- التفاصيل
- كتب بواسطة: أبو سعد بوشعيب
- الزيارات: 6
المحبة الصادقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم
أبو سعد بو شعيب
ماهية هذه المحبة:
يعرف الفلاسفة المحبة بأنها القوة الدافعة باتجاه المعرفة, والفاعلة في أساس الوجود, فهي الطاقة التي تتحرك فينا لنعرف, ونحن لا نفهم الوجود ما لم نكن نحب الوجود؛ وأجسادنا لا تتعاطف مع الحياة ما لم تكن تحب الحياة؛ والأم لا تحمل طفلها في أحشائها, وتعتني به, وتنشئه وتعلمه وتربيه .. وتتحمل المصاعب والآلام من أجل ذلك, ما لم تكن تحبه..
إذن فمحبتي لرسول الله (ص), يجب أن تدفعني وتحفزني لمعرفة هذا النبي العظيم الذي كان آخر من اختاره الله الخبير العليم لتبليغ الرسالة وأداء الأمانة, ومعرفة سيرته وسنته, وبالتالي العمل بمقتضى هذه السنة, والسير على المنهج الذي جاء به..
ولهذا كانت محبة الله ورسوله أصلا عظيما من أصول الدين. فلا إيمان لمن لم يكن الله ورسوله أحب إليه ممن سواهما. قال تعالى:{قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين}.(التوبة/24)
ويقول عليه الصلاة والسلام فيما اتفق عليه الشيخان من حديث أنس(ض): (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما, وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله, وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه, كما يكره أن يلقى في النار). وأيضا عن أنس(ض) , أن رسول الله(ص) قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين), أخرجه أحمد والشيخان. بل إن من تمام الإيمان, أن يكون حب المؤمن للرسول(ص), أشد عنده من حبه لنفسه. فقد روى الإمام أحمد عن زهرة بن معبد عن جده قال: " كنا مع رسول الله (ص) وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب, فقال له عمر(ض):" يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. فقال النبي(ص): (لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك). فقال عمر:" فإنه الآن لأنت أحب إلي من نفسي". فقال له النبي(ص): (الآن يا عمر).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في التحفة العراقية: " محبة الله, بل محبة الله ورسوله من أعظم واجبات الإيمان, وأكبر أصوله, وأجل قواعده. بل هي أصل كل عمل من أعمال الدين والإيمان".
فعلا, فإن محبة الله ورسوله هي أساس الأعمال. فما من عمل إلا وهو ثمرة من ثمرات هذه المحبة. هذه المحبة التي هي
– بإجماع الأمة كلها – فرض واجب. يقول تعالى:{ ... فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ...}(المائدة/54). ومن شهد له محبوبه بالمحبة, فمحبته أتم. بل إن الله تعالى يقرر تفاوت الناس في ذلك:{ والذين آمنوا أشد حبا لله}
(البقرة/165).
وفي صحيح البخاري أن رجلا سأل النبي(ص) عن الساعة. فقال له(ص): (ما أعددت لها)؟ قال:" يا رسول الله, ما أعددت لها من كثرة صلاة ولا صيام, إلا أني أحب الله ورسوله". فقال رسول الله(ص): (المرء مع من أحب, وأنت مع من أحببت).
حقيقة محبة الرسول(ص):
إن حقيقة محبة رسولنا الكريم(ص), هي أن يظهر أثرها في كل تصرفاتنا, وفي كل سلوك نسلكه, ونحن نعيش حياتنا بكل دقائقها, آناء الليل وأطراف النهار. فبالله عليكم, كيف ندعي محبة الرسول(ص), وحالنا كما تعلمون؟ حياتنا في أغلب مظاهرها: عصيان تام لهذا الرسول, وتمرد على ما جاء به من شريعة عادلة, وعقيدة صافية, وآداب رفيعة, وقيم عليا... أي محبة هذه التي نتحدث عنها؟ ألستنا معه, وأفعالنا لا تمت إليه بصلة..!! أي محبة هذه لمحبوب, نجتمع في المناسبات العديدة لنترنم بمناقبه, ونشدو بسيرته, حتى إذا خرجنا إلى الحياة, فإذا بنا في أسواقنا وفي متاجرنا وفي مدارسنا وفي بيوتنا ومع أولادنا وفي جميع معاملاتنا وعلاقاتنا, تكون المسافة بيننا وبينه(ص), ما بين السماء والأرض: لا نلتزم بمبادئه, وآدابه, ولا نسير على هديه, ولا نحاول إحياء سنته, بل إذا رأينا هذه السنة وتلك المبادئ تنتهك فينا, لا تأخذنا الحمية ولا الغيرة.. فكيف – إذن – ندعي محبته وحالنا هكذا؟ وكان المفروض أن يكون(ص) هو قدوتنا وفيه أسوتنا الحسنة.
إن كتاب الله العلي القدير لازال – وسيظل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها- فينا غضا طريا, وكأنه أنزل حديثا. فقد تكفل الله سبحانه بحفظه:{ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}(الحجر/9). وحيث أن سنة الحبيب المصطفى(ص): القولية والفعلية, تشرح وتوضح هذا الكتاب المحفوظ, فإن الله عز وجل قد قيض لها كذلك من يحفظها ويصونها موثقة بالأسانيد الصحيحة.. فهل كلفت نفسك – يا مدعي المحبة – أن تطلع على هذا الكتاب الجليل وهذه السنة المطهرة؟ وإذا اطلعت عليهما فهل تدبرتهما؟ ثم هل عملت بهما؟ وهل ألزمت نفسك بتعليمهما: لأسرتك التي كلفت برعايتها؟
فيا حسرتنا على ما فرطنا في حق هذه المحبة..!! فترى القوم منا يتنافسون في تتبع حياة أهل الفن والرياضة, ويصرفون في سبيل ذلك, الطاقات الهائلة, والأموال الطائلة, والأوقات الغالية.. امتثالا لرغبة إبليس وقبيله, من حيث يعلمون , ومن حيث لا يعلمون. وإذا سألتهم عن مقدسات دينهم: كتاب الله وسنة رسوله, وعن هذا الرسول الذي يدعون محبته, وعن سيرته, وعن أصحابه وتلامذته الذين – بحب محمد(ص) - هزوا عروش الأكاسرة, وغنموا تيجان القياصرة, وشيدوا حضارة مجيدة زاهية, عاشت عظيمة ثمانية قرون, وقامت على أساسها ما نرى من حضارات, وما زال نورها مشعا لحد الآن.. إذا سألتهم عن كل هذا, فلا يدرون جوابا.. وللأسف الشديد, فقد تجد الجواب عند من أعجبوا بهم, ولا غرو في ذلك, لأن أعداء محمد(ص), والحاقدين عليه من اليهود والنصارى, درسوا تاريخنا وتمعنوا فيه, ووضعوا أيديهم على مكامن القوة في هذا الدين الذي جاء به هذا الرسول العظيم, وأخذوا العهد على أنفسهم, على أن لا تقوم لهذا الدين قائمة, ووضعوا الخطط والبرامج لذلك, ومنها تدريس تاريخ الإسلام والمسلمين, بالطريقة التي يغرسون بها العداوة والبغضاء والحقد في صدور ناشئتهم وتابعيهم ..
نعم, إنني – باستعمال كلمة: ادعاء - لا أنكر وجود محبة الرسول(ص) في قلوبنا, ولكن, بما أن مفعول هذه المحبة لم يظهر علينا, ولم تسطع هذه المحبة أن تغيرنا , وتجعلنا كما يجب أن نكون, فإن الحديث عنها مهما بلغ, لا يعدو أن يكون ادعاء..
حقا, إن الدنيا وطواغيتها قد دفنت هذه المحبة تحت ركام ضخم من الفتن.. فنسي المحبون طاعة المحبوب باتباع أوامره, وما جاء به من الأوامر, واجتناب نواهيه وما جاء به من النواهي, وأصبحت الدنيا كل همهم, ومبلغ علمهم..
يا ليتنا نعمل للدنيا بكتاب الله وسنة رسوله! فديننا ليس دين الرهبنة, وهو لا يمنعنا أن نعمل للدنيا, ولكن هذا العمل يجب أن يكون بضوابط علمها لنا وحددها, بحيث أرشدنا أن نعمل لدنيانا كأننا نعيش أبدا, شريطة أن لا ننسى الآخرة, ونعمل لها مع العمل للدنيا وكأننا نموت غدا.. وهذا ما يؤدي إلى التوازن الذي لا تجده إلا في هذا الدين العظيم, هذا التوازن الذي تنشأ عنه سعادة الدارين, والقوة والمنعة التي تحمينا وتقينا ومقدساتنا..
إن حب الدنيا – يا مدعي المحبة – فد أصابنا بالوهن, فتداعت علينا الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها, كما تنبأ بذلك الحبيب الذي ندعي محبته, عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. فعن ثوبان(ض) مولى رسول الله(ص) قال: قال رسول الله(ص): ( يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة إلى قصعتها). قيل: يا رسول الله! فمن قلة بنا يومئذ؟ قال(ص): (لا, ولكنكم غثاء كغثاء السيل, يجعل الوهن في قلوبكم, وينزع الرعب من قلوب أعدائكم, لحبكم الدنيا وكراهتكم للموت).
وطبيعي ونحن نعيش حياة الذل والهوان, أن يتملكنا الإعجاب بهذه الأمم التي تداعت إلينا, وسامتنا أنواع القهر والإذلال, بما اكتسبته من قوة وتقدم وحضارة, أساسها من حضارتنا, فنطمع في رضاها, وأن تمدنا من عزتها, متناسين أن ثمن هذه العزة وذلك الرضا ثمن باهض.. ! إنه اتباع ملتهم, وخسارة الدنيا والآخرة.. قال تعالى:{ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير}(البقرة/120). هذا في الوقت الذي كان ينبغي – لو كانت محبتنا لحبيبنا صادقة - أن نبتغي العزة في ديننا, فنطمع في رضا خالقنا وولايته ونصره.. وقد أكد هذه النتيجة, الفاروق عمر بن الخطاب(ض), وهو يخاطب قادة الجيش الذين فتحوا بيت المقدس, وهم ينتظرون وصوله لتسلم مفتاح المدينة, لقد خاطبهم
- بعد أن لاحظ عليهم الإحراج والضيق, بسبب الطريقة التي وصل بها إليهم, ومعهم البطريرق الذي رفض أن يسلمهم المفتاح - خاطبهم بكلماته الصادقة المدوية, والتي سيظل صداها يتردد في سمع الزمان: " لقد كنا أذلة, فأعزنا الله بالإسلام, ولو ابتغينا العزة في غيره لأذلنا الله". وقد صدق حدس الفاروق عمر(ض), فها نحن نعيش هذه الحالة, ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..
تشخيص الداء وتعيين الدواء:
للقيام بهذه العملية, وتلخيصا لما سبق, يكفي أن نعرض أنفسنا للفحص بالأشعة الكاشفة: أشعة القرآن الكريم وأشعة الأحاديث النبوية الشريفة, فنعود إلى ماهية المحبة لنكشف عن الداء, ونعود إلى حقيقتها لنصف الدواء, فنرى في ماهية المحبة أن الله تعالى قال:{قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي الفاسقين}التوبة/24).
وقال رسول الله(ص): (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه من سواهما....).
وقال(ص) أيضا: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين).
بل لقد قال(ص) لعمر(ض): (لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك).
إذن فداؤنا, أننا جعلنا آباءنا وأولادنا وإخواننا وأزواجنا وعشيرتنا وأموالنا وتجارتنا ومساكننا, أحب إلينا من الله ورسوله, بل في غمرة حب هذه الأشياء نسينا محبة الله ورسوله, وكانت النتيجة: أن حلت الدنيا في القلوب مكان الإيمان, وأتى الله بأمره, وصار حالنا إلى ما نحن فيه.. ونسأل الله عفوه وهدايته حتى نخرج من هذه الحال..
وحيث أن الداء اصبح معروفا, فالدواء كذلك لا يخفى على ذي بصيرة وفهم, فنعود إلى حقيقة محبة الرسول, لنجد أن الله تعالى يقول:{قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم}
(آل عمران/13).
وقال رسول الله(ص): (إن أحببتم أن يحبكم الله ورسوله, فأدوا إذا اؤتمنتم, واصدقوا إذا حدثتم, وأحسنوا جوار من يجاوركم)(حسن).
وطوبى لمن أحبه الله ورسوله. فقد جاء في الحديث القدسي, أن رسول الله(ص) قالـ:( إذا أحب الله عبدا نادى جبريل: {إني قد أحببت فلانا فأحبه}. فينادي في السماء, ثم تنزل له المحبة في الأرض, فذلك قوله تعالى:{ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يجعل لهم الرحمن ودا}). وفي رواية أخرى: (إذا أحب الله عبدا, نادى جبريل: {إن الله يحب فلانا فأحبه}. فيحبه جبريل. فينادي جبريل أهل السماء:(إن الله يحب فلانا فأحبوه). فيحبه أهل السماء, ثم يوضع له القبول في الأرض).
وإذا أحب الله عبده حماه من الدنيا وفتنتها, مصداقا لقول الحبيب المصطفى(ص): (إن الله تعالى ليحمي عبده المؤمن من الدنيا وهو يحبه, كما تحمون مريضكم الطعام والشراب تخافون عليه)(صحيح).
إذن فدواؤنا الذي يجب أن نخرج به من هذه الصيدلية العجيبة, والذي نعالج به مرضنا, فنخرج من حالنا الحاضر إلى حالنا الحقيقي المطلوب, أصحاء معافين متميزين, هو: الاتباع, ولاشيء غير الاتباع : اتباع سيد الخلق وخيرهم في سيرته العطرة وسنته المطهرة وما جاء به من رب العزة العظيم.
وبديهي أن الاتباع يقتضي الطاعة: فلا اتباع مع العصيان.. ومن أحسن ما قيل في هذا الصدد:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمري في القياس بديع
لو كان حبك صادقا لأطعتــــه إن المحب لمن يحب مطيع
وبديهي أيضا أن من أطاع الله, فقد أطاع رسوله...فطاعة الرسول(ص) ملازمة لطاعة الله عز وجل.
وإذا خفت أن يختلط عليك الأمر, وتتيه بك السبل, وتصاب بالحيرة في أمرك, فإني أقترح عليك نهجا يسيرا, هو عبارة عن سؤال خفيف المبنى, عظيم الفائدة والمعنى. إنه: [هل يرضى رسول الله(ص)]؟ فكلما وجدت نفسك أمام فعل أو رد فعل, أو اتخاذ أي قرار, أو أي تصرف أو سلوك .. عود نفسك, واحرص دائما أن يتبادر إلى ذهنك, وأمام عينيك, السؤال: هل هذا الفعل أو رد الفعل أو هذا القرار أو هذا التصرف أو هذا السلوك, يرضى عنه محمد(ص)؟ وكن على يقين أن محبتك الصادقة له, ستلهمك الجواب الصحيح.. وبحكم العادة, ستجد نفسك على النهج القويم..
كيف كانت محبة الصحابة لرسول الله(ص)؟
لتقريب الصورة أكثر: صورة محبة الرسول(ص), تعالوا بنا نستحضر صور محبة الصحابة الكرام لرسول الله (ص). فقد ضربوا أروع الأمثلة في التفاني في محبة شخصه الكريم, حتى فدوه بأنفسهم..
فهذا خبيب بن عدي الذي وقع أسيرا لدى كفار قريش, وحبس لديهم أياما. ولما صلبوه, إيذانا باستشهاده, واجتمعوا حوله, كل يريد أن ينال شرف قتله, إذا بسيدهم أبي سفيان – قبل أن يسلم – يصيح به ويسأله: يا خبيب, أتحب أن تكون سالما آمنا في أهلك ومالك ومحمد هنا مكانك؟ فكان الجواب الصادق المرعب: " والله ما أحب أن أكون سالما في أهلي ومالي ومحمد(ص) يشاك بشوكة". فقال أبو سفيان كلمته الخالدة: ما رأيت قوما أشد حبا لصاحبهم من حب أصحاب محمد محمدا.
وهذا المغيرة بن شعبة ساعة دفن النبي(ص), تلهمه محبة حبيبه المصطفى(ص) أن يرمي خاتمه في القبر, ويطلب من الصحابة أن يتمهلوا, قبل أن يهيلوا التراب على الجسد الشريف, فيهبط إليه ويلمسه بعد أن أخذ خاتمه.. فكان بذلك آخر من لمس الجسد الطاهر الشريف .. وظل المغيرة يفتخر على الصحابة بقوله:" أنا أحدثكم برسول الله , أنا آخر من لمس النبي(ص)".
ولمن لم يطلع على تاريخ أجداده الفاتحين الذين أحبوا محمدا(ص) المحبة الصادقة, أقول: إن المغيرة بن شعبة هو الذي دخل على رستم, نائب كسرى, مبعوثا أيام الخليفة الراشد, عمر بن الخطاب, وفي يده رمحه, يبعثر به الوسائد والفرش الوثير, وقادة جند الفرس كأن على رؤوسهم الطير, فلما وصل إلى حيث رستم, جلس معه على سريره, فتناوشه الحرس وأنزلوه بقوة، ومنعوه. فخاطبه بطمأنينة المؤمن وثبات الجبال, بكلمات أدخلت الرعب في قلوبهم, قبل أن يحين وقت اللقاء، قال لهم: "كانت تبلغنا عنكم الأحلام، ولا أرى قوماً أسفه منكم، إنا معشر العرب سواء, لا يستعبد بعضنا بعضاً، فظننتكم تواسون قومكم كما نتواسى، وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض، وأن هذا الأمر لا يستقيم فيكم فلا نصنعه، ولم آتكم ولكن دعوتموني، اليوم علمت أن أمركم مضمحل، وأنكم مغلوبون وأن مُلكاً لا يقوم على هذه السيرة ولا على هذه العقول ... إلى أن قال(ض): لقد جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد..".
وفي غزوة بدر وقع أمر عجيب: فقد كان في يد النبي(ص) قدح يعدل به الصفوف، وكان سواد بن غزية مستنصلاً من الصف, فمسه النبي بالقدح وقال:(استوِ يا سواد). فقال سواد: أي رسول الله, أوجعتني, فأقدني. أي أريد أن أقتص منك.. فكشف النبي(ص) بطنه وقال: (استقد يا سواد). فاعتنقه سواد وقبَّل بطنه. فقال(ص):(ما حملك على هذا يا سواد؟"(قال يا رسول الله, قد حضر ما ترى (يعني الحرب), فأردتُ أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا له رسول الله(ص) بخير.
ثم تأمل قصة أخرى تُعبِّر عن مدى حب الصحابة للنبي(ص): فهذا أحد الصحابة يعتزل المسجد ذات يوم, فلمَّا مرَّت بضعة أيام سأل عنه النبي - وهكذا كان حال النبي المحب لأصحابه: يتفقد أحوالهم دائمًا, ويشاركهم أحزانهم وأفراحهم ويحمل عنهم همومهم - فأخبر أنه قد اعتزل المسجد وجلس في البيتِ. فأرسل إليه الرسول(ص), فلما حضر سأله: ) ما حملك على اعتزال المسجد)؟ قال: " يا رسول الله, إني أحبك وأحب قربك, ولا أقدر على فراقك، وقد علمتُ أنك ستكون يوم القيامة في أعلى درجات الجنة, ولا أدري أين سأكون"؟ فقال له النبي(ص): "المرء مع من أحب".
أما فيما يخص نماذج المحبة لدى الصحابيات والتابعين, فقد كفتني أخت فاضلة مشقة البحث عنهم, ومما جاء في مقالها:
".. فهذه سيدتنا أم عمارة تباشر القتال في أحد، وتذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف، وترمي بالقوس حتى خلصت الجراح إليها، تعرض نفسها للسيوف والنبال..امرأة تقف صامدة مقاتلة خوفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويوم حنين، تقف سيدتنا أم سليم تتحدى الأعداء بخنجرها بعد أن انهزم المسلمون.. مستعدة للقتال والذود عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
وكان من الصحابيات من وهبت نفسها ومالها وأبناءها فداءا لرسول صلى الله عليه وسلم، مثل سيدتنا أم سليم التي وهبت رسول الله صلى الله عليه وسلم نخلات .فعن أنس ابن مالك قال: لما قدم المهاجرون إلى المدينة من مكة وليس بأيديهم, وكان الأنصار أهل الأرض والعقار, فقاسمهم الأنصار على أن يعطوهم أنصاف ثمار أموالهم كل عام, ويكفوهم العمل والمؤونة. فكانت أعطت أم أنس (وهي أم سليم) رسول الله صلى الله عليه وسلم عذاقا (نخلات) رواه البخاري ومسلم.
بل وهبت أكثر من ذلك.. وهبت فلذة كبدها لخدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن أنس قال:" جاءت بي أمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله هذا أنس ابني أتيتك به يخدمك فادع الله له". رواه مسلم. وفي رواية البخاري: فكن أمهاتي يواظبنني على خدمة النبي صلى الله عليه وسلم فخدمته عشر سنين.
يواظبنني: أي يحرضنني على المواظبة والمثابرة. أمهات سيدنا أنس الطينيات: من أم وجدات .. وأمهات معنويات: من مرضعات وكل النساء المسلمات، كلهن حريصات على هذا الخير محبة فيه صلى الله عليه وسلم.
كانت الصحابيات يعرفن فضله وقدره وكرمه على مولاه, فكن لا يدعن فرصة للتبرك بشخصه الشريف إلا اغتنمنها بركة لهن ولصبيانهن: عن أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل بيت أم سليم, فينام على فراشها وليست فيه. قال: فجاء ذات يوم فنام على فراشها, فأتت, فقيل لها: هذا النبي صلى الله عليه وسلم نام في بيتك على فراشك. قال: فجاءت وقد عرق واستنقع (اجتمع) عرقه على قطعة أديم(جلد) على الفراش, ففتحت عتيدتها(صندوق صغير تجعل المرأة فيه ما يعز من متاعها,) فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره في قواريرها. ففزع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( ما تصنعين يا أم سليم)؟ فقالت: يا رسول الله , نرجو بركته لصبياننا. قال(ص): (أصبت), رواه مسلم.
وسار التابعون على خطى الصحابة في محبته وهيبته وإجلال قدره الشريف، ولنستمع إلى القاضي عياض وهو يتحدث عن الإمام مالك قال: وقال مصعب بن عبد الله: كان مالك إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يتغير لونه وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه. وقيل له يوما في ذلك، فقال: " لو رأيتم لما أنكرتم علي ما ترون: لقد كنت أرى محمدا بن المنكر، وكان سيد القراء، لا نكاد نسأله عن حديث أبدا إلا بكى حتى نرحمه. ولقد كنت أرى جعفر بن محمد (وهو الإمام جعفر الصادق من آل البيت) وكان كثير الدعابة والتبسم، فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم اصفر لونه. وما رأيته يتحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهارة. ولقد اختلفت إليه زمانا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصليا وإما صامتا، وإما يقرأ القرآن. ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العلماء والعباد الذين يخشون الله.
قال الإمام: ولقد كان عبد الرحمن بن قاسم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم فينظر إلى لونه كأنه نزف من الدم، وقد جف لسانه في فمه هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ولقد كنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير، فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى لا يبقى في عينه دموع. ولقد رأيت الزهري، وكان لمن أهنأ الناس وأقربهم، فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم فكأنه ما عرفك ولا عرفته. ولقد كنت آتي صفوان بن سليم، وكان من المتعبدين المجتهدين فإذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى، فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس عنه ويتركوه" ".
هؤلاء الصحابة والصحابيات والتابعون رضوان الله عليهم, أجيال القرون الأولى, هم الذين استطاعوا بمحبتهم الصادقة أن يكونوا سادة العالم وأساتذته, وأن يكون بفضلهم العالم الإسلامي: العالم الأول, وغيرهم: العالم الثاني والثالث والنامي والذي في طريق النمو والمتخلف...!!
فلعل هذه النماذج من صور محبتهم, تعيننا على إزالة ركام الفتن الذي غطى وحجب عنا محبة الحبيب المصطفى(ص), هذا الركام الذي جعلنا بحق أدعياء, ونحن الأصفياء... فيتغير حالنا, ونسترجع مكانتنا في العالمين. وما ذلك على أريحتنا وشهامتنا ونخوتنا بعزيز. والله من وراء القصد.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: رضا محافظي
- الزيارات: 6
الجزائر تعانق فلسطين
رضا محافظي
لطالما ردد الشعب الجزائري – و لا يزال – المقولة التي أطلقها الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين : نحن مع فلسطين ، ظالمة أو مظلومة ، و لطالما كانت الجزائر – و لا تزال - ملاذا آمنا لأعداد كبيرة من العائلات الفلسطينية التي شردتها همجية سياسة الاضطهاد و القمع الإسرائيلية . لم يعرف عن هذه العلاقة أي فتور أو برودة و لم تعرف أي استثناء لولا الحالة الاستثنائية التي عرفتها الجزائر في تسعينات القرن الماضي و التي لم تنته إلا في الفترة الأخيرة بعد أن أثقلت صفحـات تاريخهـا بتفاصيل من الدم و النـار ستبقى درسا لكل ذي عقل و قلب سليمين . لم يكن متاحا لجزائر مريضة شبه جاثمة على ركبتيها من وقع ضربات القريبين قبل البعيدين أن تكون في عون شعب آخر يعاني هو بدوره الأمرَّين ، و لم يكن لها سوى أن يعانق قلبها قلب أرض الطهر و الشهادة في فلسطين دون أن تمتد لها يد للعون .
قرت أعين الجزائريين اليوم و هم يرون أن بلدهم كان أول البلدان ، أو من أول البلدان التي سارعت إلى تقديم مساعداتها المالية للفلسطينيين بعد أن قررت مختلف القوى في العالم ، و آخرها الاتحاد الأوربي ، وقف المساعدات التي كانت تقدمها فيما سبق لهم و ذلك على خلفية فوز حماس في الانتخابات التشريعية الأخيرة و تمكُّنها من تشكيل حكومة برئاستها.
الإنذارات تتساقط على مختلف المكاتب الإعلامية و المكاتب السياسية في العالم حول كارثة إنسانية قد تعرفها فلسطين في غزة خصوصا من جراء قطع تلك المساعدات التي تأتي موازية للحصار الرهيب الذي تفرضه إسرائيل على الشعب الفلسطيني عن طريق غلق معابر كانت المنافذ الوحيدة لتزويد الفلسطينيين بالسلع و المؤن الضرورية للحياة ، و كذا من خلال وقف تحويل أموال الضرائب التي تعد للسلطة الفلسطينية . الحجج المقدمة من طرف تلك القوى متوقعة من طرف كل متابع لكنها في مجملهـا و بكـل تفاصيلهــا لا يمكـن أن تكـون بــأي حـال من الأحـوال مسوغــا لتجويــع شعب و تعريضه للهلاك .
تأتي المساعدات الجزائرية للفلسطينيين بعد أن استعادت الجزائر عافيتها إلى حد كبير ، لتعود العلاقة بين الشعبين إلى طبيعتها و لتكون ، ربما ، محفزا للهمم العربية و الإسلامية للتحرك لنجدة شعب مهدد بالموت تكالبت عليه القوى الحاقدة و تخاذل عن نصرته الأقربون . أموال عربية مخزنة في الخارج تفوق كل تصور لا تستفيد منها لا الشعوب العربية و الإسلامية المتحررة و لا الشعوب العربية و الإسلامية التي لا تزال تعاني ويلات الاستعمار و الفقر . أموال أخرى في الداخل ، تنفق يمينا و شمالا لا يتم تخصيص و لو جزء بسيط منها لنصرة شعب دمه من دمنا و دمنا من دمه ، و ليت تلك الأموال أنفقت بما يعود بتنمية و لو ضئيلة على شعوب مالكيها .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: رضا محافظي
- الزيارات: 5
من لإفريقيا؟
رضا محافظي
في الوقت الذي تخطّى فيه العالم القرن العشرين و قام بخطواته الأولى في ساحة القرن الواحد و العشرين مستشرفاً مستقبلاً طموحاً يسبر فيه أسرار الكون المجهول و يجعل من السياحة الفضائية مشروعاً في متناول يد البشر ، هناك أنـاس في جنوب البحر المتوسط ، على سطح الكرة الأرضية و ليس في باطنها أو أعلى منها في الفضاء الخارجي ، يتهددهم شبح الجوع وتتوعدهم السنون العجاف بالكثير من الألم . أناس تراهم يمشون المسافات الطوال ، لا يحركهم سوى رمق حياة قد يكون هو الأخير ، بحثا عن حبات قمح قليلة هي السبيل الوحيد للنجاة من هلاك محتوم ، و هناك على الطرف الآخر من الأطلسي تُرمَى الأطنان من القمح في البحر حفاظا على توازنات اقتصادية مقيتة .
مليارات من الدولارات تنفق على التسلح و مليارات أخرى تنفق على بذخ العيش في عدد كبير من البلدان و بعض الشعوب من إفريقيا (مثل شعب الصومال) تواجه مصيرها لوحدها ، دون أن يكون لها حول أو قوة ، لا يأبه لها أحد و لا يتألم لألمها الآخرون ، تستجدي العالم - عن طريق الأمم المتحدة – أن يهبها و يتصدق عليها بمليونات معدودة من الدولارات كي لا تهلك من الجوع والعطش ، لكن استجداءها يأتي في آخر قائمة الاهتمامات لدَى مَن بيده زمام الأمور في هذا العالم . وكأن الشقاء قد كتب على هذه القارة منذ قرون . عشرات السنين من الاستعباد إلى عشرات السنين من الاستعمار و الاستغلال إلى عشرات السنين من الفقر و الجوع و التخلف ثم إلى هلاك وشيك لا يليق أن يلحق بالبشر في هذا الزمان بالذات .
يبدو أن الزمن توقف في قارة إفريقيا منذ فترة طويلة ، و في الوقت الذي تَغازل فيه أنامل البشر النسائم المحيطة بالمشتري و ترمُق أعيُنُها سطحَه الأحمر و تبغي اكتشاف كُنهَه ، لا تزال قارة إفريقيا غارقة في بركة من الخرافات و طائرة ً على سحابة من الوهم في حالٍ أدنى بكثير من حال دون كيشوت الشهير ، و قد تركت مصيرها تحكمه أحلام مجدٍ ضائعة من جهة و جشع قُوى طامعة من جهة أخرى لا يتحرك فيها ضمير لبكاء طفل جائع و لا تََبتلُ لها عين لأنين مريض هزمه المرض و هدّ كيانه .
ستبقى إفريقيا في أعين باقي العالم صورة لانهزام الإنسان المتخلف الضعيف و لن تكون أبدا في أعينهم عالما آخر به من البشر مثل ما بغيرها من القارات الأخرى . ستبقى إلى أمد غير محدد ضيعة تنزُّه أو منبع ثَراء أو مصرع ثيران أو حقل تجارب أو سوق سلاح ، و لن يكون لها ملاذ سوى في جهود أبنائها. على إفريقيا أن تقف على أرجلها بسواعد أهلها و أن لا تنتظر الرأفة من أية جهة في عالم متوحش صار فيه بنو البشر المتحكمون فيه أصناف غريبة .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبد الرحيم العطري
- الزيارات: 5
من أقصى اليسار جاءتنا زهرة رميج ، معلنة على لسان ماو "أنهم لا يستطيعون وقف زحف الربيع" ، و مرددة بكل امتلاء مع بسيسو أن "الشارع الدامي لنا مهما رشوا عليه من جنود ". جاءت الزهرة الجميلة من أقاصي الحلم المغربي ، تحاور المسافات الفادحة خلال زمن الاحتقان و الاستثناء ، تلتسع بالجمر و تختنق بالرصاص، و تنبعث من رماد الأيام المكلومة كما الفينيق في الزمن الغابر .
بالشعر تارة، و بالقص اللذيذ مرة ثانية، و بترجمة نصوص الآخر آفاقاً أخرى، تمارس الزهرة اعتصار الرحيق و منح الحياة ، تحاور المنطق الأعمى لوطن لا يجيد إلا صناعة الرحيل ، رحيل في الزنازن ، و آخر في مقبرة المتوسط ، و غيره لا معروف في الغرف السوداء ،لهذا كانت زهرة رميج منذ انغمارها الأول في عوالم الكتابة منشدة لأغنية الحياة ، حالمة بالربيع و الشارع و الجرح الفاغر فاه.
في أحضان السماعلة و بني خيران نشأت المبدعة زهرة رميج ، مكتنزة في أعماقها تاريخ منطقة خبرت النضال و الاستماتة ، سافرت برفقة "ألف ليلة و ليلة" و تابعت متاهات " سيف ذو يزن"، هناك رضعت البداوة و البساطة و تمثلت المعنى المفترض للانتماء و الالتزام . من خريبكة ثم وادي السباع ( واد زم ) ارتحلت نحو البيضاء لاستكمال فصول التعليم الثانوي ، لترتحل مرة نحو فاس ، لتغرق في دنيا الأدب و اليسار النبيل .
بالحرم الجامعي ستهاجر هذه المرة نحو الألق الماركسي ، و ستختبر مفهوم الالتزام و النضال واقعيا، في عز القمع و التنكيل ، هناك لن يصير للحياة معنى، بعيدا عن الثورة و التغيير الجذري . في أحضان الماركسية اللينينية نمت الزهرة رميج و فاح أريجها العطر ، كاشفا عن كثير من الشاعرية المعتقة، لقد رضعت من أثداء الألم و خبرت النضال في ابتهاج الحجر و المحو ، كانت آلة القمع مكشرة عن أنيابها في وجه كل من أخلص الحب للوطن ، كلاب الحراسة ، محاكم التفتيش ، مطاردة الساحرات و الحرس القديم بالمرصاد لكل من سولت له نفسه عشق هذا الوطن ، لأنهم يريدون خلق جيل من الضباع كما قال محمد جسوس ذات زمن بعيد .
في سبعينيات الانقلابات و سوء الأحوال السياسية بين القصر و الحركة التقدمية ، سيتعرض الحي الجامعي بفاس لهجوم شرس نفذته الأجهزة القمعية ، سيتم إلقاء القبض على الزهرة الماركسية ، و سيخلى سبيلها بعد حين ، لتستمر في التحصيل المعرفي إلى أن امتهنت التدريس ، لتعود مجدداً إلى البيضاء ، و إلى ثانوية الخنساء تحديدا ، تعلم طلابها دروسا في العشق الوطني قبل الدرس الأدبي المفروض قسراً عبر المناهج الدراسية .
خلال زمن البيضاء المختلف كانت المبدعة زهرة رميج تلتحف عباءة الشعر و القص الجميل ، تكتب مسارات الفداحة و الخسران العميق ، بالشعر تطرد الألم و بالقص تواصل الاختيار مع رفيق العمر الذي أهدى حياته للنضال و التشظي من أجل البروليتاريا المنسحقة جراء التفقير و التهميش. مع رفيق الدرب الراحل خطأ ستكتب زهرة اللوتس سيرة الاحتراق حباً في الوطن ، لتراكم في الأعماق تجارب الإنشراخ ، و تعنف بين الضلوع المكلومة أريج الكلمة و رحيق الحياة، إلى آن أوان الحكي ، فكان الإنكتاب و الخروج الجميل بإعلان الانتماء لخرائط المبدعين ، كانت منذ البداية و الحكاية تنشد مع درويش و هو يقول بملء الأمل و الانهيار " يا نشيد ، خذ المعاني كلها ، و اصعد بنا جرحا فجرحا، ضمد النسيان ، و اصعد ما استطعت بنا ، إلى الإنسان " ، لهذا بدت أكثر انتصارا لسؤال الإنسان ، و أكثر انشغالا بتفاصيله الدقيقة ، لأنها تعي جيدا كما درويش أن " الحروب تعلمنا أن نحب التفاصيل " ، و أن يظل الإنسان فينا يقظا و حاضرا في الحكي و الحلم و كل التفاصيل .
لقد اختارت الحكي القصير كجنس أدبي للتعبير عما يعتمل في مجتمع الفاقة و التهميش ،لأنها تنحاز إلى معاناة الذين هم تحت . و لأنها الزهرة الخبيرة بمنطق الحقول و الربيع ، فقد حكت لنا " أنين الماء " بدلا من خريره و انسيابه ، اختارت معانقة الأنين و الحزن امتعاضا من آلة القتل و التدمير . استجارت بالحلم هربا من عفن الأيام ، تخلق الشخوص، تؤثث المكان ، تسافر في الأزمنة القريبة / البعيدة ، تربك الأحداث ، تدفع بها إلى جنون التركيب ، دون أن تنسى ترميق كل التفاصيل .
بعد الاستماع جيدا لأنين الماء ، ستواصل المبدعة رميج الاشتغال في صمت صوفي على ترجمة النصوص العميقة ، ستترجم أشعار عبد اللطيف اللعبي ، و ستهدي القارئ العربي" تمارين التسامح" و" قاضي الظل" تباعاً ،كما ترجمت لكل من بهاء طرابلسي و نفسية السباعي " امرأة ليس إلا " و عشيقة من الريف " على التوالي .
و لأنها قادمة من قارة السؤال و النقد ، فقد تساءلت مرة أخرى في خروج إبداعي جميل " هل تغرب الشمس حقا ؟ " ، فها الربيع الذي وعد به الرفاق ما زحف معلناً نهاية الخريف و الصقيع ، و لا الشارع الدامي صار لنا ، بل صار لهم مع احتدام آليات التدجين و الاحتواء للرفاق المعتقين ، فهل تغرب شمس الزيف حقا ؟ و هل يرحل الخبث الطافح،و يأتي غودو المنتظر ؟
إنها تتبرم دوما من نسوانية الحرف ، بل ترفض أي تصنيف جنسوي للكتابة ، الإبداع عندها لا جنس له ، يعبر عن الإنسان فقط دونما اعتبار لاختلافه البيولوجي ، هكذا موقف ليس غريبا بالمرة عن بدوية موغلة في البداوة ، لم تزدها الأسفار الطويلة في متاهات الوطن إلا اعتناقاً عميقاً للبساطة ، لم تسرق منها المدينة ،فائق الانسيابية و منتهى الضحك الطفولي . الكتابة قدر و شرط انتماء ، الحرف التهاب و مداد حياة ، لا يكون مشروطا بتاء التأنيث ، ليعبر و يربك الحسابات ، يكفيه أن يكون مخلصا للقضية ، مشرقا في وجه الظلام ، محرضا على الحلم و التغيير .يكفيه أن يكون إبداعا من رحيق المعاناة و ندى الفجر الجميل . هكذا تتمثل كتابة الإنسان لا الذكور أو النساء ، و هكذا تواصل زهرة اللوتس بهاء القول ، تبشر بالربيع الزاحف ، بالشارع الدامي ، باليسار النبيل ، بغودو المنتظر ، بالإنسان بكل العنفوان .
تنشد و تردد أحلى نشيد على درب الحكي و الشعر و الترجمة و ما نعرفه و لا نعرفه من أجناس القول ، تظل اللوتس زهرة الغد الجميل ، بشارة الزمن العذب ، بلسم الجراح ، و بسمة في وجه الخراب و فزاعات النحيب و مشانق الرحيل ، تظل الزهرة رميج مبدعة قادمة من قارة الإنسان الجدير بالإنسان ، سائرة في حقول الربيع / الحلم ، ابتغاء المفازة القصية ، تظل دوما مخلصة للحب ، و منشدة لشموخ الإنسان . لأنها اللوتس قبل موعد الربيع.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد سيد بركة
- الزيارات: 6
عبد السلام العجيلي رائد القصة العربية القصيرة
محمد سيد بركة
أروع بدوي عرفته الصحراء، وأروع صحراوي عرفته المدينة، هذا ما قاله عنه ذات يوم الشاعر نزار قباني. إنه رائد القصة العربية القصيرة، هكذا عده القاص المصري يوسف إدريس. ولو حاولنا أن نعدد النعوت والأوصاف التي أطلقت على الكاتب السوري عبد السلام العجيلي (الذي غيبه الموت صباح الأربعاء الخامس من شهر أبريل/نيسان 2006م الموافق للسابع من شهر ربيع الأول 1427 هـ عن عمر يناهز الثماني والثمانين سنة، من مواليد العام 1918) لامتد بنا الوقت والمساحة. وهي صفات تؤرخ فعلا لتاريخ هذا الرجل، الطويل والمتنوع ما بين الكتابة والعمل السياسي ومهنة الطب التي مارسها طيلة عمره، مثلما هي تؤرخ لمكانته في الأدب العربي الحديث.
سيرة حياة
ولد العجيلي في مدينة الرقة التي تقع على ضفاف نهر الفرات عام 1918، لكن الوثائق التي كان يحملها الراحل كانت تؤرخ ولادته بعام 1912.
وتربى على يد جده الصارم تربية إسبارطية كما يذكر. وقد تلقى تعليمه الابتدائي في الرقة، وحمل الشهادة الابتدائية (السرتفيكا) عام 1929، ثم مضى إلى تجهيز حلب، لكن المرض أعاده إلى الرقة ليقضي أربع سنوات في قراءة كتب التاريخ والدين والقصص الشعبي ودواوين التراث الشعري. ثم تابع دراسته في حلب ودمشق ليعود إلى الرقة طبيباً، ويشرع باب عيادته فيها منذ ذلك الحين حتى نيّف على الثمانين، إلا أن يكون في واحدة من رحلاته الكثيرة، من دون أن ننسى فترتي النيابة والوزارة. وهنا يُلاحَظ بقوة أن العجيلي ظلّ يتحوط على حياته الشخصية، كما يتحوط على حياته السياسية، فلا يبقى للمرء إلا ما يقدر من انسراب السيرة في بعض كتاباته. ولا يخرج عن ذلك إلا النزر الذي ضمّه كتاب (أشياء شخصية - 1968).
لقد ظلت الكتابة واحداً من أسرار العجيلي حتى حمل البكالوريا. فقد نشر عام 1936 قصته الأولى «نومان» بتوقيع (ع ع) في مجلة (الرسالة) المصرية المرموقة. كما نشر بأسماء مستعارة قصصاً وقصائد وتعليقات في مجلة (المكشوف) اللبنانية وفي سواها من الدوريات الدمشقية إلى أن فضح السر سعيد الجزائري. ويبدو أن حياة العجيلي الدمشقية، طالباً ومن بعد نائباً، قد كانت بالغة الثراء. ففي عام 1943 فازت قصته «حفنة من دماء» بجائزة مسابقة القصة التي نظمتها مجلة الصباح. وفي عام 1945 شارك في رحلة إلى مصر، وحضر حفلة أم كلثوم السنوية حيث التقى بالشاعر أحمد رامي. كما أنجز في هذه السنة مجموعته القصصية الأولى «بنت الساحرة» والتي سيتأخر صدورها إلى عام 1948. وفي هذا العام نظم مع عدد من الظرفاء والكتاب «عصبة الساخرين» من بينهم سعيد الجزائري وعبد الغني العطري، وكان العجيلي من اقترح للعصبة اسمها.
وفي عام 1948 أيضا استقال عبد السلام العجيلي من عضوية البرلمان والتحق بجيش الإنقاذ، كطبيب، ومدافع عن الحق العربي في فلسطين. وفي حرب تشرين زار الجبهات التي دار فيها القتال، وقابل المتحاربين واستمع إلى حكاياتهم، وكتب رواية «أزاهير تشرين المدماة» التي كان يتمنى لها أن تتحول إلى فيلم سينمائي. وقال وهو يتألم على العراق: «لو كان بيدي أن أشارك مشاركة فعلية المعذبين والمضطهدين والمناضلين في العراق، ولو بأبسط الطرق، لكان ذلك أجدى في ما أعتقد من ألف صحيفة تكتب عن هؤلاء المعذبين والمضطهدين... فالكلام عن هذا الشر كلام موجه إلينا وحدنا، ولا يرضيني».
الأدب متعته وهوايته
طالما ردد العجيلي أن الأدب بالنسبة إليه متعه وهواية، بالكاد يبقى لها من وقته القليل الذي يفضل عما تقتضيه مهنة الطب والرحلات والأسرة وإدارة إرث أبيه منذ توفي عام 1963، وكذلك السياسة والشأن العام الاجتماعي والسياسي. وها هو يقول: «إنني لا أنظر إلى الكتابة الأدبية كعمل بل كنوع من أنواع السلوك». وهو لا يعني بذلك أي انتقاص من الاحتراف. غير أن العجيلي، بعد ذلك كله، كتب وبغزارة القصة القصيرة والمقالة والرواية، وهو الذي كتب في بداياته الشعر والمسرحية، كما كان لأدب الرحلات وللمحاضرات منه نصيب كبير.
ففي القصة القصيرة، وبعد مجموعته الأولى «بنت الساحرة» (1948) كتب المجموعات التالية: «ساعة الملازم» (1951)، «قناديل إشبيلية» (1956)، «الحب والنفس» (1959)، «الخائن» (1960)، «رصيف العذراء السوداء» (1960)، «الخيل والنساء» (1965)، «فارس مدينة القنطرة» (1971)، «حكاية مجانين» (1972)، «الحب الحزين» (1979)، «فصول أبي البهاء» (1986)، «موت الحبيبة» (1987)، «مجهولة على الطريق» (1997).
أما الرواية، فقد جاء العجيلي إليها أول مرة عام 1959 بروايته «باسمة بين الدموع»، ثم تتالت رواياته: «قلوب على الأسلاك - 1974» و «ألوان الحب الثلاثة - 1975» بالاشتراك مع أنور قصيباتي، و «أزاهير تشرين المدماة - 1977»، و «المغمورون - 1979». وسيكون علينا بعد ذلك أن ننتظر حتى عام 1998 قبل أن تأتي روايته «أرض السِّيّاد» ثم «أجملهنّ» عام 2001، ذلك أن ألواناً أخرى من الكتابة ستتقدم على الرواية، وفي رأسها (المقالة) التي تتلبس بها (المحاضرة)، وفيهما للكاتب: أحاديث العشيات (1965) - السيف والتابوت (1974) - عيادة في الريف (1978) - سبعون دقيقة حكايات (1978) - في كل واد عصا - 1984) - حفنة من الذكريات (1987) - جيل الدربكة (1990) - فلسطينيات عبد السلام العجيلي (1994) - محطات من الحياة (1995) - ادفع بالتي هي أحسن 1997) - أحاديث الطبيب (1997) ـ خواطر مسافر (1997).
في هذه الفئة من إنتاج الكاتب يأتي الالتباس أيضاً بالحكاية وبأدب الرحلات. وقد أفرد الكاتب لهذين اللونين الكتب الثلاثة التالية: حكايات من الرحلات (1954) - دعوة إلى السفر (1963) - حكايات طبية (1986). وإلى كل ذلك، للكاتب ديوان شعر وحيد هو «الليالي والنجوم» (1951) وكتاب واحد في المقامة هو «المقامات» (1963) وكتاب واحد ضمّنه محاورات صحافية هو «أشياء شخصية» (1968)، وكتاب واحد في المراثي التي تعيد الالتباس بالمقالة والمحاضرة، وهو «وجوه الراحلين» (1982). كل ذلك والكاتب هاوٍ، فكيف لو كان محترفاً؟
من تقنيات القص جرّب العجيلي الرسائل والمذكرات والأحلام والمونولوج والتفريع... ولئن كان ذلك يؤشر بخاصة إلى الكلاسيكية في القص - ومنه تقنيات السرد التراثي العربي - فليس يخفى ما كان للعجيلي من تجديد في هذه الكلاسيكية. ومن هنا جاء وصف القصة العجيلية بالكلاسيكية الجديدة أو النيوكلاسيكية. وتلك هي واحدة من بدائع ما كتب: إنها قصة «سالي» التي يرمح فيها الفضاء بين باريس واستوكهولم ومضرب العشيرة في البادية، فتُشرع بذلك الكوة على شاغل آخر يتعنون بـ (الشرق والغرب). ولسوف تشغل هذه الإشارة قصة «رصيف العذراء السوداء» أيضاً، وهي القصة التي تضاعف في قصص العجيلي التباس التجنيس بين القصة والرواية، بين القصة الطويلة والرواية القصيرة. كما تنسرب الحكاية إلى ما كتب العجيلي من القصة، وتتلبس بها، والأمر نفسه يبدو فيما كتب من أدب الرحلات ومن المقالة. والأمر هو كذلك فيما كتب من الرواية والمقامة.
الحكواتي
ولعل جماع ذلك يؤكد للعجيلي لقب الحكواتي إضافة إلى ألقاب الروائي والقاص والمحاضر والرحالة والمثقف، من دون أن ننسى لقبي الطبيب والسياسي، ومن دون أن ننسى الشاعر وكاتب المقامة. وهنا أذكر نص المقامة النهدية التي أرسلها نزار قباني من أنقره - حيث كان يعمل في السفارة السورية - إلى العجيلي الذي ردّ عليها بالمقامة القنصلية (1949) وسمى فيها نزار قباني بصريع الغواني أبي النهد الأشقراني، ومنها ما ينظمه العجيلي على لسان قباني معرّضاً بديوانه الأول «قالت لي السمراء»:
قالت لي السمراء انك باردُ/ فأجبتها بل أنت مني أبرد
ترمين بالنعل العتيقة عاشقاً/ يروي حكايات الغرام وينشد
وقد جاءت المقامة الباريسية (1952) في هيئة رسالة أيضاً أرسلها العجيلي من الرقة إلى صحبه في باريس، ومنهم عبد الرحمن بدوي ويونس بحري وأديب مروة... وبهذه المقامة ودّع العجيلي هذا اللون من الكتابة، من دون أن يتخلى عن السخرية والإخوانيات في بعض كتاباته التالية غير الإبداعية.
عن روايته الأولى «باسمة بين الدموع» يقول العجيلي إن رياض طه صاحب مجلة الأحد اللبنانية ظل يلح عليه حتى تعاقد معه على أن يكتب للمجلة رواية مسلسلة. وفي عودته من بيروت تدهورت سيارته فكتب عن ذلك الحلقة الأولى في الرواية الموعودة، ثم تتالت الحلقات، وكانت الرواية الأولى للكاتب.
وفي تقديم جاك بيرك لترجمة رواية «قلوب على الأسلاك» إلى الفرنسية تحت عنوان «دمشق القطار المعلق»، يصف بناءها بالكلاسيكي الضخم المحكم والسيمفوني والزاخر بعشرات اللوحات والأحداث والمحاور. لكن بيرك لم يأبه بالانشغال الكبير للرواية بالوحدة، وهو ما سيشغل رواية العجيلي التالية «ألوان الحب الثلاثة». ولقد كنت أثناء إقامتي في الرقة التقيت عبد السلام العجيلي في بيته بصحبة أنور قصيباتي، وحدثنا عن رواية لم يستطع إكمالها ولا ينوي العودة إليها، هي «ألوان الحب الثلاثة». وانتهى اللقاء بالاتفاق على أن يكمل الزائران الرواية، لكنني شُغلت عن الأمر بمشروعاتي، بينما تابعه أنور قصيباتي، فجاءت الرواية تحمل اسمه واسم عبد السلام العجيلي.
قدم العجيلي أربع روايات في سبعينات القرن الماضي. لكن ما يقرب من العقدين سينقضي قبل أن تأتي الرواية الخامسة «أرض السِّياد»، وبالفضاء نفسه الذي كان لرواية «المغمورون»: فضاء الرقة. ثم كان الختام في رواية «أجملهن» (2001).
بكل ما تقدم باتت لعبد السلام العجيلي مكانته الكبرى، مما جعل جان جولميه يقول فيه: «جوته وستاندال وفلوبير أسماء أعلام في الأدب مشهورة، وعبد السلام العجيلي يستحق أن يشبه بأساتذة فن الرواية الكلاسيكية هؤلاء». فأثر عبد السلام العجيلي الذي انطلق منذ ستين سنة من دائرته الصغرى (الرقة)، سرعان ما دوّى في الكتابة وفي الحياة الثقافية والعامة في الفضاء السوري بخاصة، وفي الفضاءين العربي والعالمي بعامة
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبد الله عقروق
- الزيارات: 5
تسعون مليون أمرأة عربية في عالمنا الحاضر
د. عبدالله عقروق . فلوريدا
تسعون مليون امرأة عربية في عالمنا الحاضر يردن المسير، بدون قيود الذكور
يردن المشاركة مع الذكور
ويردن أن يكن صاحبات قرار ، مثلهن مثل الذكور
يردن الحرية، دون التمرد على القيم، غير ما يفعل الذكور
يردن أبقاء الدين كهداية، وتعاليم الدين كواجب، لا كما يمارس الذكور
يردن أن يكن المعلمات لبناء الأولاد والأجيال، لا كما يهمل الذكور.
يردن أن يسايرن العلم والثقافة والنضوج، لا بأخذ القشور كالذكور
يردن أن يكن قائدات مرشدات عاملات، لا يتقاعسن كالذكور
يردن تحرير أوطانهن من الأستعمار لا كما باوعوا الوطن وما فيه كالذكور
يردن الإنخراط في عالم السياسة ليطبقن العدل لا كما ظلم عالم الذكور
يردن أن يحيين بالقيم والأخلاق والطهارة لا في العهر والخداع مثل الذكور
يردن النهوض بالوطن والعيش السليم والرغيد. لا كما خان معظم الذكور
يردن المساواة وحقهن في الدين والمجتمع لا كما فرق الشيوخ والذكور
يردن أن ينضمن إلى العمل والفلاح والإصلاح لا كما كسروا القيود الذكور
الذكور يفهمون الدين من منظار مثنى وثلاث وأربع . تزوجتها على سنة الله ورسوله . روحي أنت طالق بالثلاث
يأخذون المرأة لحمه ويرموها عظمة
المرأة بناءة، تحمل وتلد وترضع وتربي وتفدي روحها لبعلها وأولادها
والرجل يهدم ويبطش ويحارب ويستغل الدين لمأربه فقط ولملذاته وانبساطه
يا أيتها المرأة قولي كلمتك، "يا أيها الرجل خلقنا الله سبحانه وتعالى متساوين، دعونا نعمل بيد واحدة، لننهض بالوطن والأمة" إن رجلين في السباق خير من أن يركض الرجل برجل واحدة. بالرجلين معاً سنصل إلى خط النهاية
- التفاصيل
- كتب بواسطة: حنان بديع
- الزيارات: 4
ماذا اكتشفنا مع طوني بارود ؟
حنان بديع
هل اكتشف المقدم طوني بارود البارود في برنامجه النرجسي العنوان (اكتشفنا البارود)..
ربما في اعتقاد البعض كونه يتمتع بنسبة مشاهدة عالية، لكن رغم الأساليب الساذجة والمقصودة للفت الأنظار وإضفاء بعض الحيوية على فقراته التي ركزت على معرفة الجوانب الخفية أو الخاصة من حياة الفنان أو الضيف فإن مستوى البرنامج ومدى نجاحه ليس الموضوع الذي استفزني كمتابعة وكاتبة من وجهة نظري للتدخل بقلمي بقدر ما لفتني ذلك التكريم الذي اعتاد طوني بارود على تقديمه لضيوفه حتى أصبح طقساً خاصاً في برنامجه ربما لم يسبقه إليه أحد .
هذا التكريم الذي هو عبارة عن شجرة أرز حفر عليها اسم الفنان مما يعني أن هناك شجره أرز في جبل لبنان تحمل اسم الفنان تخليداً له وشاهداً على عظمة فنه ومسيرته حتى استحق أن يصبح رمزاً من رموز لبنان.
هذه اللفته كانت أكثر من رائعة عندما تم تكريم الفنان الكبير ملحم بركات وهو بعظمته الفنية بدا متأثراً للغاية كونه يعرف تماماً ماذا تعني الأرزه وقد أجاب معلقاً بأن هذه الأرزه باقية عندما يرحل هو، لكن عظمة هذا التكريم وجماليته اغتيلت عندما تكرر التكريم بنفس الطريقة لتصبح تقليداً متبعاً وإحدى فقرات البرنامج مع كل ضيوفه الآخرين من فنانين وإعلاميين ومذيعين إلى الحد الذي سمح لبعضهم بتشبيه هذه الأرزة التي هي شعار وطني إلى مجرد عشبه فهل يجوز توزيع تكريم كهذا لجميع من استضافهم البرنامج في كل حلقاته وهل تكون مجرد الشهرة كافيه للحصول على تكريم معنوي كالأرزه برمزها الخالد ؟
كلنا يعرف أن شجرة الأرز ترمز إلى القوة والقداسة والخلود وتنمو أشجارها منذ عهد بعيد على جهات من جبل لبنان حتى أصبحت سمة بارزة لهذا البلد ترفرف بها أعلامه، وهو الأمر الذي تدركه تماماً اللجنة المسئولة والتي يبدو أنها لم تتردد في تحويله إلى سلعه!
لذا فان برنامج (اكتشفنا البارود) لا يبدو أنه أكتشف شيئاً لكنه ابتكر أسلوباً جديداً للمرح والضحك وابتكر أيضاً أسلوباً جديداً للتقليل من قيمة الأرزة وجوهر التكريم واكتشفنا معه أن ليس كل تكريم هو تكريم في مكانه الصحيح.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: معصوم خلف
- الزيارات: 5
المقاومة الفلسطينية .... ضمير الأمة
بقلم : معصوم محمد خلف
عن أبي أمامة الباهلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين لعدوهم قاهرين لايضرهم من خالفهم ولا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك " قالوا: يارسول الله وأين هم ؟ .. قال:"ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس" . أخرجه الإمام أحمد .
أيامٌ حالكة السواد تمر على الأمتين العربية والإسلامية وهي أشد ما تكون ضعفاً وتمزقاً ومظلمة لم تشهدها البسيطة من قبل .
في وقتٍ كانوا هم الذين أضاؤوا للعالم سراج المعرفة ونشروا بذرة الخير وأعطوا للحيوانات والنباتات قوانين الحماية والعطف في الوقت الذي كانت فيه الإمبراطوريات الأخرى تقوم بحرق الإنسان ، كما حملوا لهذا الكوكب المثل الفاضلة والقيم النبيلة والأخلاق الحسنة والسيرة الطيبة .
ومع ذلك فإن أعداء الأمة يتربصون لها الدوائر ويكيدون لها العداء سراً وعلانية وخاصّة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول سنة 2001م حيث كشّرت عن الوجه القبيح لهم ، فبدأت وسائل إعلامهم في تشويه صورة الإسلام وزرع الحقد والكراهية وشرعت في قلب الموازين ، ورسم الخطط والبرامج في مواجهة هذه الأمة .
لقد أصبح العرب والمسلمون قطعاً متناثرة ليس لهم وزن ولا صوت ولا قوّة ... لأنهم متفرقون ومنصرفون إلى أشياء أُخرى بعيدةٍ عن المنهج الربّاني الذي جعل العِزة والقوة من أولويات شؤونهم .
ففي الوقت الذي يجتمع فيه أعداء الأمة في خندقٍ واحد ، بدون أن يجمعهم صلة ولا لغة ولا تاريخ ولا دين ... ولكن الشيء الذي يجمعهم ويؤلف بين قلوبهم هو عدو مشـترك " ألا وهو الإسلام " .
ورغم المفارقة العجيبة والدهشة الغريبة أننا نحن المسلمين تربطنا دستور واحد وتاريخ مشترك ولغة القرآن الخالدة والتي ينطقُ بها أطفال فلسطين وشباب طهران وفتيـــان اندونيسيا وشيوخ باكستان ومراكش ودمشق والدوحة وعمّان .... في نغمة واحدة وروحانية مشتركة .. إلا إننا رغم ذلك كله فإن التفرق هو كبرى مشكلاتنا والتخلف عن ركب الحضارة والتصنيع هو السمة التي تميّزنا عن غيرنا ، وأن سبب ذلك كله هو أننا لم نعط ِ حق العقلنة الكافية لمفهوم الكلمة الأولى التي نزلت على سيّد ورسول هذه الأمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهي كلمة / اقرأ / التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً مع الكرم الرباني / اقرأ وربُّك الأكرم / ، فهي أول كلمة في آخر رسالة ولم تكن كلمة أُخرى من الكلمات العبادية أو السلوكية الأخرى .
فالمؤسسة التعليمية ينبغي أن تعلمنا كيف نجلس على رقبة العملاق ، المؤسسة التي تجعل صلتنا بالخبرات البشرية المتراكمة صلة صحيحة ، إنه ليس شيءٌ مثل العلم يبني التجاوز ويصحح الخطأ ويدل على المراحل المقبلة ، فالنهم بالقراءة والمطالعة النافعة يبيّن لنا ماذا نقرأ وماذا نترك ... وإنه مما يخجلنا أشد الخجل أن نحاول الكتابة في موضوع ما .. ونحن لم نطّلع على ما قيل في ذاك الموضوع ،ونحن هنا ربما نكون أُمناء أمام أجيالنا القادمة حين لا نحملهم الآصار والأغلال التي نحملها ، ونكون صرحاء أمامهم وأمناء على عرض الحقيقة بألا نكتمهم الحق ليتدبروا أمرهم وليخرجوا من القمقم الذي نعيش فيه ،
وكون / اقرأ / أول كلمة في آخر رسالة إشارة إلى عهدٍ جديد في التلقي عن الله، إنها آيات الله في الآفاق والأنفس التي ستُظهر للناس الحق وهذه الآيات إنما تُحفظ دلالاتها بالعلم والقراءة ، فبالقراءة يحصل الإنسان على علم الأولين جميعاً ، وبالقراءة يرقى الإنسان الدرجات العُلا ، وفي هذا يقل عليه الصلاة والسلام : " اقرأ وارقَ " أي على قدر القراءة تنال الدرجات العُلا وتنال الرقي والعلو والارتفاع ، والاستعمال التقليدي للحديث الشريف يقصده على القرآن الكريم ، وعلى الرقي في اليوم الآخر فقط ، ولكن- كما يقال في علم الأصول – الأمر ليس بخصوص السبب بل بعموم الحال ، وبهذا الاعتبار يمكن أن يعمم الموضوع فيشمل قراءة القرآن الكريم وغيره ، لأن القرآن يأمرنا بالسير في الأرض والنظر كيف بدأ الخلق ، ويمكن تحصيل نتائج السير والنظر بالقراءة ، فالقرآن يوسع لنا مجال القراءة ، وان قراءة أي كتاب يهيئ الباب لقراءة غيره ، وليس الرقي للقارئ في الآخرة فقط ، بل إن آيات الآفاق والأنفس تدل على أن القارئ هو الذي يرقى ويرتفع في الدنيا أيضاً ،
لذلك فأمتنا منذ أن هجرت كتاب الله تعالى وما فيه من نصح وإرشاد وتعليم ، فقد أصبحت تجني أشواك تخلفها وضياعها ، لأن الجهل بدأ يتسرب إلى معالم هذه الأمة من جميع الجهات ومن كافة الأماكن .
ولا أقول الجهل بمعناه اللفظي ولكن الجهل الذي جعلنا نعجز في اللحاق بركاب الحضارة من التطور والابتكار والتكنولوجيا ، بالرغم مما نملك ، فلدينا إرهاصات جديرة بالعناية وجامعات عدّة وعريقة ، ولدينا انجازات ولو انها مبعثرة ، ولدينا عقول وإن كانت مهملة وغير معتنى بها – وأغلبها تحتضنه هجرة العقول والأدمغة .
كما يلزمنا الترميم والإنفاق والتفعيل للأغراض البحثية العلمية النبيلة التي قامت مـن أجلهـا .
فالذي نعانيه اليوم هو حصيلة سنوات عديدة ولا يمكن في هذه الساعة أن نتجاهله أو نضع له المبررات والأعذار فتلك مناقشة لا يمكن أن نحصد منها إلا الخيبة والهزيمة .
وإن هذا الذي نحن فيه أصبح واقعاً يجب أن نعايشه ونحتاط له بكل مافيه من سلبيات واضحة ، وايجابيات قد تظهر على السطح ... ولكي لا نصبح لقمة سائغة في زمن نواجه فيه التحديات الجسام .
فمن ضمن واقعنا المتردي ، نواجه عدواً شرساً ، جعل من التدمير والتشريد والقتل واغتصاب الأرض برنامج حياة ، أمام شعب أعزل ومحاصر ومشرد ولا يملك في يده إلا الحق والحجر .
هذا العدو يملك أكبر ترسانة سلاح بجميع أنواعها حتى المحرمة علينا فهي محللة له ، إضافة إلى الدعم الاقتصادي من الدولة التي تنادي بحقوق الإنسان / الولايات المتحدة الأمريكية /
وتستعمل سلاح الفيتو في مجلس الأمن ضد أي مشروع يدين هذه العصابة المجرمـــة إسرائيل.
أمام هذا الواقع المر خرجت المقاومة الفلسطينية من رحم تلك الآلام والعذابات لتدافع عن مقدساتها وشعبها وأرضها ، كونها تملك مشروعية الدفاع ضمن قوانين السماء وقبل معاهدات ومواثيق الأرض ، فالدفاع عن الأرض حقٌ أوجبه الشارع على البشرية جمعاء ، حتى إن الدفاع عن النفس غريزة راسخة في التكوين البشري وقد تجاوزت تلك الغريزة حتى باتت موجودةً لدى جميع الكائنات الحية ،
ففي الوقت الذي يتم اعتقال الألوف وتهديم البيوت بشكل عشوائي مع سياسة القهر والتجويع لهذا الشعب الأعزل ، فهو يتعرّض أيضاً لحملةٍ إعلامية شرسة من خلال أبواقها المتمركزة في الغرب ، لتجعل من الجلاد الضحية ،
فالجيش والمجتمع الإسرائيلي يتعامل مع الإنسان الفلسطيني من منطق الإبادة والقضاء عليه أو ترحيله من وطنه ، ليفسح المجال أمام هجرة يهود العالم إلى فلسطين .
فالاحتلال الإسرائيلي ليس استعماراً خارجياً أو غزواً للأرض الفلسطينية والعربية فحسـب ، بل هو أخطر أنواع الاستعمار الاستعماري العنصري الإحتلالي الإجلائي وهو شكل مغاير لأنواع أُخرى من الاستعمار كونه إجلائياً / لليهود / واقصائياً إجلائـياً / للعرب والفلسطينيين / فهو أبرز مظاهر العنصرية في آخر مراحلها في العالم ، وهو أسوأ الأنظمة العنصرية قمعاً بعد زوال آخرها في جنوب أفريقيا منذ عقد ونصف العقد ، ويحاول استنساخ تجربتها " الأبارتيد " لتسييد العنصر / اليهودي / واستعباد العنصر والجنس / العربي الفلسطيني / ضمن مشروعه التوسعي الإمبراطوري في المنطقة
" من الفرات إلى النيل " فهل مقاومة هذا الاحتلال بنظامه الصهيوني هي إرهاب حقاً ؟
كما إن العقلية العنصرية الحمقاء للكيان الصهيوني تفسر الغريزة والتكريم التي يتمتع به الجنس البشري لها وحدها ، دون جميع المخلوقات وتدّعي أنها الكيان المقدّس والمشرف والمميز والمفضل ، وهذه في الحقيقة تعدُّ تجاوزاً حتى في حقوق خالق الكون ربنا سبحانه وتعالى ، الذي بيده مقاليد السموات والأرض ، فالذي يطالب الإلوهية على الناس وهي حق من حقوق الله تعالى ، هو الكائن الذي يملك جميع وسائل الإفساد والفاحشة والعنجهية والغطرسة والعنصرية والافتراءات والأضاليل المدسوسة لنشر الظلم والخراب والقهر على ظهر هذه البسيطة .
لقد أثبتت الوقائع أن الشعب الذي يقاوم الاحتلال والظلم هو الشعب الذي يستطيع العزف على أوتار المستقبل ، فالمقاومة الفلسطينية هي النواة الوحيدة والمشرقة والقادرة على صياغة جميع الملفات التي تخص الحق الفلسطيني برؤية موضوعية وفكر ثاقب لرسم الخطط المستقبلية بكل جرأة وتحدٍ كبيرين ، ولتكشف للعالم المصداقية الساطعة في زمن الضبابية الحاشدة والكثيفة تجاه الحق والعدل والكرامة .
والمقاومة الفلسطينية تبقى الشعلة المتوقدة التي تنير الطريق أمام الأجيال القادمة لتجعل من روحها منبراً يعتلي صهوتها أولئك الذين يرسمون للفجر المرتقب كتاباً مفتوحاً وملاحم خالدة تُنعش النفس الأسيرة والجسد المنهك والقلب الحزين .
القدس الشريف في الذاكرة الإيرانية المسلمة :
فمنذ أن ولد الكيان الصهيوني المسمى/ إسرائيل/ على أرض فلسطين والقدس الشريفة ، بدأ الإمام الخميني / رضي الله عنه ، بالتبليغ ضده ، والدعوة إلى محاربته ، وتقديم الدعم الكامل على كل المستويات إلى الشعب الفلسطيني المسلم ، وبشكل مفتوح إلى فصائل الحركات العسكرية المناضلة والمجاهدة لأجل إعادة فلسطين والقدس إلى حظيرة الإسلام والمسلمين ، وتحرير القدس من رجس اليهود والصهاينة ظلَّ حلماً حبيباً من أحلام الإمام رضي الله عنه ، حيث خالط لحمه ودمه ودماغه ، ولم يفارق باله منذ اللحظة الأولى لولادة الكيان العنصري الصهيوني في الجسم الإسلامي ، وقد دلت على ذلك مواقفه السياسية المتكررة وسيرته العملية الصادقة منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران وحتى اللحظات الأخيرة من وفاته ولأن مواقفه تجاه هذا الشعب المظلوم يشهد لها القاصي والداني حيث دلت على :
- إقفاله السفارة الإسرائيلية في طهران ، وإعطاء مبناها إلى الثوار المسلمين الفلسطينيين .
- دعوته إلى تشكيل جيش العشرين مليون من أجل تحرير القدس.
- إقفاله أنابيب النفط التي كانت تضخ من طهران إلى الكيان الصهيوني في زمن الشاه المقبور ، وإلغاء كافة المواثيق والمعاهدات الاقتصادية والأمنية والإعلامية التي أبرمها الشاه مع ذلك الكيان الظالم .
- تكفّل بمعالجة جرحى الانتفاضة الفلسطينية ، وتوفير مستلزمات العيش الكريم لعائلات الشهداء فيها ، وقدم الدعم المادي بمقدار الممكن الذي يفوق دعم العرب مجتمعين كافة في كل الأحوال .
- وحينما أعلنت المقاومة الإسلامية الجهاد المقدس ضد اليهود والصهاينة في لبنان وفلسطين ، أعطاهما من دعمه المادي والمعنوي ما لا حد له ولا وصف .
- إعلان الإمام رضي الله عنه بأن القدس للمسلمين وليس للفلسطينيين فحسب ، لأن الواقع العقائدي لقضية القدس هكذا ، وبالبعد السياسي من المهم جداً أن تكون مسألة القدس مسؤولية جميع المسلمين في العالم .
- وبرحيل الإمام رضي الله عنه إلى جوار ربه ، ترك في قلبه أمنية أن يصلي في محراب المسجد الأقصى أو على مشارف القدس ، وأن يخضب لحيته بدماء الشهادة في مسجدها أو على مشارفها ، وهو يخوض غمار الجهاد مع المجاهدين ضد الصهيونية أعتى وأطغى عدو للإنسانية والمسيحية والإسلام .
- دعى إلى يوم القدس الذي هو يوم عالمي ، وليس يوماً يخص القدس فقط بل هو يوم مواجهة المستضعفين للمستكبرين ، إنه اليوم الذي يجب أن ننهض لإنقاذ القدس ، ويقول في ذلك :" إننا نطلب من جميع القوى الكبرى في يوم القدس أن ترفع أيديها عن المستضعفين وتلزم أماكنها ، إن إسرائيل عدوة البشرية وعدوة الإنسان ، وفي كل يوم تخلف فاجعة وتحرق إخواننا في جنوب لبنان ، إن على/ إسرائيل/أن تعلم أن أسيادها قد خسروا موقعهم الاجتماعي في العالم ، ولا بدَّ لهم من الانزواء ، ولا بد لهم قطع أطماعهم في إيران ، ويجب أن يمنعوا من التدخل في جميع البلدان الإسلاميّة ، إن يوم القدس هو يوم إعلان هذا الأمر وإعلان أن الشياطين يحاولون إخراج الشعوب من الساحة ليفسح المجال لتدخل القوى الكبرى . إن يوم القدس هو اليوم الذي تقطع فيه آمال الأعداء وليقتنعوا بأن زمن حكمهم قد ولّى إلى غير رجعة " .
إن المقاومة الباسلة التي تسلكها إخوتنا الأبطال في ساحات الشرف والكرامة أمام العدو المتغطرس ، هو الذي يهزُّ عروش الظالمين من مشارق الأرض ومغاربها ، وإن سلاح الاستشهاد في تلك المرحلة سلاح فعّال قادر على تصويب الهدف بدقة متناهية ، ليجعل من جسده الشريف الطاهر شظايا محرقة وقنابل مدوية تخترق أجساد الأعداء ،
كما إن سلاح الاستشهاد له مميزات عديدة أهمها :
- سلاح بشري حسي روحاني يلتقط الهدف باستيعاب شامل في الوقت والمكان المحدديـن .
- سلاح يزرع الخوف والرعب في قلوب الصهاينة ومن يلونهم بجميع طوائفهم من خط المواجهة وإلى أبعد نقطةٍ آمنة .
- إنه السلاح الوحيد والورقة الأقوى في دائرة الصراع العربي الإسرائيلي أمام العنف المفرط والإرهاب المنظم للكيان الصهيوني ، ذلك لأن كل سلاح مدرع لابُدَّ أن يكون له قائد وسائق وطاقم ورامي وغير ذلك إلا أن سلاح الاستشهاد يقوم باختصار جميع المهام في شخصية واحدة ، لذلك تكون العملية فريدة في الأداء ونوعية في المقاومة .
- إن سلاح الاستشهاد سلاح نوعي خفيف الاستيعاب فالمقاوم الذي يتأهب لتنفيذ عملية استشهادية لا يلزمه معسكرات تدريب ولا ضباط توجيه ولا أجهزة رصد ورادارات ، فيقوم بعمل ذاتي طبقاً للممارسات العدوانية التي تشنها الجيش الإسرائيلي فيزيده حماساً وقوّة وعزماً وتصميماً .
- إن سلاح الاستشهاد هو السلاح الذي يترجم للعالم أن الدم الفلسطيني ليس مستباحاً أمام القوة العسكرية والتقنية الحديثة ، ويصف في الوقت نفسه أن الدم الفلسطيني ليس أقل شأناً من دمائهم ، فحين تنفيذ عملية استشهادية تقوم الدنيا دفاعاً عن تلك الجثث الظالمة ، ويتم التنديد بشكل سافر واستفزازي ضد العملية البطولية ، أما عندما تدمر الآلة العسكرية الإسرائيلية البيوت على ساكنيها وتدمير البنية التحتية للسلطة الفلسطينية وبناء الجدار العنصري على الأرض الفلسطينية ...
كل ذلك لا يحرك ساكناً ، لذلك تبقى العملية الاستشهادية الطلقة الناطقة بالحق في معادلة التوازن والثأر .
-إن سلاح الاستشهاد يقف اليوم أمام أكبر ترسانة عسكرية ومدعومة من القوى الأجنبية الكبرى .. ورغم ذلك فسلاح الاستشهاد هي التي تقلب موازين الشر على رؤوس أصحابها ، لتجعل الأمة تستنهض من جديد بكل ثقةٍ وجدارة .
- إن سلاح الاستشهاد يخفف كثيراً من الهجرة اليهودية إلى فلسطين ، وإن العمليات النوعية التي نجمت عن سلاح الاستشهاد هجّرت مستوطنين من خطوط الالتحام إلى مناطق أخرى ، فالواقع الذي يعيشه الشعب الفلسطيني وسط حصارٍ ظالم وتدمير للبنية التحتية للسلطة الفلسطينية وتقطيع للأرض وإحراق الشجر والحجر ، ما هو إلا دليل قاطع على الأسلوب الاستعماري الذي تنتهجه عصابة الإجرام ضد الشعب الفلسطيني ، مما يجعل من الكرامة الفلسطينية هويّة غائبة ، لذلك يتطلب أمام كل هذا العدوان موقفاً شجاعاً تقفه كوادر المقاومة الفلسطينية بجميع فصائلها في بناء جيل مؤمن يتخذ من العملية الاستشهادية رداً عنيفاً للغطرسة والقتل والتدمير ،
وإن هؤلاء الذين يحملون أرواحهم في كبسة زر أو في حزام ناسف فهو ينهي بذلك سلسلة من الآلام والآهات التي يتعرض لها كل يوم وكل لحظة وفي نفس الوقت يرسم خطة مستقبلية لكفاح طويل ومقاومة عنيفة ،
فمن هذا المنطلق الحي والنادر يتم بناء قاعدة شمولية تتكفل في الدفاع عن الأرض والوطن والكرامة ، إنهم المجاهدون والمرابطون الذين يحدّقون في الأفق البعيد كي يعيدوا للطفل الابتسامة وللتلميذ حقيبته المدرسية وللفلاح أرضه وللمقاتل حدائق فوّاحة من عطر الوطن الذي تتخذ منه العروس حنّاء ً ليوم زفافها .
حقائق يجنب ألا تُنسى :
- إن قضية فلسطين ليست قضية الشعب الفلسطيني وحده ، وإنما هي قضية الأمة المسلمة كلها ، وقضية كل مسلم في الأرض حيثما كان ، وكل نهج لا يقوم على هذه الحقيقة لا يدرك النجاح ، لأنه خالف قاعدة ربانية أساسية .
- أن تكون فلسطين ملك الإسلام والمسلمين هي حاجة البشرية كلها ، لنشر الحق والصلاح في الأرض .
- إنها كذلك حاجة العالم الإسلامي ، فسقوطها يهدد كل قطعة في العالم الإسلامي بالانهيار ، ولا يزال صدى تصريحات الظالمين في الأرض يدوي ليعلن عدوانهم وإفسادهم وحربهم على الإسلام .
- لا يستطيع كل قطر أن يجابه عدوان الظالمين والمعتدين وحده ، فلا بدَّ من قيام صف الأمة المسلمة الواحدة كالبنيان المرصوص .
- إن موائد السياسة الدولية لا مكان لها للمستجدين ولا للمستكينين ، ولن ينال هؤلاء منها إلا مضاعفة الشر والخسران .
- لقد مرّت قضية فلسطين بجميع مراحلها دون أن يكون لها نهجٌ محدد ومفصل ودون أن يكون التصور الإيماني الذي عرضناه مطروحاً وثابتاً في القلوب والمواقف والنهج ، وان حاول فريق من الثبات تنازل قطاعٌ واسع من الأمة ، ومن حاول الثبات اختلطت معه الشعارات والولاآت .
- أراد الكثيرون حلولاً محددة سريعة القطاف على عجلة وثورة عواطف وهيجان شعارات ، وعلى غفة وجهل وشقاق ونفاق ، وعلى جدل من أرائك الراحة والمراء والمصالح الشخصية والعرض الزائل ويكثر الجميع اللوم ، وقليل من الناس يلوم نفسه أو يحاسبها ، وقد تجد الرجل يريد من الناس كافة أن يغيروا ما بأنفسهم ويظل هو يقف موقف الواعظ الذي لا يرى في نفسه حاجة للتغيير ، قتله الكبر والغرور وباء بالخسران ولو صدق لبدأ بنفسه أولاً .
- السبيل والمخرج :
- إن النصر من عند الله ينزله على من يشاء .
- فإما أن يكون الصراع بين الظالمين فيولي الله بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون .
- وإما أن تكون فئة مسلمة وعدها الله بالنصر إن نصرت هي الله ، وإن أوفت بعهدها ، وإن آمنت وصدقت ، وإن عملت الصالحات وفصل منهاج الله ، وهذه الشروط الضرورية لنزول النصر من عند الله تفصيلاً لا يدع حجةً لأحد .
- سيبتلي المؤمنون ويمحص ما في قلوبهم ليكشف الله مافي الصدور ولتقوم الحجة على كل إنسان أو تقوم له ، وإن من أهم هذه الشروط الإيمانية قوله سبحانه وتعالى : " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون " سورة هود 113
- الجهاد اليوم فرض على المسلمين كافة ولكن الجهاد نهج وخطة ونية وعزيمة وتكامل وتناسق ، فإذا كان الجهاد العسكري معزولاً عن سائر أهداف الأمة المسلمة فلا بد أن يتكامل النهج والجهد والأهداف على أساس من منهاج الله والواقع وصفاء الإيمان والتوحيد وقوّة الممارسة الإيمانيّة والخبرة .
- إن المعركة الحقيقية تبدأ من أنفسنا حتى تذوب كل العصبيات الجاهلية ويصدق العلم بمنهاج الله والواقع .
- لا بدَّ أن يعود كل مسلم ليحاسب نفسه وأن تعود كل حركة إسلامية بمحاسبة نفسها ، لابد من وقفة صادقة ومراجعة ومحاسبة ونتق وتناصح حتى تمهد الطريق إلى لقاء المؤمنين الصادقين الذين يرجون الله والدار الآخرة وليكون لقاء على الحق الذي يرضي الله لا على الأهواء والشهوات والعرض الزائل .
- إن لقاء المؤمنين ضروري لبناء الأمة المسلمة الواحدة وأن بناء الأمة المسلمة ضرورة لتحقيق الشروط التي نرجو بها رحمة الله وعفوه لينزل نصره علينا .
خاتمة :
في هذا القرن المشئوم سقطت الخلافة الإسلامية ، ونكست راية الإسلام واختفت من الصعيد العالمي كل علاقة تشير إلى وجود سياسي لهذا الدين الحنيف ، نعم كانت هناك أُمم إسلاميّة كبيرة تنتشر على رقع واسعة من الأرض ، لكن هذه الأمة لاذت بقومياتها الخاصّة ، ولبست أزياء مدنية مائعة ، وأغلبها استبعد الدين من الحياة العامة ، وأماته تربية وقانوناً ومسلكاً وشعاراً ، في الوقت نفسه كانت تعاليم العهد القديم لليهودية الكاذبة تصنعُ أُمة جديدة .
الموروثة وكانت الصليبية الحقود تُعينها بما تملك من قوّة ، احتضنتها أملاً مستبعداً وما زالت ترعاها حتى جعلتها حقيقة قائمة .
وهكذا أفلحت القوى الشريرة في ضرب الحق ، وتغيير معالم الدنيا وقيل في كل مكان : بدأت نهاية الإسلام تقترب ، يوشك أن يوارى في التراب .
شاهت الوجوه ! ! هم يحسبونها النهاية ، ونحن نجعلها بداية الصعود مرة أُخرى .
إن حقائق القرآن لن تتلاشى ، و الأساطير التي كذبت على الله وعلى الناس لن تُخلد ، إن الصراط المستقيم لن تُطمس شاراته أو تُضيّع آياته ، وعلى مسلمي الحاضر والقادم أن يواجهوا قدرهم ويؤدوا واجبهم ، الأعداء كثيرون والعوائق صعبة ، والكفاح طويل ، وربما صاح المرء وهو يودع محنة ويستقبل أخرى : أما لهذا الليل من آخر ؟
إن الفجر سيطلع حتماً ، ولأن يطوينا الليل مكافحين أشرف من أن يطوينا راقدين
" من خاف أدلج ومن أدلج نجا ، ألا إن سلعة الله غالية ، ألا إن سلعة الله الجنّة " .
مراجع البحث:
1ـ اليهود المعتدون ودولتهم إسرائيل ، محمد الغزالي الدار الشامية بيروت ط1 1420هـ 1999م
2ـ فلسطين بين المنهاج الرباني والواقع د/ عدنان علي رضا النحوي الرياض ط4 ،1414هـ 1993م
3 ـ اقرأ وربك الأكرم ، جودت سعيد ، دار الفكر دمشق
4 ـ الأصوليون اليهود بين أساطير التوراة والعلم الحديث ، د/ منى إلياس دار الفكر - دمشق .
5ـ الإرهاب الإسرائيلي وشرعية المقاومة والعمليات الاستشهادية د/ غازي حسين ، دمشق .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: مصطفى غلمان
- الزيارات: 4
فانطازيا آكدير أو الرحلة إلى بلاد سوس ماسة درعة
مصطفى غلمان
الرحلة إلى الروح، مثل الرحلة إلى الأرض. والأقرب إلى التأمل أن الروح والأرض عاشقان مميتان. بينما الروح تثرى في الهزيع الأخير من الحياة، تكون الأرض قد دارت على شمس بيوضها لترتاح من جاليليو. ثم إن الأرض أقرب إلى الأفكار منها إلى الغائب. وعموما فهذه النظرة المتصوفة لمعنى الترحال الفانطازي تومئ إلى إمكانية نشوب تواطئ بين العرفان والبيان وبين البداوة والحضارة، وبين القيد والتقيد. بلغنا المراد، وها نحن في المتن الأول من الرحلة، حيث تتحول الجسور إلى دوافع قوية لانتقال كبير، من لحظة الإيماء إلى لحظات داهمة تتوسل الأوثاق فيها نشوب أصوات متاخمة للنص. النص البوليميك، والنص الباطن والظاهر. والأهم، أن نكون بحاجة إلى مداولة جدلية، يلتقي فيها الواقع بالخيال، والحلم بالحقيقة، والأمل باللاأمل.
مراكش آكدير الطريق السيار والحاج محمد القنور
التعبير عن ضياع اللحظة هو من صميم الامتداد الزمني. والضياع ليس حسماً لمسبار الوجود ذاته. نتكفل نحن بوضع ميكانيزمات ضاغطة ليكون النص السيار، هو الطريق القادم الذاهب إلى المحج الآكديري. والأقوى في كل شيء، أن يكون الأديب المراكشي محمد القنور هو شعار هذه الغدوة العاشقة لمدينة نصعد إليها، وهي تأتينا من حيث لا ندري
البرنامج مشروع الرحلة إلى آكدير يقف عند هذا التقاطع من طريق يعبدها القنور، بصحوته المبطنة واستغاثته المبصرة وحضوره السيروري. لن يكون صعباً أن تمر على الحواف القاتلة لطريق محفوفة بالمخاطر، نرى أنفسنا فوق صخور مستبدة وظلال نازفة حد الصمت. ولكن الرؤية بمنظار الحاج القنور، وهو يوغل في حجم ضياعنا، وبتلك الشحنات الكامنة في انبثاقه وانطلاقه الترصيعي، يضع الحد لمخاوف السقوط، من قمة الضياع إلى قمة الوجود. خط وحيد يفصلنا بمجال الأرض، تلك السمة البارزة التي يتمكن الأديب القنور من توصيلها عبر أسلاك مرصصة بوقود الضحك حد البكاء، وحد تداول العبر، وبينهما نعود لنخفف الوطء، ويتكلم الشاعر عبد الرحيم عاشر في كل مرة وحين..
الصحفيون بآكدير ينتشلون التعليم من أزمة الليل عندما يستيقظ العالم ينام كل شيء بآكدير. غير أن الأكاديمية الجهوية للتربية والتعليم، والتي يضطلع بشؤون إدارتها أحد أعلام الأدب والنقد المغربي الدكنور حنون مبارك، لا تنام البتة. ليلها مثل نهارها، ووريد شريانها يمتد أفقيا عبر حلم سادر ومتجاسر.
هناك يقف التفراوتي وباكريم وبركة والحمزاوي وليعيوط يستبدون بباب الفندق الفخم، يتبادلون القبل الجانبية، على شرفة وجود آخر بعبير الاحمرار المراكشي. وفي كل شيء يعبر صوت الدكتور حنون ليبيد الإرهاق في نفوسنا ويزل الغشاوة عن بيداء وقت يسرع بخطى كبرى .
ليس جديداً أن نستمع لعرض موثق، عن حالة التربية والتعليم بسوس ماسة درعة. لأن الأمر لا يدعو إلا لانتظار متأن ومحاولة سبر العلائق ووضع المقاربات، لنحصل على المعلوم. بيد أن الداعي للمزيد من التأمل، المساحة الجغرافية الشاهقة التي لا تحدها الأبصار المرئية وأنت تتخيل مدى فرادة الجهد التي تقوم به الأكاديمية لتغطية وتدبير القطاع. القرى الكثيرة والمتكدسة في أعالي الجبال الشاهقة وفي تخوم المداشر والجهات والمدن الصغيرة المكونة للولاية. والتعداد الصارخ للمطالب التي لا تتوقف عن الصراخ. والمشاكل الهيكلية التي تنوء بحملها جبال سوس ذاتها.
أين المفر؟ بل إن الإقبال على تسيير هذه الإمبراطورية الصغرى داخل مملكة بأكملها تحتاج لطاقم حكومي مستقل وأجهزة مخبرية دقيقة، وآليات ضخمة من الهليكوبتر إلى الإبر الصغيرة؟
ما الذي سيفعله الدكتور حنون وبطاقم إداري متواضع، غير الوقوف داخل واد من الحجارة والسجال، في ثورة مشحونة بالتحدي والرهان على المستقبل، ليقدموا شيئا صادقا، بضمير وطني صادق. غير محاولة وانتشال الأحلام من ضياع الزمن والإنسان...
نحلق في الفضاء ونعود إلى المطار: التفراوتي يتكلم لأناقته المعتادة، ولقلبه الصاخب المضرج باللغة المتبصرة والعالية الإيفاع يظل التفراوتي الملاذ العميق لتحصيلاتنا وحصائرنا، عبر الرحلة وعبر المتاهة عبر كل شيء. الرجل الذي يتجرد من شوفينيته ويعلن أمام الجميع أنه على استعداد لإنارة ما تبقى من جبال آكدير، شريطة أن نكون جميعاً على مذهب الحب. سأدعه في مغبة الحديث عن مطار المسيرة، وعن مديره المتألق أنس الحكيم، ولأول مرة أوغل بين ثنايا هذه البدعة المحبة له، أن أدعه يخترق مساحة بيضاء داخل هذا السرد الحارق، ليقول كلمته: موازاة مع تسليم شهادة الجودة العالمية "إيزو2000 /9001 لمطار المسيرة تبعالارتقاء خدماته في مجال الملاحة الجوية, ومجموع الخدمات المقدمة للمسافرين ولشركات النقل الجوي ومختلف المستعملين لهذه المحطة الجوية الدولية و التي صنفت بذلك كأول مطار إفريقي ووطني مميز بهذه الشهادة الدولية من قبل المكتب الدولي" فيرتاس كاليتي أنترناسيونال" ، وقع السيد عبد الحنين بنعلو المدير العام للمكتب الوطني للمطارات ميثاق للتنمية المستدامة مع السيد انس الحكيم مدير مطار المسيرة وذلك طبقا للمحور التاسع من برنامج التخطيط الاستراتيجي للمكتب 2004/2007 وتبعاً للتصور المعتمد والمنهجية المتبعة في تدبير المكتب الوطني للمطارات الواعي بأنه لا يمكن أن تكون هناك أية تنمية مستدامة على المدى الطويل إذا لم تكن اقتصادياً ذات جدوى واجتماعياً عادلة وبيئياً مقبولة ، وبذلك التزم المكتب الوطني للمطارات بتطبيق مبادئ صاغها في ميثاق للتنمية المستدامة للمطارات وانخرط في تفعيل بنوده انطلاقاً من مطار المسيرة وذلك عبر تشجيع ثقافة المؤسسة لخدمة التنمية المستدامة, تعبئة مجموع موارده بواسطة نظام حكامة يرتكز على البحث عن التميز والنجاعة الاقتصادية, اعتماد مسؤولية اجتماعية مبنية على تنمية الكفاءات والتحديث الاجتماعي وتكافئ الفرص، تنشيط خدمات ذات فائدة عامة داخل سائر المطارات وتبني توجه تشاركي وتضامني باشراك جميع الفاعلين المعنيين، ضمان حماية الأماكن الطبيعية بالحفاظ على الموارد والتقليص من الأضرار والانعكاسات السلبية على البيئة، تشجيع استعمال التكنولوجيا التي تحترم البيئة، استجابة لحاجيات الحاضر مع الحفاظ على التوازن بين الأجيال، السهر على مطابقة التجهيزات والخدمات مع التشريعات الوطنية والدولية الجاري بها العمل ،إنجاز عمليات التدقيق والتقييم الايكولوجي مع السهر على نشر نتائجها, تشجيع المساعي الهادفة الى تطوير الولوج، السلامة والأمن المتعلقة بمجموع العمليات المطارية فضلا عما تتطلبه القوانين والأنظمة التي تنظم الميدان مع الأخذ بعين الاعتبار متطلبات الحاضر، واستشراف حاجيات وانتظارات الزبناء، والجماعة وكذلك الشركاء، سواء المعبر عنها أم لا، بما يتيح التطوير المستمر لخدماته وحث الشركاء على الانخراط في الالتزامات التي أخذها المكتب على عاتقه في ميدان التنمية المستدامة.
وبعد هذا وذاك، كان أنس الحكيم وبابتسامته العريضة والممتدة في غيابات الصحو والاجتذاب يترصدنا في كل خطوة، ويجيبنا عن كل لمسة ونسمة، ليعود إلى قاعدته، سالما وغانما، حيث سيبرز كشخص كارزمي في جلسة السهر والمسامرة.
الشبكة الطرقية وإبراهيم باعمال الشحرور المتيقظ ليس صعبا أن تؤلف القلوب أحياناً، ولكن الأصعب كيف تستعمل أبنيتك الراصدة لتؤلف هذه القلوب. في الشبكة الطرقية التي فتق نجادها المهندس الشحرور إبراهيم باعمال، المدير الجهوي لوزارة التجهيز والنقل بسوس العالمة، تنتمي هذه الوصلة الفريدة من فن التآلف حيث يستعرض باعمال تجربته الحادة والقاطعة ليشهدنا على مدى التواصل بين مراكش وآكدير. يقول إن الجغرافيا لا تحد الرغبة في الحياة بل إن العلم هو أساس هذا التواصل. ويستثمر معرفته الميدانية بالطرق الكبرى والصغرى، ليجيد تحويلنا إلى مناط اشتغالي بليغ. وبالأرقام الدقيقة وغير القابلة لأية مساومة فجة يصعنا أمام الرهان الصعب لإحياء جذوة المثلث السياحي الأكبر بالمملكة المغربي، مراكش آكدير وارزازات. حيث سنتمكن من رفع إيقاع الإقتصاد، ونثير الكثير من الحصافة الطرقية عبر شبكة متكاملة وفاعلة.:
كان باعمال صادقاً وهو يمتح من بريق شجرة الأركان؟ كان مزهراً بنورانيتها وهو يحاول قدر الإمكان مغادرة الجحفل الكبير من قطيعها الذي سيباد. غير أنه أبدى أسفاً عميقاً، مشوباً بالحذر. إذ يجب قبول الواقع، يقول باعمال لأن الأمر يدعو لذلك، المصلحة الكبرى تفرض الرهان، حتى لو كان ضد الطبيعة والبيئة، والمصلحة الكبرى تجب ما قبلها...
La medina d, agadir coco polizzi
مدينة مغربية بقلب إيطالي "لاميدينا داكادير" منشأة سياحية كبرى، من تصميم وعبفرية فنان إيطالي ولد بالرباط اسمه "كوكو بوليدزي" تقف هذه المدينة الرومانتيكية الباذخة على تخوم واد من الرمل وأشجار الكاليبتوس، على مساحة تقدر بأربعة هكتارات. جاءت من زمن بدأ السجال السياحي فيه يأخذ مجرى ملتفاً حول الاستثمار والصعوبات الإدارية. في عام 1992 جاء كوكو الإيطالي ليضع رهانه السياحي الهام في ربطة العنق، وليتحدى كل صعوبات الاستثمار في هذا المجال المتأبي والضاغط. عمل كوكو على استنباط كل الخصوصيات الهندسية المغربية في المركب السياحي، في التقوسات، وفي المنظر العام، وفي الحجارة ونوع المواد المستعملة في البناء. وبين هذا وذاك عمل كوكو على صناعة سوق داخل المركب السياحي، يشبه إلى حد ما سوق السمارين بمراكش وفاس، يفتح فيه لعملاء من الصناع التقليديين ومن أصحاب المواهب قلبه للعمل بشروط تحفيزية، من دون ضرائب أو عائدات.كوكو يتكلم بطلاقة غريبة، دون خوف أو وجل. قال لنا إن المغرب بلد جميل وخارق للعادة، لكن بعض من أداروا رحى تدبير شؤونه السياحية والمحلية لم يكونوا في مستوى الرهان، وعليهم أن يعيدوا تشكيل أرواحهم من جديد، لتكون قابلة للتعامل الإنساني وخدمة الإنسانية.
سنقف قليلا لنتبادل الحديث، ولنعيد ضبط ميكانيزمات الحوار بيننا. سنتواصل، من أجل أن يكون المغرب بألف خير. هكذا اتفقنا على أمل أن تعكس هذه الرؤية في مراكش، حيث يتفاوض كوكو لصناعة مدينة من الأحلام ، شبيهة بمدبنة كوكو آكدير...
تحت شجرة أركانة القيوح
لم يكن ختاما أن نصل إلى مفازة الأركان، وإلى ضيعة الليمون، حيث يقيم أكبر برلماني مغربي. فلاح أصيل. يحب الأركان، ويضع دارا مبنية بالتراب البلدي وبالسقف الخشبي رهنا لإشارة الزوار والأصدقاء ممن يحبون الحديث مع علي القيوح.
لوحات جميلة لا تنسى. فرقة موسيقية شعبية من بلاد هوارة تقص أحاديث الحب والهيام والتاريخ والأمل والعيش ...وعلى الإيقاع المتواتر يصنع الجميع من حضور الصحافة والأدب ما يجب أن يعبر عن السعادة العميقة. بيد أن الأمر الأكثر جمالاً وبهاء رقصة الشاعر عبد الرحيم عاشر. حيث يخرج من عباءته الأثيرية ليستبد بالفضاء. يميط اللثام عن شجرة أركانة، ويتحسسها بطرافته ونبله المعهود. يشمخ ويضحك ويستنفر القوى من أجل البلاء الحسن عند وضع الطعام. قصعة "الكسكس" باللبن في "الحلاب" ونصال داهم في ربقة كل ما لذ وطاب...عبد الرحيم عاشر الذي نستمد منه قوة الرهان على الحياة، وعلى التواصل ومحبة الآخرين. عبد الرحيم عاشر الذي غطا كل سموق شجرة الأركانة، ليمتع حياتنا ورحلتنا بالجمال واليقظة...
عبد الرحيم عاشر الذي قال له علي القيوح بعد أن أهدانا لوحة نادي الصحافة بآكدير، إن عاشر قادر على شحن الذاكرة برقصته المثيرة، وعليه أن يتوحد فيها ليستطيع العبور بنا إلى أرض الأحلام.
توأمة الروح وأشياء أخرى
توامة المستقبل بين ناديي الصحافة بمراكش وآكدير، لم تكم رحلة فقط بل جسراً عابراً للأرواح. كانت أغنية خالدة في عمق إنجازاتنا. كان فيها كل من الدكتور مبارك حنون والمهندس إبراهيم باعمال والأستاذ أنس الحكيم والمفكر السياحي كوكو بوليدزي والدكتور خالد ألعيوط والإذاعية مريم الصيفي وعامل إنزكان يت ملول ورؤساء الجماعات المحلية بآكدير وبرلمانييها. وأعضاء نادي الصحافة بآكدير جميعهم والشعراء والموسيقيون وكل شيء يفتنون أفقنا المنشود، ويوزعون قلوبهم خافقة بالمحبة والحب،... حيث سنعيد ترتيب أوراقنا على إيقاع العودة إلى مراكش، لكن هذه المرة، عبر النزول المفاجئ، في اتجاه فسحة الحياة مع الحاج محمد القنور......
- التفاصيل
- كتب بواسطة: شاهر خضرة
- الزيارات: 4
الفخر بأدونيس عدوّاً
شاهر خضرة
كلما شم شاعر ريحة إبطه بما يتخيّله شعراً، أو بما يسمعه من تصفيق من زمرته أو بما يغويه من مديح عوران النقد أو من أنصاف المثقفين من أبناء عقيدته السياسية كلمّا حصل ذلك وما أكثره يفكّر ويقدّر هذا الصحفي الشعري أن خبطته الإعلامية والتي تطلقه إلى الشهرة هي أن يهاجم رمزاً من كبار الشعراء الحقيقيين في لغتنا العربية وذلك بتفسير قصيدة ونسل منها ما يوافق منهاجه في التخوين أو بانتظار موقف سياسي لا يتماشى مع السائد في الغوغائية العربية ومورثات العقلية الأبو زيدهلالية ليشمر عن قلمه وكلماته المهترئة وشعاراته السرابية التي حسبها الشارع العربي على مدى قرن ماءً ونهل من وهمها وكما يقول المثل السوري الشعبي (إحصد هوا وغمِّر ماش) أي إحصد هواءً واجمع اللاشيء
والغرابة في هؤلاء أن يقيّم نفسه شاعراً صحفياً بمقدار ما يوجّه من شتائم لمثل تلك الرموز ويتفاخر بأنه استطاع أن ينتزع من الشاعر العظيم اعترافاً بأنه عدوّه كما قرأنا لأحد هؤلاء بمقابلة يقول بما معناه إنه كتب وعرّى وخوّن وفضح إلى أن التقى بأدونيس وقال له أدونيس أنت عدوّي والناظر في المسألة يرى بوضوح أن هذا الشخص كل همّه أن يصل إلى كلمة من أدونيس ولو كلمة أنت عدوّي وبهذا يحمل شرف الندّية لأدونيس حين اعتبره أدونيس عدوّاً له مع أنني أعرف أدونيس وعلى مدى حياته كلها لم يحلم منه أي ند حقيقي وخاصة ممن كانوا يشتمونه بمبرر وبدونه كالشاعر المرحوم عبد الوهاب البياتي لم يحلم من أدونيس برد شتيمة وبالتالي أدونيس دائماً كان معروفاً عنه أنه يتجاهل الشتائم ويترفع عن الرد عليها ممن أتت، ولم يأبه بأسماء كانت أكثر طعناً بشعره أو بفكره وظل كما قال المتنبي
أنام ملء عيوني عن شواردها ويسهر الخلق جرّاها ويختصم
تلك هي حقائق يعرفها من يعرف أدونيس وما تصريح هذا الواهم بأن أدونيس قال له أنت عدوّي إلا من باب الأمنية أو الحلم فأدونيس لم يقل وإن فرضاً قالها فمن باب الدعابة وأنا أستبعدها حتى من ذلك الباب لأن أدونيس يدرس كلماته ودعاباته أيضاً ويعرف أن حتى مجرد دعاباته ستصبح مانشيتات لأولئك متشاعري الصحافة فهل هي من أحلام اليقظة عند هؤلاء ولست ممن لهم باع طويل في الصحافة الشعرية ولكنني قارئ حقيقي وأعرف شعر أدونيس حق المعرفة ولكل قارئ حقيقي معرفة بأن شعر أدونيس يزخر بالهم العربي الماضي والحاضر والمستقبل ولكن هؤلاء وأكثرهم تعلم من أدونيس كيفية الحداثة الشعرية وكيفية كتابة القصيدة يطمّشون عيونهم ويبيعون ضمائرهم الشعرية ليتسلقوا كالذرّ على جذع الهامة الأدونيسية علّهم يجدون ملاذاً شعرياً يتفاخرون به ولكن هيهات هيهات أنّى الشعر من الشعير وأنّى الثرى من الثريّا، وأنا أقول هذا ولست ناقداً إنما قرأت ما يسمونه شعرهم وهو يصح عليه تلك التسمية ولكنه ينتمي إلى مرحلة الأدونيسية الأولى فعلام بقوا مكانك راوح سوى أنهم كتبوا وأعجبوا بما كتبوا فمضت القصيدة وحلّق الشعر الأدونيسي في الكون وما زال أولئك لا يقرأون سوى أنفسهم
- التفاصيل
- كتب بواسطة: مصطفى معروفي
- الزيارات: 6
القصيدة الجميلة والقصيدة الرديئة
مصطفى المعروفي
عندما يقرأ المرء قصيدة جميلة ويتذوقها ينبهر، إنه الإنبهار الذي يأتينا حينما نكتشف شيئاً جديداً ، شيئاً مذهلاً ورائعاً، فنحن نطل على المجهول بواسطة القصيدة الجميلة، ولذا كانت بهذا المعنى بمثابة القارب السحري الذي نبحر به لاكتشاف كون يظل دائماً في حاجة مستمرة إلى اكتشاف...
القصيدة الجميلة تحمل معها بذرة تجددها ، فهي في صورتها وشكلها ثابتة، لكنها في عمقها ومضمونها متجددة ومتغيرة، ومن ثم كانت قراءتها غير نهائية، فنحن كلما انتهينا من قراءتها على مستوى ما برز لنا مستوى آخر يمكن قراءتها عليه، ولهذا السبب كانت قصيدة عظيمة تمتلك قوة لا تقاوم ضد الزمن، ولنا في الشعراء الخالدين منذ هوميروس إلى الآن خير مثال على تلك القوة.
لكن عندما يقرأ المرء قصيدة رديئة يحس إزاءها بالتأفف والإستياء لأنها تفتقر إلى المقومات الشعرية التي لابد من توفرها في القصيدة الناجحة، فهي لا تعبر عن تجربة ولا تمتلك التوتر الفني الذي يزودها بالدفء والحرارة . فالقصيدة الرديئة على هذا الأساس قصيدة باردة لا تشكل إضافة نوعية لا إلى القاريء ولا إلى الشعر. ولا جدال في كون القصيدة الرديئة تحمل بذرة فنائها معها فقد تولد ميتة ، وقد تكتب لها الحياة فترة ثم يكون الموت والفناء مصيرها ومآلها المحتوم.
القصيدة الجميلة تدعونا باستمرار إلى قراءتها ، ونحن نلبي هذه الدعوة عن طواعية ورغبة منا، فمن منا قرأ المتنبي مرات ومرات وأصابه الملل؟ أعتقد أن الذي يتذوق الشعر ككلام جميل لا يمل قراءة المتنبي أبداً.
القصيدة الرديئة قد نتركها في بداية الطريق، ويمكن أن نقرأها لكنها لا تترك فينا أثراً طيباً، فسرعان ما ننساها ولا تحدثنا النفس بقراءتها ثانية، لأن الذوق السليم ينفر من كل ما يخدشه ويبعثه على الإشمئزاز والتبرم.
ولا بد من القول إن الشعر الحقيقي يبقى شعراً ولو كره المتحذلقون من أصحاب التنظيرات الجوفاء التي أثبت بعضها عدم تمكن أصحابها من الأدوات النقدية وعدم استيعابهم لكثير من المفاهيم النقدية التي روجوا لها، ومن ضمنها مفهوم الحداثة والقصيدة المركبة ..الخ..الخ..
وللعلم فإن هولاء شعراء من الطبقة العاشرة أو أقل ،وكأنني بهم في تنظيراتهم وأحاديثهم عن الشعر وحول الشعر يريدون أن يبرروا ما يخربشون من قصائد فيها إساءة للشعر، وصدق من قال:
ندر القريض كأهله وإذا عدد ت المدعين له وجدت كثيـرا
ورحم الله امرءً عرف قدر نفسه.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد دريهم الغامدي
- الزيارات: 6
تهجين القبائل
(محمد دريهم الغامدي)
الخبر – السعودية
في الماضي القريب وأقصد بذلك خمسون عاماً إلى الوراء ، كانت القبيلة تقطن هجرة أو قرية واحدة وجميع أفرادها ألفوا عادات بعض ، فهذا الشاب سيرته معروفة وهذه الفتاة سمعتها أيضاً معروفة . فكانت حالات الزواج تتمّ في جوّ من الثقة المتبادلة التي يتخللها تقارب الأفكار بسبب التنشئة في بيئة تحمل عادات وتقاليد واحدة. وكانت الألقاب ومازالت لدى الكثير مصدراً للتفاخر الأرعن والذي يكون على أساسه الولاء والبراء . فقد اشتهرت القبيلة الفلانيّة بالكرم والأخرى بالشجاعة وغيرها الكثير من الصفات التي تمايزت بها القبائل عن بعضها نظراً للظروف المحيطة بالفرد في قبيلته والتي تحتّم عليه أن يتطبّع بهذه الصفات متأسياً بغيره وهي ليست وراثيّة.
أمّـا اليوم ، فقد انصهرت القبائل في مجتمع واحد وذابت فروقات العادات والتقاليد وغلبت على السواد الأعظم الحياة المدنيّة . ولكن المتتبّع لحالات الزواج عندنا ، سيلحظ الكثير من المفارقات العجيبة. فمن مشاهداتي في المدينة ، فإنّ الشّاب مهما عاش في مجتمعات أخرى وتنقّل مابين المدن ، فإنّه في النهاية يرتبط بِبـنت قبيلته ، وأنا هنا لا أريد أن أناقش هل هو مكره على ذلِك ، أم بكامل رضاه ؟. ولكنّني أودّ التطرق إلى المفاهيم التي كوّنت هذه الفكرة المغلوطة.
في الحقيقة أنّه حينما نتعامل مع هذه المفاهيم ، فإنّنا نتعامل مع جهل مركب ، وهو أشدّ الأنواع صعوبة في التعامل معه ، فكون الإنسان جاهل فهذا يسهل تعليمه . أمّا كون الإنسان متعلّم أو مُؤدلج بطريقة خاطئة فهذا هو الجهل المركّب . ففي الكثير من البيوت التي تزيد فيها حدّة التفاخر بالأنساب ويزيد فيها تلقين الأفراد دروساً في التعالي على القبائل الأخرى ، فإن العنصر الذكوري يشعر فيها أنّه ملك زمانه . وأنّه من طبقة برجوازيّة أخرى ، لذلك يجب عليه أن يبحث عن زوجة تحمل نفس هذا اللقب حتّى تكون أمّـاً لأبنائه . ولكن هذه الأنثى التي يبحث عنها أخونا – ملك زمانه – هي أيضاً قد ألفت حياة المدينة وتطبّعت بطباع المدنيّة ولم تألف علوم القبيلة التي يطمح أن يجدها فيها ، إلاّ من رحم الله . لذلك فمن السذاجة في التفكير أن يكون لقب شريكة الحياة هو الشّرط الفيصل في اختيارها .
ومثل هذه الشّطحات تجعلنا نؤمن يقيناً أنّ الصفات الخُلُقية -بضمّ الخاء والّلام- الحميدة تُورّث وأنّنا قد نلجأ يوماً إلى ( تهجين القبائل ).ومايدريكم ؟، لعلّه يكون لنا السبق ولو مرّة