مجلة أقلام الثقافية
  • الرئيسية
  • هذه المجلة
  • المنتديات
  • الشاعر سامر سكيك
  • انضم إلينا

واحة الإبداع

  • الشعر الفصيح
  • القصة والرواية
  • الخاطرة والنثر
  • مقالات متنوعة
  • الفن التشكيلي
  • بحوث ودراسات
  • أدب عالمي

أقلام متخصصة

  • حديث أقلام
  • القلم الديني
  • القلم السياسي
  • القلم الفكري
  • القلم العلمي
  • القلم النقدي
  • القلم الاقتصادي
  • تحقيقات صحفية

اخترنا لك

  • أعلام ومشاهير
    • أرشيف
  • قراءة في كتاب
    • أرشيف
  • مختارات شعرية

زوايا متنوعة

  • إدارة وأعمال
  • مسرح ومسرحيون
  • شؤون فلسطينية
  • للنساء فقط
  • الصحة والناس
  • من هنا وهناك
  • علوم وتكنولوجيا
    • أرشيف
  • تربية وتعليم

موسوعات أقلام

  • أدباء ومثقفون
  • قصص الأنبياء
  • التاريخ الإسلامي
  • شعراء وقصائد
  • عقائد وأديان

تسالي وترفيه

  • شرح الأبراج
  • ابتسم مع أقلام
  • ألغاز سريعة
  • اختبر ثقافتك

بن بركة من أجل أرماندوانطرالغو

التفاصيل
كتب بواسطة: إدريس الجبروني المصموي
نشر بتاريخ: 01 سبتمبر 2002
انشأ بتاريخ: 01 سبتمبر 2002
الزيارات: 6

بن بركة من أجل أرماندوانطرالغو

 

 ترجمة/ ادريس  الجبروني المصموي


1-أشكال الكفاح في إفريقيا.

 - تحالف العمال والفلاحين

 -العنف

 - أخطاء الحركة الوطنية. 

"... نعلم أن الاستغلال الاستعماري قام عندنا على اغتصاب المعمرين للأراضي الزراعية الذي نتج عنه استفحال البطالة في القرى، وهجرة الفلاحين للمدن. وهم الذين دخلوا أفواجا في الحركة الوطنية، بينما منبع سخطهم ومصدر قوتهم الثورية خارج هذه المدن وفي وسط الأرياف. ولذلك فبمجرد ما تصل حركة التحرير الوطني إلى هذه الأرياف نكون قد أقفلنا الحلقة، وتصبح الطاقة الثورية المتجمعة في كلا القطبين الحضري والبدوي قوة لا مرد لها...". 

                 (  بن بركة)

 

لم تكن القارة الإفريقية، عند انتقال الاستعمار الأوروبي إلى مرحلته الإمبريالية، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، غير بلاد فلاحين يعيشون على الفلاحة المعاشية، وكانت هذه الميزة مسيطرة على حقيقة مركبة –حسب كاتب إنجليزي- لو كانت هذه الدول اتبعت تطورا طبيعيا دون تدخل العنصر الأجنبي، كان سينتج عن هذه الاقتصاديات المعاشية بنيات اقتصادية عصرية. غير أن دخول العنصر الأجنبي الأوروبي أفلس الفلاحة المعاشية ومعها أفلس الفلاح الإفريقي، الذي سلبت منه الأرض وسلمت للمعمرين الأوروبيين، وأصبح الإفريقي صاحب الأرض مجندا في خدمة المالك الجديد للأرض أو مجندا للبحث عن المناجم في قلب أفريقيا، وهكذا وجدت الأشغال الشاقة وظاهرة العامل المهاجر، كما عرفت المدن الإفريقية نموا مدهشا، خاصة في فترة ما بين الحربين العالميتين.

في سنة 1931، كان عدد سكان مدينة "داكار" (السينغال) 54 ألف نسمة، وبعد ثلاثين سنة ارتفع إلى 383 ألف نسمة، وفي نفس الفترة، ارتفع عدد سكان "أبيدجان" من 10.200 إلى 180 ألف نسمة، و"باماكو" (مالي) من 19.400 إلى 180 ألف نسمة، و"أكرا" من 60.700 إلى 325.000 نسمة، و"ليوبولد فيل" من 30.200 إلى 389.500 نسمة و"نيروبي" من 29.800 إلى 250.800 نسمة و"سالسيبوري" من 20.100 إلى 192.800 نسمة إلخ ...

وإذا كانت السلطات الاستعمارية تحتاج إلى اليد العاملة المأجورة في المراكز الحضرية، فهي من جهة أخرى كانت تخشى وتيرة نمو هذه المراكز، وكما يقول بن بركة، إن أفواج الكادحين المكدسين في الضواحي الفقيرة المعروفة بمدن القصدير، كانت له نتيجة إيجابية، وهي نشوء طبقة عاملة، جعلت من المدن الإفريقية في عقد الخمسينات عبارة عن بركان من الإضرابات والمظاهرات. وهنا يجب التذكير بحالات "أبيدجان" و"لاغوس" و"أكرا" والدار البيضاء و"بريتوريا" و"سالسيبوري" الخ...

وكما يشرح ذلك بن بركة "إن منبع سخط هذه البروليتاريا يوجد في الأرياف. والعامل المهاجر إلى المدينة والمطرود من أرضه هو في حد ذاته تركيب التحالف بين العمال والفلاحين، هو تعبير عن إخلاء الأرض الإفريقية من سكانها، نتيجة غياب التصنيع، وفك الارتباط بالإنتاج الفلاحي وقلة المواد الغذائية.

من بين هؤلاء السكان المكدسين في مدن القصدير برزت النواة الأولى من مناضلي الأحزاب السياسية الأولى، تلك الأحزاب الوطنية التي كانت تتزعمها عناصر من البورجوازية الصغيرة، بقياس وسطهم كانوا مستغلين من طرف الاستعمار. أما الجماهير التابعة لهم فكانت تعكس "مواقف رجال ونساء، أغلبيتهم لم تكن في هذا العالم أو ذاك. لم تكن في العالم القروي القديم، ولا في عالم المنافسة الحضرية". وفي ما بعد بدأت هذه المواقف، مع مرور الزمن، تتخذ طابعا طبقيا عبر سيرورة بطيئة وثابتة. أما المشكل الثاني الذي يوضح هذه المرحلة أكثر، والذي عبر عنه بن بركة في إحدى المناسبات بـ "إن النضال الثوري ضد أي نظام اقتصادي واجتماعي لا بد أن يكون مزيجا من الوسائل السياسية والعسكرية، وتأرجحا مستمرا بين الأساليب القانونية، والأساليب غير القانونية". وهنا يتفق فكر بن بركة مع فكر "فانون" : "بعد أعوام من اللاواقعية، وبعد تثوير بين أشباح لا تصدق، فإن المستعمر حمل الرشاشة ليواجه القوات التي أنكرت كيانه، أي القوات الاستعمارية. والشاب المستعمر اكتشف الواقع وحوله إلى حركة عملية في ممارسة العنف".(فرانز فانون)

 

 

إن القارة الإفريقية المقسمة اليوم إلى أفريقيا التي تحكمها الأقلية العنصرية، وأفريقيا المستقلة وأفريقيا الاستعمار الجديد، عليها أن تطرح من جديد، وفعلا فإنها تطرح هذه المشاكل بما فيه سخط الجماهير وعودتها للنضال لأجل تغيير الوجه والعمود الفقري لهذه الوضعية. و بن بركة كان يلح على طرح هذه المشاكل في محيط أفريقيا الاستعمار الجديد، كابن من خيرة أبناء المغرب الذي يعاني من وطأة المصالح الأجنبية أكثر من السنوات الأولى التي حصل فيها على استقلاله. إن الاستعمار الجديد، الذي سنعود إليه فيما بعد، أحكم قبضته على هذه الدول بتواطؤ ورضا "سياسيين وطنيين لم يلحوا أبدا على ضرورة استعمال القوة، لأن هدفهم لم يكن هو التغيير الجذري"، "بالنظر إلى الحلول التي يطرحها العنف، فإن النخبة تكون غامضة".

                                                                                         *(فرانزفانون)

يشير بن بركة إلى الخيبة التي أصابت الأحزاب السياسية الوطنية التي حصلت على استقلال بلادها عن طريق المفاوضات، وتأتي هذه الملاحظة من عند بن بركة، بعد ملاحظته بانوراما الحكومات التي لا لون لها، والتي لم تكن غير كراكيز كثيرة العدد داخل منظمة الوحدة الإفريقية. إن نقده لبعض العناصر داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بالمغرب، وهو نقد ذاتي في نفس الوقت، قدمه المهدي بن بركة في الستينات، ظل صائبا في هذا السياق.

" يظهر لي أننا في الماضي قد انزلقنا نحو ثلاثة أخطاء رئيسية، سوف تكون قاتلة لا محالة إن لم نتداركها في الظروف الراهنة ".

- الخطأ الأول، يرجع إلى سوء تقديرنا لأنصاف الحلول التي كنا مضطرين للأخذ بها.

- الخطأ الثاني، يتعلق بالإطار المغلق الذي مرت فيه بعض معاركنا بمعزل عن مشاركة الجماهير الشعبية.

- الخطأ الثالث نشأ عن عدم الوضوح في مواقفنا الإيديولوجية وعن عدم تحديدنا لهوية حركتنا ".

إن الأحزاب الوطنية المترددة التي وصلت إلى السلطة السياسية في بعض الدول الإفريقية لم تعرف كيف تفي بالوعود التي أعطتها للشعب قبل الاستقلال، وأحزاب أخرى انتقلت إلى المعارضة العلنية أو السرية، وجدت نفسها مضطهدة من طرف حكام ديكتاتوريين أو من طرف رفاق الأمس، كان عليها أن تستوعب النقد الصائب للزعيم المغربي، الذي كان يقول : " لا التفاؤل الثوري ولا الثقة الكاملة في النتائج النهائية للكفاح ضد الإمبريالية يجب أن يمنعنا من القيام بتحليل للجزر الخطير الذي تعرفه الحركة الثورية في بعض الجبهات ".

و سبب هذا التراجع يكمن بالنسبة إليه: " بين الطموحات والقدرات الثورية للجماهير الشعبية من جهة والشروط الذاتية التي تمنحها المنظمات الحالية بشعاراتها وبرامجها، التي غالبا ما تكون غير قادرة لدفع الجماهير إلى مستوى المهام التاريخية ".

في أكثر من بلد إفريقي حصل على استقلاله دون كفاح مسلح، فإن شروط العمل الذاتية للمنظمات التقدمية المناهضة للاستعمار الجديد لم تعط انطلاقة حركة شعبية قوية وارثة لتكتيك نضالها، وشاهد على هذا سلسلة الانقلابات العسكرية التي تعرفها القارة الإفريقية، وأفضل تفسير سببي معروف ومقبول هو الضعف الملازم والغريزي للبورجوازية البيروقراطية التي ورثت الحكم عن الاستعمار، وكذلك التناقضات الداخلية التي تعيشها الأحزاب ذات المصدر والبرنامج الشعبي.

 

2)-بعد الاستقلال:
- الاستعمار الجديد أو الاشتراكية أو رأسمالية الدولة
 

إن الفكر السياسي عند المهدي بن بركة يولي أهمية خاصة لتلك اللحظة العظيمة والمليئة بالريبة والشك، وهي يوم إعلان استقلال الدول المستعمرة سابقا، إنها لحظة عظيمة كخطوة أولى، ومع ذلك يذكرنا بن بركة بأن اعتبار الحصول على الاستقلال شيئا تقدميا قد مر، و " فقط يحمل معنى تقدميا المضمون السياسي والاقتصادي لهذا الاستقلال ". وإذا أشرنا إلى أنه ما بين غشت ونونبر 1960 حصلت الدول التي كانت تشكل منظمة "الأفرومالغاشي" على استقلالها من فرنسا، فهي لم تتخل عن كونها تابعة للاقتصاد الأوربي المشترك، وعلينا أن نتفق مع بن بركة على أن غياب صبغة "اقتصادي" بجانب اسم "الاستقلال" يفقده ويفرغه من كل معانيه.

هذه المسألة أساسية لفترة ما قبل الاستقلال ومرتبطة بطبيعة الحكم في الدول الجديدة ولها علاقة بشكل الحركة الوطنية التحريرية التي وصلت إلى السلطة.

يقول بن بركة: " يجب تحديد هل الذين بيدهم الحكم هم تعبير للإرادة الوطنية أم هم ممثلون للمصالح الاستعمارية... المسألة الأساسية في كل حركة وطنية هي مسألة السلطة السياسية: يجب السهر على أن يترجم الاستقلال مباشرة إلى انتقال السلطة الفعلية والكاملة إلى الممثلين الحقيقيين للثورة الوطنية في البلدان المعنية...".

مثال : في سنة 1960 تحولت الوديعة الفرنسية الكامرون إلى "جمهورية الكامرون". وإن الحركة التحريرية التي هيأت الشعب للكفاح المسلح مبكرا في سنة 1955 وعجلت به سنة 1958 تعرضت لهجوم مضاد بدون رحمة من طرف الاستعمار الفرنسي وكراكيزه المحلية. وبعد موت الزعماء "روبين أوم نيبو" و"فليكس مومي". عرفت منظمة "اتحاد شعوب الكاميرون"، التي كانت تقود حرب العصابات خيانات عديدة من بينها خيانة القائد السابق "للماكي" في منطقة "ساناغا – ماريتيم" وحاول نواب رئيس المنظمة التصدي للرجعية غداة شهر يناير سنة 1960، وهكذا ففي مطار "دوالا" بضواحي "ياوندي" كان للضيوف الأجانب للرئيس "أحمادو أحيجو" الذي وضعته فرنسا في رئاسة الجمهورية فرصة مشاهدة الوطنيين الكاميرونيين الذين أطلقوا النار علامة على رفضهم للاستقلال المزيف. والآن أصبحت حكومة الكاميرون السند الثابت لمخططات الاستعمار الجديد، أما منظمة "اتحاد شعوب الكاميرون"، بعد أن راهنت على تطهير ذاتي كان مصيرها المنفى، وهي تحاول الآن العودة إلى الواقع لإخراج الثورة الكاميرونية من الطريق المسدود، ويمكن ذكر عدة أمثلة في هذا الصدد كالنيجر والملاوي وكينيا إلخ...

إن الواجب الأول لكل ثورة وطنية يكمن قبل كل شيء في الاستيلاء على جهاز الدولة وتسخيره لخدمة الشعب. يقول بن بركة: " في أفريقيا كل سياسة لا تمر من استئصال جذور الهيكل الإقطاعي والرأسمالي الاستعماري إنما تخدم مصالح الاستعمار الجديد، رغم ادعائها بالعمل على التصنيع والتخطيط وحتى الاشتراكية".

إذا كانت في بعض المناسبات كلمات مثل "التخطيط" تصلح لرأسمالية الدولة كما يستخدمها الاشتراكيون الطبيعيون، فإن تلك المناسبات هي انتقالية، وإذا كان التخطيط عبارة عن أداة رأسمالية الدولة. "هذا فقط يمكن قبوله عندما تكون القوات الشعبية قد تركت الفرصة تمر دون فرض إرادتها".

 لقد حاولت بعض الاتجاهات الظهور أثناء مناظرة الاشتراكيين العرب التي أقيمت بالجزائر، وكان هدفها الرفع من درجة تزييف وتمييع الفكر الثوري في العالم العربي وإظهار أن البناء الاشتراكي يحقق نجاحات كبيرة في دول مثل العراق، لو كتب النجاح لهذه المناورة لكان من الواجب القبول كذلك بالظاهرة "الفكاهية – المأساوية" المسماة "الاشتراكية الدستورية" للحبيب بورقيبة ... ومن يدري؟ حتى "الميكرو – بورجوازية" المالية القوية بالكويت ستبدأ بأداء دورها بين الاشتراكيين العرب.

يقول بن بركة في هذا الصدد : " إن برنامجا لتنمية قومية شاملة، ليس معناه أن يخدم جميع مصالح فئات المجتمع أو بالأحرى مصلحة إحدى فئات المجتمع دون سواه ا" ويضيف : " وإن دور حزب ثوري في الساعة الراهنة ليس هو رفع يافطة الاشتراكية، وإنما هو أن يثبت الخصائص التي تتميز بها أهدافه القومية الأصيلة عن الاشتراكيات المزيفة التي يملأ طنينها أرجاء القارة الإفريقية، فمن الضروري إذن أن نقاوم بشدة الانحرافات والتضليلات التي تتستر تحت اسم الاشتراكية وهي في الواقع ليست سوى أنظمة شبه فاشية أو إقطاعية أو عميلة للاستعمار ".

ولماذا يملأ الاشتراكيون المزعومون اليوم القارة الإفريقية بأصواتهم الرنانة؟ كيف يستطيعون التحدث في إفريقيا عن الاشتراكية نظام شبه فاشستي –الكامرون والنيجر- أو "دول إقطاعية" أو "ربيب للإمبريالية" – السنغال، كينيا – وأيضا بعض دكتاتوريات البوليس والعسكر؟.

وكما درس المستفرق الهندي (المهتم بالشؤون الإفريقية) "جيتندرا موهان"، ففي معظم الدول الحديثة في إفريقيا، الطبقة المسيطرة هي نتاج تام وخاص عن الوضعية الاستعمارية، تتميز بعدد ضئيل من الأفارقة : قدماء البيروقراطيين من المستوى الثاني في الإدارات الاستعمارية، أصحاب الامتيازات من ذوي المهن الحرة – أطباء، صيدليون، معلمون، أطباء الأسنان، التجار (التجارة الوسيطة) والفلاحون الصغار والمتوسطون (الفلاحة التسويقية). لا يتعلق الأمر ببورجوازية وطنية بحصر المعنى، ذلك أن أسلوب الاستغلال الاستعماري تفادي احتمال تراكم الرأسمال في أيدي افريقية. لكن بفضل الفرص الوحيدة للتعليم والأداء السياسي المتوفرة من قبل الاستعماريين، تميزت هذه الطبقة المسيطرة بـ "وعي طبقي متفوق" على وعي جماهير الفلاحين والعمال التابعين لنظام العمل المتنقل السائد في إفريقيا، نفس التردد في مواقفهم الفاصلة ينعكس في تصرفاتهم السياسية قبل الاستقلال وبعده.

وبالرغم من أن الطبقة الإفريقية المسيطرة حاليا كانت هي صوت الدعوة الوطنية إلى الاستقلال، فإن هذه النزعة الوطنية لم تكن تعبر عن أكثر من رغبتها وقرارها لتصفية الحكم الاستعماري الذي كان بأي حال يقمعها في مستواها الثاني، ثم لممارسة السيطرة السياسية والاقتصادية والاجتماعية على شعبها ذاته. هذه المجموعة لم تر في الحصول على الاستقلال المرحلة الأولى للتحرير الشامل للبلاد، وهذا الاستقلال لم يكن سوى نقطة الانطلاق لنموها التام كطبقة مسيطرة، لم تحاول إذن تحطيم النظام الاستعماري، بل تعويض النخبة الاستعمارية الأجنبية بنخبة إفريقية، ومن ثمة جاءت دعواتهم المتكررة بأفريقانية الإدارة، ومع ذلك، ففي قارة تعتمد على الفلاحة ويشكل الفلاحون غالبية سكانها، فإن عصرنة الفلاحة والفلاحين هي أساس كل تقدم. إن الطبقة الحاكمة في الدول الحديثة، بدون قوة أخرى اقتصادية، لأن الباقي لا يزال في أيدي أجنبية، عليها أن لا تكل في محاولة إقناع الجماهير بالدور المسير للدولة في النمو الاقتصادي، كما ستطلب منهم بذل مزيد من التضحيات، يجب في نفس الوقت أن تذكرهم بتأكيد بمدلول "الوحدة الوطنية"، حينذاك سيظهر مفهوم "الاشتراكية الإفريقية"، الذي سيعبر بإيقاع عن "المساواة، ورفاهية الأمة، وتقديم كل ما هو اجتماعي، تقليدي وجماعي على المصلحة الفردية". كل ذلك مصحوب بالنداء المتكامل لـ "إفريقيا بدون طبقات".

إن مسيرة النمو في أفريقيا، تجعل بالخصوص مفهوم التخطيط مقبولا بالنسبة للطبقة المسيطرة التي تتحدث عن "الاشتراكية الأفريقية" و أيضا عن الجماهير المعدومة و الطامحة في الحصول على منا فع الحياة العصرية – و هكذا فا لتخطيط يتحول كما قال أحد الاقتصاديين  إلى معوض للتغيير الجدري للبنيات ، أو بعبارة أخرى للثورة الأفريقية.

لقد أشار بن بركة إلى أنه "لابد من مرور فترة طويلة أو قصيرة بين نهاية معركة التحرر السياسي وبين النقطة التي يمكن أن تنطلق منها حركة ثورية حقيقية، وغالبا ما تطول هذه الفترة اللهم إلا إذا استطاعت الحركة التحريرية أن تحطم هيكل الدولة الاستعمارية مثل ما وقع في "فيتنام الشمالية".

 

3) - التغييرات الطارئة على الاستغلال الإمبريالي لإفريقيا

 –  مساوئ النمو

 

إذا بحثنا في الماضي، كيف تحققت هذه الاستقلالات الإفريقية بعد الحرب العالمية الثانية، إذا استثنينا الأمثلة المعدودة في مصر سنة 1952 و"غانا" 1957 (مع تحفظات بسبب الوقت الذي مر بين حملة العمل الإيجابي لسنة 1950، وبالقبول التام لحكومة "نكروما" من قبل الإدارة الاستعمارية البريطانية في مارس 1957)، في "غينيا" 1954 والجزائر 1962، إن الكفاح المسلح الطويل هو الضمانة الأفضل، والثورات المجهضة بطعنة الحربة وحيل وكيد الأوروبيين في الكامرون والنيجر والمالاوي، وكينيا والكونغو " لابد من طرح هل جاءت هذه التحررات بفعل الانتصار على المستعمر أم بالتعاون معه ". علينا أن نأخذ في اعتبارنا، عند تقييم أو إصدار حكم على الدول الإفريقية والشرق أوسطية حاليا  " إن ما كان غير نزعة إمبريالية بين الحربين العالميتين (خلق المملكة المستقلة بالعراق سنة 1932 مثلا) تحول إلى سياسة مدركة بوضوح ومطبقة بمواظبة، حيث برز المصطلح المعروف بـ "تصفية الاستعمار".

إن التفسير الاقتصادي لبن بركة يأخذ قاعدته في التغييرات الطارئة على الاستغلال الإمبريالي لإفريقيا بعد الحرب العالمية الثانية و" لم يكن هذا الاتجاه الجديد مجرد اختيار في السياسة الخارجية للدول الأوروبية، بل هو تعبير عن تطوير عميق في أسس الرأسمالية الغربية ذاتها نتيجة لما حدث بعد الحرب العالمية الثانية من تغيير في أوربا تحت تأثير مشروع "مارشال" والتداخل المتزايد للاقتصاد الأمريكي مع الاقتصاد الأوروبي مما جعل هذا الأخير يفقد خصائص القرن 19 التي كانت تميزه، ويحاول التشبه برأسمال الولايات المتحدة، فمن الطبيعي إذن أن ينهج نفس الأسلوب فتبحث أوربا عن أمريكا اللاتينية خاصة بها ". وعن نماذج "الخطة الجديدة" أو الاستعمار الجديد مع متاعب التخلف الذي تركه الاستعمار القديم، والتي يعبر عنها بمصطلحات "الاشتراكية الإفريقية" و"التخطيط" تبرز الحقائق المؤسفة لهذه الجمعيات الإقليمية "من أجل النمو الإقليمي" معلومة حاليا من قبل الإمبريالية الأمريكية كما كانت من قبل من طرف أوربا، كالاتحادات الجمركية لإفريقيا الغربية وإفريقيا الاستوائية، الفرنسيتين سابقا، وكذلك مشروع نهر السنغال، وأيضا مشروع (الميثاق) التحالف، كإتحاد أفريقيا الشرقية والمنظمة الإفريقية الملغاشية المشتركة، بحيث أن تجسيد أسلوب العمل الاستعماري الجديد ذي الطابع الأوروبي هو بلا ريب معاهدة ضم الدول 18 الإفريقية إلى الجمعية الاقتصادية الأوروبية، أو اتفاقية "ياوندي" [التي انتهت سنة 1969].

إن لفظ النمو يستعمل كتبرير لأية اتفاقية أو التزام للاستعمار الجديد : "حقيقة عميقة، إلى الآن مخيفة، ولكن أساسية " في نظر بن بركة، وأفكاره في ما يخص هذا الجانب يمكن أن نوجزها في الأسلوب التالي :

1) الوسيلة الوحيدة لتجنب فسخ تعبئة الجماهير الإفريقية بعد الحصول على الاستقلال (الممنوح والفارغ) هو إقناعها بأن هذا الاستقلال يقاس بمدى العمل الذي تبذله لأجل النمو والتقدم.

2) يجب رفض التعبير الحسابي للنمو في عالمنا "هناك جانب إنساني – اجتماعي وثقافي يهم إطلاقا تحديده للوصول إلى تحليل ملائم..

3) انطلاقا من النقطة الثانية، "الطريق السليم هو الذي يعد الرجال وفي نفس الوقت الأشياء لأجل نمو مستقل، وفي المستوى الثاني أكثر ضمانا وفعالية".

 

4)-الحياد

 – عدم الانحياز

 

إن مثال عدم الانحياز الإفريقي – الأسيوي الذي نشأ في باندونغ عام 1955 عرف تجارب ساخنة في سنة 1956 (السويس) 1960 (الكونغو) 1962 (أزمة  الكاريبي) و 1964 (الفيتنام). وفي صيف 1967 واجه أزمة الشرق الأوسط، في الوقت الذي تقلص فيه عدد زعمائه المرموقين دوليا : وفاة "جواهر لال نهرو"، الإطاحة إثر انقلاب عسكري "بسوكارنو" و"قوامي نكروما"، الرئيس جمال عبد الناصر كان يجتاز فترة دقيقة من حياته الرئاسية، لم يجن في تلك الأوقات سوى ثمار قليلة من روابطه القديمة مع غير المنحازين، داخل العالم العربي ساندت سوريا والجزائر ج.ع.م بينما قوات أخرى داخل الجامعة العربية تتحرك لعقد "سلم إقليمي" الذي يضع خطر المشاركة بين حكومة ج.ع.م. والفلسطينيين، وثوار شبه الجزيرة العربية [ثوار ظفار وعمان. وقد تمكنت قوات قابوس من مراقبة هذه المناطق]. وهكذا فمؤتمر قمة الخرطوم المنعقد في شتنبر 1967 كان مثالا واضحا للاواقعية عدم الانحياز العربي الذي لم يستطع إيقاف الاعتداء الإسرائيلي فقط، وإنما الآن يتردد في إعلان الحرب الشعبية لطرد جيش الاحتلال الصهيوني. "الحياد –كما قال بن بركة- كان له في فترة معينة دلالة واضحة عندما كان دالاس وزير الخارجية الأمريكية ينعته باللا أخلاقية وكان يرمز إذ ذاك إلى اختيارات واضحة في ميدان السياسة الخارجية بالنسبة للمستقبل. فلقد كانت المعركة ضد الاستعمار محدودة جغرافيا ومتواضعة في أهدافها الاقتصادية، ولكن الدول القليلة التي كانت ترفض إذ ذاك الانحياز المطلق للكتلة الغربية هي التي فتحت سبيل التحرر في وجه بقية الشعوب". لكن السنوات مرت، والاعتداءات الإمبريالية تزايدت، وحركة التحرير الوطني للقارات الثلاث قطعت مختلف جوانب سياق النضج الإيديولوجي في وقت سريع. لذلك يضيف بن بركة "ولكن بعدما اتسعت أرجاء المعركة ضد الاستعمار واضطرت الدول الغربية كنتيجة لخطة الاستعمار الجديد أن تسمح لمستعمراتها السابقة أن تعلن ظاهريا سياسة عدم الانحياز لم يعد يجدي الاكتفاء برفع شعار الحياد، بل أصبح المهم اليوم هو المواقف الواضحة إزاء كل مشكل محدد".

 

5)-الوحدة
 

إن أطروحة بن بركة حول الحاجة لجعل عدم الانحياز "باندونغ" يساير العصر لها صلة مباشرة مع مشكلة أخرى تزعزع بعض العناصر التقدمية في إفريقيا والشرق الأوسط. مشكلة الوحدة، كما وكيف تطرح في الجامعة العربية، وفي منظمة الوحدة الإفريقية، الأحداث في الشرق الأوسط خلال حرب يونيو وبعدها، وفي إفريقيا جنوب الصحراء بعد سلسلة الانقلابات العسكرية، والتصريح الانفرادي بالاستقلال المزعوم من جانب العنصريين الرودسيين في 11 نونبر 1965 [استقلت حاليا وأصبحت تعرف بزمبابوي] وضعت أفكار مؤسسي الدول المستقلة في العالم العربي والإفريقي في قفص الانتقاد، ولم يفلت أي اجتماع للجامعة العربية أو لمنظمة الوحدة الإفريقية من شر عدم التماسك بين القول والفعل، بين اليمين واليسار بين النظرية والتطبيق. الوحدة عند بن بركة يجب ملاحظتها بين واقعين : وحدة قد تحققت، وهي للإمبريالية (يعني وحدة الاستغلال والعبودية)، والانشقاق وليد الإمبريالية التي تنهش القارة حسب شهوات ونزاعات الاحتكارات الرأسمالية، الوحدة – يضيف الشهيد المغربي – يجب ربحها رويدا رويدا في صيرورة الصراعات العويصة، وليس اعتبارها خلاصة النتائج المحصلة. وبالرغم من أنه يقبل بأن تصفية النظام الاستعماري والانسجام المتدرج للسياسة الاقتصادية هما غاية العمل المضني، بالإمكان إذا توبع العمل بحزم، ومن جهة أخرى يشير "وقد أدرك الاستعمار خطورة هذا الشعار فقد يتسابق في اتجاه معاكس مع الجماهير الإفريقية وقادتها وطرح شعار الوحدة الفورية الشكلية على مستوى القارة، أو في المجالات الإقليمية، وهو بذلك يسعى فقط لتثبيت الأوضاع أي سيطرة الاستعمار، وإن خطورة هذا الأسلوب تحتم على المنظمات الثورية أن تقاوم هذا المفهوم الفاسد للوحدة الذي لن ينتج عنه سوى تدعيم الأنظمة الرجعية وإعطائها وجها يخفي تبعيتها للاستعمار الجديد".

ولمواجهة الإصلاحية التي تساعد النسق الرأسمالي الاستغلالي على الاستمرار، يقول بن بركة: "إن سياسة مناهضة للإمبريالية في الداخل كما في الخارج وحدها ستسمح لنا بأن نكون في مستوى مهامنا".

 

-أرما ندو انطرالغو
 Pensamiento Critico, N° 11 -1977                     

عن المجلة الكوبية الفكر   الناقد عدد 11                                                                               

 

 

 

لماذا لا نفهم ديننا

التفاصيل
كتب بواسطة: شريف عفيفي
نشر بتاريخ: 21 أغسطس 2002
انشأ بتاريخ: 21 أغسطس 2002
الزيارات: 4

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله وحد والصلاه والسلام علي من لا نبي بعده

نجد الان العديد من الشباب بعيدين عن المنهج الصحيح للدين الاسلامي بل ويجادلون في امور دينيه محسومه  ونجد اخرون لا يعرفون ما هو الطريق الصحيح الذي لا بد ان يسلكوه فعلا فهل العيب في نياتنا ام في جيناتنا

تعدد القنوات الدينيه

هل اصبح من الصعب علينا الان معرفه حقيقه ديننا

  وجود العديد من القنوات الدينيه والتي ينبثق منها العديد من الفتاوي والتي اسميهافتاوي غير مسئوله سبب تشتتناوازدرائنا للوراء

فهي فتاوي لا تخرج من داعيه اسلامي تعلم في الازهر الشريف وتخرج منه

التشتت الذهني

من يتحمل المسئوليه

حينما يخرج علينا رجل من الازهر ويقول مثلا الاغاني حلال ولبس الحرير حلال

او عندما يخرج علينا اخر ويقول لا يوجد ما يسمي بالدوله الاسلاميه وان ابو بكر الصديق لم يتم اختياره لانه اكثر الناس فقها وانما لانه اكثر قدره علي الحكم في ذلك الوقت

هذا كلام من علماء ازهرييين فما بالكم بأشخاص عاديه وطلاب  في جامعات بالتاكيد ستكون الحاله اسو

الوجه الحقيقي للدين

كثيرا من الشباب الان يتبع هواه فوالله ان هذا الدين نزل ليحكم البشر

  لا للتفريق والتشتيت بينهم

فأتباع السنه واوامر الرسول هي التي ستهدينا الي الطريق الصحيح ولكن التنطع في الدين حتي يتماشي مع الهوي هذا امر لا يليق بامه محمد

وهذا وبالله لاتوفيق

        الامضاء

                                                  شريف عفيفي

طالب بأكاديميه اخبار اليوم قسم صحافه 

مسألة المدرسة

التفاصيل
كتب بواسطة: عبد الله العبادي
نشر بتاريخ: 15 أغسطس 2002
انشأ بتاريخ: 15 أغسطس 2002
الزيارات: 4

  مسالة المدرسة:
الوصل والفصل بين التربية والتنمية.

عبدالله العبادي
 باحث سوسيولوجي  فرنسا
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الحديث عن المستقبل، يضعنا أمام أنفسنا، أمام واقعنا المعاش، والحديث عن الغد هو حديث عن أطفال يولدون اليوم، والحديث عن الطفولة هو حديث عن التنمية والتي تعني تنمية الظروف المادية للحياة وتنمية الجوانب الروحية والثقافية سواء بسواء.
وهكذا لايمكن الحديث عن تنمية دون الحديث عن التربية. فهي أساس التنمية وركيزتها، فالمفهومان لابد أن يتقاطعا في نقطة واحدة وأن تتحد مسيرتهما على خط تصاعدي في حركة التطور. وإذا لم يحصل التفاعل والانسجام بين التنمية والتكوين الدراسي للطفل فلن يمكن الحديث عن المستقبل. لأن الطفل لازال نسبيا في نظرة مجتمعنا مجرد مخلوق بريء  يدخل السرور ويثري الحياة الزوجية بنكهة خاصة، الطفل في مجتمعنا الحالي لم يرق في وجداننا إلى ذلك المستوى المطلوب ليصبح قضية وهاجسا.
لقد كان أكبر دليل على العلاقة القائمة بين تنمية المجتمعات والتربية أو الثقافة ماجاءت به التوصية رقم 27 من إعلان مكسيكو أثر المؤثمر الدولي للسياسات الثقافية الذي عقد بإشراف اليونسكو في المكسيك سنة 1982 : "   إن الثقافة تشكل جزءا جوهريا من حياة كل فرد وحياة كل جماعة وأن التنمية التي يجب أن يكون هدفها الأول منصبا على الإنسان، يجب أن يكون لها بعد ثقافي ". فبدون تربية لايمكن الحديث عن الغد، والأطفال في كل أمة يشكلون نصف الحاضر وكل المستقبل، وكل الجهود يجب أن تنصب على عملية التنشئة الاجتماعية. والتنشئة تعني العمل للمستقبل. والوقفة المستقبلية تلائم التربية كل الملائمة. ولنعين المعنيات ببعض المسؤولية والموضوعية لكي لانقع في مملكة الأوهام. لن يخرج عالم الغد من المدرسة حتى لو أخدت في أوسع معانيها، فالمدرسة واحد من عوامل التطور المجتمعي، ولكنها ليست العامل الوحيد، ومفهوم الإعداد يجب أن ينفسح على نحوين : إعداد عالم الغد وإعداد الأطفال لعالم الغد .وعالم الغد هذا الذي يتحدث عنه ميالاريه ليس العالم العفوي التلقائي، بل عالم مخطط له بشكل جيد وذلك عن طريق عملية التنشئة الاجتماعية وتربية فعالة تضمن كل الحقوق والواجبات لأطفال اليوم.
إن دراسة من هذا النوع حول التربية والتنشئة الاجتماعية والتي تنتمي إلى حقل سوسيولوجيا التربية ليس بالأمر السهل، وذلك لانعدام الدراسات الجادة في الميدان في مجتمعنا. حول الطفل والتربية، وليس من المنظور البيداغوجي والاستراتيجيات المفاهيمية التعليمية كما يرى ذلك علماء التربية، بل يجب أن تدرس وتؤخد بعين الاعتبار ليس فقط ميكانيزمات التلقين وكيفية التعليم، ولكن كل ما يتعلق بالمؤسسات التي تؤثر من بعيد أو قريب على تنشئة الطفل، وسوسيولوجيا التربية هو ذلك العلم الذي يطبق مبادئ علم الاجتماع على التربية ويعتبر أن التربية تمارس تأثيراتها لا في المدرسة وحدها ولكن من خلال مؤسسات اجتماعية أخرى متعددة مثل الأسرة والبيئة المحلية والمجتمع القومي وما يوجد فيه من وسائط ثقافية أخرى.  وميدان سوسيولوجيا التربية يتميز بالانفتاح والنقد والتساؤل المنظم حول الشروط السوسيوثقافية العلمية لاكتساب المعرفة ومن هنا نصل إلى القول بأن البحث في التربية يتجه نحو وضع المؤسسة التعليمية والأسرية وغيرهما من القنوات التربوية موضع تساؤل مستمر، وسوسيولوجيا التربية كفرع من فروع علم الاجتماع تتميز بتعدد القضايا التي تشتغل عليها وبقوة نقدها ويقظتها المعرفية وهدفها التطوري والقفز عن كل سلبيات الحاضر، فالاهتمام بقضايا التربية هو قديم قدم التفكير الإنساني نظرا لما تشكله من دور فعال وثقل في تطور المجتمعات، إنها باختصار المرآة التي تعكس الصورة الحقيقية لأي مجتمع كان. والتربية ظل يطبعها دائما طابع العمومية والمثالية حتى ظهور المجتمع الصناعي حيث أضحت الحاجة ضرورية لظهور مؤسسات تهتم بعالم التربية والتنشئة الاجتماعية وعلى رأسها المؤسسة التعليمية كمتمم لدور الأسرة وكبديل في بعض الأحيان.
والدارس في حقل سوسيولوجيا التربية يجد نفسه دائما أمام تساؤل مستمر عن علاقة التربية بالعوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية وكل المؤسسات الاجتماعية التي تهدف إلى تنشئة الطفل، وكلها عوامل تتميز بكثير من التداخل والتناقض وعدم الوضوح.
إن بدايات هذا العلم وتعريفه تعود إلى نهاية القرن التاسع عشر، ومع دروس  E. Durkheim  والتي نشرت بعد وفاته تحت عنوان التربية الذهنية، والتي ضمت تعريفا للتربية كما تضمنتها أيضا مؤلفاته الأخرى، إلى جانب دراسات  Paul Lapie حول المدرسة والحراك الاجتماعي وكذا Sorokin. كما صادف ماركس Marx Kأيضا المدرسة في تحليلاته الاقتصادية في رأس المال وعند نقده لمخطط Gotha. كما عالج M. Weber أيضا العلاقات والروابط بين أنواع تنظيمات السلطة وأنواع الأفكار التربوية في الاقتصاد والمجتمع.
إلا أن دوركهايم كان الأكثر تأثيرا باتجاهه الإصلاحي الإنساني حيث يحدد موقفه من التربية على أنها شيء اجتماعي chose sociale.يعني أنها تضع الطفل في وضع مباشر مع مجتمع محدد، وأنها تطبيع اجتماعي Socialisation . ويضيف Durkheim في تفسيره لماهية التربية فيقول : التربية هي الفعل الممارس من طرف الجيل البالغ على الأجيال التي لم تتأهل بعد للحياة الاجتماعية وهدفها أن تنمي في حالاته الفيزيائية والثقافية والذهنية التي يحتاجها هو والمجتمع السياسي في مجمله والمجال الاجتماعي الذي ينتمي إليه. والتطييع الاجتماعي الذي يتحدث عنه Durkheim هو تلك الآلية التي يتم من خلالها دمج الناشئة ضمن نسيج نمط حياة سائد في المجتمع.وفق متطلبات كل نمط وتوافقاته العلائقية والمعرفية. والتطبيع الاجتماعي عملية ثنائية الجانب :
*    استيعاب الناشئة للتجربة الاجتماعية بالدخول في البيئة الاجتماعية. في نظام العلاقات الاجتماعية.
* عملية تجديد انتاج نظام العلاقات الاجتماعية من طرف الناشئة.
             ويؤكد Durkheim على دور الدولة في الإاشراف على التربية باعتبارها الساهرة  على تسيير المؤسسات التربوية لخلق ذلك الانسان المطلوب والمرغوب فيه اجتماعيا. ولذا يرى Durkheim أن هدف التربية تحقيق الإنسان لا كما خلقته الطبيعة. وإنما هو الإنسان كما يريد المجتمع أن يكون. ولذلك فهو يقول : في كل منا يوجد كائنان لا يمكن الفصل بينهما  إلا على نحو تجريدي، أحدهما نتاج كل الحالات الدهنية الخاصة بنا وبحياتنا الشخصية وهو مانطلق عليه الكائن الفردي، أما الكائن الآخر فهو نظام من الافكار والمشاعر والعادات التي لا تعبر عن شخصيتنا بل عن شخصية الجماعة والمجتمع الذي ننتمي إليه كالعقائد الدينية والممارسات الأخلاقية والتقاليد القومية والمشاعر الجمعية من أي نوع، وهي تشكل في مجموعها الكائن الاجتماعي الآخر. وبناء مثل هذا الكائن الاجتماعي يمثل في نهاية المطاف هذف التربية وغايتها.
وهناك اتجاه آخر في التربية وهو اتجاه اقتصادي في التربية ويعني الاستثمار في التربية حيث لجأت بعض المجتمعات إلى جعل التربية في خدمة الاقتصادي وهو ما أفقد التربية قيمتها الثقافية والانسانية وجعلها ماكينة لإتناج روبوات جاهزة لسوق الشغل.بعيدا كل البعد عن المعايير الاخلاقية التي تنبني عليها التربية. بل يركز هذا الاتجاه فقط في تلبية حاجيات السوق.مما جعل التربية في مفترق الطرق بين اقتصاد السوق والتنشئة الاجتماعية.
إلا أن قصور الاتجاه الأول إن لم نقل فشله. لدوره المحافظ. وكذا احادية التأثير التي دعا إليها. وهذه الاحادية تتمثل بتوجيه عملية التطبيع الاجتماعي العلائقي من المجتمع إلى الفرد فقط. وأيضا فشل الاتجاه الثاني تربويا. أدى إلى ابراز أهمية اتجاه آخر  احتل مكانة مرموقة في تاريخ سوسيولوجيا التربية وهو الاتجاه النقدي الذي يمـثـلـه رائـــــداه J. c. Passeron و  P. Bourdieu حيث يؤكد ذلك  François Dubet بقوله : فرضت سوسيولوجيا التربية كما عرضها Bourdieu و  Passeronفي كتابهما الورثة Les héritiers نفسها كأنمودج Paradigme فعلي، أنها نظرية  كلية يتحدد اتجاهها كل واحد مؤيدا كان أم معارضا لها وينبغي فعلا أن نعترف بأن جل علماء الاجتماع كانوا ولمدة طويلة مؤيدين لهذه النظرية. معتبرين أعمالهم إما كامتداد أو كتوضيح لها، كما هي معروضة في كتاب إعادة الانتاج La reproduction إنها قلب نـقـدي للمـفاهــيـم الكـلاسـيـكـيـة عـــن الــمدرسة والتربية . إنها نظرية من القوة بمكان، بحيث لم تعوض بأية نظرية آخرى في مثل صلابتها  وتماسكها ورحابتها،  وكل عالم اجتماع التربية، وهو يمر عبر هذه النظرية يستفيد منها ويقارن داته اتجاهها. إذ لاوجود بالفعل لنظرية آخرى هي في الآن نفسه، نطرية عن المدرسة، ونظرية عن الحركية الاجتماعية Mobilité sociale ، ونظرية عن المجتمع ونظرية عن الفعل، لقد انطلق الباحثان من مفاهيم ماركسية كمفهوم صراع الطبقات واعادة الانتاج والاستغلال، حيث تمت دراسة التعليم ودوره في الاقتصاد والانتقاء والتهميش للطبقات الدنيا... إلاأن  المشهود لهم هو اثارتهم لمواضيع مهمة ومعقدة ومسكوت عنها باستفادتهم من الإرث الماركسي للكشف عن أسرار الظاهرة التربوية بمختلف جوانبها. واعتمدوا حصائيات ميدانية عن علاقة المدرسة بالوضع الاجتماعي وكان كتابهم الورثة زاخرا بالاحصائيات والنتائج عن ولوج الطلبة للمعاهد والجامعات. إن أساس الارث الثقافي ينتقل بطريقة غير مكشوفة  وغير مباشرة وفي غياب أي مجهود منهجي أو أي  فعل ممارس.وهو دليل على التفاوتات المعرفية بين الطلبة المنحدرين من عائلات ميسورة وأولئك الذين ينتمون إلى طبقات مهمشة، ويضيفا، أن الاختلاف  الذي يفصل بين الطلبة في ميدان الثقافة الحرة يعود دوما إلى مواهب أو تفاوتات طبقية.
وبذالك يرون على أن الفوارق الاجتماعية والطبقية ترجع أساسا لعدم وجود تكافؤ فرص ولوج المدرسة، ويواكبان فيما بعد خيبات الأمل الناتجة عن ظاهرة تعميم التعليم على مختلف الشرائح الاجتماعية، ولكن لاسبيل كما يرى الباحثان من الدرسة باعتبارها الطريق الوحيد بالنسبة لابناء الطبقة المهمشة لولوج عالم المعرفة، وفي الآخير المدرسة لا يمكنها إلا أن تضمن وترسخ بقوة واقعا طبقيا.
إضافة إلى هذين الباحثين باعتبارهما رائدين لسوسيولوجيا التربية الفرنسية نجد باحثا آخر وهو Raymond Boudon بكتابه الشهير اللامساواة في الحظوظ L'inégalité  des chances يحاول من خلاله ايجاد العلاقة بين التربية والحراك الاجتماعي أي عدم تكافؤ الفرص بالنسبة للتعليم والحراك الاجتماعي في احتمالية ولوج مختلف المستويات السوسيومهنية، أما المقاربة المنهجية فتحدد في تحليل الانساق كما يصرح بذلك Boudon  فيقول : نعتمد منظور تحليل الانساق، وننطلق من مبدأ  أساسي يعتبر بأن اللامساواة في الحراك الاجتماعي نتيجة مجموعة معقدة من المحددات التي لا يمكن عزل بعضها عن البعض الآخر، وإنما يتعين النظر إليها كنسق. وفي تحليله للحراك الاجتماعي وعلاقته بالتطور يستدل بدراسات Sorokin نتيجة في هذا المجال فهو يعتبر الحراك الاجتماعي نتيجة معقدة لتصفية الأفراد بواسطة متتالية تحددها المؤسسات الموجهة وطبيعة وعدد وأهمية هاته المؤسسات تختلف من مجتمع إلى آخر. إلا أنه يجمع في الأخير على دور المؤسسة الأولى الأسرة وكذا المدرسة في عملية الحراك الاجتماعي أو عندما يتعلق الأمر بتحديد المستوى الثقافي والمدرسي وبصفة عامة المؤهلات المدرسية للطفل.
إلا أن سوسيولوجيي التربية يجمعون على أن التربية والتنشئة الاجتماعية  للناشئة لايمكن تحقيقه إلا في إطار علاقات تبعية متبادلة Interdépendants بين جميع مكونات المؤسسات التوجيهية الساهرة على التربية والتنشئة ويصلون في الأخير إلى اختزال  هاته المؤسسات في اثنان المؤسسة الأسرية، المدرسية ثم تأثيرالبيئة الاجتماعية، إلا ان التبادلات أو العلاقات بينهما ليست دائما محققة ولها نفس الهدف. ولكن في أفق تحقيق هاته التربية المأمولة تبقى أيضا العلاقات سارية المفعول بينهما ولو بشكل متفاوت.إلا أن عوامل التربية تختلف حسب سن الطفل بحيث تكون الأسرة ذات أهمية في السنوات الأولى من حياة الطفل، ثم تقسم المدرسة هذا الدور مع الأسرة بعد ذلك في سن متوسط ثم تأثير المحيط الاجتماعي في وقت متقدم. لهذا يجد الطفل نفسه متمركزا بين مؤسسات مختلفة كل واحدة تعتبر نفسها كمركز بالنسبة للمؤسسات الأخرى وظهور هذه المؤسسات جاء نتيجة رغبة المجتمع في تنظيم مقاطع داخل المجتمع بهدف معالجة إشكالية التربية وتجلياتها التي ينبغي تنظيمها وتأطيرها.
فالتربية إذن من خلال هذا الشكل هي تفاعلات عديدة ومتبادلة بين مؤسسات المجتمع، فهي تهدف إلى إعداد الكائن الاجتماعي، ويرى Durkheim في كتابه قواعد المنهج السوسيولوجي انها المسؤولة عن إتاحة فرص النمو لكي يتحقق في هؤلاء الأفراد ألوانا من الفكر والعاطفة والسلوك، التي ما كان يستطيع تمثيلها بنفس الدرجة والمستوى لو ترك وشأنه، ويضيف أن الموضوع الحقيقي للتربية ليس شيئا آخر غير إعداد الكائن البشري، والتربية عملية تعليم وتعلم لأنماط متوقعة من السلوك الإنساني  فهي بذلك عمل إنساني وليست شيئا يمتلكه الأفراد ولكنها عملية لها مراحلها وأهدافها، والطفل يرث بعض الأسس البيولوجية عن الآباء ولكنه يكتسب المكونات النفسية والاجتماعية لشخصيته عن طريق التربية، ليكون عضوا فعالا داخل المجتمع. وهو تعبير عن اجتماعية التربية، حيث يتمثل عطاء التربية للمجتمع من خلال :
* إعداد النظم الاجتماعية بالقوى البشرية.
* تطوير ثقافة المجتمع.
الضبط الاجتماعي : le contrôle Sociale ويعرفه George Gurvitch بأنه : مجموعة النماذج الثقافية والرموز الجمعية والمعاني الروحية المشتركة والقيم والأفكار والمثل وكذلك الأعمال والعمليات المتصلة بها مباشرة والتي بها يستطيع المجتمع والجمع وكل فرد أن يقضي على الصراع والضيق الحادثين في داخله عن طريق اتزان مؤقت. وأن يتخد خطوات نحو جهود مبتكرة ذات آثار فعالة.
والتربية تأخد بعين الاعتبار الفرد من كل النواحي : المعرفية، العاطفية والتأثيرية، وشخصية الفرد المعاصر شخصية متعددة الأوجه معرض لأنظمة أدوار مختلفة منغلقة ومتطورة، مطالب بإمكانية الاختيار والتي في مجملها متضادة تجعل كل محاولة من الخطر بمكان من أجل تحقيق مستقبله في ظل ترسيمات احتمالية . ويرى John Dewey أن للتربية ثلاث أهداف : التطور الطبيعي Le développement naturel والفعالية الاجتماعية l'efficacité Sociale والثقافة la culture  وتربية المجتمع هي تربية عقلية بالأساس وهاته الأخيرة  هي التي تضع الفرد في خدمة تطوعية للجماعة ، وهذا ما يظهر جليا من خلال البدايات الأولى للتربية في المجتمعات القديمة وهي تربية غير مقصودة حيث تتم بمشاركة الأطفال للكبار في العمل وبعد إتقانه يصبح الطفل  عضوا في الجماعة، شيئا فشيئا بدأت تظهر بعض الحرف أو شبه مهن. لها معتنقوها كالذين يتعاطون للسحر وآخرون يمارسون الطب، هؤلاء كانوا يكونون نظاما له تقاليده وتعاليمه أصبحوا فيها بعد جماعة للتعليم وتم بعد ذلك الانتقال من التربية الغير المقصودة إلى التربية المقصودة وهذا التمييز بين خبرات التعليم والخبرات العادية أدى إلى انفصال الخبرات التعليمية عن أنشطة الحياة العادية، وبدأ بذلك الظهور الأولي للمدرسة إلا أن هذا لم يكن السبب الوحيد في ظهور المدرسة بل كذلك تراكم الثرات التقافي واختراع الكتابة... وإذاكانت التربية هي وسيلة الجماعات الإنسانية للسيطرة على بيئتهم فإن الكتابة كانت وسيلة التربية لهذه السيطرة الاجتماعية وكانت المدرسة عند الإغريق تعني وقت الفراغ، مما يعني تخصيص وقت الفراغ للتعلم مما يدل على انفصال المدرسة وتمييزها عن الحياة. إلا أن هذا التطور في التربية المقصودة لم يقض نهائيا على التربية الغير المقصودة فحتى وقتنا الحاضر لازالت التربية عن طريق الصبينة هو النوع السائد لدى السواد الأعظم من أفراد المجتمع. وكذا دورها في تشكيل شخصية الطفل حيث يقضي ساعات محدودة داخل القسم والباقي خارجه وهذا دليل على أهمية التربية الغير المقصودة. وهكذا بدأت التربية تعود من خلال المدرسة مرة أخرى لتتصل بالحياة بعد أن بدت منفصلة عنها. وبعد أن كانت غاية في داتها، فالتربية في الوقت الحاضر تتصل بالحياة اتصالا وثيقا ولاتنعزل عن المجتمع الذي تخدمه، ولذلك أنشأ المجتمع المدرسة كمؤسسة اجتماعية لتقابل حاجة من حاجاته الأساسية، وهي تطبيع اجتماعي للأفراد لجعلهم أفرادا صالحين في المجتمع، وهي مؤسسة اجتماعية إلى جانب مؤسسات أخرى، ويقول في هذا الصدد Kel Patrick  في فلسفة التربية : أن المؤسسات الاجتماعية هي جميع التنظيمات الاجتماعية التي تنظم علاقة الأفراد بعضهم مع بعض هادفة من ذلك إلى تحقيق حياة أفضل . ولكل مؤسسة من هذه المؤسسات اهداف تعمل على تحقيقها في ظل نظام ثقافي سائد لتقوم بدورها في النظام الاجتماعي العام وبوظيفتها الاجتماعية داخل المجتمع، وتعمل على انسجام الفرد في الاطار الثقافي العام. 
   

اشعاع الحضارة المغربية

التفاصيل
كتب بواسطة: د . عفاف بنانى
نشر بتاريخ: 06 أغسطس 2002
انشأ بتاريخ: 06 أغسطس 2002
الزيارات: 5

المغرب هو القطر العربى الوحيد...الدى يملك منفدا مزدوجا يطل على محيطين عالميين..وقد تعزز هدا الوضع الاستراتيجى يوم اصبح مضيق جبل طارق...ممرا حيويا بين اقطار المتوسط والعالم الجديد..
وما لبث المغرب ان اظطلع..بفضل هدا الوضع الممتاز...بمهمة الوساطة بين عالمين..حيث اصبح نقطة اتصال بين حضارتين ما فتئتا تتفاعلان مند قرون..ولعل هده الميزة هى التى ساعدت على اشعاع حضارتنا فيما وراء البحار..حيث تجاوبت اصداؤها فى العالم الجديد ..مند القرن السادس عشر بعد ان اخترقت مجاهل بحر الظلمات...
فالمغرب لم ينعزل عن العالم العصرى..ولم يهمل كدالك تطور السياسة الاوربية والامريكية..بل تتبع بكامل الاهتمام ....واكيد العطف بين حركة تحرير شعوب ما وراء الاطلسى..وقد كان المغرب فى طليعة الدول التى اعترفت باستقلال الولايات المتحدة الامريكية....
ومند القرن السادس عشر امكن للحضارة المغربية التى كانت الى دالك التاريخ منحصرة فى البحر المتوسط.......ان تدخل امريكا الجنوبية بوسطة البرتغاليين..فقد تلقت البرازيل تاثير المدنية الاندلسية...فاتسمت جميع مظاهر الحياة الاجتماعية الامريكية بطابع مغربى...وتقنعت المراة البرازيلية على طريقة زميلتها المغربية...وكيفت اسلوب حياتها مثل المراة الصقلية المسيحية تكييفا شبيها بما عهد فى الاندلسيات والمغربيات.....واصبحت اشياء كثيرة فى البرازيل صورة لما كان عليه مجتمعنا فى العصور الوسطى....من اناقة النساء الارستقراطيات فى الحواضر..واتخادهن الطنافس الوثيرة للجلوس بدل المقاعد الخشبية...الى غير دالك من طرائق الحياة الفردية ومناهج الفلاحة والغراسة فى البادية..بالرغم من اختلاف الطقس..استخدم الفلاح الامريكى اجهزة الفلاحة المغربية واساليبها....وانتشر استخدام الطواحين الهوائية فلى مجموع انحاء امريكا الجنوبية...مع جميع ما ينطوى عليه نظام الرى عندنا.....
وقد نقل المعمرون البرتغاليون الى امريكا حميع ما انجزه المغاربة فى القسم الجنوبى من الاندلس....من مصانع السكر والقطن ..الى مزارع الحوامض ودودة القز...
على ان اللغة الاسبانيةالامريكية تنم عن الاثارالتى تركتهالا حضارتنا فى الميدان الثقافى والاقتصادى والاجتماعى بامريكا..
فالاصلاح الامريكى فلا مجال المياه والسقى والرى معظمه عربى ..وكثير من النباتات والازهار العطرية مازالت تحمل فى اسبانيا او امريكا اسماءا عربية..اضف الى دالك مايمس الحلى والمصوغات
كما ان الشبه وثيق بين المغرب وامريكا الجنوبية فى ميدان الهسة المعمارية حيث لاتختلف فى البلدين اساليب البناء فى الكنائس والاديرة والمنازل والحمامات....
ويضيق المجال عن تعداد المناحى التى تجلت فيها اثار الحضارة المغربية الاندلسية بامريكا ...فحتى اساليب الطبخ واسماء العائلات لاتختلف فى امريكا عنها فى المغرب....ووحدة اصول العائلات العربية تفسر نا نجاح الهجرة الى امريكا لا سيما العناصر السورية واللبنانية التى اسهمت مع المغاربة مند العصر الاموى فى تكييف الحضارة الاندلسية......

حوار مع الشاعر الذى تنبأ بحرب اكتوبر وسلام فلسطين

التفاصيل
كتب بواسطة: ابراهيم خليل ابراهيم
نشر بتاريخ: 04 أغسطس 2002
انشأ بتاريخ: 04 أغسطس 2002
الزيارات: 4

حوار

ابراهيم خليل ابراهيم

الشاعر والمبدع هو نبض امته .. ومرصده يتميز برؤى مستقبلية عميقة .. ومن هذا المنطلق ابحرنا مع عالم الشاعر الذى تنبا فى كتاباته بحرب اكتوبر التى اندلعت فى السادس من اكتوبر عام 1973 .. انه الشاعر المبدع ( رجب ابو سمرة ) :
_ نود التعرف على سطورك الشخصية ؟
اسمى ( رجب احمد طلبه ) وشهرتى ( رجب ابو سمرة ( وولدت فى شهر ديسمبر عام 1933 وبدات رحلتى مع الكلمة وانا فى عمر الطفولة وكنت احفظ قصائد الشعر التى اقرأها عن ظهر قلب والقيها باتقان شديد مما استرعى انتباه مدرس اللغة العربية ومفتشها ايضا وقال ( هذا الولد سوف يكون شاعرا ) وعندما وصل عمرى الى الرابعة عشرة التقيت مع الشاعرين الكبيرين ( صالح جودت ) و ( سمير محبوب ) وقدمت اليهما بعض اشعارى فاعجبا بها ومن هنا كنت اقرا كل مايق تحت يدى من كتب وقدمنى الاذاعى ( امين عبد الحميد ) فى برنامج ( ركن الهواه ) كما قدمنى الاذاعى ( كامل البيطار ( فى برنامج ( مع العمال العرب ) وفى عام 1958 كتبت اغنية رمضانية ولحنها الموسيقار ( حلمى بكر ) وغناها ( محمد العزبى ) وفى عام 1990 تم اعتمادى مؤلفا بالاذاعة المصرية ز
_ متى توقعت سقوط خط بارليف الحصين ؟
فى عام 1969 اثناء القائى قصيدة فى حفل كبير
_ وماذا عن السلام ؟
توقعت مبادرة السلام التى قام بها الرئيس الراحل ( محمد انور السادات ) عندما ذهب الى الكنسيت والقى خطابه الشهير وقلت عن السلام :
السلام للى بيحب السلام
ياسلام والكل سامع
السلام لو فيه مطامع
راح تكون لغة المدافع
للى مش عجبوا الكلام
وقلت لفلسطين الحبيبة :
نفسى اشوفك فى العلالى
ف السما جنب النجوم
نفسى اسمع طيفك
زى الحان الخلود
واكتبه غنوة فى حروفك
تمحى اصوات البارود
_ماهو السر الذى كام وراء اطلاق لقب ( شاعر العمال ) عليك ؟
السر اننى احد عمال مصر وكنت اعمل فى احدى شركات الحديد والصلب بين العمال اعيش هموم العمال وكفاحهم وايضا اشارك نبض الناس حيث اننى من شبرا الخيمة .. واشعارى تحمل قضايا عمالية ومصرية
_ ماذا تقول عن الكلمة ؟
الكلمة حياة .. الكلمة خلود .. الكلمة تحارب مثل السيف وفى نفس الوقت هى هداية ومنارة

حوار مع الروائي الكبير ( محمد جلال ) سندباد الروايه .

التفاصيل
كتب بواسطة: ابراهيم خليل ابراهيم
نشر بتاريخ: 03 أغسطس 2002
انشأ بتاريخ: 03 أغسطس 2002
الزيارات: 6

الروائي محمد جلال

ابراهيم خليل ابراهيم

عشق الكلمة منذ نعومة اظافره فعشقته .. و احبه عشاق الكلمه فكان هذا الحب و الكنز و الملاذ .. نقش بأدبه طريقا مميزا ضاغ معالمه بالتنوع و التجديد و التعبيرية الشاعره و لذا فهو يعد من اهم الروائيين المصريين و العرب لجيل مابعد الاديب الروائي العالمي ( نجيب محفوظ ) ..انه الروائي و الاديب الصحفي المبدع ( محمد جلال ) و قد اخذت الاديب مع قلمي و اوراقي الي حارة ( عمر بن عبد العزيز ) بالمنيرة بالقاهرة بجمهورية مصر العربيه حيث يقيم الروائي الكبير ( محمد جلال ) و كان هذا الحوار :
_ ....................................؟
محمد جلال من مواليد التاسع و العشرين من شهر نوفمبر عام 1929 بكفر النحال بالزقازيق عاصمة محافظة الشرقية .
_.....................................؟
والدي ــ رحمه الله ــ كان يعمل بالسكة الحديد وكان كثير التنقل نظرا لطريقة عمله فقد انتقلنا من الشرقية الى طنطا وفيها التحقت بمدرسة الست مباركة ثم انتقلنا الي القاهرة والتحقت بمدرسة المبتديان ثم مدرسة الابراهيمية بجاردن سيتي ، وفي عام 1953 حصلت علي ليسانس الحقوق .
_ ....................................؟
والدي كان لايحب اتجاهي الى قراءة القصص والروايات ولكن مدرس اللغة العربية اكتشف موهبتي وانا في مرحلة الطفولة واتذكر انه كتب الي في كراسة الانشاء ( التعبير ) هذه المقولة التي مازالت بذاكرتي ( اسلوبك ادبي ويبشر بمستقبل زاهر ) ثم اعطاني بعض مؤلفات المنفلوطي وكبار الكتاب .
_ ...................................؟
خلال دراستي بكلية الحقوق كتبت القصة القصيرة ولمسرحية ذات الفصل الواحد والمقالات واصدرت مجلة بعنوان ( اخبار الجامعات ) وبعد حصولي علي ليسانس الحقوق اشتغلت فترة بالمحاماه ولكنني اكتشفت علي باب المحكمة انني لااستطيع التعامل مع الاجراءات والمكاتب فقررت ترك المحاماه لأن العدل ليس في القانون ولكن في روح القانون .. ولذا بحثت عن العدل في رواياتي .
_ .......................................؟
عملت محررا صحفيا في مجلة التحرير واجريت تحقيقات حول العشوائيات وكانت تلك التحقيقات نبوءه بالعشوئيات ، وكنت ايضا اول محرر صحفي يجري احاديث صحفية مع مجلس قيادة ثورة 1952 . وبعد ذلك انتقلت الي مجلة الاذاعة والتليفزيون واكثر من مؤسسة صحفية .
_ ...........................................؟
بدأت عالم الرواية في السيتينيات وبرغم انني ابن الحارة الا انني لم اكتشفها الا من خلال ( نجيب محفوظ )
_...........................................؟
في بداياتي قمت بطبع رواياتي علي نفقتي الخاصة حيث اصدرت في عام 1961 ( حارة الطيب ) وفي عام 1962 ( الرصيف ) وفي عام 1965 ( القضبان ) وفي عام 1967 ( الكهف ) وفي عام 1969 ( الوهم ) وقد قال النقاض انني متأثر بنجيب محفوظ .
_.........................................؟
خرجت من الرواية التقليدية فكتبت ( محاكمة في منتصف الليل ـ الملعونة ) وهذا تيار شعوري وعالم آخر .. وهذا هو محمد جلال .. ثم دخلت عاليم الشعور والاسطورة فكتبت ( لعبة القرية .
_..............................................؟
رواية القضبان كتبتها عن القرية الصامدة ضد الانجليز ، اما في رواية الكهف فقد عبرت عن منزلي اثنارة دراستي الجامعية ، وفي رواية الوهم قدمت رؤية خاصة عن الثورة ، اما رواية الحب فكانت تعبيرا عن الامل ، وعبرت عن الحارة المصرية في القرنن الحادي والعشرين في رواية خان القناديل ، اما رواية فرط الرمان فقد كتبتها في 7 سنوات و 7 مدن مختلفة .
_................................................. .؟
نعم انا احمل معي الرواية والحارة بصفة دائمة فالرواية تعيش معي واحداثها مستمرة بداخلي .. وهكذا الروائي .
_...............................................؟
الأديب لابد ان تحتضنه مؤسسه وانا لم تواكبني حركة النقل فجيلي بلا نقاد .
_...........................................؟
كتبت معالجه سينمائية لجميلة بو حريد وكتبت خماسية اذاعية بعنوان ( بحري ورجاله ) ثم تحولت الى 3 فصول مسرحية وقدمت علي مسرح العرائس وحضر عرض الافتتاح الاستاذ ( عبد المنعم الصاوي ) واعجب بها واذيعت بالاذاعة والتليفزيون ، وكتبت ايضا مسرحية عرنوس وعرضت على مسرح السلام .
_................................................. ؟
تحولت بعض اعمالي الي مسلسلات تليفزيونية مثل : القضبان ـ قهوة المواردي ـ بنت افندينا ـ عطفة خوخة ـ درب ابن برقوق ، كما ترجمت بعض رواياتي الي اكثر من لغة واذكر منها : قهوة الموارد ـ محاكمة في منتصف الليل ـ لعبة القرية .
_......................................؟
الترجمة مهمة جدا لأنها تقدم ادبنا الي العالم ليقرؤه بلغته .
_.....................................؟
المحلية هي الانطلاق الي العالمية فالحارة المصرية هي التي جعلت نجيب محفوظ يحصل علي جائزة نوبل العالمية ، فالقرية رد فعل ، والحارة فعل ، والمتأمل يجد ان كل الاحداث الضخمة في تاريخ مصر بدأت من الحارة .
_..........................................؟
العالم خلق ليراه الفنان وانا اعشق السفر والترحاب فأنا مسافر دائما وهذا اثر بالايجاب في ابداعي الروائي .. فأنا ياصديقي .. سندباد الرواية .
_..........................................؟
القراءة من وجهة نظري تنقسم الي :
ـ قراءة بشر
ـ قراءة مدن
ـ قراءة كتب
ـ قراءة من خلال الشاشة الفضية الصغيرة والكبيرة .
_................................................. ؟
الكاتب لايشطرط ان يكون اديبا مبدعا ، اما الاديب فهو اكثر شموليا لأن علاقته حميمة بأجناس التعبير الادبية ، والروائي هو الاقرب الي قلبي .
_................................................. ؟
اسعد لحظات عمري تلك التي اقضيها مع القلم والاوراق فقبل الجلوس للكتابة اغتسل واتعطر واستمع للموسيقى ، واكتب باللون الازرق في وريقات ، ولدي مجموعة اقلام من جميع المدن والدول التي زرتها .

التربية على المواطنة تبدأ من الأعلى

التفاصيل
كتب بواسطة: محمد الصدوقي
نشر بتاريخ: 03 يوليو 2002
انشأ بتاريخ: 03 يوليو 2002
الزيارات: 5

التربية على المواطنة تبدأ من الأعلى

محمد الصدوقي

المغرب


جميل أن تتبنى بعض المجتمعات العربية المعاصرة بعض الخطابات الجميلة ، من أجل بناء مشروع مجتمعي جديد، يتجاوز البنيات المجتمعية والثقافية التقليدية، التي كرست الاستبداد والتفاوت والتمييز الطبقيين، والجهل والتخلف العام... من بين هذه الخطابات أو الشعارات نجد الديمقراطية،وحقوق الإنسان،ودولة المؤسسات،دولة الحق والقانون، الحداثة،حقوق المواطنة...وهنا سنركز على مسألة التربية على المواطنة، وذلك نظرا إلى أن مسألة المواطنة الحقة، قد تجمع في مشروع رؤيتها وقيمها وأهدافها كل ما سبق ذكره من قيم إنسانية ووطنية.فما هي التربية على المواطنة؟وكيف تم أو يتم تأسيسها وتكريسها على مستوى الخطاب الرسمي والأجرة المجتمعية؟وإلى أي حد هناك تطابق وانسجام بين خطاب/شعار التربية على المواطنة والمؤسسات المجتمعية؟
*مفهوم المواطنة والتربية على المواطنة:
دون الدخول في التدقيقات الخاصة بالمرجعية التاريخية والجغرافية والمعرفية لظهور المفهوم،فلتحديد المواطنة يمكن مقاربتها على الأقل من خلا ثلاث أبعاد أساسية:
- البعد الفلسفي والقيمي : مادامت المواطنة هي إنتاج ثقافي إنساني (أي ليس إنتاجا طبيعيا)،فهي تنطلق من مرجعية فلسفية وقيمية تمتح دلالاتها من مفاهيم الحرية، والعدل ،والحق،والخير، الهوية،المصير والوجود المشترك...
* البعد السياسي والقانوني : حيث تحدد المواطنة كمجموعة من القواعد والمعايير التنظيمية والسلوكية والعلائقية داخل المجتمع؛ التمتع بحقوق المواطنة الكاملة، كالحق في المشاركة والتدبيرواتخاد القرارات وتحمل المسؤوليات،القيام بواجبات المواطنة، الحق في حرية التعبير، الحق في مؤسسات وقوانين ديمقراطية،الحق في المساواة وتكافؤ الفرص...
* البعد الاجتماعي والثقافي : وهو كون المواطنة تصبح كمحدد لمنظومة التمثلات و السلوكيات والعلاقات والقيم الاجتماعية، بحيث تصبح المواطنة كمرجعية معيارية وقيمية اجتماعية،و كثقافة وناظم مجتمعي.
وفي كلمة واحدة يمكن اعتبار المواطنة كمجموعة من القيم والنواظم لتدبير الفضاء العمومي المشترك .ويمكن تحديد أهم تجليات المواطنة في أربعة نواظم على الأقل:
1- الانتماء : أي الشعور بالانتماء إلى مجموعة بشرية ما و في مكان ما(الوطن)،مما يجعل المواطن يندمج ويتمثل ويتبنى خصوصيات وقيم هذه المجموعة التي ينتمي...
2- الحقوق: التمتع بحقوق المواطنة الخاصة والعامة،كالحق في الأمن وفي السلامة،والصحة والتعليم والعمل و الصحة والخدمات الأساسية العمومية،الحق في التنقل وحرية التعبير والإنتماء والمشاركة السياسيين،والحق في الحياة الكريمة...
3- الواجبات : كاحترام النظام العام، عدم خيانة الوطن، الحفاظ على الممتلكات العمومية، الدفاع عن الوطن،التكافل والوحدة الوطنيين،المساهمة في بناء وازدهار الوطن...
4- المشاركة في الفضاء العام : المشاركة في اتخاذ القرارات السياسية العامة(الانتخاب والترشح)، تدبير المؤسسات العمومية،المشاركة في كل مايهم تدبير ومصير الوطن...
وعليه،فإن التربية على المواطنة،هي تلك التنشئة الاجتماعية التي تحاول تربية الفرد/المواطن على تمثل وتبني كل تلك القيم والنواظم السياسية والقانونية والمعرفية لمفهوم المواطنة،لتنعكس في مؤسساته و سلوكاته وعلاقاته المجتمعية داخل الفضاء العام المشترك(الوطن)...
إذن، كيف تتبلور المواطنة والتربية عليها في الخطاب الرسمي(الدولة)، وكيف يتم أجرأتها مجتمعيا؟
• التربية على المواطنة بين الخطاب الرسمي والواقع المجتمعي
مع اختيار جل الدول العربية(ومنها المغرب الرسمي)،منذ السنوات الأخيرة، الدخول في دينامكية الانتقال الديمقراطي،وتبني مرجعية حداثية لتدبير هذه المرحلة الانتقالية(وهو تدبير لمرحلة بالغة الحساسية والخطورة)،أصبح تداول استعمال مفهوم المواطنة في الخطاب الرسمي ،وذلك بدعوة المواطنين والمؤسسات والقطاعات المجتمعية بالتحلي بقيم المواطنة...وتم التركيز في هذا الخطاب بشكل كبير على المجتمع المدني و مؤسسات التربية،حيث ثم إدماج التربية على المواطنة في منهاج( curriculum ) التربية والتكوين.
إن الاقتصار على تركيز مفهوم المواطنة والتربية عليها في المؤسسة التربوية(المدرسة) – رغم إيجابية وصحة هذا الإختيارالمجتمعي الإستراتيجي ينم عن نقص وقصور كبيرين في تكريس قيم وثقافة المواطنة مجتمعيا، حيث لا يمكن تربية المدرسة على المواطنة واستثناء باقي المنظومات والمؤسسات المجتمعية الأخرى والفاعلين العموميين الأساسيين فيها؛فهل يصح تربية الطفل/مواطن المستقبل على قيم المواطنة في المدرسة، وترك المنظومات والمؤسسات المجتمعية الأخرى خارج قيم وثقافة المواطنة؟!ابتداء من استمرار اللامساواة واللاعدل المجتمعين داخل الأسرة نفسها أو المجتمع عامة الذي ينتمي إليه هذا الطفل(ة)/الموطن(ة)(التفاوت الطبقي،عدم الاستفادة من ثروة الوطن،و من الخدمات الأساسية...)،استشراء قيم الأنانية والمصلحية الضيقة،الفساد السياسي والإداري والاجتماعي(نهب وتبديد المال العام،الرشوة،الكذب،الغش ،الجريمة...)،لا تكافؤ الفرص(مدارس النخبة، احتكار الوظائف والمهن السامية،البطالة...)،الزبونية ،القبلية،الطائفية،المذهبية،تعدد الإيديولوجيات والتيارات السياسية وااللوبيات المصلحية،لاديمقراطية المؤسسات وبعض المراجع القانونية العمومية(الدستور،القوانين الأساسية،مؤسسات تمثيلية شكلية...)، تزويرالإنتخابات،اللاعدل،العمالة للأجنبي،الحروب والصراعات...نربي الطفل على المواطنة في المدرسة، وعندما يخرج، أو يتخرج منها، سيجد واقعا مجتمعيا تحكمه معايير وضوابط وقيم أخرى لا مواطنة غالبا!
وعليه ،فإن التربية على المواطنة يجب أن تبدأ من الأعلى، ونقصد بذلك،المؤسسات القانونية والدستورية التي تؤطر وتدبر وتحكم الوطن ككل،ويجب كذلك تربية" الكبار" والمسئولين والفاعلين العموميين على المواطنة كذلك ليكونوا القدوة والمثال للصغار والكبار على السواء.فالتربية على المواطنة ليست مجرد تربية مخصصة للأطفال و"صغار"المواطنين،إنها ثقافة وقيم معني بها الجميع،ويجب أن يستحضرها ويمارسها ويتربى عليها الجميع،ليكون الوطن للجميع في السراء والضراء،وفي الرفاهية والكرامة.
المواطنة هي ثقافة وقيم وسلوك يجب أن تتبلور في كل مؤسساتنا السياسية والقانونية،وفي كل منظوماتنا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلائقية،ليشعر الجميع بالفعل بأنه مواطن حقيقي،ليكون وطنيا حقيقيا،حيث قد تصبح المواطنة عند البعض،أحيانا مجرد انتماء لرقعة جغرافية ليس إلا، دون أن يكون وطنيا حقيقيا يحب وطنه ويكن له الولاء والإخلاص، ويؤمن بقيم التفاني و الغيرة من أجل بناء حاضره ومستقبله.فلا مواطنة بدون التمتع الحقيقي بحقوق المواطنة،واستعاضتها بالواجبات فقط، ولا مواطنة بدون روح جماعية وطنية حقيقية،والكل يجب أن يتربى على المواطنة من المهد إلى اللحد./.

الدولة المدنية والدولة الدينية

التفاصيل
كتب بواسطة: خالد العلوي
نشر بتاريخ: 03 يوليو 2002
انشأ بتاريخ: 03 يوليو 2002
الزيارات: 8

الدولة المدنية و الدولة الدينية

 

بقلم

خالد العلوي

 

الدولة الدينية والدولة المدنية مفردات ومفاهيم كثر حولها الجدل والنقاش وتجمّع حول هاتين المفردتين أنصار كثر ممن يرون بصلاح هذه أو فساد تلك وهناك في غالبية الدول العربية والإسلامية أنصار للدولة الدينية والدولة المدنية والجدلية بين هذين المفهومين لا زال قائما ومنبع الإشكالية بين الدين والسياسة أو بين العقل السياسي والعقل الديني مثار جدل صاخب خصوصا في المجتمعات المدنية المعاصرة التي لم تحسم خياراتها وتحدد موقفها الأخير بشأن هذه القضية وهناك من يجادل بأن الدولة المدنية هي نتاج الفكر العلماني الذي يفصل بين الدين والسياسة و البرلمان الفرنسي ناقش مفهوم العلمانية أثناء إعداد الدستور عام 1946 وعرفه باسم حياد الدولة حيال الديانات ومصطلح الدولة العلمانية يعني دولة المؤسسات التي تقوم على الفصل بين الدين والسياسة ففي الديانات مذاهب وأراء واجتهادات ومعتقدات واختلافات وإشكاليات ولا يجوز اهتمام الدولة ولا مؤسساتها المدنية في هذه الاختلافات ومهمة الدولة المدنية الدستورية هي المحافظة على كل أعضاء المجتمع بغض النظر عن القومية والدين والجنس والفكر وهي تضمن حقوق وحريات جميع المواطنين باعتبارها روح مواطنة تقوم على قاعدة الديمقراطية وهي المساواة في الحقوق والواجبات خصوصا أن هناك من يرى أنه لا يمكن بناء الدولة المدنية في ظل الدولة المذهبية أو الدينية لان العقيدة أية عقيدة كانت لا تؤمن بحق جميع المواطنين على قدم المساواة طالما أن القانون الديني يميز بين العقائد والتوجهات الفكرية والسياسية ، وهناك آخرون يرون أن الدولة الدينية هي المطلوبة كونها تقوم على أساس العقيدة والتي هي المرتكز الأساسي للمجتمعات الإسلامية ومن هنا تؤسس جميع الأمور القانونية في الدولة على أساس التشريع الإسلامي ذات الغالبية على أساس أن الإسلام هو مصدر التشريع وليس على أن الأمة هي مصدر السلطات . وهي مثبتة على نظرية حالة الحاكمية المطلقة للعقل الديني بأن نجعل الضرورات الدينية التي يدركها العقل الديني بأنها حق مقدم على الدوام على المصالح السياسية التي يدركها العقل السياسي بوصفها ضرورات لا يجوز التخلي عنها وتضيعها ولو على حساب الحق .

      

لكن هناك شيء من عدم الإنصاف حينما نقارن بين النظام الديني والنظام المدني وذلك لأسباب عديدة أهمها الاختلافات الفكرية والمذهبية داخل المنظومة الإسلامية والاختلاف في ما هو من الدين وما هو من دعاة الدين ، فالنظام الإسلامي نظام بعيد المدى جدا يبدأ قبل انعقاد النطفة وينتهي في آخر العمر والنظام الإسلامي يبني مشروعه انطلاقا من التركيبة الروحية والمادية للإنسان ويعمل على إيصال المرء إلى كماله المنشود بدء من النطفة أو قبلها ومرورا بكل صغيرة وكبيرة تمس حياة الإنسان فيضع لها برنامج منه واجبا وأخر حراما وغيره مستحبا ورابعا مكروها وحتى يحقق النظام الديني غايته فإنه يرسم للإنسان مساره في هذه الدنيا بكل أبعادها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعسكرية ويراعي جميع حقوقه .

      

أما النظام المدني رغم ماله من إنجازات ضخمة وعديدة وعلى كافة الأصعدة لكنه نتاج بشري بحت لذا لن يكون بمقدوره أن يضع النظام الأمثل للبشرية لأسباب عديدة منها حاجات الإنسان الروحية التي لا يتعرض لها لهذا يتصادم معها حين سن القوانين وأيضا لأن الإنسان مهما تجرد لابد وأن ينحاز إلى خاصيته الدينية الأسرية السياسية الاجتماعية المذهبية وسواها والإنسان الغربي إنما قام بثورته انطلاقا من ظلم رجال الكنيسة عليه في القرون الوسطى وهذه نقطة جديرة أن نقف عندها لأنها تفسر مدى الموقف السلبي الغربي من الدين .

الإنسان ولوحده عاجز تماما عن رسم النظام الأمثل لجميع شؤون الحياة أما دين الله فهو نظام حياة ودستور شامل وكامل للإنسان لأن الله أوكل للإنسان خلافته في أرضه والخلافة هنا ليست هي الخلافة السياسية وإنما هي بمقدور كل إنسان أن يكون خليفة وتكون له صلاحية الخلافة بمعنى أن يكون بمقدوره صنع المعجزات على أرض الله وأن يحقق كل آماله إذا أطاع الله وأحل حلاله وحرم محرماته  .والدين إنما جاء بتعاليمه لأجل سعادة البشر ولكن للأسف بعضنا يجهل هذه الحقيقة ولا يلتزم بهذه التعاليم بالكامل رغم أن  النظام كامل لا يتجزأ " أولو استقاموا على الطريقة " فالإسلام جاء ليعالج لب المشاكل التي تدفع الإنسان أن يقتل وأن يحسد وأن يخون وأن يغدر إلى آخر هذه المشاكل التي قد تحدث بينه وبين أخيه الإنسان وغيرها من المشاكل التي نتعرض لها في حياتنا اليومية ،حتى بعض المفاهيم حين نفصلها عن الدين نفهمها بشكل خاطئ ونتصرف على أساسها الخاطئ بشكل خاطئ كمفهوم الحرية مثلا التي  يتشدق بها كل إنسان فالحرية المطلقة لا يمكن أن تكون فهي مستحيلة فالإنسان مهما تصور أنه حرا فهناك أشياء عديدة تحد من حريته كقوانين الطبيعة وما شابه فالحرية المطلقة مفسدة وخير دليل على ذلك ما نراه متجسدا في النظام المدني الغربي حينما أعلن عن فك سراح الحريات على وسع رأينا أنه فتح الباب والمجال للرأسمالية تتاجر بحريات أفراد المجتمع الغربي كيفما تشاء وتبيعها وتشتريها كيفما تشاء فماذا نتج عن ذلك أصبح الثري مصدر قوة والفقير أصبح في موقف ضعف أما على نطاق الحرية الشخصية فحين فتح لها الباب فإنه بذلك فتح المجال لشرب المسكرات ووصل إلى الإدمان على  المخدرات وسائر الشهوات والإباحات الجنسية واللاخلاقية  .

      

الحرية الفكرية التي يتباهون بها في العالم الغربي  أيضا ليست موجودة على قدم المساواة فلماذا مثلا حوكم الكاتب الفرنسي روجيه جارودي لمجرد أنه انتقد فكرة ما يسمى بالمحرقة وفي الحرية السياسية لماذا يتم تغيير النظام بالقوة بضغط من الجانب الغربي في كل من تركيا والجزائر رغم أن الشعب هو من اختار الإسلاميين ليحكموه أما الحرية في الإسلام فهي الوحيدة التي تمنحك الفرصة أن تفعل ما يجب فعله وأن تترك ما يجب تركه حتى وأن دعتك شهواتك وغرائزك إليها .

      

الإسلام يعمل على تحرر الإنسان من عبادة الهوى أولا ومن ثم من عبادة الإنسان فإن كان ولا بد أن يكون عبدا لأحد فلن يكون عبدا ً إلا لله فعبادة الله عز وجل الواحد الأحد خير من عبادة آلهة متعددة كل يجري إلى هدف لا رجاء منه وإن كان أعظم ما تتغنى به الدولة المدنية وثيقة حقوق الإنسان فإن هذه الحقوق كفلها الإسلام قبلها وزاد عليها ونظرة حقيقية وصادقة بعيدة عن الهوى والمصالح لنظرة الإسلام لحقوق الإنسان تكفي لمن له ذرة إنصاف أن يعرف إلى أي مدى الدين يخدم الإنسان ويحترمه ويقدره كائنا من كان .

 

الخلاصة أن الإسلام لم يعارض الديمقراطية فأهم مبدأ فيه هو الشورى وحافظ على حقوق الجميع وكفل الحريات الشخصية للجميع وأيضا كفل مبدأ الخلافة الربانية في الأرض للجميع ثم جاء سوء التصرف من الإنسان نفسه ومن الخطأ الكبير أن ندين المشروع الإسلامي لمجرد أن أحدهم أخطأ في استخدام  بعضه أو تفسير بعضه  ، أيضا لا أنسى أن أقول أن الدستور الوضعي للبشر والدولة الحديثة لا يتعارض من حيث المبدأ مع الإسلام من باب وأمرهم شورى بينهم والله الله بمشاركة الناس عقولهم وأعقل الناس من جمع عقول الناس مع عقله .

      

                                                     

الشعوب العربية وفقدان الذاكرة

التفاصيل
كتب بواسطة: د. إبراهيم العاتي
نشر بتاريخ: 28 يونيو 2002
انشأ بتاريخ: 28 يونيو 2002
الزيارات: 6

الشعوب العربية وفقدان الذاكرة

د. إبراهيم العاتي (أكاديمي وباحث)

إن من أخطر ما قد يصاب به الإنسان هو فقدانه لذاكرته، لأنها الخزان المعرفي الذي يعينه في التعرف على الأشياء بمجرد استرجاع صورتها المحفوظة في الذهن. وبدون ذلك تضيع المعالم وتختلط التفاصيل ويفتقد الإنسان قدرته على معرفة الحقيقة. وإذا كان هذا مرض يصيب الأفراد فإنه قد يصيب الجماعات أيضا، وذلك حين تفقد ذاكرتها التاريخية فتفقد القدرة على فهم المستجدات والوقائع الراهنة من سياسية واقتصادية واجتماعية وغيرها.
وقد ابتليت غالبية الشعوب العربية بهذه الآفة فصار من السهل اصطيادها من قبل أي مغامر ماكر يعرف كي يداعب عواطفها بالشعارات السائدة في كل مرحلة. فإذا كانت مرحلة مد يساري رفع شعارات التقدمية ومحاربة الرجعية والاستعمار، وإذا كانت موجة قومية رفع شعارات الوحدة العربية ومحاربة القطرية وإزالة الحدود، وقد تصل به الشوفينية إلى إنكار حقوق القوميات الأخرى ومحاولة القضاء عليها بالقوة. أما إذا كان التيار الغالب دينياً ترى ذلك المغامر نفسه، الذي كان يعتقل الإسلاميين بالجملة ويعلقهم على أعواد المشانق، قد أطلق لحيته وأطال سبحته، وأصبح (يحوْقل) و(يبسْمل) ويرطن بكلمات الإيمان والجهاد والتوكل ومحاربة الكفار وغير ذلك من الألفاظ التي تجد لها رواجاً في الشارع.
ولو كانت الأمة تتمتع بذاكرة قوية تعينها على معرفة حقيقة الأشخاص الذين يتصدون للعمل السياسي والديني والاجتماعي، كيف بدأوا وكيف انتهوا، لاستطاعت أن تكشف الأصيل من المزيف، وصاحب المبادئ من صاحب المصالح، ولكن ذاكرتها المعطلة سمحت لأصحاب الأطماع والأهواء والنوايا السيئة أن يمارسوا عليها حملة من الخداع والتضليل، بسبب عدم مراجعتها لماضي هؤلاء الأشخاص المليء بالمتناقضات والبقع السوداء.
ومصداق تلك الحالة المليئة بالتضليل والدجل السياسي هي نظام صدام حسين الذي كان مختصراً في شخصه وحسب.
فقد عمل خلال انقلاب 8شباط الدموي الذي نفذه تنظيم ميشيل عفلق في العراق عام1963 كأحد عناصر الحرس القومي المكلفة بانتزاع الاعترافات تحت التعذيب من المتهمين بالشيوعية. وقد كشف علي صالح السعدي القائد الأيديولوجي للانقلابيين بأنهم جاؤوا بقطار أمريكي!! وهذا غير مستبعد لأن عبد الكريم قاسم الذي انقلبوا ضده، هو الذي أسقط حلف بغداد الموالي للغرب، وقيّد شركات النفط بقانون رقم (80)، واتخذ سياسة موالية للاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية، وغير ذلك من الأمور التي جعلت الدول الغربية تريد تصفيته بكل صورة، حيث جاء به الإنقلابيون وهو صائم في شهر رمضان وأعدم ورفاقه الضباط في مبنى الإذاعة بدون محاكمة، ورميت جثته في نهر ديالى بعد أن ربطت بها أثقال تمنعها من الطفو، ولم يعرف له قبر!! رغم انه قد عفا عنهم حينما حاولوا اغتياله عام 1961 قائلاً: عفا الله عما سلف!
وقد بلغت جرائم الحرس القومي حداً يفوق الوصف، ولم تقتصر على الشيوعيين بل طالت القوميين والناصريين والناس الأبرياء، الأمر الذي دفع بعبد السلام عارف رئيس الجمهورية الأسبق إلى القضاء عليهم في انقلاب 18 تشرين الثاني 1963، وصدر في عهده كتاب (المنحرفون) الذي وثق بالشهادات والصور بعض جرائم القتل والتعذيب والاغتصاب والمقابر الجماعية التي ارتكبها الحرس (القومي)، حبذا لو اطلع عليه من يذرفون الدموع الساخنة على الطاغية وأعوانه.
 وفي عهد عارف وضع أحمد حسن البكر وصدام في السجن. أما البكر فقد أطلق سراحه بعد أن أعلن البراءة من حزب البعث وتخلى عن السياسة للانصراف إلى تربية الأبقار في مزرعته في (أبو غريب)، حسب نص ما نشرته الصحافة العراقية في ذلك الحين، وأما صدام حسين فقد أطلق سراحه مقابل العمل مع الأجهزة الأمنية للنظام العارفي مستفيدين من (خبراته) في ملاحقة القوى اليسارية أو أي قوة معارضة.
لكن عبد السلام عارف قتل في حادث طائرة فخلفه أخوه عبد الرحمن عارف، الذي عقدت حكومته اتفاقيات نفطية مع شركة (إيراب) الفرنسية أعطيت تلك الشركة بموجبها إمتيازات للتنقيب عن النفط في مناطق عراقية مختلفة، وذلك مكافأة لفرنسا على دورها الإيجابي مع العرب في حرب حزيران 1967 مما استثار بريطانيا وأميركا التي تعتبر نفط العراق من حصتها، ولذا أعدت العدة لإزاحته من السلطة عن طريق مجموعة عبد الرزاق النايف الجميلي رئيس الاستخبارات العسكرية في حينها، ولما كان ضابطاً غير معروف على الصعيد السياسي، فقد كان يبحث عن واجهة سياسية يحكم من خلالها لفترة مؤقتة ثم  يتخلص منها حين يثبت أقدامه في السلطة، فدار على أكثر من حزب و تنظيم وشخصية ليتعاونوا معه لكنهم رفضوا جميعاً نظراً لارتباطاته المشبوهة،  باستثناء مجموعة (البكر، حردان، عماش، صدام) التي وافقت على المشاركة مع النايف في الانقلاب على أمل أن تتغدى به قبل أن يتعشى بهم، وهو ما حصل بالفعل، وبرضا الجهات التي خططت للتخلص من عارف ومن نظامه المساند لعبد الناصر.
وحينما عادوا إلى الحكم في انقلاب 17 تموز 1968 كان صدام يقف وراء أحمد حسن البكر كحارس شخصي من جملة آخرين، لكنه اكتسب ثقة البكر حينما دبر عملية الغدر بعبد الرزاق النايف رئيس الوزراء وهو يتناول طعام الغداء مع البكر في القصر الجمهوري، حيث دخل عليه صدام شاهراً مسدسه مع حزبي آخر، وتم تقييده وإبعاده خارج العراق، ثم اغتالته المخابرات العراقية في لندن بعد سنوات بعد أن كشف حقيقة ارتباطهم بالأجهزة الغربية ومقدار المبالغ التي سلمها للبكر وزمرته.                                 
ومن هنا ازدادت حظوة صدام عند البكر، فتوسعت صلاحياته في الحزب وسعى للسيطرة على الجيش، فأبعد الفريق حردان التكريتي ثم اغتاله في الكويت، وعين الفريق صالح مهدي عماش سفيرا في موسكو ثم استدعاه ليدس له السم، وهكذا صفيت كافة القيادات والرتب العسكرية الكبيرة في الجيش العراقي لتستبدل بأشخاص من أقاربه منحوا رتباً عسكرية متقدمة رغم أنهم ليسوا بعسكريين وبعضهم كان أمياً، أو من الحزبيين الذين عملوا لهم دورات عسكرية قصيرة وسرعان ما أصبحوا ضباطاً.
وبما أن النظام العارفي كان قومياً وناصري التوجه، فقد شن صدام حملة من التصفيات الجسدية ضد الضباط والسياسيين القوميين، كما زج قسماً كبيراً منهم في السجون وخاصة في معتقل قصر النهاية الرهيب، بينما هرب القسم الآخر إلى القاهرة. وهكذا أُعدم -على سبيل المثال- كل من العميد جابر حسن حداد الذي قطعت جثته بالسكاكين، واللواء رشيد مصلح، ومدحت الحاج سري، وعذب حتى الموت اللواء عبد العزيز العقيلي وزير الدفاع الأسبق، كما عُذب طاهر يحيى التكريتي رئيس الوزراء أيام الرئيس عارف وامتهنت كرامته إلى أبعد الحدود. أما الذين لجأوا إلى القاهرة من الضباط والسياسيين القوميين فقد أرسل صدام فرقة من القتلة لاغتيالهم لولا أن ألقت القبض عليهم أجهزة الأمن المصرية.
ولم يكتفِ النظام بذلك بل شن حملة ضارية ضد نظام الرئيس جمال عبد الناصر الذي كان منشغلاً بإعادة بناء الجيش المصري وتسليحه، ويخوض حرب الاستنزاف ضد إسرائيل، فاتهمه بالخيانة وتطاول عليه بكلمات نابية في الإذاعة العراقية استمرت حتى يوم وفاته، ويبدو أن تلك هي إحدى المهام التي أوكلت للنظام.
أما المهمة الأخرى فهي تصفية العمل الفدائي في الأردن، إذ بدأ يحرض المنظمات الفدائية  للانقلاب على الحكم الأردني مقابل تعهد بمساعدة القوات العراقية الموجودة في الأردن، ولكن حينما وقعت الواقعة في أيلول الأسود 1970 نكث بوعده ولم يقدم للمنظمات الفدائية أية مساعدة، بل ذكرت منظمة فتح في بيان لها سمعته من إذاعتها يومها أن الرمي كان يأتي عليها من جهة القوات العراقية!!
واستمر النظام في محاربته لحركة فتح الفلسطينية وتمزيقها وتصفية قادتها، حيث جند صبري البنا المعروف بـ (أبو نضال) الذي كان مسؤولا عن تنظيم فتح في بغداد، للانشقاق عن حركة فتح وإحداث تنظيم خاص به كان وراء اغتيال عدد كبير من قيادات فتح أمثال أبو إياد الذي رفض تأييد صدام في احتلاله للكويت. وقد شهد عقد السبعينيات معركة مفتوحة في عواصم العالم بين المخابرات العراقية وحركة فتح حيث اغتالت تلك المخابرات ممثل منظمة التحرير في باريس عز الدين قلق، وممثلها في لندن سعيد حمامي، وممثلها في الكويت علي محسن، الأمر الذي اضطر ياسر عرفات إلى التصريح يومها في خطاب له  بأحد المخيمات الفلسطينية في بيروت بأن المخابرات العراقية تخطط لاغتياله. وكل ذلك كان يتم تحت شعارات حماسية صاخبة يطلقها النظام العراقي لمحاربة الصهيونية والاستعمار والرجعية العربية التي كان يقصد بها الأنظمة  الملكية المحافظة!!
وهكذا ساءت علاقاته مع جميع دول الجوار باستثناء تركيا التي وقع معها اتفاقية تسمح للجيش التركي باجتياز الحدود العراقية لمسافات بعيدة لتعقب المقاتلين الأكراد في الزمان والمكان الذي تشاء ضاربة بالسيادة العراقية عرض الحائط، ومد أنابيب النفط العراقي لتصب في الموانئ التركية بعد أن قطعه عن سوريا، رغم أن تركيا دولة عضو في حلف الناتو، وتربطها علاقات دبلوماسية وتعاون عسكري مع إسرائيل، وتتبع سياسة مائية ليست في صالح العرب، أما تاريخها البعيد والقريب مع العرب فلا يحتاج إلى شرح. ومع ذلك فقد بقيت علاقات النظام العراقي بتركيا على أحسن ما يرام منذ مجيئه عام 1968وحتى سقوطه في 2003، وقد مرت علاقاته مع جميع دول العالم بحالات مد وجزر إلا مع تركيا، لأنها بوابته الآمنة مع الغرب، ولا قيمة للشعارات والضجيج الإعلامي مادامت المصالح الغربية وأهمها البترول ثابتة ومؤمّنة.
وفي نفس تلك المرحلة التي كان فيها صدام يلبس برقع اليسار وقع اتفاقية الجزائر مع شاه إيران تنازل بموجبها عن نصف شط العرب لإيران مفرطاً بمصالح العراق وأراضيه التي عاد للتباكي عليها حينما سقط  الشاه، وقام بعد الثورة الإيرانية نظام معادٍ للغرب وإسرائيل ومناصر للقضية الفلسطينية، فمزق اتفاقية الجزائر التي وقعها بنفسه، وشن - بدعم أمريكي غربي- حربه المدمرة ضد إيران التي كلفت العراق مليون قتيل وجريح، عدا ضحايا الجانب الإيراني. وأهدرت ثروات العراق والأمة العربية، وخرج العراق باقتصاد مدمر ومرافق محطمة وديون تقرب من مئة مليار دولار. ناهيك من الجرائم التي ارتكبها بحق الشعب العراق من إعدامات جماعية وتهجير للسكان، وتدمير للمدن والقرى، وقصف للمدنيين بالسلاح الكيمياوي وغير ذلك مما كان يمرر تحت ستار الحرب التي صورتها ماكنته الإعلامية بأنها حرب بين العرب والفرس، وكأن شاه إيران لم يكن فارسياً!!
وكانت تلك الحرب المجنونة التي استمرت ثماني سنوات وأهلكت الحرث والنسل مقدمة لما جرى بعدها من حروب وتجويع وحصار، كما أنها فتحت باب التدخل الأجنبي على مصراعيه في العراق والمنطقة. وبعد أن ألقت الحرب أوزارها وقبل الطرفان بوقف إطلاق النار، وبدلاً من أن يتعظ النظام من مغامرته الأولى التي كلفت شعبه الكثير من التضحيات والمعاناة، ويقوم بإعمار ما دمرته الحرب، فإنه قام بمغامرة أخرى ضد بلد عربي هذه المرة هو الكويت، حيث قامت قواته باجتياحها في العاشر من (محرم الحرام) الموافق للثاني من آب (أغسطس) 1990، فوجه طعنة نجلاء لفكرة التضامن العربي، وقضى - ربما إلى الأبد- على أحلام القوميين العرب في بناء دولة عربية واحدة. وبدأ بمغازلة إيران مرة أخرى وعرض عليها العودة لاتفاقية شط العرب، وعاد إعلامه يتحدث عن الجار الفارسي المسلم!
وكم طالبته الدول العربية ودول العالم الأخرى بالانسحاب فرفض، ولكن ما إن قامت الحرب وبدأت القوات الأمريكية والدول المتحالفة معها تصب حممها وتجرب أحدث أسلحتها على الجيش العراقي المنهك من حربه مع إيران والمنتشر في الصحراء بلا ماء أو طعام، حتى أعلن موافقته على الانسحاب، لكنه سحب القوات الخاصة والحرس الجمهوري وترك الجيش العراقي يلاقي مصيره المحتوم بين رمال الصحاري!
وانتفض الشعب العراقي انتفاضته المعروفة في آذار 1991 وسقطت خمس عشرة محافظة في الوسط والجنوب والشمال، ولكن الطاغية الذي هرب من المواجهة في الكويت تركه الأميركان يفتك بالشعب بوحشية لا نظير لها، حيث دكت صواريخه المدن وأبيد الناس العزل ودفنوا في مقابر جماعية، رغم أنها كانت قادرة على منعه لو أرادت. وفي خيمة صفوان وقع صدام على وثيقة الاستسلام، وأصبح العراق محتلاً مع وقف التنفيذ، وهو ما نُفذ في 9 نيسان (أبريل) 2003، حينما ترك صدام وزمرته بغداد لمصيرها وهرب ليختفي في جحر ضيق أخرجه منه من جاء به إلى الحكم عام 1968!!
لقد رفع صدام خلال حربه مع إيران الشعارات القومية، لكنه بعد انكشاف زيف شعاراته تلك بعد عدوانه على الكويت والمملكة العربية السعودية، بدأ يستخدم  الشعارات الدينية وأسمى نفسه (عبدالله المؤمن)، رغم أن حزبه علماني لا علاقة له بالدين، وطالما فتك بالمسلمين  وانتهك حرماتهم، لكنه النفاق السياسي واصطياد السذج.
لكن جرائم صدام أفظع من أن تسترها البراقع الزائفة، وحسبنا أن نذكر بجرائمه بحق المقربين منه لنتخيل ماذا يفعله بالخصوم أو مخالفيه في الرأي... وهل ننسى مذبحة قاعة الخُلد التي أعدم فيها كبار الحزبيين والمسؤولين في حكومته بتهمة التآمر مع سوريا دون محاكمة ولو صورية، كعدنان الحمداني نائب الرئيس، ومحمد عايش وزير الزراعة، ومحمد محجوب وزير التربية والتعليم، وغانم عبد الجليل مدير مكتب صدام، وعبد الخالق السامرائي الأمين القطري المساعد لحزب البعث؟ أم قتله للدكتور راجي التكريتي الذي قتل بطريقة وحشية حيث أطلقت عليه مجموعة من الكلاب المسعورة بعد تجويعها لتنهش جثته وتقطعها إرباً، أو أولئك الشبان الذين أمر صدام بإعدامهم بطريقة لا يصدقها عقل حيث أمر الجلادين بتفجيرهم بالديناميت، وقد وثقت تلك الجريمة بالصوت والصورة، أو قتله للعلماء من مختلف المذاهب، أم قصفه لمدينة حلبجه بالسلاح الكيمياوي، أم جرائم الأنفال، أم جرائمه بحق الكويتيين، وغير ذلك مما لا يعدّ ولا يحصى ؟
هل يعقل أن الذاكرة العربية لم تحفظ شيئاً من كل تلك المآسي التي مر بها الشعب العراقي خلال العقود الماضية؟ وهل إن ما يعيشه العراق من محن حاضرة هو وليد الساعة أم هو نتاج لخمسة وثلاثين عاماً من حكم الدكتاتورية ومغامراتها وحروبها؟ وهل كتب على شعب العراق أن يبث همومه لنفسه، ويشعر بجراحه لوحده، مردداً قول نزار قباني:
من جرّب الكيّ لا ينسى مواجعه  ومن رأى السمّ لا يشقى كمن شربا!
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نظرة في تنمية فاعلية القراءة لدى الأطفال

التفاصيل
كتب بواسطة: محمد صوانه
نشر بتاريخ: 31 مايو 2002
انشأ بتاريخ: 31 مايو 2002
الزيارات: 5

نظرة في تنمية فاعلية القراءة لدى الأطفال

من قلم : محمد صوانه

يضطلع الآباء والأمهات بمسؤولية كبيرة تجاه أبنائهم نحو توجيههم للاعتياد على المطالعة وتنمية ملكة القراءة لديهم باستمرار منذ  سنواتهم الأولى، ولا يتحقق ذلك بكفاءة إلا إذا كان الآباء والأمهات أنفسهم مقتنعين بأهمية المطالعة وممارسين لها بشكل يومي في البيت على مرأى من أطفالهم، بل لعلهم يقومون أحياناً بمشاركة أبنائهم في قراءة بعض النصوص المختارة من كتب مفيدة وملائمة لأعمار أبنائهم، ومناقشة بعض الأفكار والمعاني في هذه الكتب .
فالمطالعة كنز ثمين لمن اعتاد عليها، بل هي معين لا ينضب يتيح وسائل وأدوات المعرفة لكل من يطلبها بين ثنايا الكتب النفيسة على تنوعها، فيحصل على نتاج ما كتبه العظماء من العلماء والمفكرين وكبار الأدباء والكتّاب والباحثين، الذين بذلوا جهوداً كبيرة استغرق بعضها سنوات عديدة، فيجنيها القارئ في عدة أيام أو ساعات وربما خلال دقائق معدودة استناداً إلى نوعية المعلومات التي يبحث عنها القارئ.  والقارئ الفطن يحرص دائماً على أن يُدلي دلوه في هذا المعين المتاح ليتزود في كل يوم بخبرات جديدة ومعلومات وعلوم لا غنى له عنها في حياته. قال أحد العلماء كنا في الصغر نقرأ كل كتاب يقع بين أيدينا لمجرد القراءة، نقرأ ثم نقرأ ثم نقرأ... وقال أحد الأساتذة الجامعيين كنت أقرأ في صباح كل يوم قبل أن أذهب إلى الجامعة سبعين صفحة، لأذهب وقد تزودت بمعلومات وثقافة جديدة ( المقصود غير المقررات الجامعية التي يدرسّها لتلاميذه )!
نحن أمة "أقرأ " ومتهمة بأنها لا تقرأ !! وقد يكون ذلك صحيحاً إلى درجة كبيرة، بشكل عام ! سألت طالباً في الجامعة: كم تقدر عدد الكتب التي قرأتها خارج المناهج الدراسية؟ فأجاب:  قرأت في حياتي كتاباً واحداً فقط !! تخيّلوا، كيف يصل طالب إلى مستوى المرحلة الجامعية ولا يكون للمطالعة نصيب ضمن اهتماماته أو نشاطاته الحياتية! إن ذلك بالتأكيد نتيجة عدم وجود أدنى اهتمام مبكر لدى أسرته بتعويده على المطالعة منذ الصغر، فضلاً عن دور المدرسة الهام في هذا المجال.
 ولعل من الحكمة أن نستدرك ما فاتنا، ونبدأ منذ الآن بتخصيص جزء من وقتنا - الذي يضيع معظمه هدراً - للمطالعة . وفي الوقت نفسه نبدأ بتعويد أبنائنا على القراءة منذ الصغر ونشجهم علـى ذلك ونختار لهم ما يناسبهم من الكتيبات الملائمة لأعمارهم والمفيدة لهم ، ونجري مناقشات داخل البيت بينهم لتذاكر ما يقرؤون، ويمكن أن نقدم لهم هدايا وجوائز على كل نشاط في هذا المجال. وستجد أنك بعد فترة وبناء على طلب أسرتك، ونظراً للحاجة الملحة لتنمية عادة المطالعة، ستقوم بتأسيس مكتبة صغيرة في البيت، تضم مجموعة متنوعة ومفيدة من الكتب؛ لتكون في متناول جميع أفراد الأسرة؛ فتترسخ مع الأيام هذه العادة الحميدة، ولكن ذلك بحاجة إلى الصبر والمثابرة.
ولا بد لكل أسرة من تعهّد أبنائها، فتحفزهم على المطالعة، باستمرار، دون أن تثقل عليهم، وعلى أن لا يكون ذلك على حساب المقررات والواجبات المدرسية، مع الأخذ بعين الاعتبار الأوقات التي تضيع هدراً في الجلوس أمام التلفاز في مشاهدة برامج ومسلسلات قليلة الفائدة، بل قد تكون غير ملائمة لهم فضلاً عن عدم القدرة على التحكّم بها لكثرة الغث فيها، وصعوبة أن نتوقع محتواها بشكل دقيق قبل مشاهدتها من قبل أطفالنا، فأحياناً تعرض برامج تحتوي مفردات وعناصر رديئة المستوى ، أو ذات مضامين غير مرغوبة اجتماعياً داخل الأسر المحافظة.
وتضطلع المدرسة بدور هام في تنمية توجه الطلبة نحو المطالعة وذلك من خلال نشاطات وبرامج متنوعة؛ مثل إجراء مسابقات بين المطالعين، وتخصيص ساعة أسبوعية أو يوماً في الشهر للمطالعة داخل المكتبة بإشراف المعلم، وتشجيع الطلاب على قراءة كتيب أو جزء معين من كتاب وتلخيصه أمام زملائه في الفصل وإجراء مناقشة قصيرة حول الموضوع بمشاركة المعلم، ما يركّز ويرسّخ عادة القراءة عند الأطفال منذ سنواتهم الدراسية الاولى التي يتعرفون فيها على الكتاب ويعتادون على ممارسة القراءة. ويمكن في هذه المرحلة بسهولة، أن نجعلهم يدركون أن المطالعة ينبغي أن تكون من أهم وسائل المعرفة والتثقيف الذاتي، وأن ننمي فيهم القناعة بضرورة أن تصبح جزءا من نشاطاتهم اليومية.
إن القارئ يحقق ذاته كفاعل لا منفعل، إذ أن له دوراً يؤديه أثناء المطالعة، ولكل قارئ قراءته الخاصة به، وتحليلاته الذهنية أثناءها، ولو طلبنا من عشرة أشخاص قراءة نص واحد لخرج كل منهم بانطباعات ومعاني وتأثيرات متباينة عن الآخرين، بتباين الدور الذي قام به كل منهم أثناء قراءته.  فالقراءة عملٌ ينطوي على بذل جهد عقلي يستهلك مقداراً من الطاقة بقدر الجهد المبذول فيها، فيكون التحصيلُ والتأثّرُ بقدر الجهد المبذول، وبتأثير وتفاعل مع ما يختزنه العقل الباطن من معلومات سابقة تشكّل إطاراً مرجعياً لكل إنسان.
نصائح مهمة في مسألة المطالعة:
1. إعلم أنك إذا قرأت كتاباً فإنك تكون قد حصلت على خبرات سنوات طويلة لعقل مؤلف الكتاب بجهد قليل؛ فانظر كيف تستثمر تلك الخبرات في حياتك وتنمية معلوماتك ومهاراتك.
2. إن مطالعة الكتاب تعد رحلة مهمة في المعارف والخبرات توفّر الجهد والمال.
3. تحديد وقت (ساعة أو أكثر) في اليوم أو في الأسبوع للمطالعة.
4. حسن اختيار الكتاب، مع الحرص على التنوّع في كل مرة؛ حتى يتمكن القارئ من اكتساب ثقافة في مختلف المعارف والعلوم، إذ لا يخلو كتاب من فائدة. ومن حَرِصَ على تثقيف نفسه بالقراءة، أخذ من كل علم طَرَفاً.
5. النصيحة الذهبية للقاريء أثناء المطالعة، هي "اقرأ بأعين مفتوحة"، ولا تأخذ كل ما تقرأه كمسلّمات؛ فأحياناً تجد بعض المؤلفين يشتطون ويحيدون عن الصواب وخاصة في الكتب المؤلفة من قبل كتّاب غير متخصصين أو ذوي مصالح شخصية.
6. استثمار أوقات الفراغ الطارئة، بمطالعة ما ينفع من الكتب.
7. التنويع في المطالعة لتوسيع دائرة الثقافة العامة.
8. المناقشة مع أفراد الأسرة في الكتب التي يطالعونها.
9. اعتماد الكتاب إحدى الهدايا التي يمكن تقديمها للأصدقاء، لما يكتسبه الكتاب من فائدة وديمومة، بدلاً من بعض الهدايا ذات القيمة الأقل.

وخلاصة الأمر أن نتعلم كيف نقرأ وماذا نقرأ ؟ كما ينبغي أن نولي أطفالنا الاهتمام اللازم لكي يعتادوا القراءة منذ نعومة أظفارهم، ونرعاهم باستمرار، للترسخ لديهم ملكة القراءة وحب المطالعة. فضلاً عن تعليمهم كيف يقرأون وماذا يقرأون، فالقراءة صنعة يجب أن نمارسها يوميا وهي شرط أساسي من شروط الكتابة.

 

اتفاق مكة الفلسطينى...أهميته وكيف نحميه.

التفاصيل
كتب بواسطة: زياد ابوشاويش
نشر بتاريخ: 19 مايو 2002
انشأ بتاريخ: 19 مايو 2002
الزيارات: 5

اتفاق مكة الفلسطيني...أهميته وكيف نحميه ؟

بقلم : زياد ابوشاويش

خرج الناس الى شوارع غزة والضفة مبتهجين،  وأطلقت الزغاريد كما الرصاص تعبيراً عن شوق طال انتظاره لوحدة الصف، وأهدر في سبيله عشرات بل مئات الليالي من الجهد والدعاء بأن تنتهي الفتنة ونعود لنواجه معاً أزماتنا وعدونا موحدين .

إن  الطريقة التي عبر بها الشعب الفلسطيني عن فرحته  داخل الوطن وخارجه تظهر الى أي مدى يعرف الناس أهمية الوحدة الوحدة الوطنية وضرورتها ، وكم هم متفوقون في عمق هذا الفهم على قياداتهم التي أهدرت الدم كما الوقت والأعصاب للوصول الى لحظة التوقيع على اتفاق منجز منذ مدة طويلة . وقد آثر الطرفان أن لا يبيعوه سوى للسعودية كوكيل حصري في هذا الشأن عن الولايات المتحدة الأمريكية التي تملك مفاتيح المرور من البوابات الضيقة ، ضاربين عرض الحائط بكل تمنيات قوى الرفض والممانعة العربية بان يكون الاتفاق برعاية سورية أو على أراضيها ، وربما كان ذلك ممكناً لو كانت علاقة سوريا بأمريكا جيدة أو حتى غير عدائية. وربما يلفت الانتباه أن الاتفاق لم يتم على الاراضى المصرية أيضاً .

ولمن أراد تفسيراً لما جرى وكيف تم الاتفاق،  فلا بد أن يتم سؤال الحركتين عن ذلك وأن يتحلى طرفا الخلاف الدامي بالشفافية والجرأة اللازمين لتوضيح كل شيء ولماذا الآن وليس قبل مدة ، كان يمكن أن  نوفر فيها ما أهدر من دم أبنائنا وأموالنا وثقتنا ببعضنا البعض ؟ ومع هذا فان توقيع الاتفاق اليوم أفضل من تأخره ولو ليوم واحد . إن أهمية هذا الاتفاق بالإضافة لوقف النزيف الداخلي يتمثل في أنه يجمع للمرة الأولى منذ فترة طويلة امكانات وطاقات النسبة الأكبر من الشعب الفلسطيني ، كما يمثل ركيزة هامة لاتفاق يشمل الخارج ، ويؤسس لعودة الروح لوحدة شعبنا في كل أماكن تواجده بما يعنى حشد قواه في مواجهة عدو موحد وقوى ، وفى ظل ظروف محلية ودولية غاية في الخطورة والتعقيد . وحتى نفهم الاتفاق ونجد تفسير معقول لتوقيت إنجازه أو إجازته لابد أن نتحلى بالشمولية في النظر الى محيطنا الجغرافي والإقليمي ،ومجمل الصراع الدائر فيه ، وآفاق تطوره واحتمالاته المفتوحة على كل الاتجاهات.

إن اى تفكير منطقي ينتج عن رؤيا شاملة لأوضاع المنطقة لابد أن يذهب الى المعركة المحتدمة في العراق والاستراتيجية الأمريكية الجديدة باعتبارها محور الاهتمام الامريكى ، أو ما نطلق عليه " الحلقة المركزية" في ترتيبات الشأن الإقليمي للإدارة الأمريكية ، ويتوقف عليها الكثير من الأشياء والمواقف ، كما السلوك تجاه الاتفاق المذكور ،سواءً من أمريكا أو من "إسرائيل.

وما كان لهذا الاتفاق أن يمر بدون الورطة الأمريكية ، أو ما أسماه بوش باستراتيجية"النصر" والتي أنتجت سقوط ست طائرات عسكرية، ناهيك عن عشرات القتلى خلال اقل من شهر من إعلانها ، والتي تعتبر معركة بغداد مفصلها الرئيسي وعلي نتيجتها  يتوقف كل السلوك الامريكى في المنطقة لاحقاً ، ولهذا تعتبر الأشهر الثلاث القادمة اختباراً جدياً للاتفاق الذي أبرمته حركتا فتح وحماس مساء الخميس 8 / 2 / 2007 بحضور الملك السعودي وأركان حكومته ....إن ما كتب حول أهمية الوحدة الوطنية باعتبارها العامل الذاتي الأبرز في سياق مواجهة تاريخية كالتي يخوضها الشعب الفلسطيني ضد عدو من طراز "إسرائيل" وحلفائها لا يحتاج لإعادة تأكيد مرة أخرى، بقدر ما يحتاج الآن لرؤيته ضمن سياقات الحركة السياسية الراهنة وتفاعلات الواقع العربي المأزوم والمتردي مما يمنحه ثقل اكبر في ميزان الحسابات المفترضة لمستقبل تخيم عليه علامات الشك وارتباك الرؤية وضبابيتها . وربما لخصوصية المرحلة واتساع رقعة التناقضات يجب أن يتوفر على حماية هذه الوحدة وتحصينها خيرة مفكرينا وكتابنا لإنارة الساحة بما يكفى من الإضاءة لكي يرى قادة الشعب الفلسطيني حجم الخلل وخطورته في ظل غياب هذا العامل،  واحتضان هذا الاتفاق  للحفاظ عليه وحمايته .

إن"نداء" أولمرت العلني للرئيس الفلسطيني بالعدول عن إبرام أي اتفاق للوحدة مع حماس يظهر الى أي مدى يشكل هذا العامل دعامة أساسية للمشروع الوطني كنقيض تاريخي للكيان الصهيوني ،والى أي مدى يمكن أن تصل وقاحة هذا العدو إذا ما تعلق الأمر بوحدة الشعب وقيادته في مواجهته . وبغض النظر عن توزيع الحقائب الوزارية وغير ذلك من فرعيات الاتفاق،  فقد كان الأهم برأينا التأكيد والقسم على عدم العودة الى لغة العنف والاقتتال لحل المشاكل أو الأزمات تحت أي ظرف، والتي لا بد أن تظهر في مجرى العمل الوطني المشترك وفى ظل ما يحاك ضد القضية الفلسطينية من مؤامرات وضغوط لتصفيتها .

إن تحصين هذه الوحدة يجب أن يأتي على أرضية المواجهة مع العدو وليس التمسك بأهداب الحل الامريكى غير المنصف ، ولعل تجربة الثورة الفلسطينية على هذا الصعيد غنية بتراث يشير بوضوح الى أن فترات الخلل والتمزق كانت دوماً في ظل السلوك الواهم تجاه ما يطرح علينا من حلول أو مشاريع تسوية . وان فترات الوحدة والتماسك كانت باستمرار في مجرى النضال والمجابهة بكل إشكالها وفى مقدمتها المعارك بشكليها العسكري والجماهيري .

إن المواجهة مع العدو لا تعنى انقطاع الصلة بالحركة السياسية بما فيها الاقتراحات الدولية لحل المشكلة وإحلال السلام ، لكن ما قصدناه هو ذلك التساوق الأرعن مع هذه الحلول ومترتباتها الداخلية ، والتي تعنى تغليب الطابع التساوقي وقمع المعارضة أو المساهمة في تخريب الوحدة لحساب أوهام تسوية  نعرف جميعاً أنها لن تكون بغير تغير نوعى في موازين القوى ، الأمر غير المتاح في هذه الفترة المظلمة من تاريخ امتنا العربية ، وبكل أسف .

إن قراءة متمعنة في الوضع الراهن لابد أن ترى بأكبر قدر من الوضوح أهمية الصمود في وجه الضغوط والحصار لأطول فترة ممكنة ، والرهان على المقاومة بالقدر الذي يتناسب مع الظروف المحيطة والمستجدات ويتدرج ارتفاعاً وانخفاضاً بشكل قصدي ومدروس .

إن الرعاية السعودية للاتفاق الفلسطيني ومع تواصل معلن مع الإدارة الأمريكية يعطى الفرصة بشكل اكبر للنجاح ، ولعل حديث الرئيس عباس في دمشق عن ضرورة الموافقة الأمريكية كشرط لنجاح أي اتفاق وموافقته الشخصية عليه، قد فهمه الأخوة في حماس جيداً ، وباستثناء الاعتراف العلني بالعدو الاسرائيلى ، فقد قدمت حماس كل المرونة المطلوبة لإنجاحه وهى تحمد على ذلك ، وان كنت ومعي النسبة الكبيرة من أبناء الشعب الفلسطيني نتمنى أن تعود حماس لأصولها البرنامجية المقاومة وتكف عن التحول لفصيل يتوهم السلطة ويخادع نفسه .

إن التحول في مجرى الوضع الفلسطيني لن يستقر ويتعزز عبر الرعاية الأمريكية أو غيرها من الرعايات التابعة ، كما سيبقى الأمر مرهوناً كما قلنا بنتائج ما يجرى فوق الأرض العراقية ، ولارتباط كل المعركة التي تجرى في الوطن العربي بساحاته المختلفة بعضها ببعض فقد كان لزاماً على كل القوى العربية المجابهة للمشروع الامريكى في المنطقة استنفار قوتها واعتبار ما جرى في مكة مشروعاً خاصاً بها ، ومن هنا فقد مثلت عودة حزب الله الى الجنوب اللبناني في شكل علني ، وتهديده برد العدوان وضرب إسرائيل مجدداً ، أفضل ما يمكن تقديمه من دعم لوحدة الصف الفلسطيني الذي عبر عنه اتفاق مكة ، والذي كنا نتمنى جميعاً أن يشمل كل الفصائل بمعنى المشاركة والمساهمة في صياغته كما في توقيعه ، ولعل الأخوة في الفصيلين يتداركون الأمر ، فيعرضوه على باقي القوى لتوقيعه وإدخال ما يلزم عليه من تعديلات أو إضافات لا تعيدنا لنقطة الصفر أو تساهم في توتير الأجواء من جديد .

إن رايات حزب الله وصور شهدائه التي ارتفعت خلال الأيام الماضية على الحدود مع العدو الاسرائيلى وتعززت اليوم بتصريحات الحزب حول استعداده للقتال، تمثل الهدية الأهم والدعم الأجدى لوحدة الساحة الفلسطينية ، كما لمجابهة العدوان المتمادي على المسجد الأقصى .

لقد آن الأوان لتعميد الاتفاق بجملة من المواقف المشتركة ورص الصفوف خلف معركة الأقصى ، ومجابهة الحصار ، وإعادة الأمور الى نصابها الصحيح لترميم سمعة الثورة الفلسطينية والشعب الفلسطيني، والتي تضررت كثيراً جراء المجابهة العبثية والمدانة بين حركتي فتح وحماس ، ونأمل أن توضع الآليات المناسبة حالاً، لمعالجة أي إشكال أو حادث سواء كان بقصد أو بغير قصد ، ذلك أن كل اتفاقات العالم وعبقريته لن تفيد إذا لم توضع هذه الآليات موضع التطبيق العملي ، ويتم توحيد أدوات المعالجة ، مع ترسيم أمر في غاية الأهمية بين جميع الفصائل ، ذلك المتعلق بتوحيد معايير المحاسبة، ثوابا أ وعقاباً ،  وهو الأهم ، وتطبيق القانون والنظام على الجميع بلا استثناء وعدم إعطاء اى غطاء للمخل بالأمن العام ، أو المعتدى على أرواح الناس وحرماتهم مهما كانت صفته أو موقعه .

إن هذا الترميم الذي أشرت إليه يجب أن يشكل ورشة العمل لكل الفصائل وخصوصاً حركتي فتح وحماس ، ولعل هذا الاتفاق يشكل مناسبة بل رافعة من اجل إعادة الروح لنظام فتح الداخلي وعقد مؤتمرها العام ، وتخليصها من الكثير من نقاط الضعف التي أصابتها خلال السنوات الماضية كما تخليصها من مراكز القوى والفساد التي تنخر عظامها وتحولها الى مجموعات غير متجانسة ولا موحدة ، وتؤدى حتماً الى ظاهرة النفاق والاستزلام المقيتة .

كما يمثل الاتفاق فرصة لحماس لترى بشكل أوضح حجم خسائرها وإمكانية وضع نظام داخلي علني يحولها الى أحد حاضنات المشروع الوطني في محدداته الفلسطينية ، وليس كجزء من مشروع عالمي اسلامى يناط به معالجة أوسع وأطول عمراً لقضايا الأمة الإسلامية ، والتي قد لا تكون على تماس مباشر مع معطيات الراهن وتشابكاته الإقليمية والدولية ، وفى هذا السياق فان جردة واقعية للمرحلة السابقة ربما تقود لمعرفة حجم الخسائر التي لحقت بالحركة وكيفية تعويضها كما لعودة مجيدة ومرغوبة للصراع مع العدو الرئيسي  وامتداداته الخارجية ، وتأكيد حضورها المقاوم ،والذي منحها الشعب ثقته على أساسه .

لقد علق شعبنا كل آماله على إنهاء الاحتراب الداخلي والتوجه نحو وحدة القلوب كما البنادق، وحذاري أن يتلاعب أي طرف بهذه الآمال ، لان الناس لن تتسامح في هذه الحالة ولعل من فقد ابنه أو أي عزيز عليه في صراع الإخوة سيسامح في حالة واحدة فقط ، هي ترسيخ الوحدة وحفظ دماء باقي أبناءنا ومقاتلينا . ولمن فقدناهم يجب تقديم الاعتذار. ولكل الأمة التي وثقت بنا يجب تقديم الاعتذار... وربما يكون منصفاً لشعبنا أن تمضى الحركتان وكل الفصائل قدماً الى الأمام دون أن تنظر الى الخلف ، وأن يشمر الجميع عن ساعديه لإعادة بناء ما تهدم داخل النفوس والعقول ، ومن ثم المؤسسات ،  وفى مقدمها منظمة التحرير الفلسطينية . آملين أن يتم تغليب التناقض الرئيسي على تناقضاتنا الثانوية ، لتحقيق النصر ولو بعد حين .

زياد ابوشاويش

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

كسر حاجز الخوف من الإعلام

التفاصيل
كتب بواسطة: ماجدة ريا
نشر بتاريخ: 11 مايو 2002
انشأ بتاريخ: 11 مايو 2002
الزيارات: 4

أي بيت لا يوجد فيه وسيلة إعلامية أو أكثر؟

ماجدة ريّا

حتى البيوت البسيطة تجد فيها الصحيفة والراديو، وصولاً إلى التلفزيون وما يحمله من جنون الفضائيات، إلى الكمبيوتر وما يحمله من ثورة معلومات.

وهكذا، فإن الوسائل الإعلامية في أيامنا هذه باتت تشكل واقعاً يفرض ذاته بقوة على الناس، ويرخي بتأثيراته الإيجابية منها والسلبية في كل مكان، وهو بقوّته يمثّل السلطة الرابعة في البلدان الديمقراطية.

والإنسان عدو ما يجهل، وبالتالي فهو يخاف هذا العدو على مقدار جهله بالأمور، وكلّما خطا داخل بيت المعرفة خطوة، انقشعت من أمامه غمائم وخطوات، ويسّرت له مزيداً من الجرأة في الإقتراب أكثر، لمحو ظلمة الجهل قدر ما يستطيع.

ولمّا كانت الوسائل الإعلامية، خاصة في عالمنا العربي، تحلّق بعيداً عن الناس، فلا تتواجد بينهم إلاّ في حالات خاصة، فإن هذا الأمر يمكن أن يخلق حاجزاً بينها وبين هؤلاء الأشخاص الذين تريد التواصل معهم لسبب من الأسباب، ويزيد من درجة الخوف عندهم وجود الكثير من المحاذير التي تجعلهم يفكّرون ألف مرة قبل أن ينطقوا بأي حرف.

فالوسائل الإعلامية حتى في الدول الأكثر ديمقراطية في العالم، هي ممسوكة لحساب جهات معينة. ويؤكد المفكر الأميركي روبرت ماكنزي في دراسة حملت عنوان "مشكلة الإعلام في القرن الحادي والعشرين" وجود ممارسات عشوائية مقلقة هدفها استغلال الحريات الإعلامية واستخدامها لخدمة أفكار ومصالح الشركات الضخمة، والمصالح المالية الكبيرة، والمتنفذين السياسيين في السلطة. وفي ألمانيا مثلاً تعمل أكثر من خمسين بالمئة من الوسائل الإعلامية لحساب جهات وشركات معينة.

 هذا في الدول التي يقال إن وسائل الإعلام "حرة" فيها، فكيف يمكن أن تكون حال الوسائل الإعلامية في البلدان العربية؟!!

إن الناس يخشون من التعبير عن آرائهم في معظم الأحيان، يخشون من السلطة التي يمكن أن تحاربهم، إما في لقمة العيش من خلال طردهم من الوظائف إن وجدت، وإما بأبواب السجون التي سرعان ما تفتح لكل محتجّ، وإما بتهديد قد يكون أكبر من ذلك.

إضافة إلى ذلك هنالك المحرمات التي تتعلّق ببعض جوانب الحياة والتي لا يمكن بحثها أو التعرض لها كيفما اتفق.

ويمكن أن يكون الخوف من المثول أمام أي وسيلة إعلامية نابعاً أيضاً من عامل نفسي مردّه الخجل، وعدم الثقة بالنفس.

وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن أن تتكسّر حواجز الخوف عند الوقوف أمام أي وسيلة إعلامية؟

إن الخوف الذي يكون مردّه الخجل وعدم الثقة بالنفس، أي أنه ناتج عن أمور نفسية داخلية، غالباً ما يكون مردّه إلى مراحل الطفولة التي أسَّسَت له، وهذا يعني أنه يجب الإلتفات إلى كيفية تربية الأطفال من خلال تعويدهم منذ الصغر على إبداء رأيهم، ومناقشتهم في مدى صوابيته من دون قمع أو تسلّط ، كما يمكن للمدارس أن تلعب دوراً مهماً في هذا المجال عندما تقيم بعض الإحتفالات في المناسبات ويؤدّي فيها الأطفال عروضاً مسرحية وإلقائية أمام الجمهور المشكّل من الأهالي، وهكذا يتعوّد الأطفال منذ الصغر وعلى امتداد مراحل تعليمهم على التحدث والظهور أمام جمهور كبير، ليصبح الأمر لديهم اعتيادياً لا يهابونه.

كما أنه لا بدّ من العمل على رفع مستوى الوعي بين الناس في تناول كافة القضايا التي تهمّهم والتي تواجههم في حياتهم، ومعالجة أسباب الجهل كي يمتلكوا ثقافة تمكّنهم من الإدلاء بآرائهم بكل ثقة.

ومن المفيد هنا أن تكون وسائل الإعلام أكثر قرباً من حياة الناس، ومن مشاكلهم وهمومهم، حتى يستطيع هؤلاء أن يعبّروا عن آرائهم ومتطلباتهم بكل ارتياح، ولكن مثل هذا الأمر يصطدم بواقع ارتباط معظم الوسائل الإعلامية بالسلطة لتمثل صورتها بكل ما تمثّل من فساد مستشرٍ، وعدم إدراك المسؤولين في المؤسسات الحكومية لمعاناة الناس والإلتفات إلى مصالحهم الشخصية ومصالح الحكّام بدلاً من الإهتمام بهموم هؤلاء وتأمين الرعاية اللازمة لهم وإعطائهم المجال للتعبير بحرية عن واقعهم.

فالمؤسسات الحكومية تخشى دائماً من كشف المستور من خفاياها وارتكاباتها بحق المواطنين، وتهاب الإعلام الذي يستطيع أن يشكّل الرأي العام، فتزداد نسبة قمع هذه المؤسسات لحرية الرأي والتعبير كلما ازدادت عندها نسبة الخوف، ويضع المتنفذون فيها اليد على الإعلام بكل أقسامه.

وإن لم يستطع هؤلاء التحكم بالإعلام فهم يسايسونه، ويعمونه عن متابعة الحقائق كي لا ينغّص عليهم تقاعسهم وروتين حياتهم السائر بهم بعيداً عن مصالح الناس، فيتخلّصون بذلك من أية محاسبة ممكنة من قبل الشعب.

أمّا السلاح الذي يمكن أن يكسر هذا الحاجز بين الناس والوسائل الإعلامية فيكمن في امتلاك جرأة وقدرة متلازمتين مع وعي ومعرفة بحقائق الأمور. 

فعلى مر التاريخ كان هنالك دائماً من يخرج من قلب المعمعة، ليشهر سيفه ويقول لا للظلم والإستبداد، ويعبّر عن رأيه متحدياً الخوف، ومتحملاً كل النتائج.

فعندما يمتلك المرء فكراً، وإيماناً بالحق الذي يحمله، وإدراكاً لما يحيط به، ووعياً كاملاً لدوره، فإنه عندها يتخلّص من خوفه ويمضي في طريقه أيّاً تكن الصعاب.

ومن هنا تبرز أهمية بث الوعي في صفوف الناس، ليس المثقفين فحسب والذين يمكن أن يتلمسوا طريقهم، وإنما الناس العاديين، وتوجيههم وتوعيتهم بحقيقة الأمور، لأنه عندما يتسلّح الناس بالوعي والمعرفة، سيكون بإمكانهم بناء مجتمع سليم يعطي المرء الحق في التعبير عن رأيه دون خوف أو تهديد.

وتبقى الوسائل الإعلامية اللاعب الأهم والأبرز في توعية الناس والتأثير على توجهاتهم، وفي تحريك الرأي العام ووضعه أمام مسؤولياته، ويمكن للشعوب عندما تتحلى بالوعي والإرادة أن تقول كلمتها التي ضمنتها لها المادة 19 من "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" والتي تنص على أنه "لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق اعتناق الآراء دون أي تدخّل واستقاء الأنباء والأفكار وتلقّيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيّد بالحدود الجغرافية". وانطلاقاً من هذا الحق تسعى هذه الشعوب باتجاه الإصلاح والتغيير بجرأة وعزم ووعي وإدراك لكيفية قول هذه الكلمة، عندها نقول ما قاله الشاعر العربي الكبير "إذا الشعب يوماً أراد الحياة                           فلا بد أن يستجيب القدر".

ماجدة ريا

الصفحة 19 من 29

  • 14
  • 15
  • 16
  • 17
  • 18
  • 19
  • 20
  • 21
  • 22
  • 23

المتواجدون الآن

59 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

البحث

اشترك في نشرتنا البريدية

انضم إلى مجموعتنا على Google لتصلك آخر الأخبار عبر بريدك الإلكتروني.

اشترك في نشرتنا البريدية

منطقة الأعضاء

  • تسجيل الدخول
  • كاتب جديد؟
  • نسيت كلمة المرور؟
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • أرسل مشاركة

مهارات حياتية

  • حين تشعر مبادرة الرفاهية بأنها استعراضية لا حقيقية
  • حين يتشابه الإنجاز العالي والإرهاق
  • إعادة بناء الثقافة بعد فترة نمو سريع ومربك
  • حين يبالغ عضو فريق في الوعود ويقصّر في التنفيذ باستمرار
  • إدارة الطاقة، لا الوقت فقط
  • التغلب على الخوف من أن تُرى كمبتدئ مجدداً
  • بناء حدود حقيقية بين العمل والحياة في ثقافة دائمة الاتصال
  • التنقل عبر محادثات الرفاهية مع موظف يتجنب الموضوع
  • حين تقول القيادة شيئاً وتكافئ آخر
  • موازنة التقدير الفردي مع فضل الفريق

مواقع شقيقة

  • منتديات مجلة أقلام
  • المرشد في الإداراة
  • الشاعر سامر سكيك