حقا إن داء الحماقة لا علاج له فقد أعيت من يداويها فما تقول فى امرئ حين تسأله أن يعطيك حاصل جمع 2+2 فيقول لك " بطيخة" فترده متعجبا: كلا كلا إنما الجواب الصحيح أربعة فيغتاظ قائلا كيف تُخطّئُنِي وأنا عضو فى لجنة السياسات بالحزب الوطنى ...أعلم أن ساعتئذ قد يزول تعجبك لكن تبقى مشكلة... هى أن يتصدر هؤلاء الأغبياء المشهد صارخين عبر هتيفة النظام بأن مصر تتقدم بأمثال هؤلاء!
يقولون لك غلاء الأسعار ظاهرة عالمية فتقول لهم فما بال الفجل والجرجير والبصل قد زادت أسعارها وهى من صميم الإنتاج المحلى؟ وما بال الأجور متدنية وهى ليست كما الأجور العالمية؟ وما بال الحديد فى أسعاره العالمية يعادل 350 دولار للطن، وفى مصر يعادل أكثر من 700 دولار؟ وما بال زيادات الأسعار فى العالم أجمع تدور بين 3 إلى 5 % وفى مصر تتراوح بين 100 إلى 300 % وفى فترات زمنية تقدر بالأسابيع لا بالسنوات؟ وما بال وما بال وما بال...؟!
يقولون لك ستتحسن الأحوال مع الفكر الجديد فتقول لهم ولم لا نحاسب أصحاب الفكر القديم؟ وكيف والجديد من إفراز القديم؟ بل كيف والجديد لا خبرة له؟ كيف وقد اختبرنا الجديد ببيع قميء لأصول شركاتنا وبنوكنا وما صفقة عمر أفندي عنا ببعيد؟!
يقولون لك سنقدم دعما نقديا للفقراء كبديل عن الدعم العينى وسوف تتحسن الأحوال فتقول لهم وما وظيفة الحكام عندئذ؟ وكيف بدلا من معالجة الفقر تؤكدون للفقراء فقرهم عبر بطاقات أو تدابير سريعة لا تحل المشكلة؟ ولماذا نلتف حول مشكلاتنا نزيدها ولا نعالجها كمن يقول للمريض بالعدوى امرض وعلاجك عندى أفلا عزل المرضى؟ وكمن يقول للذى يقع فى الحفرة لا جرم علاجك عندى أفلا ردم تلك الحفرة؟! وكالذى يتكسب من ضرائب الخمر والسجائر ثم يتكبد مليارات لعلاج الأمراض الناشئة عنهما أفلا منع تلك الصناعة أساسا؟!!
أذناب الاستخراب كُثْرُ
هذه العقلية تستبد بها حماقة لا علاج لها سوى بالبتر، إن هم إلا كالاستخراب المسمى كذبا بالاستعمار بل أشد خرابا ذلك أن هذه العقليات فضلا عن كونها أذنابا للغرب لا تقدم مقترحات لمشكلات قدر ما تطرح مسكنات سرعان ما تتفاقم لمشكلات أفظع، وأمثال هذه العقليات ليس من توارد الخواطر أبدا - كلا والله- أن تتشابه لدرجة التطابق فى بلداننا العربية فهل يُعقل أن تكون نماذج هذا العته بهذه الكثرة فى بلداننا على مر السنين الماضية هكذا دونما تنسيق مع من زرعها فى أوطاننا ؟!!
إذن، فما الحل؟
إذن، فما الحل؟ ماذا نفعل؟ كيف نصد خطر هؤلاء عن أوطاننا وشعوبنا التى تسرطنت وتكاد تموت هما وكمدا؟! ما الحل وأحزابنا فى موات؟ ما الحل ووعينا لما ينضح بعد؟ ما الحل وساستنا يشوهون الذين يفضحون الفساد؟ ما الحل والحل السلمى بعيد المدى غير مضمون النتائج؟ ما الحل وأنّات الفقراء فى بلادى لا تجد من يسمعها ولا يجدون من يمسح على جراحهم بعد إذ أغلق وزير التضامن الاجتماعي عمل الجمعيات الخيرية والهيئات الاجتماعية أو فرّغها من مضمونها؟!
حين نقول ثورة فإننا نختار الحل الوحيد الذى ألجأنا إليه النظام الحاكم، والذى دفعنا إليه دفعا بفعل حماقته وغبائه...وبقى للذين ينوط بهم تحريك الجماهير أن يتدارسوا آلية ناجعة ليتحركوا بالناس، فحركة الناس بلا قيادة – وبلا آلية واضحة الملامح- غير مأمونة العواقب.
جاء اغتيال القائد العسكري لحزب الله عماد مغنية المعروف حركيا باسم الحاج رضوان في وقت تشعر إسرائيل معه بالإحباط والانكفاء بعد حرب تموز عام2006 والذي أوضحه تقرير فينوغراد حين حدد معالم الهزيمة التي لحقت بإسرائيل جراء هذه الحرب ..فهل خدم هذا الاغتيال إسرائيل حقيقة ؟وهل يستثمر حزب الله هذا الاغتيال؟ وهل يعاني حزب الله من اختراق وخلل استخباري؟وهل يعد هذا الاغتيال نصرا استخباريا لإسرائيل؟وماذا كان على حزب الله ان يفعل لتجنب اغتيال قائد بهذا الحجم؟... كل هذه الأسئلة تدور في خلد كل متابع لهذا الحدث المفاجئ في زمانه ومكانه وظروفه ،فما هي الدلالات المهمة التي يمكن استنتاجها من هذا الحدث حاضرا ومستقبلا؟
: اولا : لقد أخطأ حزب الله حين ترك قائدا عسكريا بهذا الحجم من الخطورة والمهمات دون حراسة مشددة معتمدا على سرية تحركاته وأماكن تواجده ،إذ ان قائدا بهذا الحجم له اتصالات متشعبة وواسعة يسهل على العدو وأجهزته الاستخبارية المختلفة الوصول إليه واختراقه بتجنيد العملاء المقربين له او زراعة عملاء مدفوعين عليه ،سيما عندما تكون الغاية هي تصفية هذا القائد الذي يعتمد على تحركات سرية دون مرافقين وتدقيق وحراسات
.ثانيا: ومع ذلك فان تنفيذ الاغتيال على الساحة السورية وخارج الحاضنة الشعبية والجغرافية لحزب الله ،يؤكد على ان إسرائيل عاجزة على اختراق الحزب نفسه كجسم عسكري وسياسي وحضن شعبي وتواجد جغرافي في لبنان ،ولم يكن بالامكان لها إلا ان تخترق هذا الهدف خارج موقعه وعلى الساحة السورية التي توفرت لها القدرة الاستخباراتية على اختراقه، إذ ان تنفيذ هذا الاغتيال في لبنان نفسه لو استطاعت إسرائيل عليه لحققت نصرا نفسيا واستراتيجيا أعمق باعتبار ان ذلك سوف يعطي دلالة على قدرة إسرائيل على اختراق الحزب نفسه،ولكن ما حدث كان عكس ذلك تماما ،فقد أعطى دلالة على ان إسرائيل قادرة على اختراق الساحة السورية وليس حزب الله نفسه
.
:ثالثا :لقد أخطأت إسرائيل خطيئة كبرى حين قامت بهذا الاغتيال معتقدة إنها سوف تعيد الثقة الى شعبها والهيبة على نفسها متجاهلة معطيات محلية وإقليمية ودولية وظروفا ليست في صالحها، فالاغتيال أولا لقائد عسكري بهذا الحجم ليس بالمعجزة ولا بالصعب عندما لا تتوفر له حراسة ويتواجد خارج موقعه العسكري وحاضنته الشعبية ومكانه الجغرافي .. 2006,لذلك جاءت كلمة أمين عام حزب الله واضحة حين أعلن بشكل صريح ان ما قامت به اسرائيل من اغتيال هو حرب مفتوحة امتدادية لحرب تموز 2006 وهي تتحمل المسؤولية، وبهذا فان حزب الله أصبح في حل من هذه القيود والمحرمات وعلى اسرائيل ان تتحمل النتيجة،سيما ان حليفتها الكبرى امريكا غارقة في وحل العراق وأفغانستان مقابل إيران حليفة حزب الله التي تزداد قوة وسيطرة ,ناهيك ان الشعور العربي بعد أحداث غزة وحصارها معبأ ضد اسرائيل بشكل غير مسبوق يوازيه شعور عربي رسمي متذمر من حال السلام المتعثر والعناد الإسرائيلي المتجبر هذا من جانب ومن جانب أخر فان هذا الاغتيال فتح على اسرائيل باب المحرمات والقيود التي كان يلتزم بها حزب الله لاعتبارات محلية لبنانية ترتبط بالصراعات الداخلية للقوى اللبنانية واعتبارات إقليمية ضاغطة تتعلق بإيران وسوريا خصوصا والوضع العربي عموما ،وكذلك لاعتبارات دولية مرتبطة بالقرارات الدولية لوقف إطلاق النار في حرب تموز ..
رابعا: سوف يستثمر حزب الله اغتيال قائده العسكري بما يخدم منهجهالاستراتيجي الذي أعلنه السيد حسن نصر الله نفسه بسقوط دولة اسرائيل والذي يكرره حليف حزب الله رئيس الجمهورية الإيرانية احمدي نجاد حول حتمية زوال اسرائيل بل وقرب زوالها حقيقة وهم يعدون لذلك العدة ..،وهاهي اسرائيل بإرهابها الدائم والمستمر، واستهتارها بالدم العربي ، وغبائها بالواقع الجديد والظروف المتجددة ، وعنجهيتها وتخبطها تفتح الحساب عليها ولن تستطيع إغلاقه وهي تسير نحو الزوال بإذن الله ...
لا ادري لماذا يصر الامازيغ على عزل أنفسهم فكريا و حضاريا و لغويا عن النسيج العام للوطن ؟ ودائما يتردد الشعار لدى الامازيغ الحضارة الامازيغية ثراء للموروث الثقافي المغربي , وأننا كامازيغ مستعمرون من طرف العرب لكن هل هذا القول يجوز في حقنا؟
حقا لو نظرنا إلى المدى القريب فان الفكر الامازيغي ثري و يضيف ميزة أخرى للثقافة المغربيةوهي صراحة بضع من كل هذا الوطن الكبير. لكن إذا أمعنا النظر وحللنا قول المواطن الامازيغي البسيط إننا مستعمرون تلوح مصيبة في الأفق تهدد كل الأمة الإسلامية ليس فقط الأمة المغربية,وهي انقسام كل الدول إلى دويلات صغيرة.
ودائما يقابلنا السؤال الغبي هل أنت عربي أم امازيغي وهذا في حد ذاته مؤشر أخر على ضبابية هذا الفكر ليس هذا فحسب بل توسع الأمر إلى خلق حاجز بين العرب و الامازيغ من ناحية التواصل و حصره في الامازيغية و العودة إلى الكلمات التي دفنها الزمن مع الجيل الأول خصوصا بعد أن دخلت موضة اللغة الفرنسية في المناطق الريفية أو ما يطلق عليه العرنسيةكيف نسعى إلى خراب وحدتنا وزرع هذا في نفوس البسطاء .
الم يكن عبد الكريم الخطابي و محمد امزيانيدافعان عن الوحدة الوطنية لكل المغاربة ليس فقط للاما زيغ و تبعه كل الريفيون من اجل ذلك ويذكر التاريخ تحالفهم مع المقاومة المغربية في الجنوب التي كان لها هدف واحد وهو تحرير الوطن.
وان اعترفنا باللغة الامازيغية كلغة لنسبة من ساكنة شمال إفريقيا لا يعني أن ندخل في حرب لغوية . يجب أن لا ننساق وراء كل هاتف بشعار التفرقة اللغوية , فان انقسامنا قد يؤدي لإضعافنا لنكون لقمة سهلة في أفواه المتربصين بنا واتحادنا للحفاظ على وحدة ترابنا الوطني يجعلنا عظمة في حلق كل طامع بهذا البلد الآمن العريق منذ القدم.
ومن هنا يجب أن نفكر جديا في دعم الامازيغية الحقة وذلك بان نستخرج التراث والفكر من صدور وذاكرة من يحمله من أهالي المنطقة فالعديد من القيم و العادات والأشعار والأمثال التي تختزل الذاكرة الامازيغية تموت مع من يموت منهم .
كما يجب أن نبحث عن الموهوبين من أبناء المنطقة في نظم الشعر و الخاطرة والقصة ولا تقتصر الحفاوة علىثلة من المبدعين المعروفين ,ربما لن يضيفوا شيئا جديدا بقدر ما يمكن أن يضيفه السابقون, يجب أن يلتحم الامازيغ مع العرب حسب تعبيرهم لان هذا الالتحام عامل قوة لدعم الإبداع, هكذا نخدم الامازيغية لا أن نحدث شرخا في هويتنا المغربية.
FEED BACK والوحدة اليمنية أنجاز أم حالة طارئة؟ الحلقة الأولي
لا تصاغ النهايات دون الاستناد إلي البدايات أو المقدمات ، فالأخيرة هي التي تحدد الملامح الرئيسية للأولي ، حيث تستند عليها وفق مؤشرات ودلالات يمكن استنتاجها من خلال عملية المزج بين ثلاث عوامل رئيسية يمكن الاستناد إليها كمرتكزات في عملية ال FEEDBACK(التغذية الراجعة) ، هذا المصطلح الذي يمكن مزجه بالواقع ، والارتهان عليه في عملية الاستمتاع الإجمالية للمحلل والقارئ والمتأمل ، وخاصة في عالمنا العربي الذي يتجاهل ذلك وفق طبيعة الثقافة المكتسبة التي تَعود أن يتعامل بها مع الإحداثيات العلمية ، فالتغذية الراجعة أو ما يسمي بالمصطلح اللغوي الانجليزي Feedback يضعك أمام متعة ونشوة عميقة إن استطعت أن تعيد للعقل حيويته ونشاطه ، وتجعله يذهب بعيداً في عملية مخاض طبيعي للماضي وإحداثياته ، لتقاربه مع الحاضر الذي من خلالهما تبدأ ببناء وتأسيس قواعد المستقبل وفق عملية تنبؤ استقرائية شمولية ممنهجه ، لم نطرق أبوابها بعد ، أو لم نواكب متغيراتها وإحداثياتها العلمية نتيجة إملاء ثقافي قسري يفرض علينا أن ننحو دوما باتجاهه ، والسير وفق مؤشر البوصلة أو الساعة الرملية الزمنية التي لم يتحرك مؤشرها للأمام بعد ، يتراوح ويتأرجح بين الماضي وأحيانا ينتابه الحنين للحاضر ، ولا زال يحمل جفاء نحو المستقبل ، فعواطفه العاصفة تشكل حاجزاً مانعاً للمستقبل ، يلقي بالورود الحمراء بعيداً عن حركته المنتظمة ، فأتراسها التقليدية لم تؤثر بها عمليات التطور التكنولوجي ، ولم تنساق للحركة التاريخية البشرية وفق تسلسل تطورها الطبيعي المتزامن مع عمليات ال feed back .
هذا الجانب الفلسفي في الشق الآخر من حياتنا سيدفع العديد من القراء للقول بملء ألفاه " هات من الأخر" وذلك لأننا لم نتعود على القراءة بعمق وتأمل وغادرنا الصبر منذ فترة طويلة ، وعليه فدوما نجد عبارة " هات من الأخر" هي الأسهل والأيسر والأفضل لتستمر وتتواصل مع ثقافتنا التي شرعت لنا تردداتها لاستقبال تذبذباتها في لواقطنا الاعجازية المتكونة في خلايا المخ والدماغ ، والتي لا تجيد سوي عملية الالتقاط ، والترجمة الجاهزة ، رافضة لعمليات التحليل والرصد والتتبع ومن ثم التنبؤ . فالحالة ليست فردية شاذة عن القاعدة العامة ، وليست عبثية غير متكررة ، وإنما هي حالة أخذت شكل الظاهرة ، والعمومية في آليات التفكير والعمل ، والبناء ، ولا أبالغ إن قلت عملية منهجية وديمومة اقتحمت كل مجالات حياتنا ، وأصبحت أحد العوامل المًشكلة في النهج الحياتي والتي تصيغ لنا توجهاتنا .
فعملية التغذية الراجعة الfeed back المقصودة هنا هي عملية الاستمتاع والمتعة التي تفرض علينا أحيانا البحث عنها ، والتوقف أمامها لكي نستطيع الترفيه النفسي والثقافي عن أنفسنا التي أصابها الشقاء والكلل من الوجبات الجاهزة والسريعة ، والتي لا زالت تضع قدمها عند رأسها ، وتبول مكان ما تتناول طعامها ، وذلك ليس تجني على هذه الأمة العربية التي يعتبر الانتماء لها شهادة فخر نحملها معنا منذ أن نستقبل أولي نبضات الحياة ، وإنما هي من باب الألم والآسي على ما به هذه الأمة من حال ، فهناك من يجد في العظماء الذين يستقبلوا الدنيا بالبكاء ومن حولهم يضحك ويبتسم ويفارقوا بالابتسام ومن حولهم يبكي ، وهذا قمة الانتصار الذي يمكن أن يحققه المرء في السلم التدريجي لرحلة حياته من صرخة الميلاد حتى ابتسامة الوداع الأخير.
وحتى نقتحم عملية التغذية الراجعة التي نحن بصددها والابتعاد عن الروحانيات (والكهنوت) –إن جاز التعبير – لا بد وأن نصوغ ملامح ومعالم القاعدة التي يجب أن ننطلق منها دوما في كيفيةالترويح والترفيه عن الذات ، والتخلي عن التكلس الثقافي الذي طمس معالم الإبداع التي شكلت لدينا معلم حضاري في زمن غابر لا زال ماثلا أمام أعيننا حتى كتابة هذه المقدمة الفلسفية التي يبحث القارئ عن سبب منطقي وواقعي لها ، مترقبا بابتسامة غيظ عما يريده الكاتب ، ومستعجلا الغيث من الفكرة ، وأن يصل للزبد ، والطرف الأخر يتنبأ بجملة توقعات للقادم في هذا المقال الذي تورط به وقرأ بداياته أو عنوانه فأخذه الفضول لاستكماله ، فوجد نفسه منتقلا من سطر لأخر دون أن يفهم لأين سيصل به نهاية المطاف . ولسان حاله يقول وبعد .
فالتاريخ شيء هام ، وفصوله تعتبر وجبه روحانية – ثقافية لا بد وأن يتناولها كل امرئ على وجه الجغرافيا المتكورة أو البيضاوية ، فهو الزاد الذي لا يمكن أن نملئ منه أمعائنا والماء الذي لا نرتوي منه أبداً. ولذلك وجدت أن اقتحم أحدي بقاعه الواقعة علي الخريطة العربية ، هذه الخريطة التي أعيد صياغتها بألوان مغايره للألوان التي لا زالت تتكرر على مسامعنا في كتب التاريخ التي درسناها في المراحل الدراسية المختلفة والتي حاول واضعوها رسم مستقبل مشيد على قواعد الماضي وإرثه البعيد.
لا أدرك حقيقة ما حدث لي فجأة حيث تغلغلت لأعماقي مشاعر الملل ، والضجر ، والقنوط ، وضيق الخلق ، وعصبية المزاج فاتخذت قرار لم أتمني في يوم أو لحظة أن أتخذه ، ولو خيروني ألف مرة حتما لم ولن أتخذه ، ولكنني قررت أن أسير معه ، وفجأة اقتحمتأحد الأماكن السيئة في نفسي ، والتي ينبع سوئها من غلاظه الأفكار التي تسمعها ، اخترت أحد مواقع الحوارات العربية ذات الطابع السياسي ، وبدأت بتلقائية صوب موقع للشباب اليمني دون أي دوافع مسبقة أو تعمد في الاختيار ، فوجدت نفسي أجلس مستمعا بأدب وصمت وهدوء لما يتناوله هذا الشباب من حوار ، ومن حسن الحظ أو سوء الحظ لا أعلم كان موضوع الحوار قضية في غاية الأهمية والحيوية ، والتي تتعلق ليس بمصير اليمن لوحدة فقط ، وإنما بمصير الأمة ، بل وهي محور يحدد مستقبل الأمة سواء علي صعيدها القطري اليمني أو القومي العربي ، وقبل الخوض والتعمق في جدلية الحوار السياسي الحماسي الذي كان يطغو بوتيرة مشتعلة بين هؤلاء الشباب لا بد من وقفة موجزة أمام لمحة عن منجزات الأمةالعربية وإخفاقاتها في التاريخ الحديث .هذه الوقفة التي تعبر ضرورية في الموضوع الذي سنطرقه لاحقا .
بدأ القرن الماضي ( العشرين) بانتكاسات وهزائم مؤثرة جدا في التاريخ العربي ، لا زلنا نعيش آثارها وتوابعها ، وألقت بظلالها علي حاضر ومستقبل أمتنا العربية وعلي مستوي الفكر العربي عامة ، هذه الانعكاسات أخذت شكلين :أولهما حالة التقسيم التي فرضت من القوي الاستعمارية وأصبحت واقعا لا بد من الاعتراف به ، وتحويل الوطن العربي لأقطار ضعيفة واهنة ، لا تمتلك من مقومات البقاء والاستمرار والنهوض سوي الاسم فقط ، وثانيهما ضياع فلسطين وتحقيق الحلم اليهودي بإقامة وطنهم المزعوم التي خططت له الحركة الصهيونية العالمية.
هاتين الانتكاستين أذابتا معظم المنجزات التي شهدها القرن العشرين والتي إن تم البحث عنها وسط الهزائم المتتالية فلن نجد سوي " الوحدة اليمنية " المنجز الأهم والحقيقي الذي يمكن رصده وتحليله ، كأحد المنجزات التاريخية والذي لا زال قابلا للنجاح والاستمرار .
وإن كان القرن العشرين بدأ بانتكاسات وهزائم فظة فأنها عمليا قادتنا لعملية ميلاد قسرية لنفس البدايات التي حملها القرن الحالي "الواحد والعشرون " وكأنها عملية لا بد وأن نعيشها مع بدايات كل قرن ، منتجة لنا أيضا انتكاسات وهزائم تحمل نفس البصمات ،فزادت حدة التقسيم للمقسم والمجزئ ، وها نحن نتابع آليات تقسيم السودان لثلاث دول ، ولبنان لدولتين ، والصومال ، والعراق الذي ضاع كما ضاعت فلسطين .
فالملامح لبدايات القرنين واحدة تتمثل في التقسيم الشامل والمخطط والممنهج المتكامل ، وضياع فلسطين والعراق .
وعودة علي مجمل الحوار الذي استمعت له من حوارية الشباب اليمني الذي كان حواره عبارة عن معركة شجاعة لم أشهدها بكتب التاريخ التي صورت لنا شجاعة عنترة بن شداد ، فهذه الحماسة والشجاعة أنصبت كلها في اتجاه الانفصال ، وضرورة وحتمية- مع التأكيد – علي حتمية خوض عملية التحرير من براثن الوحدة . وأي وحدة التي يريدون التحرر منها؟
هذه الحالة التي عشتها خلال ثلاث ساعات من الاستماع والتركيز أكدت أن هناك هجمة وحملة شديدة الضراوة يتم نسجها وشرعنتها من خلال فيروس يصيب عقولنا العربية ، وخاصة فئة الشباب المتحمس المندفع خلف الشعارات البراقة الساحرة ، عنوانها التلقين وتحويل الآدمي إلي أداة تحقق أطماع مشبوهة ، وأن الفكر الاستعماري لا زال يغزو عقول أجيالنا مستغلا الحيز الهامشي الذي خلقته حالة اليأس والإحباط من الواقع الحالي .
في الوقت الذي عاشت به الأمة العربية وهي تناضل من أجل الوحدة الهدف الأسمى لإعادة الكرامة ، والخروج من حصار الهزيمة ، والنجاة من مخالب الاستعمار ، هناك من لا يزال يريد الانفصال وتكريس الانقسام والتبعية والتشرذم ، وإحقاقا للحق وحتى لا تتجني علي الشباب اليمني فهذه الهواجس الفكرية منغرسة في عقول جميع العرب وبمختلف جنسياتهم ، وبين فئات وقطاعات واسعة من شباب العولمة .
خرج عن النص فاعذروه فهو كعادته كان يتكلم تحت تأثير مشروبه الفاخر Black Lable
والكل منكم يعلم من هو حكم بلعاوي؟ وماذا يريد فهو مريض مرض الكثيرين من ابناء فتح وهذا المرض هو:سأموت ولن اترك المنصب,واذا مت فمنصبي في مكانه,وهل سيأتي مكاني ذلك الجيل الشاب المفعم بالحيوية والنشاط والمبدع والمتعلم؟؟؟؟ عندها سيجد الناس الفارق ويعرفون اننا نحن المستثمرين الجدد لم نقم بشئ سوى التعطيل بادخال هذه الدماء الشابة الى المؤسسة هذا اذا كان هناك مؤسسة فهي مجرد ملهى يشربون فيه مع وجود راقصات بأرديتهن الحمراء ليتذكرو مآسي الشعب باجواء راقصة للأسف ايها الشعب ان الايام التي نمر بها عصيبة جدا فهناك فراغ في القيادة الفتحاوية فكل ما ترونه من اشخاص امثال حكم ما هو الا بيع للمواقف للحصول على منصب فكلكم يعلم من هم هؤلاء, فهؤلاء لم يدخلو البلاد محررين بل دخلوها منحنيي الرؤوس سعيا وراء المال والمناصب فاسئلوهم اين ابناءكم واين اموالكم ؟سيجيبوكم بانها كلها في الخارج واسألوهم لماذا حقائبهم دائمة الجهوزية وهم على اهبة الاستعداد لمغادرة البلاد, ومن يبقى ليتألم ويدفع الثمن الا شبابنا وامهاتنا الثكالى والمثقلةبالاحزان.
فأنا المتكلم شخصيا ابن فتح استهجنت قبل ايام قليلة عندما رأيت حكم بلعاوي ينهال علينا في تصريحات سبقه اليها نبيل عمرو في بيت لحم عندما قال ان الرئيس ابو مازن اعطى غزة لمحمد دحلان مقاولة وقد فشل محمد دحلان في هذه المقاولة وهذا ما يريده حكم" الثمن" فترقبوا المنصب الجديد لحكم بلعاوي ولكن كل الفخر لمحمد دحلان لأنه الرجل الاقوى في هذه الحركة وخط الدفاع الاول عن الجيل الشاب وليعرف كل المتسلقين على اكتاف محمد دحلان انه اذا كان هناك اخطاء لمحمد دحلان فهي واضحة وضوح الشمس تتركز في نقاط واضحة
اولها ان هذا الرجل حاول ابراز قيادات فتحاوية وايصالها الى مراكز حساسة في المؤسسة واصبحت تعمل باسمه ونفوذه ولكن هؤلاء الاشخاص كانوا سيئي التصرف ولم يكونوا على قدر المسؤولية المنوطة بهموتولدت قناعة لدى الشارع الفلسطيني بأن دحلان هو من صنعهم وهو من يقف وراء تصرفاتهم ويدعمها وانهم ينفذون مخططاته مما اساء لسمعة هذا الشخص حتى وصل بهم الامر الى خيانته والتطاول عليه ونسو ان هذا الرجل هو من اوصلهم وهو يظن انهم شرفاء وانهم ليسو حفنة من المتسلقين.
اما بالنسبة لغزة فها هو دحلان خارج قطاع غزة ولا يتدخل في شؤونها فماذا فعلت حماس سوى القتل والدمار وجلب الحصار حتى ان محمد دحلان رغم كل هذا مواقفه معتدلة ومع الحوار وضد التقسيم اما انتم فغارقون في سبات عميق وتقسيم الحركة الفتحاوية فنحن نعلم من انت يا حكم بلعاوي فكفاك تطاول على اسيادك ولا تشجع على الفساد والفتنه الداخلية والتي من شأنها تشييد صرح لحماس في الضفة الغربية وانا ابن جنين من يكتب ونعرفك جيدا وكما يقال" اهل مكة ادرى بشعابها" فنحن هنا كلنا نعلم انكم تريدون الالتفاف حول الرئيس محمود عباس لضمان المنصب في المرحلة القادمة فكفاكم تعطيل في موضوع المؤتمر السادس للحركة هذا اذا كان هناك مؤتمر وليس مجرد مؤامرة وفي كل مرة تحملون مسؤولية غزة لمحمد دحلان وهو كرجل تحمل المسؤولية كاملة ولكن اذا احتلت حماس الضفة الغربية فهل ستكون يا حكم رجل لتتحمل هذه المسؤولية انت وغيرك؟؟ ام ستجلسون لتتبادلو الاتهامات ولتعلموا جميعا ان من هو مثل محمد دحلان فانه جدير ان يراهن عليه في كل المواقف دون استثناء وانه قادر على خلق جيل جديد من الشباب يراهن عليه ايضا في كل المواقف دون استثناء وان هناك شرفاء سيقفون امامكم ليحاسبوكم على مواقفكم هذه وفتنتكم في الحركة ليس لأنهم موالين لمحمد دحلان فوالله لم نراه سوى على شاشة التلفاز ولكن نحن نعلم من هو الصائب ومن هو المخطئ وان محمد دحلان اليوم في الضفه الغربية بين اهله وناسه كما كان في غزة ونحن كلنا رهن اشارتك يا ابو فدي في الداخل والخارج مهما كلفنا الامر فنحن فداؤك بدماءنا وارواحنا لأنك عبر مسيرتك دافعت عنا ولم تكل او تتعب وراهنت علينا فنحن نقول لك ان رهانك كان في مكانه ولن نهادن اونصمت ابدا عن المتطاولين مهما دارت الايام .
شهداءٌ ليسوا جنوداً في ساحة المعركة..! إنهم أطفالٌ لم يتجاوزعمر أكبرهم الحُلم !
يبحثون عن اللهو واللعب البريء..!
إنهم سحرالوجود...!
وجمال الكون...!
فلنتخيل الدنيا من غيرهم ماذا سيكون حالها ؟
فكم من أب يرجع بعد رحلة عمل منهكة يضرب أخماس النهار بأسداس الليل..!
فإذا وطأت قدمه عتبة داره بحث عن ابتسامة طفله لتزيل عنه أوجاع النهار، وضحكته لتزيح عنه كوابيس الليل...
ها هي الأم تبحث عمن حملته في أحشائها وربته في أحضانها فإذا شب على الخطى.. وملأ الدار بسحره الأخاذ وجدته وقد ُصبغ جيده بالدم القاني..!!!!
مقطع الأشلاء...!!!
تتناقل صوره الفضائيات، وتتسابق وكالات الأنباء في نقل الحدث لتسجل السبق الصحفي...!!!
وعلى أشلاء براءته تعقد المؤتمرات ...!
وبعد جلسات من الخطب الوهمية توضع الموائد لتملأ البطون بما لذا وطاب ...!!
هذه هي الحكاية ..! ترى هل انتهت ؟ أم إنها البداية ؟!هل هو طفل واحد..؟! هل هي أرض أولى القبلتين فقط ؟! إنهم أمامنا خلف شاشات الفضائيات مئات الألوف... بل الملاين منهم في العراق وفي لبنان وفي غزه وفي القدس ...و....و... ؟!
من كوماسي الشرف إلي دوحة القرف ** سامي الأخرس
رغم الدموع بالفرحة والاعتزاز التي ذرفت من أعين كل محبي هذه الأمة عندما أثبت هذا الخلوق محمد أبو تريكة أن رحم هذه الأمة لا ينضب أبدأ ، وأنه دوما ينجب الأحرار الشرفاء ، من لا زالوا يحملون قضاياهم أينما حلوا ، وأينما ولوا ، كما جسدها وفعلها الخلوق الأروع محمد أبو تريكة اللاعب المصري الذي أبي إلا أن يقول للعالم ارفعوا سيوفكم عن رقاب غزة وأهلها .
هذه الدموع ليست دموع حزن كتلك التي تعودنا أن نذرفها دوما ، بل هي دموع الكرامة والاعتزاز ، دموع الحب والفخر التي غرسها هذا الفتي من كوماسي الإفريقية المستقطبة لأنظار محبي كرة القدم في العالم ، ليدون ويسجل صفحة ناصعة من الطهارة والصدق والإخلاص ، صفحة حملت كل معاني الوفاء في زمن اللاوفاء .
إنها الحقيقة والمواجهة مع الذات التي لم أجد ما أفعلة أو أعبر به سوي الدعاء لهذه الأرض التي أنجبت ولا زالت تنجب مثل هذا الفنان خلقيا قبل أن يكون فنان مهاريا ، حتى جازاه الله خيرا ، وكلل نواياه وطهارته بالفوز الرائع الذي تحقق للمنتخب المصري الشقيق الذي اسعد كل العرب بالفوز بالحسنيين الأخلاق والكأس معا ، لتمثل أبلغ رد علي حجب صور هذا القديس الخلوق من محرك جوجل استجابة للضغط الصهيوني الذي حاول طمس الصورة الصادقة ، وقتل الفرح والاعتزاز بنا من خلال ممارساته الدنيئة التي يجاهر بها ولا يخجل منها .
حملت كوماسي (غانا) تاج الشرف الذي كلل به الخلوق محمد أبو تريكة ليجعلنا نعيش لحظات اعتزاز وفخر افتقدناها منذ زمن بعيد .
ولكن وكأن هؤلاء التنابل المتوجه بكروش فارغة وعقول خاوية تأبي إلا أن تفترس الابتسامة مهما كانت بسيطة ، وتسارع لقتلها فينا ، وإعادتنا لحالة الاشمئزاز والقرف منهم ومن أفعالهم ، وممارساتهم ، فكلما حاولنا تناسي مصائبهم يذكرونا بها ، وكلما حاولنا أن نتجاوز كبائرهم يمارسون كبائر أشد كفرا ولعنه .
فهبت علينا عواصف القرف التي حملتها الدوحة القطرية العربية والتي فيما يبدو أن اسمها اقترن بكل ما هو قرف واشمئزاز ، فلم ننسي بعد قاعدة السيلية ودورها في تدمير العراق وحرقة ونهبه واحتلاله ، ونشاطاتها المشبوهة في التآمر على كل ما هو شريف وطاهر ، هذه الدوحة التي لم يروق لها أن نعيش فرحة اللاعب الخلوق محمد أبو تريكة لتفتح ذراعيها محتضنة لاعبة التنس الإسرائيلية "شاهار" ذات السروال القصير ، والافخاد التي يبدو سال لها لعاب منظمي هذه البطولة اللعينة ، وكأنهم يقولون لنا أبدا لن تمر فرحتكم واعتزازكم وفخركم ، فلم يخجلوا وهم يجاهرون بأنهم يوفرون لها كل سبل الأمن والحماية والراحة ، إرضاء العبد لسيده ، فكان الصاع يرد من الدوحة .
لا أجد حقيقة مشاعر أكتب بها عن هذا القرف التي حملته غبار شوارعك وسماءك ، وماءك يا دوحة العرب ، أكثر من ألا لعنه الله عليهم .
كلما اقتحم الفرح قلوبنا أسرعتم بقرفكم ومصائبكم وخيانتكم وركوعكم أيها الزنادقة لتعيدونا للعنكم .
لا أدرك كيف تكافئ دوحة العرب هذه اللاعبة ف الوقت الذي لم تكرم الخلوق ابو تريكة ولو بكلمة شكر واحترام وتقدير ، ولا أدرك كيف يصمت أهل الدوحة علي هذه النجاسة التي تصيب كل ذرة تراب تطأها اقدام هذه الزنديقة ربيبة الزنادقة أرضهم وتأكل من خيراتهم وتتسوق بأسواقهم وتنام بفنادقهم وعلي فراشهم .
" هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون "
أخر كلماتي فعلا إنها عواصف القرف أيتها الدوحة تحملينها لنا لتذريها بعيوننا ، وتشمئز لها أنفسنا ، وفعلا إنها نسائم الشرف يا كوماسي تلك التي نشرها الخلوق بمسك الطهارة والصدق والإخلاص .... وخير الكلام ما قل ودل
سامي الأخرس
19/2/2008
.. كنت في غزة ..
-1-
عزمت المضي الى جنتي المتقدة بالحب والنار والجنون احياناً..لم يثنني عن قراري ملامح الشقاء المتكدسة كأكوام من الغضب على وجوه الخارجين عن قانون البقاء..
ما ان استقليت السيارة حتى بدأ القلب بالخفقان والف سؤال يدور ويلتف ويتخبط كالأعمى مابين زوايا العقل الشارد في ملكوت الان..
تمضي الساعات ويمضي معها الترقب ويتصاعد الشوق لتتعالى ادخنة الدعاء بإنتظار ان يفتحوا لنا الطريق لإعتلاء جسر السلام...ويالها من ساعة وقفناها ندور حول انفسنا,وكل من ينزل من سيارته يحملق في سموات لانهاية لها من الامنيات,يتوافدون تباعاً ومعهم الف اشاعة عن اغلاق الجسر والدرب الموصلة للضفة الأخرى, فتنهار الشمس وتكاد ان تختفي بين اكف السماء.ومابين الحيرة وعدم الادراك لما يحدث, يأتينا رجل ليخبرنا عن درب مختصر فنهرول نحوه بلهفة علنا نخرج من بين كم السيارات والشاحنات العملاقة..لكن لاسبيل ايضاً للخروج,فجميع السيارات تعود كما اتيت محملةً بالرجال والنساء والأطفال والمتاع,ولافرار ابداً من التوقف والإنتظار...
ويطووووول الانتظار ومع كل لحظة تأتي للسائق صرخة (دُفعة) يسمع صداها النائم في قوقعة النسيان..وما ان يبتلع المسكين هذه (التهزيئه) حتى يتلقفه(دُفعه) اخرى..وطبعا على (عينك ياضابط)..
المهم,وانا كالملكة متوجه في مكاني ابتسم للهواء وللحظ التعيس الذي جعلني آتي في هذا الوقت, وبعد طوول (قرف)من الاشاعات حيث كانت لوحدها مصدر ازعاج وملل,وبعد ان فرغ الطابور وكان موعد سيارتنا رمقني الضابط المتكرش بنظرة ثاقبة وسألني من أين انتِ,فأجبته بثقة أخت العمياء: من العراق,مع نظرة جل ترجمتها(شمعنا) وضحكة رنانه تدور في أذني ,ليعلوا مع رفع حاجبي بشكل استقراطي بحت,مأخوذ من كم الافلام التي شاهدتها اغنية خلفية لمجموعة من الشباب وهم ينشدون:"من هنا بنقول ارضنا.ارضنا امنا عرضنا وان مات ملايين مننا القدس حترجع لنا لناااااااااااا"...
لاادري ماسر هطول هذه الاغنية على الموقف لكني حين قلت اسم العراق احسست كأني جندي بإنتظار ان يدخل ارض المعركة وان يثبت نفسه في لحظته الحاسمة...
-2-
وبالفعل اعتلينا جسر السلام,هذا الجسر الجميل الطووووويل,حتى اني ما ان رأيته حتى امنيت النفس(بغفوة صغيرة)لتريحني من شد الاعصاب الذي كاد ان يذهب بمالمتبقي من عقلي..لكن هيهات..فمنظر النيل المبهر,وحديث السائق عن خط بارليف جعلني اتنطط في مكاني واطلقها كلمة (ياحلاوة ياولاد) ورفعت رأسي الى السماء وكاد عنقي ان يخرج من سقف السيارة لولا قدرة الله في اخماد مايمكن اخماده من غرور وعزة بالنفس فلطشني ب(كمين) بأخر الجسر..
فتحولت (ياحلاوة ياولاد) الى (الطف يارب,الستر ياقادر)..وكان الله كما هو لطيف جبار قااادر..خرجنا بسلام وكأننا ملائكة لانرى.. ياللــــه,, هذا ماقالته النفس بسرور ماان خرجنا من بين الدفعة وضابطهم الذي كان اقرب الى مخبر من كونه ضابط نظرا للمعطف الازرق والنظارات السوادء والشعر(المسبسب) والحذاء (اللميـع)..حتى ليخيل لك انه ذاهب لحفلة زفاف أو احدي حفلات التكريم التي تهتم بطقوس الاناقة.
لا يهم,ليكن كما يشاء هذا الضابط (حليوة), (مش حليوة )المهم ان انهم لايدققوا كثيراً ويدعونا نمر كأي مواطن له الحق في رؤية وطنه بعد طول شوق وفراق...
وهنا بدأت النفس تهدأ وتهدأ وساعتها غفت العين لكن الله يمهل ولايهمل,جاءنا خبر هام من السائق وقد نقله عن مصدر موثوق وهي العين حيث انه قد شاهد (كمين) اخر,وصلاة النبي احسن,واستعدي ياباتعه..وارتعشي أيتها الايادي ولتعلن النفير جميع نواحي العاصمة الموقرة,وانا استعد لملاقاة الضابط الذي رجوت وصليت ان يكون (حليوة )في التعامل ففي هذه اللحظات لافرق بين جميل وقبيح تتساوى جميع الملامح ولايبقى سوى وجه ربك و(جدعنة) الضباط..
الضابط وهو نسخة اخرى من المخبر الانيق الذي سبقه واطلق على نفسه ضابطاً برغم ان جميع الدلالات تؤكد على انهم من جهة اخرررررررررى تماماً ..
الضابط: انت مين فين يافندم؟
انا بازبهلال: العراق.
الضابط: لك كتير في مصر؟
انا بذهول: 3 سنين حضرتك..
الضابط: حلوة مصر؟
انا واوركسترا من ورائي تنادي: نااااااااااااااااصر ياحرية,,ام الدنيا مصر..
فأشار بيديه الكريمة,ان ادخلي واذهبي واسرحيي..
واشرت لليمونة الصفراء الجالسة خلف المقود والتي يطلق عليها في الايام العادية(أسطي),اشرت له ان انطلق وخلصناااااااااااااااااااااااااا...
وفعلا انطلقنا وانطلقت عصافير الكون تلاحق ماتبقى من وطن يداعب خيالاتنا ورغبتنا باالوصول والخلاص من القلق...
-3-
مرت ساعات,ومررنا باماكن لاتوصف سوى بالروعة والجمال المبهر..
وانا مابين جمالها وتعب الانتظار ممزقة,ترنو عيوني الى اخر نقطة في الطريق علّ فلسطين تغفو هناك.فأصلها سريعاً,لأرى ذلك الوطن الحبيب..
وعند المساء,وقد طالت الخطى وزادت اللوعة,اطل الشيخ زويد,من بين ثنايا البيوت والاشجار,كعتبة للآتي من عريش تنام عند حافات الوطن الشاهد على همجية المحتل والغاصب...
وهاهنا بدأت بنات افكاري بالرقص والتصفيق بنشيد الاطفال العراقي المعروف"وصلنا وصلنا اجى الواوي واكلنا" ..
وانا اضحكـ وابتسم للمارين,ولي رغبة ان اعانقهم جميعهم ففيهم رائحة فلسطين..
لكني صعقت,فهؤلاء عرايشية,وليسوا بفلسطينيين...
ياللهي!!! أين الأحبة إذا؟؟ وبينما كنت ابحث بنظري عن وجوه جزمت اني سأعرفها مأن ان يطالها بصري الا ان شيئاً كان يؤلمني ويدفعني الى الصراخ:فأطلقتها وبفم ملئ بالوجع
جـــــوعانة
وقد كانت جميع المحلات مقفلة ,ولا من محل يبشرك ولو حتى برغيف خبز!!! ..
(تعاليلي يمه)معقول(انضربت بومبه يارجالة) وهنا تحدث الى الأسطى ليوقف السيارة ..
انا بغضب: استنه يااسطى,هو شو فيه؟؟ روح اسال الراجل والست دي..
نزل المسكين تعباً ورجع هرماً..
انا بترقب: خير شو فيه؟؟
الأسطى: المحلات مقفلة حتى يخرج اخر فلسطيني من العريش,منعت البضائع من الدخول الى العريش حتى اشعار اخر وجميع المحلات الان فارغة نتيجة لعملية التبضع الذي قام بها الفلسطينيون..
انا بفخر: عفية ابوي ابوي..
الاسطى فاتحا فـــاه:هااااااااا..
انا مرة اخرى احادثه لكن هذه المرة وانا اخرج من السيارة: يلا شوفلي سيارة تروح لرفح الفلسطينية..(عايزة اتشرد ياولاد)..
الاسطى: رفـــح,يهديكي يرضيكي..ان من يذهب لايعود, حضرتك..
وحضرتي لم يعره انتباها ولااهتماماً,وصرخت بأعلى الصوت,تااااااااااااااااااكسي..
فجاءني المخلص العرايشي المهضوم: ابو نور,شاب في مقتبل الثلاثيات لكنه(سوسة),وشخصية مرحة..اسعدني حقا التعامل معه,عكس الليمونة الصفراء التي نغصت علي طوال الطريق نتيجة لفزعه من ظله..
ماعليناااااا..كان ابو نور,مااان يعبر كمين حتى يلتفت الي تاركاً المقود ويقول:-" الحمد لله ع السلامة".. واطلقها ضحكة لكنها لم تكن رنانة هذه المرة,واخبرة:-"الله يسلمك,فاضل كم على فلسطين" ويجلس يضحك ويحكيني-: انتي مجنونة ياشيخة؟؟ احنا في فلسطين..
-فلسطين؟!!!رفح؟؟!!! كيف والشرطة المصرية موجودة؟؟!
-ياشيخة,انتي مالك علاقة .بوصلك بوصلك بس انكتمي شوي دوختي راسي!!!
ويسير ابو نور بإتجاه بوابة صلاح الدين,ومن ورائه مئات السيارات العائدة..
ولاتزل الاوركسترا تنشد من ورائي لكن هذه المرة بصوت عبد الحليم وبرومانسية غريب: راجع راجع راجع تاني,راجع بعد الشوء ماضناني فوء الشوء فوووووء الشووووووء"..
والاعلام ترفرف والدنيا بترقص,ويتوقف..
-ليشش توقفت ياعمي؟؟
- اسكتني خلينا ناخد هي الراجل العجوز وزوجته معنا حرام كبار ومطر..
-اوكي يابو نور..
-4-
وصعدت الحاجة بجنبي,هي وحقيبتها,حاجة بسيطة ينطق الفقر من بين ملابسها ويصرخ الحال مستغيثها بالله..بيضاء طويله,ذات قوام ممتلئ لكنها تشي جمال في شبابها مع قليل من الجنون وكثير من الفضول..
والحاج احمد,زوجها الختيار,رجل طويل, ممتلئ,مرح ,عصبي,شقي وهو في هذاالعمر فمابالك في شبابه؟؟..
ماان جلست الى جانبي حتى اخرجت من حقيبتها خيار وخبز..وقدمته لنا قائله بصوت يخبرك عن تعب وارهاق: شكلك جعانه يابنتي خدي كولي..
وانا ياعيني,ماصدقت,التهمتها حتى كدت ان اقضم يد الحاجة لولا لطف الله..
كانت هذه اولى العلامات التي تشير الى ان ظني لم يخب بالفلسطينية..
بالرغم من الفقر لكن الكرم كان حاضراً..
وفي اثناء اكلي للخيارة والخبز اللذيذ كان ابو نور هو الاخر يقضم من الخيارة ويتكلم الى الحاج الذي التفت بدوره الي واخبرني انتي مش فلسطينية انتي مغربة,,بتعرفي تحكي عربي ولك؟؟؟ فابتسمت,واخبرته باني من العراق...ابهرني كيف ان هذا الرجل وزوجته انتفضوا من مكانهم وصرخوا بصوت واحد: الله اذا انت فلسطينية ايضا لافرق بيننا.. الله يرحم صدام حسين.. قتلوه الكلاب الخونه..شوفي يابنتي وهذا الكلام للحاج احمد: انتي اليوم بتتعشي عنا وبتنامي عنا وتتعرفي على اهلنا..انتي منا وفينا,وايدته في ذلك زوجته التي بدأت بالربت على كتفي,وقالتلي:انا زي امك ياحبيبتي..
وبينما كانت قلوبنا تتعانق في هذه اللحظة حتى صدح ابو نور بصوته العالي: ولك انتِ بنت حلال,انت وجهك وجه خير..ضربه الحاج احمد على كتفه ونهره: اتكلم بصوت واطي, راح يصير فيه القلب من صريخك..فضحكنا جميعاً..
تناول الحاج احمد حبة الدواء وهو يطلب من زوجته الماء..ياحاجة فين المية؟؟ فين الميه ياحاجة؟؟ ولك ياهبلة الميه؟؟ ولانداءءءءء فبصق بحبة الدواء واستدار عليها قائلا: ارتحتي رميتها!!ولكن هيهات ان تسمعه الحاجة فعيونها معلقة على دكان وبما انها من ذوات الوزن الثقيل فكانت كل حركة تقوم بها تجعلني التصق اكثر واكثر بنافذه السيارة وادركت حينها ان لم تعد ترى,لكن فضولها قتلها..وفعلاً صرخت بالحاج احمد صرخة زلزلت اركان السيارة: ياااااااااااااااااااااااااااحمد,شو بدنا ندخل وايدنا فاضيه؟؟ مانوخد صندوء شيبسي؟؟؟ ياااااااااااااااااااااحمد,لاخاروف؟؟كيف يعني؟؟
بدي انزل الحين واشوف شو بالدكانة؟؟نزلني هون ولك...
ابونور والضحكة تملء فمه: ياحاجة فين رايحه؟؟ اللاصه(الطينه) بكل مكان والمطر والدكان فارغ اصلا..
الحاج احمد: اخمدي يامرة اخمدي..
وهي كقطار لم تعد جميع المحطات تهمها بشئ ولاحتى الاصوات تردعها لا ولاالنداءات بالتعقل,فنزلت من السيارة تتدحرج مابين الواقفين والماشين,والحاج احمد يصرخ بابو نور: اتركها للهبلة وامشي..
وفعلا مشى ابو نور ونحن نضحك عليها لانها كانت تحاول الحاق بنا لكن بالطبع لم تسعفها صحتها ولاعمرها العتي,فتوقف ابو نور لتعود ثانية الحاجة الى وضعها السابق وحديثها مع الحاج احمد..
-5-
وفجاءه وقبل بوابة صلاح الدين بقليل,
قرر الحاج احمد:
يلا انزلوا من السيارة خلص من هون راح نمشي..
ياعمي ربي يهديك يرضيك..الدنيا مطره وطينه وو..
ولايمكن,قرر الرجل الختيار قرارا لارجعة فيه..
فنزلنا جميعنا,والحاجة تمسك بكتفي والحاج احمد يمسك بذراعي,انتي من دون العالم امانه..
اوعاكي تمشي بعيد..
وانا اضحك,كيف يعني امشي بعيد وانتوا محاوطيني؟؟؟
ومشيناااااااااااااااا ربع ساعة في المطر والوحل(لاصة)..
واقتربنا من عملاق يصحو تارة ليغفو في اماكن اخرى تارة ثانية..
انه الزينكو"الجدار الحديدي الاحمر" الذي فجره الفلسطينيون للعبور الى الضفة الاخرى..
عبرنااااااااااااا الزينكو وتراقصنا فوقهه ومن شده خوف الحاجة علي وقعت في الوحله..والحاج احمد يضحك ويقول: احسن بتستاهل مشان تبطل تحكي.هههههههههه
شو هاي ياعمو؟؟
هي ياستي محطة بهلول,,وهي البناية الي قدامها المكسره والمخرمة بالرصاص,كان في ثلاث جنود اسرائليين هدموا المبنى عليهم فجروو.وكان يتكلم بفخر واعتزاز,فأخبرته بأن النصر قريب,فغمز لي باحدى عينيه,لارى شبابا يحملون السلاح,كانوا مميزين جدا,ليس لانهم يحملون بنادق فقط,لكن صغر سنهم,ونظافه شكلهم ولحاهم الطويله تخبرك بانهم من"كانوا مع الوطن واليوم ضده"..فبكت قلوبنا دم بصمت, على بلادنا التي ترزح تحت ظلم ابنائها وعلى عجز التواقين للحرية والنصر..
وفي تلك اللحظة,وانا اقف امام محطة بهلول ,
والانوار تضرب على الوجوه التعبة والقسمات التي تنتظر حكم الاغلاق والاعدام..
إمتزجت الروح بجميع الأصوات والرؤى ,
وتعلقت العيون بأياد الفقراء تشدها للغد ولنهار آخر ينبأ بالبقاء..
ولكن ....
رحلة العودة الى الوطن لم تكتمل بعد,,
واللذة لم تنطفئ في القلب,حتى هذه اللحظة..
حتى المستحيل يومها,
أضحى محض أكذوبة مهملة ومجموعة خرافات تفتقر للصدق..
فها انا امامكم عراقية في غزة كنت..
لم تمنعني رماح الأمطار ,ولا ارصفة تضج بالأقدام ,
من العبور الى معبودتي فلسطين..
بل كانت تلك اللحظة ميداني الذي علي ان انتزع النصر من عيون النار
والقيها قبس يضئ ليل الفقراء العطشى للغد والحرية والوطن..
ها انا ذا,عاشقة تعمدت من هواء فلسطين,وبجميل نهارات غزة بروزت ذاكرتي وحياتي...
فهيا أيها الواقفون عند عتبات الإنتظار,
قبلوا هذه الاقدام فقد وطأت ارض الاحلام..
ويا غزة
يا كل فلسطين
..لنا عودة..
"فمن يمسك بجمر عشقك لايمكن له سوى الارتواء من احضان قربك"
مريم الراوي
" الحب أعزك الله أوله هزل وآخره جد"ابن حزم/ طوق الحمامة
الشباب مريض بالحب هذه الأيام والسبب هو انتصار فلسفة الجسد على فلسفة الروح وتغلب حب الدنيا على التحضير للآخرة وتفضيل المراهقين الحركة والإيقاع والاستهلاك وقتل الوقت على البذل والجد وطلب العلم والإعداد للمستقبل عن طريق الاهتمام بالرياضة والفنون والمطالعة والاستفادة من خبرات الذين سبقوهم في الحياة. شبابنا اليوم ليس له دين سوى الحب والاهتمام بالرغبة العاطفية والمتعة الحسية والسعادة المادية وتناسوا أن الدين الحقيقي هو دين العقل وأن رغبة الانسان في الوجود الأرقى لا تضاهيها أية رغبة وأن السعادة القصوى ليس في استكمال الملذات بل في تحقيق الذات.
البعض من علماء الاجتماع وعلماء النفس لا يلومون شبابنا لأنه ضحية الدعاية والإشهار والدمغجة والبروباغاندا ولأنه يعيش عصر الصورة والثورة الرقمية والأنترنت والهاتف المحمول فماذا يا تراه فاعل مع وجود كل هذه الآلات ويعاني الفراغ الروحي وانسداد الآفاق وتخلف نظم التعليم وندرة مواطن التشغيل وغياب التأطير والإرشاد نحو المقاصد الانسانية النبيلة.
الشباب يريد صوروبطاقات وباقات ورودويستهلك صور وتهاني وكلام جميل ، انه ينهض على الصور وينام على الصور، فكيف لا يقبل على الورود ولا يرسل بطاقات تهاني في عيد الشباب والفرح والبهجة ولا يحول وجوده نفسه الى صور معدة للإرسال وقابلة للاستهلاك وكيف لا يطلب من الآخر أن يبرز له من خلال المرئيات من أجل الفرجة والمشاهدة والانفراج والشهادة.
شبابنا يحب هذه الأيام بعمق وهو يريد أن يحتفل بعيد الحب بقوة ويرفض كل القيود والموانع التي يمكن أن تفرض عليه سواء بسم القومية أو الدين أو عادات المجتمع وتقاليده، فهي في نظره تدخل ضمن أساطير الأولين وضمن الخرافات والأوهام التي ينبغي رميها في زبالة التاريخ. الحب في حد ذاتها ليس عيب لكونه عاطفة نبيلة يعبر بها الانسان عما يجيش في فؤاده من مشاعر جياشة تجاه طرفه الآخر ولكن المشكل في السياق التاريخي والثقافي الذي يحتفل فيه شبابنا بالحب يوم في كل سنة، انه سياق معولم يعبر عن هيمنة نموذج ثقافي معين على الثقافات الأخرى وشبابنا عندما يشارك هذه الثقافة في الاحتفال بعيد الحب إنما يكرس هذه الهيمنة ويجعلها أمرا مطلوبا ومشروعا.
البعض من الهوويين يعتبرون الاحتفال بعيد الحب ترسيخ التبعية للغرب وتأكيد حالة الاغتراب والضياع الحضاري التي تعاني منها شعوبنا وهو تجسيم لحالة المحاكاة والتقليد السائدة اليوم ولكن البعض الآخر يرى في ذلك نوع من التقدم والتعبير عن مواكبة العصر ومعانقة روح الحداثة والتمدن وينظرون الى ضرورة الاحتفال بهذا العيد لأن الحب قيمة إنسانية كبرى يجب أن نشعر بها تجاه الأخر وتجاه الوطن والله والوالدين وجميع الناس وتجاه الحياة بصفة عامة أي يجب أن نحب لكي نحيا ويجب أن نحيا ككائنات محبة ودون حب لا توجد حياة أو دون حب توجد حياة فاقدة للمعنى فالحب هو معنى وجود الانسان في العالم. ليس العيب في أن يكون هناك عيد للحب بل العيب هو ألا يكون الى حد الآن عندنا عيد للحب لأننا حضارة دنيا ودين حضارة وهوية متفتحة ولغة شعرية وعاطفية جياشة.
الإعلان عن تخصيص يوم 14 فيفري من كل عام للاحتفال بعيد الحب من طرف جميع دول العلم واستعمال قصة يلتقي فيها الديني بالخيالي والأسطوري هو إجراء إيديولوجي غربي بامتياز يكرس انتصار العولمة الاختراقية الظالمة على العالمية العادلة المنشودة ويترجم رغبة الحضارة الغربية المنبنية على تحالف يميني بين المسيحية المحرفة واليهودية المتصهينة – والمسيحية الوطنية الشرقية واليهودية الأصلية براء منهما- في أن تفرض نموذجها الثقافي على المجتمعات والدول الأخرى بالقوة والدعاية والإعلام والإشهار واستعمال حيل السياسة والاقتصاد والفن.
لا يخفى على أحد أن حضارة اقرأ قد عظمت الحب وقدسته منذ ينابيعها الأولى وخاصة في الفترة العربية قبل مجيء الإسلام حيث شهدت مؤسسة الشعر بروز ثنائيات رهيبة في عالم العشق والجمال والوفاء والإخلاص للقيم العذرية مثل كثير وعزة وجميل وبثينة ومجنون ليلي ووصل الأمر بالعرب الى درجة التقديس والأسطرة عندما نصب تمثالين لعشيقين هما أساف ونائلة وتحولا الى الهين يعبد العرب الروحين الخالصتين الحالتين فيهما. وقد تواصل الأمر على نفس المنوال بعد ذلك وانعقدت أواصر التواشج بين الحب والإيمان والأخوة التي كانت تجمع المؤمنين في الجماعة الأولى وانتصر حبهم لله ولرسالتهم ولنبيهم ولبعضهم البعض ثم تحولت هذه المشاعر الصادقة نحو الآخر والعالم فانتشرت قيم الصداقة والاثيار وحسن الضيافة والكرم وبرزت على السطح مجددا أدبيات عن الغزل وإرادة الحياة في فترات الازدهار والرخاء المادي وتغنى العرب مبكرا بالمرأة وجمال الطبيعة والقمر والصحراء والبحر والليل واشتهر بشار ابن برد وأبو نواس وعمر ابن أبي ربيعة والأخطل وبرزت زرياب في الموسيقى والغناء والموشحات الأندلسية وكل أجناس الأشعار والسرديات الدافئة والرقيقة في ألف ليلة وليلةأو في الأغاني والطبقات بل ان الأمر قد الى حد الاعتلاء بقيمة الحب نحو صارية التصوف ودارت قصائد المتصوفة وعباراتهم وشطحاتهم حول الحب البشري لله والحب الإلهي للبشر وبرز ابن الفارض والحلاج ورابعة العدوية ككاهنة للحب المقدس الروحاني بعد أن سئمت من حب الدنيا وحياة المتعة الجسدانية الفانية وكانت لهم تجارب وجدانية راقية في مجال العاطفة القرآنية والإحساس الوجودي النبيل بحيث أطلقوا العنان لأصدق المشاعر الانسانية لكي تعبر عن نفسها في مهرجان وجودي منقطع النظر يعبر عن بلوغهم درجة الكونية ومعانقتهم للمطلق في حلة الخصوصية.
ان المطلوب اليوم هو نزع الأسطرة عن ما يروج وما يشاع في الإعلام والدعاية عن عيد الحب الذي أراد الغرب من العالم أن يحتفل به معه وهذه الإرادة فيها الكثير من حب الهيمنة والرغبة في السيطرة الساعية الى الظفر بقلوب الفئة الشابة وغسل العقول مبكرا، وان ما ينبغي القيام به هو تقليب الأمور على جميع جوانبها وفهم ما يحدث حتى لا ننخدع وتنطلي علينا الحيل لأنه توجد سلطة وراء كل معرفة وتوجد رهبة وراء كل رغبة فمثل ما تكون للثقافات الأخرى مناسبات وأعياد للفرح بالحياة لنا أيضا مناسبات وأعياد للإقبال على الوجود مثلهم وقد كان معمول بها في الماضي ومثلما يطلب منا أن نشاركهم نطلب منه أيضا وبكل لطف أن يشاركننا خصوصياتنا في تدبر عواطفنا ومشاعرنا والتعبير عنها جماليا ولا يكون ذلك بالعودة الى الماضي بل بإعادة خلقها في المستقبل على نحو مختلف. فمتى نرى شبابنا يحتفل بعيد الحب بالمعنى الكوني للكلمة في ديارنا دون أي تصادم مع الميراث ودون هستيريا جنونية؟
من بعد كل هذه الكوارث التي حلت بالأمة و الوطن .. من بعد كل هذا التدهور الذي طال الدول والشعوب العربية .. من بعد كل هذا الذل الذي عاشته الأنظمة علناً أمام العدو الصهيوني ، ذلاً تجلى بأوضح صورة أو بالأحرى أوضح صور عبر الانبطاح الجبان سراً و علناً أمام (إسرائيل ) نطرح الأسئلة التالية :
ماذا استفاد النظام العربي من ركوعه أمام الكيان الصهيوني؟
ما هي الفوائد المرتجاة حاضراً و مستقبلاً من تكبيل النظام العربي للإنسان و الشعب؟
هل الإنسان العربي المكبل و الشعب المقهور الذي تمت عملية تعطيل فاعليته التاريخية أمام أعدائه الصهاينة كانت عملية خادمة لمصالح النظام العربي أم العكس ؟
الممالقة و المداراة التي انتهجها النظام العربي أمام الصهيونية الإسرائيلية و التي أدت إلى أن يصبح خروفاً لاحول له ولا قوة أمام ( إسرائيل ) و مشاريعها و مخططاتها القريبة و البعيدة .. بماذا عادت عليه و ماهي النتائج المباشرة و غير المباشرة التي ترتبت عن تلك الممالقة والمداراة ؟
إن كانت ( إسرائيل ) تهدد أي نظام عربي بالويل والثبور إن فكر مجرد تفكير بمواجهة عوامل إسقاطه ؟
عندما يصدر التهديد من ( إسرائيل ) لهذه الدولة العربية أو تلك بأنه إن لم يتراجع النظام العربي الفلاني عن خطوة ما لصناعة سلاح ما( له أهميته الاستراتيجية ) فستعمل (إسرائيل ) على ضرب هذا النظام و إطاحته ..
أين عوامل القوة الذاتية التي تشكل حصانة أي نظام عربي ؟
أين عوامل القوة هذه عندما يتم ضرب و اعتقال إرادة الإنسان العربي و تكبيلها و تحقيق حالة الإنسان المقهور ، هذه الحالة التاريخية التي لم تفتك بشعب ـ أي شعب ـ إلا و كانت النتيجة دمار الدولة والنظام الذي سعى ليكون إنسانه وشعبه إنساناً مكبلاً وشعباً مقهوراً .
من هو المستفيد الأكبر مما جرى ويجري عبر تلك العقود الماضية من المعاداة المكشوفة من قبل النظام العربي للشعوب المحكومة و المغلوبة على أمرها ؟
( إسرائيل ) اليوم تتميز بأنها القوة العسكرية الكبرى التي تعادل ـ مادياً و عسكرياً ـ قوة الأنظمة العربية مجتمعة ، إذا أين هي سياسات المواجهة و إيديولوجيات المجابهة التي كانت وما زالت هي صاحبة ( الجزمة ) العسكرية الحاكمة في أغلب الأنظمة العربية و تحتها انسحق الإنسان العربي و كُبلت إرادته و أُعدمت إنسانيته .
حوربت الأخلاق التي هي جدار الصمود الوحيد في وجه المخططات الصهيونية
ديست الكرامات و لم ينظر النظام العربي للكرامة الإنسانية إلا بكونها عدواً يعارض انهزام الإنسان العربي أمام المخططات الأمنية الهادفة إلى سحق الإنسان أمام الأنظمة .. و " لو دامت لغيرك ماوصلت إليك ."
هذه المستنقعات السيكولوجية التي تم إغراق الإنسان العربي فيها و تم تسخير كل الإمكانات الإقتصادية و الإعلامية و الثقافية و التربوية و السياسية والأمنية بهدف واحد موجه ضد الإنسان العربي ..
إن حقق النظام العربي ديمومة مؤقتة بفعل هكذا إجراءات و سياسات داخلية ولكن هل سيحقق ديمومة أمام عدو صهيوني يرى في كل نظام عربي ـ تحديداً ـ مجرد مرحلة تطول أو تقصر إلى حين تطبيق المراحل الأخرى .
هل الصهيونية مشروع يحلم بتحقيق ذاته من دون حماية النظام العربي و غير العربي ؟
إذاً عندما نرى كيف يتم التخطيط ـ أمريكياً و صهيونياً ـ لضرب هذه النظام أو ذاك نعلم يقيناً تحقق الحكمة التاريخية ، لأن التاريخ و تجربته خير شاهد على وجود نواميس كونية و تاريخية تتحكم و تحقق ذاتها.. رغم أنف .
المطلوب هو الوعي المقترن بالذكاء الذي يستمد من التاريخ دروساً و عبراً سواء بالنسبة للأنظمة أو للشعوب على حد سواء .
من ناحية اخرى فأي شعب عربي يرى أن إسقاط النظام العربي هو الحل لمواجهة العدو ـ إسرائيلياً كان العدو أم أمريكياً ـ فربما أن ذلك ايضاً من قلة الحكمة و الوعي .. لماذا ؟ لأن أي نظام عربي مهدد بالإسقاط أمريكياً و إسرائيلياً لن يكون اسقاطه إلا بوجود بديل آخر لسد فراغ المرحلة الجديدة فيما بعد السقوط ، ولأنه لا يوجد لدى الشعب العربي حالياً إمكانية القدرة على أن يحكم نفسه من دون هيمنة أمريكية و صهيونية و من دون اختراق بنيوي من قبل المحافل الصهيونية .
هل هناك دولة عربية حقيقةً ليست مخترقة أمنياً وسياسياً و ثقافياً ؟ أن وُجدت هكذا دولة عربية غير مخترقة فيمكننا أن نحلم بوجود شعب عربي قادر أن يحكم نفسه و أن يواجه عوامل الهيمنة .
نحتاج إلى قراءة متأنية لـ " إبن خلدون " رغم الفارق الزمني بين عصرنا و عصره ولكن مازالت دراساته الإجتماعية و النفسية بمعنى ما عن العرب متحققة و صحيحية ، ولعل ذلك يعتبر كلاماً سجالياً ولكن لا مناص من الاعتراف بصحة كثير مما وثقه ابن خلدون و التجربة أكبر برهان .
عماد مغنية ومنظومة الأمن العربية ... سامي الأخرس
عشرات النداءات والمقالات التي نادت ولا زالت تنادي بمعالجة الملف الأمني الفلسطيني خاصة ،والعربي عامة ، هذا الملف الذي ندفع يوميا ثمن إهماله والتغاضي عنه سواء عن قصد أو بدون قصد ،علي الصعيدين الفلسطيني الداخلي والخارجي ، والعربي عامة ، وعلى صعيد القوي والفصائل الوطنية المقاومة التي تعتبر هي اكبر ضحايا هذا الإهمال واللامبالاة ، ونتيجة موضوعية ومنطقية أن تفقد حركات التحرير وفصائلها خيرة قادتها ومناضليها .
فاستشهاد عماد مغنية في دمشق العاصمة السورية والتي تعتبر من أكثر المناطق مواجهة أمنية مع إسرائيل لا يعتبر الحالة الوحيدة والفريدة التي نجحت فيها إسرائيل باغتيال قائد أو مناضل ولن تكون الأخيرة حتماً في ظل هذا السقوط الأمني المتكرر والذي يغلق بمجرد بيان ينعي الضحية ، ويلقي المسؤولية على عاتق جهاز الموساد الإسرائيلي ، وتبدأ الحالة بالترهل رويدا رويدا حتى يسقط شهيد أو ضحية أخري ويتكرر المشهد ذاته .
بغض النظر عن من يتحمل مسؤولية اغتيال الشهيد عماد مغنية ، ومن يقف خلف عملية الاغتيال ، والأيدي التي طالته وهو افتراضا في أكثر العواصم أمنا وحماية ، وذلك لما تمثله دمشق من خط مواجهة حيوي مع إسرائيل . فهي العاصمة الوحيدة مع بيروت التي لا تربطها اتفاقيات سلام ، كما أنها العاصمة الوحيدة التي تحتضن رموز العمل الكفاحي الوطني الفلسطيني والعربي ، والعاصمة الوحيدة التي تشكل الفعل الإيراني السياسي والاستخباراتي الذي يشكل أحد روافد الدعم اللوجستي لحزب الله ومقاتليه ، إضافة للأهم وهو المواجهة بين أركان النظام السوري وأجهزة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية من جهة والأجهزة المعادية الأخرى من ناحية أخري . كل ذلك يتطلب حزام أمني فاعل ومؤثر وعصي على الاختراق تحت أي ظرف أو مبرر كان.
فالخطأ هنا خطأ نتيجته الفعلية والأولية الموت ، كمن يعبث بقنبلة شديدة الانفجار فالخطأ الأول هو الخطأ الأخير ولا خيار ثالث .
عشرات القادة والمناضلين اغتيلوا سواء في العواصم العربية أو البلدان الأوروبية أخرهم كان الشهيد فتحي الشقاقي الذي تم اغتياله رغم كل عمليات التخفي والتمويه التي قام بها ، إلا انه تم تعقبه واغتياله ، ومرت هذه العملية مرور الكرام كسابقاتها من العمليات دون أن تشكل لجنة تحقيق تتوصل للحقيقة ، أو بأضعف الإيمان أن تكون تجربة أمنية تتعلم منها أجهزة الأمن في الحركات المقاومة ، وكننا نحتسبه شهيد عندالله ، ونسلم بالقدر دون أن نكلف أنفسنا بالعناء والتعب ، رغم أن المولي جل شأنه دعانا للأمن ، واهتم بموضوع الأمن في الإسلام الذي اتخذ حيز واسع لما له صله بحياة الإنسان والمجتمع ، كما أن المولي جل شأنه حثنا علي الأخذ بالأسباب ، والدراسة والبحث والاحتياطات ، تصديقا لقولة : "أعقلها وتوكل" أي أوثق عقالها ، ولم يقل اتركها وتوكل.
لست هنا بصدد التفسير الديني فهو ليس مجال للحديث سوي من باب الاستذكار بالجانب الأمني للمسلم ولأي إنسان .
تناقلت وسائل الإعلام خبر الانفجار الذي حدث بدمشق وتضاربت الأنباء حوله ، وفي نقله فتارة نسمع انفجار سيارة مفخخة ، وأخري قنبلة ، حتى أعلن حزب الله بعد عشر ساعات الخبر باستشهاد عماد مغنية القائد العسكري لحزب الله ، هذا التضارب فتح أمامي ملف اغتيال الشهيد خليل الوزير "أبا جهاد" في تونس حيث أن فرقة الكوماندز التي نفذت العملية لم تجد رغم المسافات الطويلة التي قطعتها من إسرائيل إلي تونس أي صعوبات في طريقها ، ولم تكشف عمليتها سوي بعدما غادرت الأراضي التونسية محققة أهدافها ، كما حققتها سابقا في بيروت بعملية اغتيال الكمالين ، وهنا يتبادر للذهن سؤال غاية في الأهمية والخطورة من يقدم الدعم اللوجستي لهذه الفرق التي تنفذ هذه العمليات ؟! مع التنويه بأن هذا الدعم اللوجستي يتوفر لها في عمليات الإنزال والتنفيذ والانسحاب مع الملاحظة بأن الحديث يدور عن عمليات تتم في دول سيادية تتمتع باستقرار أمني وسياسي ولديها أجهزة استخباراتية ، وقوات حدودية ، وبحرية ، وجوية ..الخ.
ونفس السؤال ينطبق على عملية اغتيال الشهيد عماد مغنية وعلي عشرات عمليات الاغتيال ، وحتى لا أنحرف في الطرح ، ويفسر بأنه اتهام مباشر للعموم وللأنظمة وسيادتها لابد وأن نجد الإجابة كمواطنين عرب ندفع الثمن من ألامنا على هؤلاء القادة ، وحسرتنا على أبنائنا المخلصين ، كما إننا ندفع من ضرائبنا وقوتنا لبناء وتدعيم هذه الأجهزة الأمنية والاستخباراتيه التي من أولويات مهماتها الحفاظ على أمننا ، وحماية أمن الوطن والبلد ، فلا يتصور عاقل أن كل نظام عربي يمتلك عشرات الأجهزة الأمنية والاستخباراتية وغير قادرة على توفير أدني متطلبات الأمن للمواطن في بيته ، وهو بين أبنائه وأطفاله وأهله.
القضية لا تقتصر على عمليات الاغتيال التي تتم في العواصم العربية فقط بل وتنطبق علي عمليات الاغتيال التي تتم في الداخل الفلسطيني أيضا ، والتي لها ثمان سنوات تتم بشكل أصبح روتيني ، إن لم يكن شبه يومي ، فقدنا من خلاله عشرات القادة والمناضلين أمثال أبو علي مصطفي ، والشيخ أحمد ياسين ، وعبد العزيز والرنتيسي ، وصلاح شحادة ، وياسر عرفات ، وعشرات قيادات العمل الميداني ، دون أن يضع لنا أي حزب أو حركة نتيجة التحقيق الذي أجراه ، أو دون التعلم من التجارب السابقة ، كل المؤشرات تؤكد أن الجانب الأمني ساقط ومنهار كلياً سواء علي صعيد الأجهزة الأمنية الرسمية ، أو علي صعيد الأجهزة الأمنية الحزبية الداخلية ، وليس مبررا ما سيتم طرحه من أن الساحة الداخلية لها ظروفها الخاصة ، نعم لها ظروفها الخاصة ولكن هذه الظروف لا تقف مانعاً أو معيقا أمام الحفاظ على الأرواح ومأمن القادة والمناضلين ، بل هي حافز ودافع لزيادة العمل علي هذا الصعيد ، وعلي الاهتمام به وجعله أولوية أولي من أولويات العمل .
كانت الأحزاب والقوي الوطنية سابقا تلقي المسؤولية على كاهل أجهزة الأمن في السلطة الوطنية بعد كل عملية اغتيال ، حيث كان المبرر للابتعاد عن المسائلة ووضع علامات الاستفهام حول دور الأجهزة الأمنية الحزبية الداخلية ، حيث أنه من بديهيات العمل أن كل حزب لديه جهاز أمني يوازي الجهاز العسكري في الكفاءة والأداء ، فكيف يحاكم الجهاز العسكري ولا يحاكم الجهاز الأمني؟
إذ كان عماد مغنية قد أدرك مصيره ونهايته منذ أن اختار هذا الدرب البطولي ، ووضع روحة وجسده أمانة مؤقتة على الأرض ، فإن من واجبنا الحفاظ على هذه الأمانة ، وأن نكون أكثر قدرة على الإدراك ، فالموساد وجميع أجهزة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية لم تمنع عملية اغتيال الوزير زئيفي والعديد من العمليات الأخرى وهذا مدلول على قدرتنا بالعمل والحماية ، والتأمين ، والرد ، وأن إمكانياتنا التي نضعها كمبررات لا وجود لهذه المبررات في عالم الفعل الحقيقي إن عقدنا العزم علي العمل ، واحترام عقولنا ولو للحظة .
فالقاتل واحد ولا زال يصول ويجول والحقيقة تحتاج لثورة جراءة لنعلنها ، وعلينا السؤال مرة أخري لماذا تغاضت كل قوانا الوطنية ودولنا العربية عن كشف نتائج عمليات الاغتيال التي طالت أشرف أبناء الأمة؟
قُتل وديع حداد في بغداد ، وقُتل الشقاقي وهو مغادر طرابلس ، وقُتل خليل الوزير في تونس ، وقُتل أحمد ياسين في غزة ، وقُتل أبو علي مصطفي في رام الله ، وقُتل كمال ناصر وغسان كنفاني في بيروت ، وقُتل عماد مغنية في دمشق .. فمن المسؤول ؟!
سامي الأخرس
14/2/2008
تعاني قيمنا الإنسانية ومبادئنا الموروثة حالة من الموت السريري أو الاحتضار أو الموت التام، ففي أحسن حالاتها لا يمكن نعتها بالمريضة أو وصفها بالسليمة، فها هي القيم في مهب الريح ونحن من حكم عليها بضرورة الزوال كي تروق لنا الحياة بمعطياتها الجديدة، كثيرا ما نتساءل ما سبب انتشار الكذب واندحار الصدق والصادق، لنعزي هذا إلى الظروف المحيطة والى المتطلبات الجديدة لا بل المتجددة والحيوية والتي لا تقبل بغير الزيف وجها وبغير المجاملة أسلوبا وبغير الكذب وسيلة.
وننتقل أين ذهبت الأمانة؟؟ فنستشف أنها كما الصدق باتت عبئا على حاملها وبات ينعت بالمتخلف والذي يسير إلى الوراء طالبا عودة الزمن الذهبي أو زمن الصحابة وأنى للزمن أن يعود أدراجه وهنا ازدهرت الخيانة بألوانها وأضاءت وجُمِلت فبات رضاها عند الكبير قبل الصغير إلا من رحم ربي، فبتنا نرى أطياف الخيانة كلها في مجتمعاتنا كبرت أم صغرت فهناك من يخون وطنه وهناك من يستلذ بخيانة صديقة أو محبوبه وهناك من يخون الأمانة التي وكل عليها إضافة إلى خيانة المناصب. وعن الغدر لنحدث ولا حرج فلا نكاد نجد إنسان بيننا إلا ومارس الغدر أو مورس عليه فهي ملح لا غنى عنه، والوعود باتت كما التراب تذر في العيون وتترك أثرها في النفوس فقل وان وجدت الوفي أو ندر.
بتنا أناس مدمرين مفرغين من الشعور بالأمن والأمان فلا أمل لدينا في القادم ولا ندم على الماضي وكأن المشاعر اندثرت وبفعل فاعل، وغالبا ما تكون شماعتنا المستساغة هي الظروف وضغوط الحياة ومتطلبات البقاء حتى وصلنا إلى درجة من انعدام الثقة بالذات.
فكيف لنا وفي ظل المنتشر من نقيض القيم السوية أن نستمر وبحالة سوية؟؟ وكيف لذاك العاقل أن يحتفظ في عقله بين جموع تنعته بالجنون؟؟ أما جنونه فهو عدم فهمه لمعادلة الحياة وسيره بما راق للرسل لا لعامة البشر و البرهان المقدم له فهو زمن الرسل زال وعودته أمر محال.
فقد وصلنا مرحلة البقاء للأقوى للأشرس للاكذب للأكثر فسادا والأكثر خيانة لمن يرتدي قناعه الأسود بإتقان موهما من يقابله انه ذا الوجه الأبيض واليد النظيفةّّّّّّ!!!!!، نعم قد وصلت مجتمعاتنا أرذل المراحل وبات البقاء لمن عبث ونشر العبث ثقافة، لمن يساوم فلان على فلان لأجل مطمع زائف، لمن يرى أن كتف صديقه سلم سهل التسلق للوصول، لمن يستلذ بإدخال يده في جيب جاره معلنا بوقاحة انه حقه المشروع، هذا زمن الأعداء والعداء زمن الفتنة زمن الضغينة.
لذا أيها السوي في مجتمعنا لا سبيل لك ولا مكان لك فأنت المعتوه من منطق إذا جن قومك فعقلك لن ينفعك، أيها الصادق أنت الكاذب على نفسك والخادع لها فلا بد ألك أن ترتدي ثوب الكذب لتنال الديمومة بين الباقين ولتنال الاحترام بين من يرون أنهم محترمين، أيها السوي من وجهة نظر نفسك لا تغتر فأنت خاسر فاشل ونقيضك لامع بك ساخر، أيها الصادق اذهب ولملم خيباتك فلو كنت هكذا من وجهة نظر الحياة الجديدة لما خسرت من حولك واحدا تلو الآخر ولما ساوم عليك القريب والبعيد وعبث بقدرك النذل والشريد.
أما أنت أيها المراوغ فهنيئا لك تفهمك لأسس البقاء، هنيئا لك الحياة بكل ما فيها، أنت أيها الفاسد هنيئا لك دم أبناء جلدتك في رقبتك ولتنعم واهلك بما سلبت ونهبت، أنت أيها الخائن ارقص على جثة ضحيتك والعب برأس مصدقك ولا تولى اهتماما لمن تخون فأنت صاحب العقل الحضاري من تنغم وطرب على أوتار العولمة ودبك على الحان الخصخصة، أما أنت أيها الصديق الكائد فاذهب إلى حيث ربحت، واضحك مجلجلا فمغفلا من عنه رحلت، ولا تخجل حينما تعلن بان الناس كالرداء ولكل رداء مناسبة وكثيرا ما لا يكرر الرداء.
هكذا باتت القيم عندنا فلما نقول نحن أمم ستنتصر وازدهارنا بات وشيك، لما نقول أن الحرية على الأبواب، فأبدا لن يمن الله علينا بحلم حتى نُقوم أنفسنا ومن ثم نعمل لتحقيق ما نصبوا إليه، نحن شعوبا وهنت وضعفت وفقدت إرادتها واستقبلت الأبيض والأسود ومزينة إياه باللون الذي يريد، نحن شعوبا ابتعدنا عن الله وعن العقلاء والحكماء والشرفاء وتشبثنا باللامع من الرعاع، فتبا لقيمنا التي نعتنقها في وقتنا الحالي وتبا لتخاذلنا، وتبا لكذبنا وخيانتنا لأنفسنا ولغيرنا ولشحنا على فقراءنا ولمطامعنا التي لا تنتهي، وسحقا لكل من بدل أصيل القيم بدخيلها، سحقا لمن يبرر الأمور بغير حقيقتها والى الجحيم يذهب كل من ارتضى الوهن بديل القوة والباطل بديل للحق والخيانة بديل للصداقة لكل من نشر التخاذل قيمة لكل من وعد وخان لكل من صادق وتنكر فهو جبان، بعدا لكل من استحسن فاستقبح طمعا برهان.
خالد
الصفحة 46 من 108
المتواجدون الآن
60 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع
البحث
اشترك في نشرتنا البريدية
انضم إلى مجموعتنا على Google لتصلك آخر الأخبار عبر بريدك الإلكتروني.