها المصرية إلى عهد قريب
يتسابق إلى مشاهدتها
الجميع بدون استثناء .
أما عن الكتاب فحدث ولا حرج

لأننا أولا أمة لا تقرأ
فنحن من أضعف خلق الله في ميدان القراءة
و سجلات اليونسكو تضعنا بعد الأفارقة
في ميدان انتشار الكتاب
ثم زد على ذلك الحواجز المادية والمعنوية بين شعوب هذه
الأمة
التي يضعها الحكام وتشريعاتهم في وجه الكتاب
.
فها هذه الأجواء
السائدة الآن قادرة على تسهيل مرور الكتاب بين الأقطار العربية ؟
أنا شخصيا لا
أظن ذلك . لأن إمكانيات انتشار الكتاب الورقي بين أبناء هذه الأمة كان أسهل عندما كان الكتاب يخط على الجلد و ما شابهه في الزمن القديم .
فما يكتب في بغداد يصل
إلى قرطبة و ما يكتب في القيروان يقرأ في دمشق وما ينشر في القاهرة يصل إلى صنعاء .
و التعويل الآن على هذه الشبكة العنكبوتية في إيصال الأصوات الأدبية الجميلة إلى ديار العرب
.
إذا عرفنا كيف نتدبرها
.

/: الحكام , الحكام , الحكام , مسبب وسبب لكل ما نعانيه ! , يا ترى حقا هم كذلك أم أنهم الشماعة التي تعلق عليها الشعوب فشلها في التحدي والارتقاء برأيك أستاذ ابراهيم ؟

أخي الكريم

" كيف
تكونوا يولى عليكم ".
و نحن في المجتمعات العربية من المحيط إلى الخليج,  لا
أستثني أحدا نعاني من مشكلة هي كيف نحول هذه الأرض العربية المسكونة بدكتاتورية حكامها إلى شبيه ببعض الدول الإفريقية أو دول أمريكا اللاتينية مثلا التي افتكت شعوبها حرياتها من حكامها .
فالكل يعرف الآن مثلا أن في دولة " السينغال
" الإفريقية ديموقراطية وليدة .
و أن دولا كثيرة في أمريكا اللاتينية التي عانت من
أبشع أنواع الديكتاتورية تنعم الآن بالديموقراطية.
و لكن في بلداننا العربية
يزداد الأمر سوءً  يوما بعد يوم .
فبعدما عشنا عصر الرؤساء على مدى الحياة حتى
نهاية الألفية الماضية .
دشنا الألفية الجديدة بما أصبح يسمى عصر " الجمالك
" حيث يورث الحكم الى أبناء الرؤساء .
ولا من يرفع صوته بقول لا . بل أكثر من ذلك
تشرع مجالس النواب نواب الشعب " لهذه الممارسات الجديدة!!
وقد عشنا التجربة
في سورية و هي قابلة للتحقق في مصر و ليبيا مثلا .
هنا سيطرح سؤال و أين هي
جماهير الأمة التي تقول : لا ؟
و يأتي الرد من قلب مفجوع : هذه الجماهير مخصية
لا تقدر على رفع الرأس لتقول "لا " أكبر من جبل .
لأن من يقولها لن ينام في
فراشه مرة أخرى . لأن رجال الأمن المستنفرين على مدى الساعة صاروا أكثر من الهم على القلب. و لأن المؤسسات الديموقراطية التي جعلت لتدافع عن الحريات العامة في بلاد العرب و لدت مية .

/: إذن بنظرك صمت الشعوب على تداعيات ما يفعله بهم الحكام يجعلهم بمثابة ضحايا أم مجرمين ؟
ما رأيك لو قلنا أن الشعوب هي التي تصنع الطاغية ؟



الشعوب ضحايا من جهة
لأن القهر المسلط عليها منذ بدايات التاريخ العربي يجعل منها شعوبا هشة
غير قادرة على المواجهة العربية العربية لأن كثيرا منها واجهت أعتى قوى الاستعمار
الفرنسي والإنجليزي و الأمريكي الآن مثلا .
و قدمت هذه الشعوب آلاف الشهداء و
مازالت تقدم إلى الآن في العراق و فلسطين يوميا الشهداء الكثر
و لكن أغرب ما
نعيشه هو سكوتها عن حكامها .
و هو لعمري السؤال الصعب الذي ما قدرت على إيجاد
الجواب عليه .
و هم مجرمون بصورة من الصور لأن الحرية لا تهدى وإنما تطلب بالطرف
الديموقراطية أولا
فإن لم نحصل عليها طلبناها بالنار والحديد
.
و هنا يسكت
الصوت العربي عن الكلام المباح فيسهل على الحكام الاستمرار في حكمهم إلى ما لا نهاية و بحولهم من أصحاب " حق " دنيوي الى أصحاب " حق " الاهي . و الساكت على الحق مجرم في حق نفسه أولا ثم قي حق الأجيال القادمة أخيرا

 

/: ولكن الحكام يا سيدي  وجدوا من يضعهم في مصاف الآلهة فكانوا كذلك، وجدوا من يركّبهم على ظهره , أيرفضون ذلك ؟
أمة تسكت على ظلمها وتصنع الجبروت
والسيف لطاغية يحكمها هي أمة تستحق أن تظلم , أليس كذلك من وجهة نظرك  ؟

ليس الأمر على هذه
الشاكلة .
ففي كل مكان من العالم يستطيب الجلوس على كرسي الحكم
.
و لكننا في
دنيا العرب حين نجلس على الكرسي و لو كان كرسيا لأصغر مؤسسة فإننا لا نقوم منه إلا بشكل من أشكال الموت .
و ليس الأمر في أن الشعوب تركب حكامها على ظهورها و إنما
في أن هؤلاء الحكام يركبون الشعوب رغما عنها . فهم يصلون السلطة و هم يعدون بأنهم سيملأون الأرض عدلا بعدما ملأت جورا .
و لكنهم يملأون الأرض جورا مرة أخرى حتى
يأتي من يعد بوعودهم مرة أخرى .
و هكذا دواليك, الحبل على الجرار
.
و الشعوب المسكينة تتناسى بيتا زعم أن عنترة العبسي قاله منذ أكثر من ألف وخمسمائة سنة
:
و إذا بليت بظالم كن ظالما * و إذا لقيت أخا الجهالة فاجهل
.

هل تستحق
الشعوب العربية هذه التعاسة ؟
أبدا
.
فأمة جابهت تتار العهود الغابرة و
مازالت الى الآن تجابه تتار العصر الجديد / الأمريكان
لا تستحق أن تركب من
أهلها كما تركب الحمير .

/: حسنا , دعنا نعود لأفلاك الأدب وسؤال يؤرق الكثيرين حول الخلاف بين رواد مدرسة النثر ومدرسة الشعر، فهل كلاهما على حق , أم أن كل طرف يعطي نفسه أحقية ما ويصادرها من الآخر ؟ ولماذا يعيب شعراء النظم على النثّار إبداعاتهم إن كان النثر عالميا فرض نفسه و قد أبدع كتاب النثر في كتاباتهم والأمثلة كثيرة , بودلير , طاغور , إدغار آلان بو , وغيرهم الكثير الكثير , فلماذا لا يدخل العرب المجال العالمي في النثر أيضا وأين مشكلة المحتجين على هذا اللون من الأدب برأيك ؟ ..

الأمة العربية هي بالأساس أمة شعر لأننا قوم سماعة أكثر
منا قراء .
فمنذ ما سمي " بالعصر الجاهلي " و العرب يسمعون الشعر و يطربون له
.
أما السرد فهو مكمل لا أكثر و لا أقل
.
لذلك اشتهر من الشعراء الكثير بينما
ظل ذكر من كتب في السرد القليل القليل
باستثناء الست شهرزاد رحمها الله
.
أما في العصر الحالي فالأمر مختلف بعض الشيء لأن الشعراء و الساردين يتقاسمون الإهمال إلا من رحم ربك
.
ففي زمن علت فيه الصورة فوق الصوت علا فيه سهم الفنان
و الرياضي فوق سهم المبدع شاعرا كان أو ساردا و قل الاهتمام بالاثنين.
و مع ذلك
ظل الاختلاف كبيرا بين من يكتبون حول تثمين هذه الكتابة خاصة بعدما صرح ناقد مصري مشهور بأن هذا الزمن هو " زمن الرواية "
و لكن الحقيقة في بلاد العرب تظل
غائبة لأن العرب كما قلت قوم لا يقرأون .
إذ بينما تطبع من كتابات أصحاب نوبل
مثلا في كل بلاد العالم بمئات الآلاف بل حتى بالملايين من النسخ
تظل روايات
محفوظ تطبع في بضع آلاف فقط لا غير .
و بينما تترجم كتابات المبدعين خارج بلاد
العرب إلى لغات العالم المشهورة لا يترجم العرب من إبداعاتهم إلا أقل من القليل .
لكل ذلك لن يكتب للإبداع العربي الانتشار عالميا خاصة وان إهمال وزارات
الثقافة لموضوع الترجمة لا يختلف فيه اثنان .
و الترجمة هي البوابة التي يمر منها الإبداع إلى العالمية
.

/: هل تتفق معي في الشعور بأن هنالك من يسعى لطمس إبداع الغير وينصب نفسه وصيا على الأدب والكتّاب دون أن يكون أهلا لذلك ؟ هل صادفتك أمثلة كهذه أستاذ ابراهيم ؟
وماذا تقول لهؤلاء ؟ وما هي رسالتك للمبدعين العرب في كافة المجالات الأدبية ؟


مشكلة الإبداع العربي تتمثل في أن القائمين على الشأن الثقافي في بلادهم لا يقدرونه حق قدره
.
فقد انحدرت قيمة الكتاب مقارنة بغيرهم و لذلك هيمنت
البيروقراطية على الميدان.
و البيروقراطية الثقافية في بلاد العرب هي من تحوز
على الأوسمة و الجوائز إذا أعطيت عكس بلاد العالم الراقي الذي يعتبر الموظف في ميدان الثقافة موظفا كغيره .
يقوم بواجبه الإداري لا أكثر و لا أقل
.
هذا
من جانب .
أما من الجانب الآخر فالتحاسد و التباغض بين الكتاب معروف لدى الخاصة
والعامة منذ أقدم العصور العربية .
و في كثير من المرات كانت الدسائس وراء إعدام
كثير من المواهب لأننا لا نؤمن بأن القمة تسع الجميع .
فيما يخصني تعرضت لبعض
هذه العراقيل التي قرأت نصا بعين واحدة خاصة و أنا أكتب في مواضيع حارقة سياسية ودينية وجنسية مما عرض بعض نصوصي القصصية والروائية إلى الحجز و المنع من التداول .
يبقى علي أن أقول لمبدعي العربية أن أمتنا تمر بزمن صعب و بما أن الكتاب هم من
 يؤثر إن آجلا أو عاجلا في مصير أممهم فإن عليهم أن لا يخونوا أمتهم و أن يكونوا الطليعة التي ترفع صوتها عاليا
لتذكر بأن الأمة العربية ستعيش : رغم الداء و
الأعداء .

لقد جئت ببيت القصيد  أستاذ ابراهيم , نحن شعوب لا تقرأ ..
في أوروبا
حيثما سرت, في الحافلة, في مترو الأنفاق, في الحديقة, في القطار, قبل النوم تجد معظم الناس تمسك كتابا وتقرأ بنهم وتركيز, تشعر وكأنهم يعاملون الكتاب على أنه رفيق الطريق ورفيق الوقت .. شئ لا يمكن الاستغناء عنه كما الغذاء والهواء . .
لربما هذه معضلة الأدب العربي الآن أو الثقافة العربية إجمالا.. البعد عن الكتب وعن المطبوعات
..
تركيز دور النشر على ما يكسبها المال دون الانتباه للنوعية
أيضا . .
وكذلك لتعرض الكتب والكتّاب لعملية قمع ثقافي من قبل المسؤولين وخضوع النشر لمقاييس المحسوبية والمحاباة وخلافه
.

كان حوارا رائعا رافقتنا فيه
أستاذ ابراهيم درغوثي
نائب رئيس اتحاد الكتاب التونسيين
..
منحتنا فرصة
للكشف عن الكثير من العقبات والعراقيل التي تقف في وجه الركب الثقافي العربي
ووضحت لنا وجهات نظر ثمينة جدا نتمنى أن تكون منارة تجعل بوصلة الشعوب العربية تتجه نحو الصواب
.

ولا يسعنا في نهاية حوارنا إلا أن نشكر الأستاذ الرائع
إبراهيم درغوثي على وقته الثمين الذي قضاه برفقتنا في هذا الحوار ..
لك منا
خالص التقدير والشكر
ونختتم حوارنا بتحيتك
..

=============================

السيرة الذاتية للأديب ابراهيم درغوثي  

 

قاص وروائي تونسي
من مواليد 1955 بالمحاسن /توزر / تونس

يشتغل بالتدريس
.
يشغل حاليا منصب نائب رئيس اتحاد الكتاب التونسيين
.


من مجموعاته
القصصية :

1/ النخل يموت واقفا

ط(1) دار صامد: صفاقس / تونس 1989
_
ط(2) دار صامد:صفاقس / تونس 2000


2/ الخبز المـــــر

ط(1) دار صامد
: صفاقس / تونس 1990

3/ رجل محترم جدا

ط(1) دار سحر: صفاقس / تونس
1995

4/ كأسك ...يا مطر

ط(1) دار سحر: تونس 1997


من رواياته
:

Miranda Guerra

التفاصيل
كتب بواسطة: Benny Moon
نشر بتاريخ: 19 أكتوبر 2004
انشأ بتاريخ: 19 أكتوبر 2004
الزيارات: 8

homoerotic aru finkel multicycle uncompassed apoplectical purposively paction Hawaii Business For Sale http://pegsnz.in/y6 Federal Withholding Tax Table http://dkuksh.in/ty Best Location For Photographs San Diego http://gakjth.in/a Disney World Ticket On Ebay http://gakjth.in/16 Italy Soccer Team http://bbtiql.in/34 Pictures Of Body Art http://npnvfw.in/ir Custom Knife Blade http://bbtiql.in/jc Guest House In Nairobi http://gakjth.in/ai Boondock Saints Soundtrack http://dkuksh.in/ux Download Link Suggest Add http://pegsnz.in/dc List Fax Numbers http://bvgqdr.in/zg Florida Real Time Court Reporting http://pegsnz.in/nm High End Systems http://gakjth.in/10g Silver Business Card Holders http://gakjth.in/zz Toledo Bend Real Estate http://lggjfe.in/od Philadelphia Car Accident Attorney http://lggjfe.in/g8 James Bond Themes http://bvgqdr.in/1n Cedar Creek Lake Properties http://hdvgkf.in/r7 Toddler Bed With Drawer http://gakjth.in/th Dungeon Siege Help http://lggjfe.in/co Throw Wine Tasting Party http://phubkq.in/zy Growing Coffee Beans http://bvgqdr.in/lg Herbs For Hot Flashes http://phubkq.in/va Watch Free Nauty Wives Movies http://bvgqdr.in/dz Vacation Rentals Big Sur http://phubkq.in/no Snow Patrol Chasing Cars Lyrics http://npnvfw.in/g4 Evansville Indiana Haunted Houses http://hdvgkf.in/rh Nitro Rc Car http://phubkq.in/zi 35 Food Grade Hydrogen Peroxide http://npnvfw.in/rs Hyundai Elantra Gt http://bvgqdr.in/j8

Sheryl Wilkerson

التفاصيل
كتب بواسطة: Miriam Kirkland
نشر بتاريخ: 16 أكتوبر 2004
انشأ بتاريخ: 16 أكتوبر 2004
الزيارات: 7

homoerotic aru finkel multicycle uncompassed apoplectical purposively paction Cheech And Chong Christmas Story http://rwceya.in/va Anna Nicole Guess Jeans http://qdfpls.in/le How To Write A Buisness Letter http://pirywq.in/13w Water Bed Mattresses http://rwceya.in/eh Energy Efficient Tax Credit http://ijwrzc.in/z2 Stainless Steel Hospital Crib http://pirywq.in/rv White Pride World Wide http://czlvzf.in/d6 How To Get Your Man Back http://elktqz.in/r5 1010 Phone Numbers http://ykbabe.in/x9 Cheap Motel Rates http://czlvzf.in/s6 Greek Mythology Today http://rwceya.in/12t Georgia Home Boy http://wegmxq.in/cj Review Of Toyota Yaris http://ijwrzc.in/125 Kansas Public Radio http://czlvzf.in/5i Sprint Pcs Account Billing http://ykbabe.in/kj Toshiba Technical Support http://ijwrzc.in/av Cheapest Business Class Round The World http://elktqz.in/10x Hispanic Medical Advertising Agency http://elktqz.in/l4 Musicmatch Jukebox Free Download http://wegmxq.in/kg Reading Speed Read http://rwceya.in/13 Disney Channel Shows http://wegmxq.in/1w Dayton Business Journal http://xohqqw.in/kd Ati Tv Software http://ykbabe.in/51 Discount Carpet Prices http://czlvzf.in/xg Skin Allergy In Dog http://ijwrzc.in/r The Hindu http://ijwrzc.in/6x Top No Load Mutual Funds http://xohqqw.in/um Crab Apple Jelly Recipe http://rwceya.in/3h Disney Chanel Home Page http://elktqz.in/lr Johnny Cash June Carter http://rwceya.in/6y

قيمة الفلسفة

التفاصيل
كتب بواسطة: يونس كانط
نشر بتاريخ: 23 سبتمبر 2004
انشأ بتاريخ: 23 سبتمبر 2004
الزيارات: 5
ومن الجائز التساؤل عن القيمة الفعلية لدراسة الفلسفة ونظرية الدولة عند كل من افلاطون والفارابي في اطار المرحلة التاريخية التي يجتازها الوطن العربي خاصة والعالم الثالث بصورة عامة. ذلك اول سؤال يتبادر الى اذهان رجال الفلسفة والسياسة والثقافة في هذه اللحظة التاريخية المعاصرة التي نعاني في غمارها انهيارات متداخلة شاملة. تتجسد في واقعنا تفككاً في علاقة الحاكمين بالمحكومين، واضطراداً في التخلف الاقتصادي والتقني والعلمي والاجتماعي، فضلاً عما نشعر به من تمزق قومي وفراغ حضاري واستلاب ثقافي وانظمة استغلال واضطهاد.

وفي الحق، ان البحث لا يشكل هروباً في مشكلات الواقع الراهن، ولا تهافتاً على النظرية السلفية في صعيدي الحضارتين العربية واليونانية، بل قد تفيد دراسة هذا التراث الانساني في تفهم موضوعه كل من السلطة والدولة، التي كانت وستبقى تطرح نفسها بالحاح امام المجتمعات المتخلفة والمتقدمة على سطح كوكبنا الارضي.
ويرى الباحث ان ثمة تكافؤ بين مشكلة الدولة والسلطة لدى الفيلسوفين. وهذا التكافؤ هو الذي يثبت فعالية القيادة السياسية. وبهذا الاعتبار تجتاز هذه القيادة دوراً مهماً وخطيراً عبر عملية الممارسات السياسية في تشييد الدولة وتنظيم المجتمع وتحقيق رفاهية الافراد. وكل تماسك او تصدع، تصالح او تصادم، في بنيات الجماعات البشرية انما هو واقع مجسد لطبيعة الاتجاه الايجابي او السلبي، الذي تنتظم تلك الممارسات عبر مساره. ومن هنا نشأ ونما احد جوانب هذا البحث، بل من هذه الزاوية كذلك توالدت وارتكزت مسألة القيادة والدولة عند افلاطون والفارابي معاً. ومن خلال هذا المنظور البعيد انبثقت النظرية السياسية للرجلين. وكانت بداية انطلاقة تاريخية لافلاطون، ثم تجددت وتكاملت لدى الفارابي. وان الصيغة الابتكارية الخاصة بالمعلم الثاني هي جانب اساسي دفعني، اولاً وقبل كل شيء. لاختيار الدراسة المقارنة بين فيلسوفين عملاقين ينتميان الى حضارتين مختلفتين، تتشابه في الهيكل الحضاري الانساني العام، وتتمايز بالخصائص النوعية الكاملة في باطن كل واقع حضاري. والتي هي اساس تطور كل حضارة، كما هي اساس تفسير حول ظاهرة نوعية معينة الى ظاهرة نوعية معينة اخرى وفقاً لمسار واحد ينتظم فيه تعاقب الحركة الباطنية من جهة، والترابط بالاشياء الاخرى التي تضاف الى مجاله الواسع من جهة اخرى.
وقد تغافل الباحثون في الفكر السياسي للفارابي عن هذه القوانين الحضارية. سواء في ذلك العرب منهم او المستشرقون. وطفق الكل يردد الاستنتاجات ذاتها، التي تجعل المعلم الثاني محاكياً ومردداً للنظرية السياسية الافلاطونية، كما تنعته بالمثالية والطوباوية وغياب البرنامج السياسي ان الدراسة العميقة للنصوص الفارابية والتعامل معها من خلال المذهب العام للفيلسوف ذاته يثبت حقيقة لا تدحض، تلك هي ان “أبا نصر” واقعي ومثالي أيضاً. وقد كشف رؤاه الفلسفية بخصوصية متميزة فلسفياً وحضارياً. شأنه شأن كل فيلسوف كبير وذلك ما أدافع به عنه ضد جميع اولئك الذين حاولوا قلب افكار الفارابي مجردين اياها من الهوية الخاصة وساحبين من تحتها الارضية الواقعية.
وان اهمية الموضوع وجدته تكمن في ان افكار المعلم الثاني تتجاوز عصره، وتمتد الى تاريخنا المعاصر. ومن هذه الافكار: تصوره للفلسفة والعلم السياسي، وتحديده لاشكال الجماعات، وقوانين تطور النظم الاجتماعية، واشكال الصراع الانساني، والزعامة والدولة الأمميتين وظاهرة الحكم الاولغارشي والجماعي، والارستقراطي والعسكري. وهذه الافكار توكيدات تؤشر للحضارة التي ينتمي اليها الفيلسوف من جهة، كما تعكس استقلالية تخريجاته الفلسفية – السياسية من جهة اخرى.
الحق، فان قرأتي الجديدة المتواضعة لافكار الفارابي تستلهم الملاحظات الآتية:
أولاً: ان الرؤى الفلسفية للمعلم الثاني لا تشذ عن رؤى الفلاسفة للكبار، من حيث هي استبطان متداخل مع التراث الفلسفي الماضي. كما هي تصور مستنفد للحاضر واستكشاف للمستقبل في اطار خارجية العصر. وذلك باعتبار ان الفيلسوف كائن متفلسف وارث للثقافة الفلسفية الماضية. وحامل منظر بحقائقها ورؤاها في الحاضر والمستقبل ولا يمتاز هذا الاعتبار الا بوصفه فيلسوفاً انسانياً كبيراً على الاطلاق. والمعلم الثاني يحتل هذا الموقع بجدارة بين الفلاسفة النادرين في التاريخ.
ثانياً: ان التوجه السياسي لأبي نصر نحو المستقبل لا يجرد افكاره من الاهمية الواقعية. فكل بديل سياسي – كيفما كان شكله فكرة سياسية ام ثورة ام برنامج سياسي لدولة او حزب – انما هو بديل المحمول على آفاق المستقبل تتباطن نداءاته وتطلعاته بينما هو كائن وما سوف يكون. الاداة التي تحقق التلاحم بين المبدأ والواقع وتجسد مطامح الحاضر في المستقبل انما هي القيادة التاريخية التي تستوعب الاهداف الكلية للمجتمع، وتنتقي الظروف المناسبة لعملية التلاحم والتجسيد.
وعلى ضوء هذه الملاحظة استطلعت جدلية المدينة الحاضرة والمدينة البديل في مشروع الفيلسوف السياسي. الواقع، ان البديل المفاد ليس ما هو في لحظته المستقبلية الا من حيث هو في علاقته مع ما ليس اياه في اللحظة الاولى المعينة حاضراً. صحيح ان حقيقته هي في خارجيته المحددة فيما يأتي من معطى المستقبل، ولكنها ايضا صورة نقيضة بديلة تنبثق من احشاء المعين – الحاضر ذاته.
والآن، يجب ان اضيف بأن البديل حاضراً ومستقبلاً يقوم على علاقة جدلية واخرى باطنية، فلا انفصال بين المشروع والاداة. وبصيغة ثانية لا انفصال بين الدولة والقيادة سواء كانت دولة وقيادة فاضلة او دولة وقيادة مضادة.
كل نظام سياسي هو واقع مجسد لتركيبات اجتماعية – اقتصادية – سياسية، تخلقها وتذود عنها وبها سلطة فوقية سياسية. ثمة ترابط جدلي بين الاهداف الكلية لدولة ما وبين ممارسات قيادتها السياسية. وما يتبقى هو القول بأن ما هو عادل هو عقلي وفاضل وما هو غير عادل هو لا عقلي ولا فاضل. وهكذا، فان الوضع الطبيعي للشيء الحقيقي:- الاجتماعي – السياسي مستمد من ارض الواقع العياني، ويستتبع ذلك ان كل ما هو موجود ومعقول في المجتمع التاريخي انما هو حقيقي مستمد من عالم الضرورة فهدف الدولة الذي تحققه القيادة هو توزيع الثروات على اهل المدن وليس هو سعادة غيبية ما ورائية. واساس تنظيم الجماعة الانسانية هو القانون الاجتماعي الذي يحقق العدالة الحقة ويضبط الفوضى والتنازع، ولا يعني الهيمان وراء شمس مثل لا تشرق في عالم الانسان. والسلطة التي تدير مجتمع المدينة او مجتمع الأممية انما هي سلطة زمانية شخصية لا سلطة روحية افتراضية.


يونس كانط

الصفحة 13 من 29

  • 8
  • 9
  • 10
  • 11
  • 12
  • 13
  • 14
  • 15
  • 16
  • 17

المتواجدون الآن

203 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

البحث

اشترك في نشرتنا البريدية

انضم إلى مجموعتنا على Google لتصلك آخر الأخبار عبر بريدك الإلكتروني.

اشترك في نشرتنا البريدية

منطقة الأعضاء

  • تسجيل الدخول
  • كاتب جديد؟
  • نسيت كلمة المرور؟
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • أرسل مشاركة

آخر مواضيع المنتديات

لايمكن العثور على التغذية الإخبارية

مواقع شقيقة

  • منتديات مجلة أقلام
  • المرشد في الإداراة
  • الشاعر سامر سكيك