- التفاصيل
- كتب بواسطة: د. محمد الجاغوب
- الزيارات: 7
لقد وصف المستشرق جيب Gibb هذه العصور بأنها عصور فضية ، لأنها شهدت ازدهاراً فكرياً ، تدلُ عليه : كثرةُ المدارس والمساجد التي كانت تقوم بوظيفة المدرسة ، وكثرة المكتبات وانتشارها في حواضر مصر والشام ، وكثرة الزوايا والخوانق والربط ودور القرآن الكريم ، وكثرة البيمارستانات التي كانت تضطلع بمهمة التعليم إلى جانب دَوْرها في العلاج .
لقد حرص الخلفاء والسلاطين في العصرين الأيوبي والمملوكي على بناء المدارس في حواضر مصر والشام ، دعماً للحركة العلمية والفكرية ، ولتهيئة النفوس للجهاد ، ولمقاومة العقائد الإسماعيلية ، ولم يقتصر بناء المدارس على الحكام والسلاطين ، وإنما ساهم في بنائها الأغنياء والمعلمون والسيدات .
وقد تنوعت هيئات التدريس في كل مدرسة بين الشيخ والمدرس والمعيد ، ونالتْ هذه الهيئاتُ مكانة مرموقةً ، وكان يتمُ تعيينُ المدرس في كثير من الأحيان بمرسوم سلطاني ، كما تمتعت هذه المدارس بدور اجتماعي وسياسي واقتصادي ، إلى جانب دَوْرها الفكري ، وكان طلاب العلم يحصلون على الإجازة العلمية أو الشهادة ، وقد صُنفتْ تلك الشهادات والإجازات الى صنفين : أحدهما إجازة من مُعَيَّن إلى مُعَيَّن ، وهي مشهورة وشائعة ، وغالباً ما تكون في كتاب أوفي موضوع مُعيَّن ، وتتعلق موضوعاتها بالإفتاء والتدريس ، ورواية الحديث والقراءة . وثانيهما إجازة من مُعيَّن إلى غيرمعيّن ، وهي قليلة ، كأن تكون من مدرس أو شيخ إلى فلان من الناس ، أو إلى من لم تره عَيْني .
وكان أسلوب الإجازات العلمية يشتمل على المقدمة ، كالتحميد والصلاة على النبي الكريم ، ثم العرض وهو الإشادة بالعلم والعلماء ، ثم الخاتمة ويوقعها أربعةٌ من الشهود ، وقد عُرفَ من أشهر المجيزين في مدارس بيت المقدس كل من : جمال الدين بن جمّاعة ، وشمس الدين الجزري ، وابن حجر العسقلاني وغيرهم ، أما عدد المدارس في بيت المقدس إبان العصرين الأيوبي والمملوكي فقد قارَبَ السبعين مَدْرسةً ، أهمها:
المدرسة الدواداريّة :
أنشأها الأمير علم الدين سنجر بن عبد الله بن عبد الباري الدوادارسنة 695هـ في عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب ، ووقف عليها أوقافاً كثيرة ، منها : قرية ( بير نبالا) من أعمال القدس ، ووقفَ عليها فُرْناً وطاحونةً ومصْبَنةً وستة حوانيت ووراقة في مدينة نابلس ، وأربع طواحين في بيسان ، ويظهر ذلك في الكتابة المنقوشة على بابها .
وتقع هذه المدرسة في باب " شرف الأنبياء " شمال الحرم ، وسُمي باب المسجد بها ، فقيل بابُ الدواداريّة ، ومن مهماتها تبليغُ الرسائل عن السلطان ، وإبلاغ عامة الأمور، وتقديم البريد ، ويتّضحُ من هذا أنّ الدوادارية وظيفة تُطلقُ على مَنْ يقومُ بهذه الأعمال ، واعتمدتْ هذه المدرسة في تدريسها المذهب الشافعي ، ومن أشهر المدرسين فيها : شريف الدين الحوراني ، والقاضي برهان الدين بن جماعة الكناني . ولا تزال هذه المدرسة قائمة ، وتشغلها المدرسة البَكرية الابتدائية للبنين .
المدرسة السُلامية :
وتُنسب إلى واقفها الخواجا مجد الدين أبي الفداء إسماعيل السُلامي ، ومُوْقعها في باب " شرف الأنبياء " ، تجاه المدرسة المعظمية ، بجوار الدوادارية من الشمال ، وكانت كلمة " خواجا " تُطلقُ على المعلم والسيد والتاجر في العصر المملوكي . ومن أبرز شيوخها : ابن خليفة المغربي ، وابنه محمد المغربي الأصل ، المقدسي المولد ، كان حافظاً للقرآن الكريم ومختصاً بالفقه المالكي ، وتَبَوأ مكانة مرموقة في بيت المقدس ، وتولى مشيخة المغاربة ، وتوقيت المسجد الأقصى ، توفي سنة 889 هـ ، ومنهم أيضا كمال الدين المغربي ، وهو أبو البركات شمس الدين محمد بن عبد الرحمن ، حفظ القرآن الكريم ، ودَرّسَ النحو ، وتوَلّى الإمامة في جامع المغاربة ، واستمرت هذه المدرسة في أداء دورها في الحركة الفكرية حتى نهاية العصر المملوكي ، وهي الآن مَسكن لجماعة مِن آل جارالله .
المدرسة الجاولية :
تُنسَبُ إلى واقفها الأمير علم الدين بن عبد الله الجاولي ، أسسها في زمن الملك الناصر محمد بن قلاوون ، موقعها في الجهة الشمالية من الحرم قرب درج الغوانمة ، درّ ستْ الفقه الشافعي والحديث ، وفي العهد العثماني صارت داراً للحكومة ، وفي العهد البريطاني صارت داراً للشرطة ، وتشغَلُ بناءَها هذه الأيام المدرسة العمرية للبنين .
-المدرسة الباسطية :
تُنسبُ الى واقفها القاضي زين الدين عبد الباسط الدمشقي ، وتقع شمال الحرم ، بجانب شرف الأنبياء ، وتطلُ على المدرسة الدوادارية ، درّس فيها عدد من العلماء الأجلاء في العلوم الشرعية واللغوية ، من أشهر مشايخها : شمس الدين المصري الشافعي ، الذي نشأ في حلب ، وحصل على إجازات عديدة ، وشرف الدين بن العطار، وتقي الدين القلقشندي المقدسي ، الذي برع في العلوم الشرعية ، وعلوم اللغة العربية والحساب ، وقد مَنَحَ هذا العالم الإجازاتِ لطالبي العلم ، مثل : مجير الدين الحنبلي الذي أُجيزبكتاب (مُلحة الإعراب) للحريري .
المدرسة العثمانية :
تُنسبُ إلى أصفهان شاه خاتون بنت محمود العثمانية ، التي وقفتها سنة 840هـ ، تقع في باب المتوضأ إلى الغرب من ساحة الحرم ، تجاه سبيل قايتباي ، وأول من تولى مشيختها من العلماء الوافدين : الإمام سراج الدين الرومي ، وقد ذكر مجير الدين الحنبلي أن سراج الدين انصرف عنها باختياره ، عندما علم أنه يُشترط في شيخها أن يكون أعلم أهل زمانه ، فقال : " أنا لا أتصف بهذه الصفة " . وقد تنوعت موضوعات الدراسة فيها بين : العلوم الشرعية كالحديث والتفسير والفقه ، وعلوم اللغة كالنحو والصرف والبيان ، والعلوم العقلية كالمنطق .
المدرسة الأشرفية :
تنسب إلى السلطان أبي النصر قايتباي ، موقعها غرب الحرم بالقرب من باب السلسلة ، كانت تشتمل على مجمع وخلوة ، وعُينت لها أوقاف في مدينة غزة ، ومما يدل على عناية قايتباي بها أنه خصص للشيخ فيها خمسمئة درهم ، ولكل واحد من طلابها خمسة وأربعين درهماً في كل شهر.
يقول مجير الدين الحنبلي : إن الأشرفية جوهرة ثالثة في بيت المقدس بعد المسجد الأقصى وقبة الصخرة ، كانت فيها خزانة كتب ، وتعددت فيها الوظائف ، مثل وظيفة : البواب والفراش والوقاد والسقا والشاهد ، ولكل وظيفة راتب محدد ، أهم مشايخها : شهاب الدين العمري ، وكمال الدين بن أبي شريف .
المدرسة الصلاحية :
أسسها صلاح الدين الأيوبي سنة 583هـ بعد التحرير، محل الكنيسة المعروفة
" صندحنّه " ولعلها تكون محرفة عن " القديسة حنه " تقع في باب الأسباط ، وقد ذكرها ابن واصل الحموي ، وابن خلكان ، وقفها صلاح الدين على المذهب الشافعي سنة 588هـ ، كانت في مقدمة المعاهد العلمية في القدس ، ويذكر " المحبي " أن مشيختها كانت مشروطة لأعلم علماء الشافعية في ديار العرب .
حاول إبراهيم باشا هدمها في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي ، ثم سلمها الأتراك للفرنسيين ، فأقاموا فيها مدرسة القديسة حنه ، بعد ذلك استعادها جمال باشا في الحرب العالمية الأولى ، وحولها إلى كلية دينية علمية باسم " كلية صلاح الدين الأيوبي " .
ومن خلال الاطلاع على جدول الدروس فيها يتبين أنها : كانت تدرس تجويد القرآن في الصباح وبعد صلاة العصر، وتدرس الفقه أربع ساعات يومياً ، والعبادات ست ساعات ، وتدرس اللغات الشرقية والغربية اختيارياً ، وتدرس المنطق والرياضيات ، ويلعب طلابها الرياضة البدنية نصف ساعة ، وتعطى لهم دروس عملية في الهواء الطلق ، وفي يوم الخميس يذهبون للتنزه ، كان شيخها يُعيَّن تعييناً ويعمل تحت إمرته أربعة قضاة ، واحد للشافعية ، وثان للحنفية ، وثالث للمالكية ، ورابع للحنابلة .
وقد تعاقب على التدريس فيها ثلاثون شيخاً أشهرهم : بهاء الدين بن شداد الموصلي ، ومجد الدين بن جهبل الحلبي الشافعي ، وفخر الدين بن عساكر الدمشقي الشافعي ، وبرهان الدين بن جماعة الكناني الحموي ثم المقدسي الشافعي الذي كان مغرماً باقتناء الكتب ، وعلاء الدين الحواري الشافعي ، الذي كان عالماً بالفرائض والحساب ، وصنف كتاباً مهماً أسماه " كفاية الطلاب في علمي الفرائض والحساب " ، وعز الدين بن عبدالسلام المقدسي الذي ولي مشيختها سنة 831 هـ ، وقد نشأ في قرية " كفر الماء " من أعمال عجلون ، وتنقل بين مصر والقدس ، والسلط والكرك ودمشق ، كما عمل فيها نحو خمسين معيداً في التدريس ، نذكر منهم : تقي الدين القلقشندي ، وشمس الدين الصفدي ، وعلاء الدين الخليلي ، وبرهان الدين الحسيني ، وشمس الدين البغدادي ، وغيرهم .
المدرسة النحوية :
أنشأها الملك المعظم عيسى بن الملك العادل سنة 604 هـ ، نال النحو العربي فيها اهتماماً كبيراً ، ومن الكتب التي كانت تدرس فيها : كتاب " سيبويه " ، وكتاب " الإيضاح " لأبي علي الفارسي ، وكتاب " إصلاح المنطق " لابن السُكَيت ، وكتاب " ملحة الإعراب " للحريري ، كما دُرِّس فيها الأدب والبلاغة والعروض . تقع هذه المدرسة إلى الغرب من صحن الصخرة المشرفة ، كان يتعلم فيها خمسة وعشرون طالباً ، من العلماء الذين درسوا فيها : تقي الدين بن الرصاص الأنصاري المقدسي ، وابنه علاء الدين ، واستمرت المدرسة في أداء دورها العلمي حتى نهاية القرن التاسع الهجري .
الخوانق والزوايا والربط :
كانت الخوانق تقوم بما تقوم به المدارس ومعاهد العلم الأخرى ، وقد اتخذ العلماء من الرُبط أماكن للمطالعة ، والكتابة ، وتصنيف الكتب ، وقد أنشئت منها مراكز كثيرة في بيت المقدس زمن المماليك منها :
- الخانقاه الصلاحية .
أنشأها صلاح الدين الأيوبي بعد تحرير القدس من الصليبيين ، ووقفها على المتصوفة سنة 585 هـ ، موقعها قرب كنيسة القيامة ، وكان الشيخ المسؤول عنها يعين بتوقيع سلطاني ، من أبرز العلماء الذين تولوا شأنها :
الشيخ غانم بن علي المقدسي النابلسي الخزرجي ، قدم إلى القدس من قرية بورين الواقعة جنوب مدينة نابلس ، كان من عباد الله الأتقياء ، ومن أصحاب الكرامات ، توفي في دمشق سنة 632 هـ .
استقر في الخانقاه الصلاحية عدد من المتصوفة وطلاب العلم ، اشتغل بعضهم بالقراءات ونسخ الكتب ، والوعظ والقضاء والميقات ، ومن هؤلاء المتصوفة : تاج الدين عبدالوهاب المعروف بابن شيخ السوق .
الزاوية الختنية :
أنشأها صلاح الدين الأيوبي ، ووقفها على الشيخ جلال الدين بن أحمد الشاشي ، موقعها بجوار المسجد الأقصى خلف المنبر ، سميت بهذا الاسم نسبة إلى الشيخ المعروف بالختني ، لعبت دورا بارزا في الحركة الفكرية في القدس ، تولى مشيختها عدد من كبار العلماء مثل : شهاب الدين بن أرسلان ، وبرهان الدين الأنصاري ، والشيخ شمس الدين القباقبي .
زاوية بدر الدين :
تنسب إلى بدر الدين بن محمد الذي ينتهي نسبه إلى علي بن أبي طالب ، تقع في وادي النسور بظاهر القدس من الناحية الغربية ، توفي بدر الدين سنة 650 هـ ودفن في زاويته ، ثم خلفه فيها ابنه محمد ، ثم عبد الحافظ بن محمد ، ثم داود بن عبدالحافظ الذي كان من أصحاب الكرامات ، ثم خلفه ابنه السيد أحمد الملقب بالكبريت الأحمر ، لندرة وجود مثله في زمانه .
هذه هي المكانة الثقافية والعلمية المرموقة التي تمتعت بها القدس في العصرين الأيوبي والمملوكي ، كغيرها من حواضر مصر والشام ، إن لم تكن فاقتهن في ذلك الشرف ، وسيظل التاريخ يحفظ للقدس ولأبنائها وعلمائها وطلبتها هذه الميزة التي تجعلها متألقة في قلوب ملايين العرب والمسلمين .
المراجع :
1.عبد المهدي ، عبد الجليل حسن ، المدارس في بيت المقدس في العصرين الأيوبي والمملوكي ، مكتبة الأقصى ، ج1 1981م ، عمّان الأردن .
2. عبد المهدي ، عبد الجليل حسن ، الحركة الفكرية في ظل المسجد الأقصى في العصرين الأيوبي والمملوكي ، مكتبة الأقصى ، 1980م ، عمّان الأردن .
3. الدباغ ، مراد ، بلادنا فلسطين ، الديار المقدسية ، ج1 .
4. الحموي ، ابن واصل ، مفرج الكروب في أخبار بني أيوب ، تحقيق حسنين محمد ربيع ، مطبعة دار الكتب ، 1977م .
5. الحنبلي ، مجير الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن ، الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل ، مكتبة المحتسب ، 1973م ، عمان الأردن.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سيد يوسف
- الزيارات: 8
التفكير بدخول جحور الضِّباب
سيد يوسف
(1)
أمة أصيلة لولا...
لقد استبان لى أن أمتنا أمة أصيلة لها مقومات الخيرية لولا أن تستخدمها ولا تعطلها فهذه الأمة تتسم بالخيرية حين تنفع الناس ولا تعطل رسالتها يقول تعالى(كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) آل عمران:110، وهذه الأمة تمتلك نموذجا للاقتداء، ولها مقومات الشهادة على الناس بما يتسق وإعلائها لقيم الحق والعدل والخير ولا عجب فهى رحمة للعالمين يقول تعالى(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) الأنبياء: 107، وجميل هو - قول نقتبسه من - الشيخ الغزالى حيث كتب : والعرب قبل محمد أو من غير محمد لا يزيدون عن قبائل أو شعوب تبحث عن رزقها فتجده بسهولة أو بصعوبة، أما بعد بعثته فقد تبدلوا خلقا آخر! لقد خرجوا من الظلمات إلى النور، وأخرجوا الناس من الظلمات إلى النور!
هذه الحقيقة الاجتماعية هدى إليها العلامة ابن خلدون بعد ما غاص في أعماق النفس العربية، وتابع السلطان السياسي للعرب مع اتساع الدائرة الإسلامية ودخول الناس في دين الله أفواجا..
لقد أكد أن العرب لا يقوم لهم ملك إلا على أساس نبوة ولا تنهض لهم دولة إلا على أساس دين، وأن الإيمان بالله وحده هو الذي ينظم ملكاتهم، ويصون مواهبهم، يجمع قواهم، ويوحد كلمتهم، ويجعلهم معمرين لا مدمرين، وحماة مُثُل لا أحلاس شهوات! انتهى.
ولا أعتذر عن قومى حيث انسلخوا من قيم الإسلام وتعاليمه فصاروا يتلفتون يبحثون عما لدى الغرب ينقلونه دون إعمال ذهن أيصلح لنا أم لا؟ أيناسب قومنا أم لا؟ أتنهض به أمتنا أم لا؟ ولقد تفننوا فى الشكل دونما مضمون، ويعجبنى قول الدكتور مصطفى السباعى: هاتوا لنا جميع الرسامين، والممثلين والمغنين والراقصات والراقصين، ثم احشدوهم جميعاً وانظروا هل يردون عنا خطر قنبلة ذرية، أو صاروخاً موجهاً؟... هل يشفي المريض المدنف باقة من الزهر أم حقنة من البنسلين؟ وهل يكفي الجائع لحن مطرب أم رغيف مشبع؟. وهل يسعد الفقير أن تزيَّن له جدرانه بالرسوم أم أن تهيئ له ما يحتاجه من أثاث؟ وهل يخاف العدو إذا كنت تحسن الرقص أم إذا كنت تحسن صناعة الموت؟ رأيت في "أوديسا" على شواطئ البحر الأسود من بلاد الاتحاد السوفياتي مدرسة للنابغين من طلاب المدارس الابتدائية، أقيم فيها معرض، لما أنتجوه من آلات وقطارات وصناعات، فكم الفرق بين أمة توجِّه أبناءها للسيطرة على الحياة، وبين أمةٍ تشغلهم بأبسط ما في الحياة؟ وهذا ما تفعله الأمم التي تريد الحياة.
(2)
لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه
كثير من الأمم أريد لها أن تسير فى الأرض سير البلهاء الذين لا يحسنون التمييز بين ما ينفعهم وما يضرهم حيث تأخذهم مدنية الغرب فتسحرهم ببريقها ومن ثم يصيرون صرعى أفكارها دون تمييز بين غث وسمين...يقول تعالى ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين، هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين (آل عمران:137-138، ويبدو أن أحد أهم مشاكل المسلمين والعرب لا سيما فى مراحل الضعف الحضارى تأتى من شيوع التقليد، وغياب الوعي الجماعي، وانطفاء الفاعلية، في محاولة بعضهم التفكير بدخول جحور الضباب - حتى إنهم لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه- التي تعيشها الحضارات الأخرى، واختزال التاريخ الحضاري، بعصر واحد، والانبهار بالطفرات الحضارية، أو الخداع الحضاري، واستبدال الذي هو أدني ، بالذي هو خير، والعجز عن إدراك الإمكان الحضاري، الذي تمتلكه الأمة المسلمة، لو تمثلت إسلامها، واستشرفت ماضيها، وأبصرت مستقبلها حقيقة...على حد وصف د.عمر عبيد حسنة وفى هذا الصدد نتفهم حديث النبى محمد صلى الله عليه وسلم : " لتتبعن سَنن من قبلكم شبراً بشبرٍ وذراعاً بذراعٍ ، حتى لو سلكوا جحر ضبٍّ لسلكتموه ، قلنا : يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال : فمن !؟ " ، رواه البخاري أو ذلك الحديث المروى عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبراً بشبرٍ وذراعاً بذراعٍ ، فقيل : يا رسول الله كفارس والروم ؟ فقال : ومن الناس إلا أولئك ؟ "رواه البخاري.
(3)
الأخذ والعطاء بميزان محسوب
الاختلاف بين الأمم أمر ضروري حتمته الطبيعة البشرية والقوانين الاجتماعية التى تتحرك الشعوب فى فلكها أفرادا وجماعات...والاختلاف الايجابى يدعو إلى التجديد والإبداع والابتكار ويدفع الحياة الإنسانية إلى التطور والتقدم...ولا يتم ذلك إلا بضوابط لا تخطئها عيون الفاقهين منها الانفتاح المحسوب على الأمم الأخرى أخذا وعطاء دون تذاوب أو اندماج يلغى خصائصنا
بحيث نأخذ من الأمم الأخرى ما يروق لعيوننا ولعقولنا ويتفق وتراثنا لا ما يراد لنا أن نراه، وبحيث يكون تعاطينا مع الأمم الأخرى تعاطى من يأخذ منها فى يسر ما لا يتحرج منه، وتعاطى من يعطيها شاعرا بالندية...فما بال أمتنا صارت تفكر بطريقة الدخول فى جحور الضباب؟!
(4)
نماذج توضيحية
* تغييب المصطلحات ذات الهوية الإسلامية واستبدالها بأخرى غربية المنشأ لأهداف تخريبية تسمى زورا استعمارية كاستبدال مصطلح الربا بمصطلحات غربية المنشأ كالفائدة والعائد، وكتسمية العمليات الاستشهادية ضد العسكر الصهاينة بعمليات انتحارية، وكاستبدال مفهوم ومصطلح الجهاد بمصطلح المقاومة، وكتسمية أسر العسكر الأمريكان فى العراق بالخطف فى مقابل تسمية خطف وزراء- مدنيين من- حماس من قبل العصابات الصهيونية فى فلسطين المحتلة بالاعتقال!!!
* بدلا من خلق آليات للشورى والتى هى مفهوم إسلامى أصيل صرنا نبحث لدى الغرب عن مرادف لها وهى آليات الديمقراطية لا سيما تداول السلطة وهو أمر محمود فى جانب تحقيق الحريات لكنه مذموم فى جانب آخر من حيث إغفال تراثنا وقيمنا ومراعاة الفروق والاختلافات بين الديمقراطية بمفهومها الغربى وبين الشورى بمفهومها الإسلامى ولا أعتذر أيضا عن قومى إذ إن كتابات المفكرين واستحداثهم لآليات يمكن تطبيقها ها هنا أمر يعوزه وسائل الظهور وحسن الدعاية والتسويق له.
* تغييب مصطلح أهل الذمة واستبداله بمفهوم المواطنة، وكأن أهل الذمة لا حقوق لهم، والمواطنة تكفل لهم حقوقهم؟!! ولو عقل القوم لعلموا أن المصطلح لا يلغى حقوقهم بله الدفاع عنهم.
* استحداث مصطلح صراع الحضارات بدلا من الامتداد الإنساني، والتعايش الإنساني الذى يمكن فهمه من قول الله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }الحجرات13
خاتمة وملاحظات
لسنا ضد الانفتاح على الآخر فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها، ولسنا ضد التعايش مع الآخر فهذا مطلب إنسانى وشرعى، ولسنا ضعفاء فنخشى الحوار أو نهرب منه، لكننا نريد أن نتمتع بالتحصين الثقافى(ولسنا بدعا فى هذا فالهند واليابان والصين تتمتع بتحصين ثقافى متفاوت الدرجات) فنحتفظ بهويتنا ونحن نسعى فى تحسس بناء نهضة لأمتنا حتى وان اشتدت الخطوب علينا، ونريد إذ عجزنا عن تصدير مفاهيمنا وقيمنا أن نحيا بها فى بلادنا بله أن ننطلق بها فى ميادين العمل والسلوك والتنشئة الأسرية وفى إعلامنا ومساجدنا ومنتدياتنا ذلك أن – على حد قول د. عمر عبيد حسنة- المفهومات والمصطلحات الإسلامية تشكل أوعية التفكير، وجذوع النسق الحضاري الممتد من الماضي إلى الحاضر والمستقبل، وتمثل خلاصات لمعطيات الوحي والعقل معاً، إضافة لما لها من رصيد نفسي وثقافي، واختبار تطبيقي تاريخي يجعلها محل ثقة واستمساك... إنها باختصار تشكل ملامح حضارة الأمة، وقسمات شخصيتها، ومحصلات الفكر، وأبجديات قراءة الهوية، ومعالم الطريق...لذلك فأي تنازل عنها باسم الحداثة أو العصرية أو حتى مقاربتها بمصطلحات أو مفهومات الآخر هو تخل عن الذات وتوهين لقيم الأمة في تعاطيها مع الأمم الأخرى، وعدول عن الانتماء إلى الارتماء، والسقوط لصالح الآخر.
سيد يوسف
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أ.جلال القصاب
- الزيارات: 3
شمشون الجبار
بصمة على غايات التدوين
أ.جلال القصاب
حكاية شمشون الجبّار، مثّلتها السينما العالمية والعربيّة أفلاماً ومسلسلات، وأُلّفت قصةً للأطفال، وهي حكاية طالما ردّدناها ونحن أطفال، وتفاخر قويّنا أنّه مثل شمشون، شمشون الذي كانت قوّته في خصلات شعره، وأحبّ "دليلة" وباح لها بسرّ قوّته، فخانته وقصّت شعره وهو نائم ففقد قوّته، وأعلمت قومها به، فهجموا عليه وقيّدوه بالسلاسل، ثمّ نبت شعره في خلسة الفجر، وبقوّة خارقة أسقط أساطين القصر المربوط إليها فتهدّم وخرّ عليه وعلى جميع أعدائه!
كان شمشون لدى قدامى اليهود الوجه الشعبي لأسطورة عنترة العربي، ولداراسينغ الهندي، ولهوركليس (هرقل )(1) الروماني، ولسوبرمان الأمريكي ثُمّ "رامبو" الذين يُحاربون الجيوش وحدهم!
فهل هو تنفيس عن العجز والتنكّب باصطناع البطولات الفلميّة والقصصيّة الخارقة؟ و بناء مجد قائم على الكلام والحكايات والخرافة؟ إذ الحكاية الخرافة إنْ لمْ تنطلِ على جيل التأليف فقد تفعل على أجيال ما بعده، ليحسبوه تاريخاً بطولياً حقيقيا لأسلافهم! أم هو أسلوب استنهاض وإعلاء لقيم البطولة والتضحية ولو في أجواء الذلّ والمسكنة والتقاعس؟ مهما كان الأمر فهذه خرافة شعبيّة اندسّت لنا من توراة الكهنة، وشربناها ضاحكين ومستأنسين.
أ- بطولة تعويضيّة ملفّقة
ففي جزيرة العرب من جبال عسير، في صراع بني إسرائيل العشائري مع قرى الفلستيّين (الفلسطينيّيين) والكنعانيّين وغيرهم، الذين كانوا أقوى منهم وأكثر مدنيّة وعدّة، ونتيجة لفساد عشائر بني إسرائيل وجبنهم وتنكّصهم عن تعاليم الأنبياء حتى قالوا لموسى (فاذهب أنت وربّك فقاتلا، إنّا ها هنا قاعدون)، ولمحبّتهم الحياة ولو الذليلة (ولتجدنّهم أحرص الناس على حياة)(يودّ أحدهم لو يُعمّر ألف سنة)، جعلهم يرضون بحياة الذلّ، ويستمرئون العبودية والجبن، ويعتاضون عن الحرّية ودرب العزّة بتأليف بطولات زائفة، بطولات الكلام والأفلام، باصطناع حكاية (شمشون) وتضمينها التوراة لتُتْلى! شمشون (البطل الفرد) الذي حلّت فيه قوّة الربّ، فقلع باب الحصن وحده، وشقّ الأسد نصفين بيده المجرّدة، وقضى نحبه بهدم قلعة على ألوف الفلسطينيّين بمقولة ذاع صيتُها (عليّ وعلى أعدائي)، بطولة لشخصيّة خرافية اصطنعوا ميلادها ثُمّ قبروها بدون أنْ تُنجب عقِباً ولا ذرّية، الهدف منها؛ استشعار العزّة والتعويض عن الجبن ومظاهر الذلّة، وإناطة تحرير الشعب من ذلّته وعبوديّته برجل بطلٍ واحد فريد خارق، لا بقيامهم بأنفسهم لينفروا جميعاً، ذلك لأنّ الأمر يحتاج إلى بطولة خارقة لا عاديّة! فقعدوا على غرار ما صدق الله فيهم (فاذهب أنت وربّك فقاتلا) فصنعوا "شمشون" الذي تحلّ عليه قوّة الربّ ليقاتل هو وربُّه الأعداء بالنيابة عنهم (لأَنَّ الرَّبَّ إِلَهَ إِسْرَائِيلَ حَارَبَ عَنْ إِسْرَائِيلَ)(2) ، وهم وادعون آمنون (قاعدون)، كحال بعض معتقدي المهدي (ع) يومَنا، الذين لا يقومون لعزّتهم ولا ينفرون لحضارتهم ولا يُجاهدون للفضيلة ولا للحرّية والعدل والازدهار، بل قعدوا وقلّدوها وأناطوها "المهدي" الذي تحلّ عليه قوّة الربّ، فيقوم بالانتقام لهم من أعدائهم الشخصيّين ومخالفيهم المذهبيّين، هكذا هي الطوائف والعقليّات التي تجعل من نفسها محور الاهتمام والفئة المختارة، والطائفة المحقّة، تُسخّر الله ربّ العالَمين، وأنبياءه، وأولياءه، وأبطالاً (ولو مصطنعين)، تُسخّرهم لها، لتبقى هي مرتاحة مخدومة قاعدة، ولو ظهر نبيّ أو مهدي وقال لهم قوموا معي لقالوا (اذهب أنت وربّك فقاتلا) ليظلوّا قاعدين!
كما نجد في حبّ شمشون (الإسرائيلي) لـ "دليلة" الفلسطينيّة، التي تزوّجها وباح لها بسرّ قوّته وسلّمته لشعبها وفقأوا عينه وأوثقوه بالسلاسل، محاولة وعظيّة لترويض اليهود لرجالهم ألاّ تستهويهم نساء القبائل المجاورة لهم، وأنّ المرأة شرّ وغادرة منذ حوّاء التي كانت أوّل من لوّث سمعتها كجانيةٍ على آدم هم اليهود، فكيف بامرأةٍ من قومٍ آخرين، فكأنّهم يُحاولون نسج "حاراتهم/الغيتو" منذ تلك الأيّام، ويعيشون القبليّة، والفئويّة المُغلقة، التي تتجاوز العلاقات الإنسانيّة وتُبغّضها على أساس عرقيّ وقوميّ. وإليك عزيزي القارئ بعضاً من هذا التدوين لتلك القصّة لترى هوْل الاستخفاف بالعقل، في جعل هذا، تاريخاً، وسفْراً للقضاة، ويُدرج مع كلام الربّ والأنبياء الأبرار والمصلحين في "توراة" واحدة!
من الإصحاح 13-16 من سفر القضاة: فَهَا إِنَّكِ تَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْناً, وَلاَ يَعْلُ مُوسَى(3) رَأْسَهُ, لأَنَّ الصَّبِيَّ يَكُونُ نَذِيراً لِلَّهِ مِنَ الْبَطْنِ, وَهُوَ يَبْدَأُ يُخَلِّصُ إِسْرَائِيلَ مِنْ يَدِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ.
وَلَمْ يَعْلَمْ أَبُوهُ وَأُمُّهُ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الرَّبِّ لأَنَّهُ كَانَ يَطْلُبُ عِلَّةً عَلَى الْفِلِسْطِينِيِّينَ. وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ الْفِلِسْطِينِيُّونَ مُتَسَلِّطِينَ عَلَى إِسْرَائِيلَ.
فَنَزَلَ شَمْشُونُ وَأَبُوهُ وَأُمُّهُ إِلَى تِمْنَةَ وَأَتَوْا إِلَى كُرُومِ تِمْنَةَ. وَإِذَا بِشِبْلِ أَسَدٍ يُزَمْجِرُ لِلِقَائِهِ.
فَحَلَّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ, فَشَقَّهُ كَشَقِّ الْجَدْيِ وَلَيْسَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ ....
... وتتواصل القصّة ...
فَقَالَ لَهُمْ شَمْشُونُ: «إِنِّي بَرِيءٌ الآنَ مِنَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ إِذَا عَمِلْتُ بِهِمْ شَرّاً».
وَذَهَبَ شَمْشُونُ وَأَمْسَكَ ثَلاَثَ مِئَةِ ابْنِ آوَى, وَأَخَذَ مَشَاعِلَ وَجَعَلَ ذَنَباً إِلَى ذَنَبٍ, وَوَضَعَ مَشْعَلاً بَيْنَ كُلِّ ذَنَبَيْنِ فِي الْوَسَطِ. ثُمَّ أَضْرَمَ الْمَشَاعِلَ نَاراً وَأَطْلَقَهَا بَيْنَ زُرُوعِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ, فَأَحْرَقَ الأَكْدَاسَ وَالّزَرْعَ وَكُرُومَ الّزَيْتُونِ. وتُترجم بالإنجليزي(4) :
And Samson went and caught three hundred foxes, and took firebrands, and turned tail to tail, and put a firebrand in the midst between two tails.
(يبدو أنّ تخريب أراضي الشعب العربيّ "الفلسطيني" اليوم وتجريف أشجارهم وحرق كرومهم ومزارعهم قد استلهُمتْ من عقليّة "شمشونيّة"، أمّا حكاية صيده لـ 300 ابن آوى (ثعالب) مع استحالة واقعيّة لصيد عشرة منهم، ثمّ تسطير هذه المئات من ابن آوى كالجند المصفوفة، وانتظارهم له طائعين كالدّمى يربط بين أذنابهم ويضع المشاعل وسط عُقَدها، فهذا حتّى أعتى أفلام الكارتون و"ديزني لاند" تسطيحاً تعجز عن رسْمها وتجميع لقطاتها المضحكة في نفسها وعلى العقل!!)
..... وَوَجَدَ فَكَّ حِمَارٍ طَرِيّاً, فَأَخَذَهُ وَضَرَبَ بِهِ أَلْفَ رَجُلٍ.
فَقَالَ شَمْشُونُ: «بفَكِّ حِمَارٍ كُومَةً كُومَتَيْنِ. بِفَكِّ حِمَارٍ قَتَلْتُ أَلْفَ رَجُلٍ».
(ولا ندري ما الفرق بين فكّ الحمار الطري والمجفّف! وكيف قتل به ألف رجل فلسطينيّ؟! هل فكّ الحمار من أسلحة الدمار الشامل أم ماذا؟ لو كانوا ألف دجاجة يتقافزون لكان الأمر مستحيلاً أن يقتلهم بسيف لا بفكّ حمار، ولسقط شمشون مغشيّاً عليه من التعب والإعياء قبل إكماله المائة دجاجة، و لما قدر أن يقتل منهنّ إلاّ بضع دجاجات أو عشرات، إلاّ إذا سُطّرت له الدجاجات منبطحات، فهذا أمرٌ آخر! كما سُطّرت الثلاثمائة ابن آوى قبلاً ليربط أذيالها! ومن جهة ثانية لا ندري ما حكاية "فكّ الحمار" دون غيره، فشمشون هنا يقتل الفلسطينيّين بفكّ حمار، وقابيل قبلاً يقتل أخاه هابيل بفكّ حمار! ألا يُوجَد شيءٌ غير هذا الفكّ؟ أم هي بصمةُ من عقليّة المدوِّن القاصّ؟! أو هناك مغزى خفيّ أنّ الذي لا ينفغر "فكُّه" دهشةً وتكذيباً لإمكانية قتل ألفِ رجلٍ محارب بفكّ "حمار"، فإنّه "هو"! مع الاعتذار للاثنيْن!!
.... فَقَالَتْ دَلِيلَةُ لِشَمْشُونَ: «أَخْبِرْنِي بِمَاذَا قُّوَتُكَ الْعَظِيمَةُ وَبِمَاذَا تُوثَقُ لإِذْلاَلِكَ؟»
وَأَنَامَتْهُ عَلَى رُكْبَتَيْهَا وَدَعَتْ رَجُلاً وَحَلَقَتْ سَبْعَ خُصَلِ رَأْسِهِ, وَابْتَدَأَتْ بِإِذْلاَلِهِ, وَفَارَقَتْهُ قُّوَتُهُ.
وَقَالَتِ: «الْفِلِسْطِينِيُّونَ عَلَيْكَ يَا شَمْشُونُ». فَانْتَبَهَ مِنْ نَوْمِهِ وَقَالَ: «أَخْرُجُ حَسَبَ كُلِّ مَرَّةٍ وَأَنْتَفِضُ». وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الرَّبَّ قَدْ فَارَقَهُ! فَأَخَذَهُ الْفِلِسْطِينِيُّونَ وَقَلَعُوا عَيْنَيْهِ, وَنَزَلُوا بِهِ إِلَى غَّزَةَ وَأَوْثَقُوهُ بِسَلاَسِلِ نُحَاسٍ.
وَأَوْقَفُوْهُ بَيْنَ الْأَعْمِدَةِ.
فَقَالَ شَمْشُوْنُ لِلْغُلَامِ الْمَاسِكِ بِيَدِهِ دَعْنِيْ أَلْمِسِ الْأَعْمِدَةَ الَّتِيْ الْبَيْتُ قَائِمٌ عَلَيْهَا لِأَسْتَنِدَ عَلَيْهَا.
وَكَانَ الْبَيْتُ مُمْلُوْءَاً رِجَالَاً وَنِسَاءً وَكَانَ هُنَاكَ جَمِيْعُ أَقْطَاْبِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ وَعَلى السَّطْحِ نَحْوَ ثَلاثَةِ آلافِ رَجُلٍ وَامْرأَةٍ يَنْظُرُونَ لَعْبَ شَمْشُوْنَ.
وَقَبَضَ شَمْشُوْنُ عَلَى الْعَمُودَيْنِ الْمُتَوَسِّطَيْنِ اللّذَيْنِ كَانَ الْبَيْتُ قَائِمَاً عَلَيْهِمَا وَاسْتَنَدَ عَلَيْهِمَا الْوَاحِدِ بِيَمِيْنِهِ وَالْآخَرِ بِيَسَارِهِ.
وَقَالَ شَمْشُوْنُ لِتَمُتْ نَفْسِي مَعَ الْفِلِسْطِينِيّينَ. وَانْحَنى بِقُوّةٍ فَسَقَطَ الْبَيْتُ عَلى الْأقْطَابِ وَعَلى كُلِّ الشَّعْبِ الَّذي فِيْهِ فَكانَ الْمَوْتى الَّذيْنَ أَمَاتَهُمْ فِي مَوْتِهِ أَكْثَرَ مِنَ الَّذينَ أَمَاتَهُمْ فِي حَياتِهِ.
والآن لنتأمّل العبارة الأخيرة (فَكانَ الْمَوْتى الَّذيْنَ أَمَاتَهُمْ فِي مَوْتِهِ أَكْثَرَ مِنَ الَّذينَ أَمَاتَهُمْ فِي حَياتِهِ)، ولو قرأنا القصّة لما رأينا جريمة للفلسطينيّين سوى عداوة مزعومة أُمضيتْ، وقد قرأنا قبلاً أنّ شمشون قد قتل ألف فلسطيني بفكّ حمار، وأنّه أحرق مزارع كرومهم، يعني أنّ شمشون بالنهاية قتل عدّة آلاف ودمّر وأحرق محاصيل وأباد حيوانات ومزارع الفلسطينيّين، طبعاً بلغة اليوم هذا يُسمّى إرهاباً، لكنّ مع الأسف هذه هي العقليّة التي ترسمها بعضُ نصوص التوراة الملفّقة، فمثلاً نقرأ أفعالاً مُنكرةً أُخرى تُعطى القدسيّة والشرعيّة، لا على أنّها قتال شجعان، ومعارك مبرَّرة يسقط فيها المقاتلون أو تُذبح فيها الأبطال، فهذا حدَث في التاريخ كلّه ولم يشذّ عنه لا دولة ولا دين، بل قتل البهائم وحرق الممتلكات وذبح الأطفال والنساء.
فاقرأ: (وَأَخَذُوا الْمَدِينَةَ. وَذبحُُوا كُلَّ مَا فِي الْمَدِينَةِ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ, مِنْ طِفْلٍ وَشَيْخٍ، حَتَّى الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ وَالْحَمِيرَ بِحَدِّ السَّيْفِ) (سفر يوشع 6: 21).
(وَكُلُّ غَنِيمَةِ تِلْكَ الْمُدُنِ وَالْبَهَائِمَ نَهَبَهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لأَنْفُسِهِمْ. وَأَمَّا الرِّجَالُ فَضَرَبُوهُمْ جَمِيعاً بِحَدِّ السَّيْفِ حَتَّى أَبَادُوهُمْ. لَمْ يُبْقُوا نَسَمَةً) (سفر يوشع 11: 14).
(وَرَجَعَ رِجَالُ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى بَنِي بَنْيَامِينَ وَضَرَبُوهُمْ بِحَدِّ السَّيْفِ مِنَ الْمَدِينَةِ بِأَسْرِهَا حَتَّى الْبَهَائِمَ حَتَّى كُلَّ مَا وُجِدَ وَأَيْضاً جَمِيعُ الْمُدُنِ الَّتِي وُجِدَتْ أَحْرَقُوهَا بِالنَّارِ)
(سفر القضاة 20: 48)
(الَّتِي بِهَا أَعْطَى الْمَلِكُ الْيَهُودَ .. وَيُهْلِكُوا وَيَقْتُلُوا وَيُبِيدُوا قُوَّةَ كُلِّ شَعْبٍ وَكُورَةٍ تُضَادُّهُمْ حَتَّى الأَطْفَالَ وَالنِّسَاءَ) (أستير 8: 11)
وفيما أوحى الله لموسى كما زعموا: (فَضَرْباً تَضْرِبُ سُكَّانَ تِلكَ المَدِينَةِ بِحَدِّ السَّيْفِ وَتُحَرِّمُهَا بِكُلِّ مَا فِيهَا مَعَ بَهَائِمِهَا بِحَدِّ السَّيْفِ. تَجْمَعُ كُل أَمْتِعَتِهَا إِلى وَسَطِ سَاحَتِهَا وَتُحْرِقُ بِالنَّارِ المَدِينَةَ) (سفر التثنية 13: 15-16).
بينما نجد النقيض في الإسلام؛ وصايا لقتال المعتدين والظالمين فقط، لكن لا حرق المزارع والأشجار وقتل البهائم وذبح الأطفال والنساء، لأنّ المبرّر الشرعي والأخلاقي للقتال هو صيانة الأبرياء (ومنه الحيوان) من الضرر الأكيد ورفع الجور والفساد، (والله لا يُحبّ الفساد)، (والله لا يُحبّ الظالمين)، و(إن الله لا يُحبّ المعتدين)، فرسوله (ص) يُوصي المقاتلين يومئذٍ: (لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا ولا شيخا فانيا، ولا طفلاً صغيراً، ولا امرأة)، ونهى عن قتل البهائم وقطع الأشجار وتدمير البيئة وإلقاء السموم(5) .
ب- تفسير خرافة شمشون ودليلة
فالآن، من أين أتوا باسم "شمشون" و"دليلة" (Samson Delilah)؟
إنّه اسم من ثقافة العرب، ومن أساطيرها العلميّة، حيث "شمش" هو قوّة الشمس، وما زالت لهجات عربيّة ذات أصول سريانيّة تُسمّي "شمس" "شمش/سمس" إلى يومنا، وفي أساطير بابل، "شمش" رمز لربّ العدالة وعين الرقيب التي لا يخفى عليها شيء، فهي الشمس التي تُشرق سواسية على الجميع ولا يخفى شيء عليها، ولهذه الخاصّية سمّاها السومريّون "أوتو" تحويراً صوتيا من "حوطو" أي المحيطة/ القرص، فعدا أنّها قرص محيط، فحرارتها وضوؤها يحيط بالجميع وتشرق على الأرض كلّها، وكذلك سمّاها قدامى عرب وادي النيل (أوتو/حوطو) وبلام التعريف (لأوت/لْوت)، ثمّ لمّا انحرف دين التوحيد قبل مبعث النبيّ الأعظم (ص)، استوردوا هذا الاسم من الماضين أو من القبائل السريانية المجاورة، وجعلوا لهذه القوّة/الرمز وثنًا فصارت تُعبَد من دون الله وأدخلوا عليها ألف لام التعريف مرّة أخرى (اللوت/اللات) وهي التي أشار لها القران (أفرأيتُم اللات والعزّى).
فـ(شمش) هو اسم هذه القوة، وتصغير (شمش) بإضافة الواو والنون قديماً (شمشون)(6) ، كقولنا (حمزون، صيدون، زيدون، صغيرون، شارون ..)، لإحالتها إلى الصورة البشريّة.
وحين يُرسم وجه الشمس، إلى اليوم، يُُرسَم محاطاً بشَعْر متطايِر، فأشعّتها الحارقة هي شعْرُها، وقوّتها في هذه الخصائل، لذلك نرى في الحكاية شمشون يُحرق الأربطة والقيود بقوّة شعره! والشمس عند المغيب (أي لدى نومها) تفقد هذه الخصائل الملتهبة فتضعف قوّتها، وظاهراً للعين هي تنزل إلى الأرض (خلف الأفق) لتكون ـ بدلاً من سماويّتها السابقة ـ كأحد الناس، تماماً كما قاله (شمشون) (فَإِنْ حُلِقْتُ تُفَارِقُنِي قُّوَتِي وَأَضْعُفُ وَأَصِيرُ كَأَحَدِ النَّاسِ)،
وحين ذهب (شمس) لينام تأتي (دليلة) لتقصّ شعر شمس (أيْ أشعّة قرص الشمس) فيفقد قوّته، فـ (دليلة) وكما تُترجم بالإنجليزية Delilah هي (ذي ـ ليلة)، (ذي) أداة التعريف العربيّة القديمة التي صارت بالفرنسية De وبالإنجليزية The والألمانية حافظت على "دا" (Das أو Der) أمّا بعض لهجاتنا فتنطقها (د).
فالأمر كلّه، والزبدة، علمياً وتعليمياً، أنّ (الليلة) تُقصقص أشعّة الـ (شمس) حين تنام/تهبط، وتنبعث مرّةً ثانية لـ (الشمس) أشعتُها (شعْرها) خلسةً مع طلوع فجر اليوم الثاني، فتسترجع قوّتها وتقضي على الكائنات التي تظهر مع الليل (ذي ليلة)، أنصار الليلة والظلام، سواءً النجوم أو الخفافيش وما شابه.
حكمة رمزيّة وتعليميّة ربّما للأطفال لا أكثر ولا أقلّ، طُرّزت في قالب بشري ونُكِّهَتْ وزيدتْ، لتأليف بطولة عشائريّة خاصّة، لأهداف خاصّة، بعد أنْ أهيل عليها تقديسٌ توراتيّ من القصّاصين اليهود!
-------------------------
(1) هرَقِل/هركولس: مع حذف السين التي يُضيفها الرومان، فهي (هرگْل)كلمة عربية سريانيّة من: هاء التعريف + رگْل، أي رجل، فهي الرجل، البطل، وما زلنا إلى اليوم نقول عن الشهم والبطل أنّه (رجُل ورجّال) ولديه رجولة. لأنّ "رجَلَ" في جذرها العربي معناها القوّة، لذلك سمّيت "رِجْل" تلك التي يمشي بها الإنسان لأنّها أقوى ما لديه وتحمل كاملَ جسمه ولو ركضاً بل وأثقالاً أضعافه فوقه، وهذه الـ (رِجْلْ/رِگْلْ) هي التي تحوّرتْ في الغرب لقرب المخارج والاختصارات النطقية إلى لِگْ (Leg).
(2)سفر يوشع 10: 42، وأيضاً (وَلَمْ يَكُنْ مِثْلُ ذَلِكَ الْيَوْمِ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ سَمِعَ فِيهِ الرَّبُّ صَوْتَ إِنْسَانٍ. لأَنَّ الرَّبَّ حَارَبَ عَنْ إِسْرَائِيلَ) (يوشع 10: 14).
(3)موسى: هنا تعني شفرة حلاقة.
(4) مع أنّا نشكّ في صحّة الترجمة للعربية والإنجليزية، هل أنّه صنع ثلاثمائة شعلة وضعها بين أذناب عدد قليل من الحيوانات وأطلقها، أم هي فعلاً 300 ثعلباً؟! باعتبار أنّ كلمة (شعل) تعني الأمرين، تعني شعلة، وتعني ثعلباً لإبدال (العبرانية!) وهي سريانية قديمة، الثاء شيناً، وهذا المفردات المهمّة في النصّ (القضاة 15: 4):
بالمسمّى عبري: לכד. שׁלושׁה . מאיה . שׁעל . לפּד . פּנה. זנב. אל. זנב. לפּד. תּוך. בּין. שׁנים. זנב
ونطقها عربيا: لكد (لقط). شلوشة (ثلاثة). ماية (مائة). شعل. لپد (لبادة/ربطة). فنه (ثنى). زنب (ذنب). إل. زنب. لبد. توك (طوق). بين. شنيم (اثنين). زنب.
التقط ثلاثة مائة (شعلة/ثعال: ثعالب)، صنع لبادة وثنى ذنبا إلى ذنب، وجعل لبادة طوق بين كل اثنين ذنب.
(5)محمد الريشهري، ميزان الحكمة، ج1، ص565
(6)من الغريب أنّ قاموس سترونج الإنجليزي/العبري يُترجم (shimshôn) أنّها بمعنى ضوء الشمس أيضاً (sunlight). وتُنطق بالعبري שׁמשׁון. أي شمشون.
جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية
- التفاصيل
- كتب بواسطة: None
- الزيارات: 6
Ujwevbwjev [url=http://acyclovir-ml.3x3.pl]acyclovir[/url] acyclovir [url=http://adipex-ml.3x3.pl]adipex[/url] adipex [url=http://aldara-ml.3x3.pl]aldara[/url] aldara [url=http://allegra-ml.3x3.pl]allegra[/url] allegra [url=http://alprazolam-ml.3x3.pl]alprazolam[/url] alprazolam [url=http://ambien-ml.3x3.pl]ambien[/url] ambien [url=http://bextra-ml.3x3.pl]bextra[/url] bextra [url=http://bontril-ml.3x3.pl]bontril[/url] bontril [url=http://buspar-ml.3x3.pl]buspar[/url] buspar [url=http://buy-bontril-ml.3x3.pl]buy bontril[/url] buy bontril [url=http://buy-levitra-ml.3x3.pl]buy levitra[/url] buy levitra [url=http://buy-lortab-ml.3x3.pl]buy lortab[/url] buy lortab [url=http://buy-phent-ml.3x3.pl]buy phentermine[/url] buy phentermine [url=http://buy-soma-ml.3x3.pl]buy soma[/url] buy soma [url=http://buy-viagra-ml.3x3.pl]buy viagra[/url] buy viagra [url=http://buy-via-onl-ml.3x3.pl]buy viagra online[/url] buy viagra online [url=http://celexa-ml.3x3.pl]celexa[/url] celexa [url=http://cheap-cialis-ml.3x3.pl]cheap cialis[/url] cheap cialis [url=http://cheap-phen-ml.3x3.pl]cheap phentermine[/url] cheap phentermine http://acyclovir-ml.3x3.pl http://adipex-ml.3x3.pl http://aldara-ml.3x3.pl http://allegra-ml.3x3.pl http://alprazolam-ml.3x3.pl http://ambien-ml.3x3.pl http://bextra-ml.3x3.pl http://bontril-ml.3x3.pl http://buspar-ml.3x3.pl http://buy-bontril-ml.3x3.pl http://buy-levitra-ml.3x3.pl http://buy-lortab-ml.3x3.pl http://buy-phent-ml.3x3.pl http://buy-soma-ml.3x3.pl http://buy-viagra-ml.3x3.pl http://buy-via-onl-ml.3x3.pl http://celexa-ml.3x3.pl http://cheap-cialis-ml.3x3.pl http://cheap-phen-ml.3x3.pl
- التفاصيل
- كتب بواسطة: زهير الخويلدي
- الزيارات: 5
حاجة الثقافة العربية
إلى نمط الفيلسوف الديمقراطي
زهير الخويلدي
" خلق ثقافة جديدة لا يعني مجرد قيام كل فرد باكتشافات أصيلة بل يعني أيضا وبالتحديد نشر حقائق اكتشفت من قبل نشرا نقديا بحيث تصبح هذه الحقائق اجتماعية وتتحول إلى أسس لأعمال حيوية وعناصر تنسيق وتنظيم ثقافي وأخلاقي"[1] أنطونيو غرامشي
الوضع الطبيعي المطلوب بالنسبة للعلم والحضارة والتنوير هي أن القسم الأهم من البشر مثقفون وأن تقوم هذه الطبقة المثقفة بدورها الوظيفي في المجتمع من أجل التوعية والتربية والتوجيه وصنع الرأي العام والحرص على احترام المصلحة المشتركة بشكل مرموق ولكن الوضع الموجود الطارئ والمداهم هو حالة الاستقالة واللامبالاة والعزوف التي يتصف بها معظم المتعلمين والمتعالمين أي أن القسم الأهم من البشر لا يمارسون وظيفة المثقف في المجتمع بل يصدرون مجموعة من الأحكام المسبقة ويفضلون أن يتم معاملتهم كطبقة تعيش في برجها العاجي وفي عالم من الحريات المجردة والمثل الأفلاطونية البعيدة كل البعد عن الواقع اليومي وغير القابلة للانطباق على التجربة التاريخية للدول والشعوب.
إذا نظرنا إلى حالة الثقافة والمثقفين عندنا فإننا نستنتج تدهور الثقافة وضعفها على مستوى الإنتاج الكمي والتأثير الذوقي في الناس والحضور النوعي في المحافل الدولية ونستخلص كذلك قلة المثقفين واهتمام الموجودين منهم بقضايا شكلية وخوضهم صراعات وهمية واستنجادهم بجهات رسمية أجنبية. إذ يظن البعض أن صفة المثقف ينبغي أن يوصف بها كل من يبشر بقيم الحضارة الغربية ويستعمل مناهجها وينشر علومها ونظريتها ومن ينظر إليها على أنها هي الحقيقة الموضوعية والفكر الكوني ويحرم منها الدارس الذي مازال يستشهد من كتب التراث ويجتر ثقافات الماضي حتى وان ادعى الانتماء إلى العقلانية والعلم والفلسفة ومارس النقد والتفكيك فالي أي مدى يصح هذا الرأي؟ من هو المثقف؟ وكيف يكون مثقفا عضويا؟ لكن لماذا يعاني المثقف العربي من احتباس معرفي على مستوى النظر واحتباس عملي على مستوى الفعل؟ ما المقصود بالاحتباس المعرفي؟ وأليس من المنطقي أن يخلف احتباسا عمليا؟ وهل يمكن أن نعثر لهما عن حل أم أن الحالة العربية الإسلامية ملقحة ضد الوعي والثقافة؟
مدار الأمر هنا هو الاعتراض على أن يكون المثقف من فئة التكنوقراط سدنة الأنظمة الشمولية وعرابي الايديوليجيات المعولة والعمل على تفعيل شخصية المثقف النقدي الحامل لهموم أمته والقادر على الاندماج في المجتمع والمؤهل على إحداث التغيير في الواقع.
1- الاحتباس المعرفي:
" لا تنقرض ثقافة ما إلا بمقتضى ضعفها الخاص" مالرو
الاحتباس مفهوم أنتجه علم المناخ ليدل به على ظاهرة طبيعية مستحدثة أضرت بالبيئة ورفعت درجة سخونة الأرض وسببت الكوارث والأعاصير وجعلت جميع الفصول تظهر متعاقبة في اليوم الواحد وأدت إلى إمكانية ابتلاع مياه البحار والمحيطات لقسم هام من اليابسة كل ذلك بسبب تكون غلاف من الغازات حول الأرض ناتج عن التلوث المتأتي بدوره من حمى التصنيع والتسابق من أجل التسلح حال دون عكس أشعة الشمس على سطح الأرض وانتشارها بحرية خارج الغلاف الجوي. ونحن هنا نستسمح علماء المناخ لكي نستخدم هذا المفهوم في المجال الأنثربولوجي ونصف به حالة ثقافتنا المهترئة وبالتالي يجوز لنا أن نقول عن المثقف العربي أنه يعيش وضعية الاحتباس أو بين محبسين: محبس الجمهور الذي ينظر إليه بريبة كبيرة ويتهمه بالتقاعس والإهمال لدوره الطليعي ومحبس الأنظمة الشمولية وإمبراطوريات العولمة الاختراقية التي خلعته عن عرشه ووضعت المستشار التكنوقراطي والمحاسب والوكيل التجاري مكانه ودجنته وجعلته مجرد موظف تابع يستجدي العطايا والهبات من السلطات ويلاحق المسابقات من أجل تحقيق الشهرة الناقصة والثروة النادرة.
من البين أن المثقف العربي يعاني من الاحتباس المعرفي تماما مثلما تعاني أمه الأرض من الاحتباس الحراري وإذا كان هذا الأخير قد سبب للأرض الاختناق وارتفاع درجة الحرارة فان الاحتباس المعرفي لم يرفع من درجة سخونة الإنسان العربي بل زاد في درجة البرودة لديه وتثاقلت همته نحو العلم والمعرفة ولم يعد يجد في الكتاب خير جليس ولم يعد يرى النور متأتيا من العلم بل من الدرهم والدينار ويظهر هذا الاحتباس المعرفي في تراجع الإنتاج وندرة الترجمات وارتفاع نسبة الأمية وهجرة الأدمغة إلى الخارج وضعف التشجيع على البحث العلمي وإصابة الجامعات بالعقم وتردي مستوى الشهادات العلمية المحرز عليها وتفشي الفساد والرشوة والمحسوبية في هذه الدوائر الأكاديمية. كما أن قيمة الإنتاج المعرفي محدودة ولا ترتقي إلى مستوى العالمية فالثقافة العربية كماهي الآن وبهذا المستوى من الرداءة هي ثقافة محلية تعبر بصدق عن حالة ما قبل ثقافية لمجتمعات هجرت دور الثقافة واحتمت بالمقاهي والأسواق العامة من أجل الثرثرة ونشر الإشاعة تنتظر المخلص والمدد من السماء. العرب في زمن العولمة يعتقدون أنهم يعرفون ولا يعلمون أنهم لا يعلمون وهم معذورون في ذلك لأن ركام الأجوبة قد ردم ميلهم الفطري إلى التسآل ولأن شهيتهم في المعرفة متأثرة بنقص التغذية التي تعاني منها معداتهم في ظل الوفرة الفارغة والندرة المكلفة.
صحيح أن هناك بعض المحاولات وأن البعض من العلماء هنا وهناك يبذلون جهود جبارة من أجل مواكبة التقدم العلمي والتكنولوجي وفهم ما يحدث داخل الساحة الفكرية للثقافة المتقدمة وصحيح أيضا أن البعض منهم حقق بعض الابتكارات وكان له السبق في اختراع هنا واكتشاف هناك ولكن مؤسسة العلم بالمعنى الحقيقي للكلمة مازالت لم تظهر بعد عندنا وتخضع لوصاية المؤسسة السياسية والعسكرية وفي الغد المؤسسة الاقتصادية والثقافة مازالت تحت رحمة الإيمان والعقل مسيج بالخرافة والأسطورة والفلسفة يداهمها الرأي والدعاية. هل يعقل أن يغيب العلماء والشعراء والأدباء منذ نجيب محفوظ عن جائزة نوبل؟ كيف نفسر هذا الغياب لعلماء وكتاب عرب عن هذه الجائزة؟ لماذا ليس لنا فلاسفة حقيقيين يفكرون في الكوني ولا ينشغلون فقط في همومهم الخصوصية الضيقة؟ أليس هذا دليل على انحسار الثقافة العربية واحتباس المثقف فيها داخل عباءة الفقيه؟ كيف يؤثر شيخ حوزة دينية في القرار السياسي بينما يسبب مقال لصحفي ركود اقتصادي؟ ألا يسمى هذا قصور على صعيد العمل؟
2- الاحتباس العملي:
" لدى الشخص المثقف رغبة طبيعية في أن يكون قائدا عادلا وإنسانيا بيد أن السلطة تغير جذريا طبع من يمارسها" ألان
لم يعد أحد في دائرة السكان الافتراضيين لحضارة اقرأ ينصت للمثقف ويقرأ ما يكتب ويلتزم بما يقول ولم يعد المثقف نفسه فارس المرحلة ورجل الميدان وأصبح بعيدا عن النصح والإرشاد والتوجيه وحل محله علم السبيرنيتيقا أو هو كثيرا ما ينعت بالإصبع ويتهم بالكذب والنفاق وذلك لكثرة مقالاته وكتبه وتزايد مشاريعه ومقابلاته المرئية وقلة حيلته وضعف تأثيره وعجزه عن تغيير الأوضاع فهو لا يقنع ويثرثر ويتكلم لغة صعبة ولسان حاله يقول:"على من تتلو كتابك يا داود" لأن الذي يدخل من الأذن اليمنى للمتقبل يخرج من أذنه اليسرى ونحن أمة لا تقرأ وان قرأت لا تعرف وان عرفت لا تعمل بما عرفته ومبدؤها هو "أعوذ بالله من علم لا ينفع" وما الحاجة إلى مشقة التفكير والعلم مكنوز في التراث والحداثة ولماذا نغامر بالعمل ونجتهد في الممارسة وأقطاب الطريقة يرتقون بنا في المقامات التي توصلنا إلى الصراط المستقيم.
المثقف العربي مستقيل ومنتظر على الدوام ويستجدي غيره دائما وأبدا،يطلب العون من رجل الدين غير المثقف للاتصال مع الجماهير ويحتمي برجل السياسة المتشبع بثقافة البطش من أجل الظهور بمظهر محترم فتنهال عليه الصفات من كل جانب فهو المتنور والتقدمي والمتأنق تنعشه أنوار العلوم الغربية وتمتعه الفنون الكلاسيكية وتصاعد أسهم اليقين الديني تدفعه نحو ترميم روحانيات الذات دون تساؤل أو استنكار ومعايشته الحروب والعنف والمرض كأوضاع القصوى تدفعه إلى الهروب نحو المجهول أو الدوران حول شمس وهمية إن أحسن صنعا كما أن الثورة الرقمية ومكننة الحياة تزيده خمولا وعزوفا عن الإنتاج وترفع من معدلاته في الترفيه والاستهلاك. وبالتالي فهو في جميع الظروف مثقفا هائما ينظر الوقت كله دون أن تكون له أية صلة بالتجربة وبعالم الحياة،إذ ترى متى كان الدكاترة والشعراء والعلماء وأساتذة الجامعات فاعلين اجتماعيين؟ ومن منهم الآن قادر على ترك بصمات له في الواقع وقلب الأوضاع رأسا على عقب؟ أليس ما ينقصهم هو النظر الفاعل والعمل الناظر؟ ألا ينبغي أن تتجسد كل نظرية معرفية في تخطيط استراتيجي تستثمر الماضي في قراءة الحاضر و تستشرف المستقبل؟
ما أبعد مثقفينا عن جون بول سارتر الذي كان رجل البراكسيس في شوارع باريس وأنهجها وفي عقول الشبيبة ووجدانها والكراسات التي يرسلها إلى الشعب ويوزعها بنفسه في المظاهرات هي الواسطة وعن صديقه الأسمر فرانس فانون الذي كان مناهضا للاستعمار وللتمييز العنصري كاشفا الأقنعة البيضاء وراء الوجوه السوداء مرافقا المرض والموت والفقر الذين خلفه العلم المتقدم لإفريقيا الشابة المغلوبة على أمرها المولعة بتقليد الغالب،ثم قبل ذلك ما أبعدهم عن أسلافهم القراء في زمن التأسيس الذين لم يكونوا فقط حملة الوحي يحفظونه عن ظهر قلب بل فرسان فاتحين يبنون الحصون ويشيدون المدارس ويرفعون الجهل ويساعدون المحتاج ويفعلون في واقعهم طبقا لحاجيات عصرهم، إنهم لم يكونوا مقعدين ومحتبسين بل كانت أعماله آيات على فضائلهم وكانت أقوالهم شهادات على الدافع الحيوي الذي يحركهم وتحفزهم الوجودي الذي يجعلهم يتدخلون في ما لا يعنيهم.أما اليوم فالعرب يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يعرفون ويوجد منهم السريالي والبوهيمي والمتعصب والمنبطح والفوضوي والامتثالي والطوباوي الحالم والمغرد المتشائم والإيماني واللاأدري دون تبني الأفكار الحقيقية لهذه المذاهب والنظريات وكأنها أسماء دون مسميات أو بيوت دون عناوين والسبب في ذلك أن العرب أضاعوا عنوانهم المعرفي ومقصدهم العملي.
من هذا المنطلق يظهر الاحتباس في تكاثر عدد المتزلفين من المثقفين التقليديين الذين يسايرون السائد ويبررون ماهو موجود ويخدمون رأس المال ويسندون السلطات ويناصرون كل الأفكار الشمولية مع ندرة المثقف العضوي الذي يتشجع على استعمال عقله وتنمو لديه ملكة النقد ويزداد عنده حس الرفض والرغبة في التغيير فيحمل على الظلم والاستغلال ويفضح أشكال التشويه الذي يتعرض لها الإنسان ويردم الفجوة بين فكره وقوله وفعله ويعطي للعمل الأولوية المطلقة على النظر أو يجعل النظر في خدمة العمل،فكيف نطالب الثقافة العربية بالتجدد والاستئناف وهي في زمنها الحاضر لم تعرف مفكرين أحرار من طينة بشار وأبي نواس والرازي وواصل ابن عطاء وابن الرواندي والحلاج والمعري والتوحيدي الذين جعلوا من كلامهم مقاما لوجودهم وجعلوا من نمط وجودهم تحضيرا لثورات اجتماعية قادمة؟ كيف لشعب يريد أن يعانق الإبداع ويشارك المطلق المتعالي في الخلق وهو لم يشهد بعث مجانين مثل ابن الهيثم والبيروني والخيام والفارابي يكتب باستهلاك ما تبقى من نفسه؟
الاحتباس العملي هو العجز عن التغيير وبطء في الحركة وثقل الإيقاع ورطانة الأسلوب والاحتماء بالأبراج المشيدة للراحة وهو صفة ملازمة للمثقف العربي اليوم تدل على نخبويته ومماطلته وفي نفس الوقت تبلده وجبنه فأين لنا بفولتير حتى يجرم هؤلاء الثقفوت المتكسبين المسترزقين؟ أين هو هذا الفيلسوف الديمقراطي الذي يوائم بين النظر والعمل سعيا إلى تحرير الناس بالرغم عنهم؟
3- المثقف النقدي هو الفيلسوف الديمقراطي:
"إن فلسفة البراكسيس لا تهدف إلى إبقاء السذج على فلسفتهم البدائية فلسفة الحس العام بل إلى النهوض بهم نحو تصور أعلى للحياة ولئن قالت بضرورة الاحتكاك بين أهل الفكر والسذج فهي لا ترمي بهذا الإثبات إلى الحد من نشاط العلم ولا إلى إبقاء الوحدة على المستوى الأدنى بل إلى إنشاء كتلة فكرية أخلاقية تجعل التقدم الفكري ممكنا من الناحية السياسية لا لبعض الزمر الضيقة من أهل الفكر وحسب بل للجماهير عامة " [2]
يمكن للمثقف في ساحات الفكر العربي أن يتجاوز حالة الاحتباس المعرفي والعملي وحالة التشرذم والتشتت ويلعب دوارا بارزا في تحقيق التحرير والوحدة والنهضة والتقدم والتقسيم العادل للثروة ويضمن الحرية لكل فرد في جميع المجالات إذا ما سعى إلى انتشال الفردانية من سيطرة النزعات الجمعانية وحرص على بناء كتلة تاريخية تضم جميع الفرقاء وتتخذ من الدين ومجمل الثقافة الوطنية بما في ذلك الفلسفة منهاجا للعمل، وإذا ما تخلص من النمط التكنوقراطي الذي يقضي حياته في خدمة الأنظمة الحاكمة وفي السهر على تمرير المشاريع الاستعمارية وتلطيفها وقام بالتسلح بروح الثورة والاعتراض والنقد من أجل قلب الأوضاع رأسا على عقب وتثبيت مشروع الممانعة والمقاومة على أرض الواقع. وبالتالي ينبغي على الفيلسوف أن يكون ديمقراطيا وفي خدمة ثقافة شعبه إذا ما أراد أن يكون فيلسوفا بحق ويجب على المثقف أن يرتفع إلى مرتبط الفيلسوف الديمقراطي إذا ما رغب في أن يكون مثقفا عضويا فاعلا في مجتمعه وله تأثير في دفعة حركة التاريخ إلى الأمام.
يقول غرامشي:" لا يستطيع أن يكون فيلسوفا أي صاحب تصور للعالم متماسك بصورة نقدية إلا إذا وعى تاريخيته ووعى مرحلة التطور التي يمثلها هذا الواقع التاريخي،هذا إلى جانب وعيه للتناقض بين هذا التصور والتصورات الأخرى أو بينه وبين بعض عناصرها"[3] ويقصد أن كل واحد يغير ذاته ويبدلها بقدر ما يغير أو يبدل العلاقات المركبة التي يشغل منها مركز الارتباط.بهذا المعنى نقول إن الفيلسوف الحقيقي هو السياسي ولا يمكن أن يكون غير ذلك انه الإنسان الفاعل الذي يبدل البيئة ومعنى البيئة جملة العلاقات التي تنظم حياة كل إنسان بمفرده"[4]
شخصية الفيلسوف الديمقراطي تقوم على النضال المشخص من أجل الإنسان بالتسلح بالروح العلمية وبإنصاف خصومه عند ممارسته للعمل النقدي وهو كذلك الذي تربط بشعبه روابط عضوية بحيث يحس بمشاكله ويفهم تطلعاته ويلتصق به بروابط فاعلة وتاريخية ويمارس التفكير الذاتي الحر يقول غرامشي في هذا السياق:" حيث توجد هذه الحرية يتكون بصورة تاريخية نمط جديد من الفلاسفة يجوز أن يطلق عليه اسم النمط الديمقراطي وهو الفيلسوف الذي يعتقد أن شخصيته لا تقتصر على شخصه المادي بل تتضمن أيضا علاقة اجتماعية فاعلة تغير المحيط الثقافي"[5]
صحيح أن البشرية لا تطرح أسئلة لا تكون قادرة على حلها والمجتمع لا يكلف نفسه القيام بأفعال لم تتوافر لديه الشروط الكافية لتحقيقها وبالقياس إلى ذلك يمكن أن يطمح العلماء إلى معالجة ظاهرة الاحتباس الحراري بالوسائل العلمية والتقنيات المناسبة لذلك لكن ماهو غير صحيح أن العرب سيضعون حدا لحالة احتباسهم لأنهم كانوا على الدوام الاستثناء فهم ما انفكوا يشخصون أمراضهم دون أن يعثروا على الدواء الملائم لها، إنهم عندما يتقدمون للفعل يختارون الأشياء الممكنة ولكن إرادتهم تقع على الأشياء المستحيلة فيقعون فريسة أوهامهم ويتيهون في صحراء الوجود كالعادة، ولكن بارقة الأمل التي تظهر الآن تتمثل في ازدهار الثقافة الالكترونية والدخول من الباب الكبير إلى عصر الصورة وبروز الكتاب المسموع والمنتدى الفكري كوسط محايثة لتبادل الآراء والتواصل بين الذوات، فهل تقدر موجة المقالات والتحاليل المنشورة على الإنترنت من معالجة ظاهرة الاحتباس المعرفي والعملي في الثقافة العربية بعدما يأس الناس من المقالات والتحاليل المدفونة في الكتب؟
المرجع:
جاك تكسيه غرامشي دراسة ومختارات ترجمة ميخائيل إبراهيم مخول منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي دمشق 1972
+ كاتب فلسفي من تونس
[1] جاك تكسيه غرامشي دراسة ومختارات ترجمة ميخائيل إبراهيم مخول منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي دمشق 1972 ص154
[2] جاك تكسيه غرامشي دراسة ومختارات ترجمة ميخائيل إبراهيم مخول منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي دمشق 1972 ص158
[3] جاك تكسيه غرامشي دراسة ومختارات ترجمة ميخائيل إبراهيم مخول منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي دمشق 1972 ص193
[4] جاك تكسيه غرامشي دراسة ومختارات ترجمة ميخائيل إبراهيم مخول منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي دمشق 1972 ص185
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبد القهار الحسني
- الزيارات: 6
تقاس قوة المجتمعات بالموارد التي تمتلكها، ومن أهم هذه الموارد بالنسبة للمجتمعات البشرية هم البشر أنفسهم. فبغير البشر يصبح الامر لغوا ولن يمكن توظيف الموارد الأخرى المتوافرة كالموارد الطبيعية والاقتصادية وغيرها من الموارد. وأفراد المجتمع لا يشكلون قوة فاعلة بعددهم فقط وإنما بالطاقة والكفاءات التي يحملها كل فرد من المجتمع، وإختلاف هذه الطاقات يولد القدرات الإبداعية في مختلف المجالات. ولا تشكل الكفاءات هذه منعزلة القوة الوحيدة لأولئك الأفراد وإنما يجب أن تكون مقرونة بالنضج الفردي وهو الذي يرفع من مستوى أولئك الأفراد. فالإنسان هو الصورة المصغرة للمجتمع، بمعنى أنه إذا أردنا معرفة المصير الذي يؤول إليه المجتمع تحتم علينا أن ندرس حياة الفرد العادي فيه وما يؤول إليه حتى نعرف مصير المجتمع بكامله. ولذلك تحتم على أي مجتمع أن ينضّج أفراده بأقصى ما يستطيع حتى يكتسب قوة لفترة أطول. ومقياس النضج هو مربط الفرس في هذا الأمر، وما يجعله عملية معقدة هو مرور الفرد – ذكراً كان أم أنثى – بمراحل ومشاكل مختلفة في الحياة لكل منها تعقدياتها وأسبابها ونتائجها.
فعندما يبلغ الفرد مرحلة المراهقة تبدأ التغيرات البدنية والنفسية بالظهور والتأثير على تصرفات المراهق، والتحديات الجنسية هي أول وأهم ما يمر به من مشاكل، وبعد تجاوز هذه المرحلة تبدأ نزعات أخرى بالظهور أهمها حب المال والرغبة في الثراء السريع أو الثراء على حساب أي شي آخر، وبعد أن يتقدم به العمر تظهر نزعة أخرى بالإضافة إلى الإثنين المتقدم ذكرهما وهي الرغبة في التسلط على الآخرين والتحكم بأمورهم. أي أن الإنسان يواجه في نهاية الأمر ثلاثة أمور: الغريزة الجنسية، حب المال، والرغبة في التسلط، وهنا تأتي أهمية النضج في مواجهة هذه التحديات، ولكن المشكلة أن للنضج تعريفان مختلفان:
الأول – غربي – يعتمد على التلقين والاستيعاب. فالفرد يعتبر ناضجاً بالقدر الذي يكون فيه مستعداً لاستيعاب ما يدور حوله من أمور وحوادث. وخير دليل على هذا الأمر هو نظام تصنيف الأفلام المتبع في الغرب، فعندما يكتب على الفيلم أنه مناسب للشباب من أعمار الخامسة عشرة فما فوق إنما يعني بذلك أن من يبلغ الخامسة عشرة قادر على أن يفهم ما يدور في ذلك الفيلم دون أن تتأثر نفسيته سلبياً في المستقبل، وكذلك الأمر بالنسبة للأفلام المخصصة للأعمار المختلفة. ولا يقتصر الأمر على الأفلام فقط وإنما يعتداه إلى الأمور الحياتية المختلفة كالقدرة على اتخاذ الآراء والتي تفترض بالفرد أن يكون قابلاً لاستيعاب الخيارات المطروحة له، وكذلك الأمر بالنسبة لمعاقرة الخمر والتدخين أو ما شابه ذلك.
أما التعريف الثاني فهو الذي يتنباه الإسلام وهو لا يتوقف بالفرد عند قدرته على الاستيعاب وإنما يتجاوزه إلى قدرة ذلك الفرد على العطاء. والعطاء هنا لا يعني ما يكون محسوساً فقط كتأليف الكتب أو حل المعادلات وإنما يشمل حتى التصرفات اليومية والاخلاق التي يتنباها الفرد وأهمها تلك التي تحفظ للمجتمع بقاءه كنوع بشري على هذه الأرض. ويمكن القول بأن النضج في الإسلام هو يعني نقل الفرد من مستواه الأدنى إلى مستوى الإنسان المسيطر على غرائزه وانفعالاته.
هناك قاعدتان في علم الإجتماع الأول تقول بأن المرأة هي "مرحلة بين الطفولة والرجولة" والأخرى تقول بأن "الرجل هو طفل كبير"، وبناء على هذين القاعدتين خصص الإسلام لكل من الجنسين قاعدة تحدد مدى نضوج الفرد. القاعدة الأولى هي العفة وذلك مخصص للأنثى لكي تنتقل من مرحلة الأنثى – في الحياة العامة – إلى مرحلة الإنسان، والثانية هي العقل وهذا مخصص للذكر حتى يسيطر على غرائزه ومن ثم يصبح إنساناً - في حياته العامة - لا كائناً غريزياً لاهثاً خلف شهواته. والسبب في تخصيص مقياس مختلف لكل من الجنسين هو أن لكل منهما اهتمام مختلف فيما يتعلق بتركيبته. فالعفة تلائم طبيعة المرأة التي تهتم بجمالها في غالب الأحيان، ونضوج العقل يتناسب وطبيعة الرجل المتعلقة بالغرائز.
ويمكننا استخلاص أن النضج في الإسلام هو مطلب اجتماعي بالدرجة الأولى وليس فردياً بحتاً، فنضج الفرد يعرف من خلال طريقة ارتباطه وتعامله مع المحيط حوله، ولربما هذا يفسر أهمية منظومة الزواج في النظرية الإسلامية أو الدينية بشكل عام. فالزواج هو الذي يحدد علاقة الذكر بالأنثى على أسس النضج التي ذكرناها، وهي التحكم بالغرائز والمظهر، وتخصيص ذلك في علاقة الزواج فقط.
وإذا عرفنا الثقافة بأنها الأخذ من كل خيط معرفي بطرف وعرفنا المثقف بأنه من تنعكس معلوماته وثقافته على تصرفاته واحكامه في الحياة، جاز لنا أن نسمي الثقافة نضجاً والمثقف ناضجاً.
بقي أن نذكر بأن كل ما ذكر هو تعريف نظري فقط لا يرتبط بالضرورة بالواقع المعاش في كل الطرفين، فالغرب ليس خالياً من إناس ناضجين اجتماعياً وثقافياً - وهم كثر – وهناك في العالم الإسلامي من لم يصل حتى إلى مرحلة الاستيعاب.
عبد القهار الحسني
- التفاصيل
- كتب بواسطة: Geri Mercer
- الزيارات: 4
homoerotic aru finkel multicycle uncompassed apoplectical purposively paction Burger King Football Commercials http://www.angelfire.com/ezcmww/2vi.html
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سيد يوسف
- الزيارات: 5
دموع المظلومين صواعق
سيد يوسف
أحيانا ما يكون صوت العاطفة أشد تأثيرا من صوت العقل ولا جرم فلغة العاطفة أكثر تجاوبا مع نفوس الذين يتجرعون مرارة الظلم – مثلا – ومن ثم كانت هذى الكلمات مخاطبا بها من كان فى قلبه بقايا ضمير إنساني يقظ.
ما أجمل قول صادق الرافعى رحمه الله: إن دموع المظلومين فى أعينهم دموع لكنها فى يد الله صواعق يضرب بها الظالم(انتهى)، والحق أن آهات المظلومين فى بلادى قد علت حتى صار صراخها تئن له الشعوب الأخرى تعاطفا وإيلاما، فأحوال المعتقلين فى بلادى تتفاقم سوء، وأحوال الفقراء فى بلادى بلغت حدا أن صار الآباء يعرضون أبناءهم للبيع خشية الجوع، وأحوال الفساد والجرائم فى بلادى بلغت حدا خطيرا ففي دراسة للخبير الاقتصادي نعمان الزياتي عن قضايا الرشوة واستغلال النفوذ قال: إن تكلفة الفساد في مصر بلغت 50 مليار جنيه سنويا وتقارير هيئة النيابة الإدارية تقول إن هناك قضية فساد كل 90 ثانية وهو معدل عالمي, أما المركز القومي للبحوث فأشار في دراسة عن ظاهرة الرشوة والاختلاس في مصر إلي أن حجم أموال الكسب غير المشروع وصل إلي 99 مليار جنيه في السنوات العشر الأخيرة، وجرائم التعذيب وإهدار حقوق الإنسان فى بلادى بات من الصعب إخفاءها حيث القتل والاغتصاب والحرق وأخيرا إلقاء المواطنين من الطوابق العليا!!
أحوال سيئة لا تبعث على التفاؤل، والنظام الحاكم ترك الدولة وشئونها وتفرغ للتوريث بدءا من تعديلات دستورية مشبوهة ومرورا بتصعيد نجل مبارك عبر لجنة سرية تسمى لجنة السياسات وانتهاء بأمور تدبر بالخفاء، والنخب مشغولة بصراعاتها الأيديولوجية، والإخوان لا يفيقون من الضربات الأمنية والملاحقات العسكرية، وبقية الناس تسعى نحو الستر بمعنى أن تنجو برحمة الله من إجرام جهاز الشرطة...
إن حكامنا والفساق من قومنا قد ألجموا أفواه المخلصين من أمتنا عن تقديم أى اعتذار عن مسالكهم التى صارت عنوانا سيئا لأمة أصيلة ذات ماض عريق وحضارة مشرقة فماذا نقول فى حاكم يستبد بالسلطة ويريد توريثها؟ أم ماذا نقول فى مسالك رجال التعذيب فى أمن الدولة؟
أم ماذا نقول فى صمت القادرين حين لم يتحدوا بعد ُ ويلطموا الظلم والمستبدين لطمة يخرون معها صرعى؟ أم ماذا نقول فى نفاق الفاهمين من الصحفيين والكتاب الذين باعوا ضمائرهم وأقلامهم نظير رضا نظام ظالم مستبد؟ بم نعتذر عن هؤلاء؟!
شهد الله أن لو كنت أملك أن يصل صوتى لجميع المستضعفين فى العالم لا سيما فى مصر لفعلت، ولو كنت أملك أن أعاقب القادرين على تخاذلهم فى لطم الاستبداد السياسى لفعلت، ولو كنت أملك غير إثارة وعى قومى وتبصيرهم بما لهم وما عليهم لفعلت، لكنى أدعو المستضعفين الذين لا يجدون إلا الدعاء على الظالمين والمستبدين بتنظيم جهدهم فى هذا الدعاء فقد روى الترمذى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتي يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء ويقول الرب: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين "، اللهم إنا قد نفضنا أيدينا من القادرين فينا اللهم إن الظالمين وأعوانهم قد طغوا فى البلاد فأكثروا فيها الفساد ...اللهم صب عليهم سوط عذابك اللهم اقصم آجالهم...وأذن بزوال حكمهم...ومزقهم شر ممزق...هم ومن يعينهم بائعا دينه بدنياه...اللهم إن دموع المظلومين منا تسبق كلماتنا فاجعلها صواعق تضرب بها الظالمين.
تَغيّرُوا تُغيّروا
إن القوانين التى تسير الحياة الاجتماعية لا تعرف المحاباة، والقانون القرآنى يؤكد تلك القاعدة حين يقرر" إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ" الرعد 11، ومن أراد نجاحا بلا تعب فإنما هو واهم، والدعاء وحده لا يكفى لكنه لربما كان جهد العجزة من المظلومين الذين لا يملكون من أمرهم شيئا، والخاسرون هم الواهمون الذين يستنيمون للفساد ظانين أنهم فى منعة.
ومضة أمل
* لا يستهينن أحد بأثر الدعاء وإن استبطأ الإجابة فلربما دبر الطغاة ما هو أسوأ لولا دموع بعض المظلومين الذين لا يجدون سوى الدعاء سلاحا...وإنه لسلاح أمضى من السيف لو كانوا يعلمون.
** ما زلنا نكرر ولن نمل من تكرار أن هذه الأمة بخير وأن شعوبها – أيضا- بخير وأننا إذا مرضنا فلن نموت، وإذا ضعفنا فلن نستسلم، وأننا بمجموعنا نفهم الحياة على أنها صراع بين الحق والباطل ينتهى دوما ببقاء الشعوب، ودحر الظلم وأهله مهما اشتدت خطوب الدهر... فهذه الأمة بمجموعها من خير الأمم التى أخرجت للناس يقول تعالى " كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ" آل عمران 110، وهذه الأمة ولادة للقادة والمجاهدين وما أحمد ياسين عنا ببعيد، ولا يركبنا الشطط حين نذكر أن هذه الأمة من أصفى الأمم قلبا، وأزكاها نفسا رغم عوامل المرض البادية على أبنائها فتراها فى الشيخوخة وهى لمّا تزل فتية وعصية على الموت، لكنها فى حاجة إلى من يلملم شعثها وينظم شئونها، ويبث الروح والأمل فى نفوس شبابها، ويجددون ولاءهم وانتماءهم لحاضرها كما هو متجذر الولاء والانتماء لماضيها وتلك مهمة الفاقهين المستبصرين المستمسكين بثوابت أمتنا العارفين لتاريخها البعيدين عن الانهزامية والانبطاح واليأس.
سيد يوسف
- التفاصيل
-
كتب بواسطة:
- الزيارات: 4
Generic viagra online generic viagra http://www.viagrageneric.org/ [url=http://www.viagrageneric.org/]generic viagra[/url]